الشاذ في اللغة: (يدل على الانفراد والمفارقة، شذّ الشيء يشذ شذوذًا) (^١)، و(شذَّ الرجل من أصحابه، أي: انفرد عنهم. وكل شيء منفرد فهو شاذ) (^٢).
وأما الشاذ في الاصطلاح (^٣): فـ (هو مخالفة الحق، فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ) (^٤)، هكذا قال ابن حزم، ثم ضبط مخالفة الحق بقوله: (فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن، إلى قول ما ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول، ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق) (^٥).
لكن قوله: (من أداه البرهان من النص … ولم يعرف أحد قبله قال بذلك القول، ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان)، لايسلّم به، والمنازعة هي في وجود ذلك في الواقع، فلا يوجد نص لا يتطرق إليه احتمال وتتنكب الأمة كلها عنه، هذا لا يمكن ولا يكون إلا لنسخه أو لضعف في الثبوت أو الدلالة فلم يعد نصًّا ملزمًا، ولا تجتمع الأمة على مخالفة الحق، وضبطه لمخالفة الحق: بمخالفة النص أو الإجماع هو
_________________
(١) مقاييس اللغة (٣/ ١٨٠).
(٢) العين (٦/ ٢١٥)، وانظر: تهذيب اللغة (١١/ ١٨٦)، لسان العرب (٣/ ٤٩٥).
(٣) يأتي مصطلح الشاذ في القراءات، وفي الحديث، وفي اللغة، وكلها غير مرادة هنا، وإنما المقصود الشذوذ في الفقه.
(٤) الإحكام في أصول الأحكام (٥/ ٨٧).
(٥) المرجع السابق (٥/ ٨٨).
[ ١ / ٢٩ ]
الذي مشيت عليه في البحث، وهو أضبط من غيره كما سيأتي في المطلب الخامس.
ولايرد على قوله في التعريف: (مخالفة الحق) أنه غير مانع بدخول الآراء الضعيفة والمرجوحة وأنها مقابلة للحق؛ لأنه ضبط ذلك بمخالفة الإجماع أو النص، ولا يقال بأنه غير جامع بإيراد الشذوذ المذهبي (^١)؛ فالأصل والسياق كله في الشذوذ العام ولذلك ذكر أن من خالف النص أو الإجماع فقد خالف الحق فهذا سياقه، وهو الأصل في حديث ابن حزم وغيره من أساطين الوفاق والخلاف أن حديثهم عن الشذوذ العام، لكنه قد يرد عليه أن تعريفه لفظي فيه إبدال لفظ بلفظ أشهر منه؛ لأن مخالفة الحق هو الباطل المرادف للشاذ (^٢)، وفي التعريف المختار خروج من ذلك.
وقد قيل بأن: (الشاذ: عبارة عن الخارج عن الجماعة بعد الدخول فيها، ومن دخل في الإجماع لا يقبل خلافه بعده وهو الشذوذ) (^٣)، لكن الخروج الأكبر من الإجماع هو الخروج عنه بعد انعقاده وانقراض أهله، كما أن الخروج عن الإجماع بعد الدخول فيه (هذا المعنى لو وجد=نوع من أنواع الشذوذ وليس حدًا للشذوذ) (^٤)، فلا يُسلّم بهذا التعريف.
و(قيل: هو قول الواحد، وترك قول الأكثر) (^٥)، لكن القلة والكثرة ليست معيارًا للشذوذ مالم يُخالف إجماعًا، فلو تفرد عالم بقول نصره
_________________
(١) انظر: الآراء الشاذة في أصول الفقه (١/ ٨٧).
(٢) انظر: المرجع السابق.
(٣) المستصفى ص (١٤٧)، قال ابن حزم في الإحكام (٥/ ٨٧): (وهذا قول أبي سليمان وجمهور أصحابنا).
(٤) الإحكام في أصول الأحكام (٥/ ٨٧).
(٥) البحر المحيط (٦/ ٤٨٩).
[ ١ / ٣٠ ]