قال القرافي: (كل شيء أفتى فيه المجتهد فخرجت فتياه فيه على خلاف الإجماع، أو القواعد، أو النص، أو القياس الجلي السالم عن المعارض الراجح، لا يجوز لمقلده أن ينقله للناس ولا يفتي به في دين الله تعالى) (^١).
وقد حث القرافي بعد كلامه السابق على تتبع هذه المسائل بقوله: (فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به) (^٢).
ومن خلال كلام القرافي السابق وكلام غيره من العلماء (^٣)، يتبين أن الرأي يوصف بالشذوذ في الحالات الآتية:
١. إذا كان على خلاف النصوص الصحيحة الصريحة بلا حجة معتبرة.
٢. إذا كان قد سُبق بإجماع صحيح.
٣. إذا كان الرأي فيه انفراد ومخالفة لعامة العلماء مع ضعف المأخذ.
٤. إذا كان مخالفًا لأصول الشّريعة وقواعدها العامة.
لكنَّ ثالث ورابع الحالات لايسلَّم بكونهما ضابطًا مستقلًا للرأي الشاذ، ويمكن أن نردهما للضابطين الأولين، فالانفراد مع ضعف المأخذ
_________________
(١) الفروق للقرافي (٢/ ١٠٩).
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر: القول الشاذ وأثره في الفتيا ص (٧٧).
[ ١ / ٣٩ ]
إما أن يكون مخالفًا للنص أو للإجماع، فيكتفى بهما، وسبق التنبيه على أن القلة والكثرة ليست معيارًا للشذوذ مالم يُخالف إجماعًا، وكذلك مخالفة أصول الشريعة إما أن يكون هذا الأصل مؤيدًا بالنص أو بالإجماع، فيكتفى بهما، وإن لم يكن كذلك فقد يجعله بعضهم ضابطًا لمعرفة الرأي الشاذ، وقد يكون كذلك متمسكًا لمن أخذ بالرأي الشاذ في مقابل النص أو الإجماع، كمن يتمسك بالتيسير في معارضة النص أو الإجماع.
ضابط الرأي الشاذ في هذه الرسالة:
يمكن أن تختصر الحالات السابقة بحالتين ترجع إليهما جميع الحالات وينضبط بهما الحكم على الرأي بأنه شاذ وهما محل اتفاق على النكير على من خالفهما، وهما:
١. مخالفة النص الصريح الصحيح بلا حجة معتبرة (^١).
٢. مخالفة الإجماع الثابت.
الضابطان السابقان هما الأصل، وماحكم عليه العلماء بالشذوذ (^٢)، ثم وُجد من يقول به من المعاصرين، فإنه يبحث في موافقته لمعيار الشذوذ ويختبر على الضابطين، قال أبو العباس ابن تيمية: (فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا) (^٣)، وقال ابن
_________________
(١) قال الخطيب في الفقيه والمتفقه (١/ ٣٣٩): (اعلم أن النسخ، قد يعلم بصريح النطق … وقد يعلم بالإجماع، وهو: أن تجمع الأمة على خلاف ما ورد من الخبر، فيستدل بذلك على أنه منسوخ؛ لأن الأمة لا تجتمع على الخطأ).
(٢) أغلب مافي الرسالة محكوم عليه بالشذوذ، وفيه مسائل قليلة لم أجد من حكم عليها بالشذوذ، لكني وجدتها مخالفة لإجماع محكي، ولا يخفى أنه لا يلزم التسليم بالحكم عليها بالشذوذ أو مخالفتها للإجماع، لكنها تدرس ليتبين مدى صحة الحكم عليها بالشذوذ أو مخالفة الإجماع.
(٣) الفتاوى الكبرى (٦/ ٩٦).
[ ١ / ٤٠ ]
القيم: (فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا شائعًا وجب إنكاره اتفاقًا) (^١)، بل حتى لو كان هذا في حكم القاضي فإنه ينقض كما قال الشاطبي: (ولأجل هذا ينقض قضاء القاضي إذا خالف النص أو الإجماع، مع أن حكمه مبني على الظواهر مع إمكان خلاف الظاهر، ولا ينقض مع الخطأ في الاجتهاد وإن تبين) (^٢).
والذي يدخل في البحث من آراء المعاصرين:
- الرأي الجديد المخالف للإجماع أو النص الصريح أو المحكوم عليه بالشذوذ.
- الرأي القديم المحُكوم عليه بالشذوذ، إذا أحيا ذكره بعض المعاصرين باختياره له.
ومن الضوابط المهمة: أنه لا يُتعرض بهذه الدراسة لكل ساقط من القول، وإنما المعنيُّ بهذه الدراسة: أهل العلم وحملته ممن صدر عنهم ما يمكن أن يكون شذوذًا، واشتهر هذا القول إما: بشهرة صاحبه (^٣)، أو بالتأليف فيه والمنافحة عنه، أو بكثرة ترداده بين الناس وانتشاره.
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤).
(٢) الموافقات (٥/ ١٣٨).
(٣) بعض العلماء في زماننا الأصل في أقواله الشهرة كابن عثيمين والألباني -رحمهما الله-.
[ ١ / ٤١ ]