المسألة الأولى: أدلة القائلين بالتفريق بين الماء وغيره من المائعات: استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها:
١/ حديث أبي هريرة -﵁- قال: سئل النبي -ﷺ- عن الفأرة تقع في السمن؟ فقال: «إن كان جامدًا، فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا، فلا تقربوه» (^١).
_________________
(١) أخرجه عبدالرزاق (٢٧٨)، وأحمد (٧٦٠١)، وأبوداود (٣٨٤٢)، وابن حبان (١٣٩٣) وغيرهم من طريق معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به، قال الترمذي في جامعه (٣/ ٣١٢): (هو حديث غير محفوظ)، ونقل عن البخاري قوله: (هذا خطأ أخطأ فيه معمر، قال: والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة)، وقال أبوحاتم كما في العلل لابنه (٤/ ٣٩٣): (وهم، والصحيح: الزُّهْري، عن عُبَيدالله بن عبد الله، عن ابن عبَّاس، عن ميمونة عن النبي)، فالصحيح أنه من حديث ميمونة، وقد اضطرب فيه معمر أيضًا، قال عبدالرزاق في مصنفه (١/ ٨٤): (وقد كان معمر أيضا يذكره عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، عن ميمونة، وكذلك أخبرناه ابن عيينة)، وممايؤكد خطأ معمر = أن سفيان بن عيينة يرويه أيضًا عن شيخهما الزهري، قال سفيان: (ما سمعت الزهري يحدثه إلا عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة، عن النبي -ﷺ- ولقد سمعته منه مرارًا)، ذكره البخاري في صحيحه (٧/ ٩٧)، وحديث ميمونة أخرجه البخاري (٢٣٥): أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي -ﷺ- عنها فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه». فأطلق الحكم ولم يفصل، وأشار البخاري بتبويبه إلى إعلال التفصيل فقال: (باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب) ثم ذكر الحديث، ثم أتبعه بفتوى للزهري -ومدار الحديث على الزهري- أنه سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن، وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها، قال: بلغنا أن رسول الله -ﷺ-: «أمر بفأرة ماتت في سمن، فأمر بما قرب منها فطرح، ثم أكل». قال ابن القيم في تهذيب السنن (١٠/ ٣٢٠): (واحتجاجه بالحديث من غير تفصيل: دليلٌ على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه، فهو رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتجَّ به، فحيثُ أفتى بحديث الإطلاق، واحتجَّ به: دلَّ على أن معمرًا غلط عليه في الحديث إسنادًا ومتنًا).
[ ١ / ٥٩ ]
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- أمر بعدم القرب من السمن المائع، فدل على تنجسه وعدم إمكانية تطهيره، وهذا نص في السمن السائل، ومخالفته مخالفة للنص الصريح.
ونوقش الاستدلال بالحديث:
- بعد التسليم في صحته، فالحديث ضعيف، أخطأ في سنده ومتنه معمر، قال ابن تيمية: (وأما معمر، فاضطرب فيه، في سنده ولفظه) (^١)، والصواب أنه من حديث ميمونة، ومتنه ليس فيه تفصيل، كما روى البخاري عن ميمونة: أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي -ﷺ- عنها فقال: «ألقوها وما حولها وكلوه». (^٢)، قال ابن القيم: (رواه الناسُ عن الزهري بهذا المتن والإسناد، ومتنه خرجه البخاريُّ في (صحيحه)، والترمذي، والنسائي. وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك، وخالفهم معمرٌ في إسناده ومتنه) (^٣).
_________________
(١) نقد مراتب الإجماع ص (٣٠٠).
(٢) أخرجه البخاري (٥٥٨٣)، قال ابن القيم: (ولم يصح فيه التفصيل بين الجامد والمائع) إعلام الموقعين (٤/ ٣٠٦).
(٣) تهذيب السنن (١٠/ ٣١٨)، قال ابن تيمية: (والزهري أحفظ أهل زمانه، حتى يقال: إنه لا يعرف له غلط في حديث ولا نسيان، مع أنه لم يكن في زمانه أكثر حديثًا منه. ويقال: إنه حفظ على الأمة تسعين سُنَّة لم يأت بها غيره، وقد كتب عنه سليمان بن عبد الملك كتابًا من حفظه، ثم استعاده منه بعد عام فلم يخطِ منه حرفًا. فلو لم يكن في الحديث إلا نسيان الزهري أو معمر، لكان نسبة النسيان إلى معمر أولى باتفاق أهل العلم بالرجال، مع كثرة الدلائل على نسيان معمر. وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن معمرًا كثير الغلط على الزهري). مجموع الفتاوى (٢١/ ٤٩٤ - ٤٩٥).
[ ١ / ٦٠ ]