المسألة الأولى: أدلة القائلين بعدم الوجوب:
استدل من يرى عدم وجوب غسل الكفين للمستيقظ من النوم بأدلة منها:
١/ قول الله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (^١) الآية.
وجه الاستدلال:
أن القيام من النوم داخل في عموم الآية (^٢)، وقد أمر الله بالوضوء
_________________
(١) من الآية (٦) من سورة المائدة، والآية ليس فيها إلا فروض الوضوء، وماعداها آداب وسنن كما ذكر القرطبي في تفسيره (٦/ ٨٣)، وقال ابن عبدالبر: (وأكثر أهل العلم … ذهبوا إلى أنه لا فرض في الوضوء واجب إلا ما ذكر الله في القرآن) الاستذكار (١/ ١٣٥)، فإن اعتُرض بالنية والتسمية والترتيب؟ فالجواب: أن النية يدل عليها: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ يعني: أردتم القيام للصلاة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وهذه هي النية، وأما الترتيب؛ فيدل عليه إدخال الممسوح؛ مسح الرأس بين المغسولات (غسل اليدين والرجلين)، وأما التسمية؛ فلاتجب عند الجمهور، خلافاّ لأحمد في رواية، وظاهر المذهب عدم الوجوب، كقول الجمهور وهو الذي استقرت عليه الرواية عن أحمد، ولايصح في الأمر بها حديث كما قال أحمد وغيره. انظر: المغني (١/ ٧٦).
(٢) وصح عن زيد بن أسلم أن المراد بالقيام في الآية: إذا قمتم من المضاجع؛ يعني النوم، رواه مالك في موطئه (١/ ٢٢) عن زيد بن أسلم، قال ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٣ - ٤٤): (قال كثيرون من السلف: قوله: إذا قمتم إلى الصلاة معناه وأنتم محدثون، وقال آخرون: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وكلاهما قريب)، قال ابن جرير: (وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب، قولُ من قال: إن الله عنى بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ جميعَ أحوال قيام القائم إلى الصلاة، غير أنه أمرُ فرضٍ بغسل ما أمر الله بغسله القائمَ إلى صلاته، بعد حَدَثٍ كان منه ناقضٍ طهارتَه، وقبل إحداث الوضوء منه، وأمر ندب لمن كان على طهر قد تقدم منه). تفسير الطبري (١٠/ ١٩).
[ ١ / ٧٦ ]
من غير غسل الكفين في أوله، والأمر بالشيء يقتضي حصول الإجزاء به (^١).
٢/ مما يؤكد ذلك ماجاء في صحيح مسلم عن عثمانَ -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ أتم الوضوء كما أمره الله تعالى، فالصلوات المكتوبات كفارات لما بينهن» (^٢)، فأحال على الآية وليس فيها غسل الكفين (^٣)، وحديث أبي أيوب وعقبة مرفوعًا: «من توضأ كما أُمر، وصلى كما أُمر، غفر له ما قدم من عمل» (^٤)، وحديث رفاعة بن رافع مرفوعًا -في قصة المسيء صلاته-: «إنها لا تتم صلاة لأحد، حتى يسبغ الوضوء، كما أمره الله تعالى، يغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين» (^٥).
٣/ واستُدلَّ على عدم الوجوب أيضًا بحديث ابن عباس -﵁- أنه بات عند خالته ميمونة، «فقام رسول الله -ﷺ- من الليل، فتوضأ من شَنٍّ معلَّقٍ وضوءًا خفيفًا …» الحديث (^٦)، ترجم عليه أبوعوانة: (باب
_________________
(١) انظر: المغني (١/ ٧٣).
(٢) أخرجه مسلم (٢٣١)، وبوب عليه النسائي: (ثواب من توضأ كما أمر)، وبوب عليه ابن ماجه: (باب ما جاء في الوضوء على ما أمر الله تعالى).
(٣) انظر: إحكام الأحكام (١/ ٦٧).
(٤) أخرجه أحمد (٢٣٥٩٥)، والدارمي (٧٤٤)، وابن ماجه (١٣٩٦)، والنسائي (١٤٤)، وابن حبان (١٠٤٢).
(٥) أخرجه أبوداود (٨٥٨)، والنسائي (١١٣٦)، والدارمي (١٣٦٨)، وابن ماجه (٤٦٠)، وابن الجارود (١٩٤)، والحاكم (٨٨١) وقال: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين)، ولم يتعقبه الذهبي، قال البيهقي: (احتج أصحابنا في نفي وجوب التسمية بهذا الحديث) السنن الكبرى (١/ ٧٣).
(٦) أخرجه البخاري (١٣٨)، ومسلم (٧٦٣).
[ ١ / ٧٧ ]
الدليل على أن أمر النبي -ﷺ- للمستيقظ من النوم غسل يديه على إباحة) (^١).
وجه الاستدلال: أنه لم يذكر غسل الكفين قبل الوضوء، ولقوله: «وضوءًا خفيفًا» أي: خففه بأن توضأ مرة مرة، وخفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عادته كما ذكر ابن حجر والنووي.
٤/ وَمِن الأدلَّة على عدم الوجوب اتفاقُ الفقهاء على ذلك، قال الجصاص: (وهو عند أصحابنا وسائر الفقهاء مستحب غير واجب … وقد اتفق الفقهاء على الندب) (^٢)، مع أنه نقل خلافًا عن الحسن، ولكنه لم يعتبر بهذه المخالفة؛ لشذوذها عنده؛ ولذا قال بعد قول الحسن: (وتابعه على ذلك من لا يعتد به).
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال:
- بأن هذا الاتفاق لايصح فإن الوجوب هو مذهب بعض الصحابة والتابعين والأئمة:
كأبي هريرة، وابن عمر -﵃-، والحسن البصري (ت ١١٠)، وأحمد بن حنبل (ت ٢٤١) في رواية (^٣)، وإسحاق بن راهويه (ت ٢٣٨) (^٤)، وداود بن علي
_________________
(١) مستخرج أبي عوانة (١/ ٢٢٢)، قال ابن حجر: (واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب بوضوئه -ﷺ- من الشن المعلق بعد قيامه من النوم … وتعقب بأن قوله: (أحدكم) يقتضي اختصاصه بغيره -ﷺ-، وأجيب: بأنه صح عنه غسل يديه قبل إدخالهما في الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد النوم أولى، ويكون تركه لبيان الجواز) فتح الباري (١/ ٢٦٤).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٤٤٢).
(٣) قال ابن قدامة في المغني (١/ ٧٣): (فأما عند القيام من نوم الليل، فاختلفت الرواية في وجوبه؛ فروي عن أحمد وجوبه، وهو الظاهر عنه، واختيار أبي بكر، وهو مذهب ابن عمر، وأبي هريرة، والحسن البصري).
(٤) إسحاق بنُ إبراهيم بنِ مخْلَد، المعروف بابن راهويه، قرين الإمام أحمد، ويحيى ابن معين، وقد حدثا عنه، وحدث عنه البخاري ومسلم، سئل عنه الإمام أحمد فقال: (مثل إسحاق يسأل عنه؟! إسحاق عندنا إمام)، قال أبوداود الخفاف: (أملى علينا إسحاق أحد عشر ألف حديث من حفظه ثم قرأها علينا فما زاد حرفا ولا نقص حرفًا) علق الذهبي على ذلك بقوله: (فهذا والله الحفظ)، مات سنة (٢٣٨) هـ. انظر: طبقات الحنابلة (١/ ١٣). وانظر: سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٨٥)، تهذيب التهذيب (١/ ٢١٦).
[ ١ / ٧٨ ]
(ت ٢٧٠) (^١)، وابن حزم (ت ٤٥٦) (^٢).
وهذا تحقيق مانُسب إليهم؛ لئلا يهدر الإتفاق إلا بالخلاف الثابت:
- أما مذهب أبي هريرة -﵁-؛ فيمكن معرفته بمارواه أحمد (^٣) عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليفرغ على يديه من إنائه ثلاث مرات، فإنه لا يدري أين باتت يده» فقال قين الأشجعي: يا أبا هريرة، فكيف إذا جاء مهراسكم؟ قال: (أعوذ بالله من شرك يا قين) (^٤)، وهو ليس بصريح، لكن ممايؤكد اشتهار الوجوب عن أبي هريرة مارواه ابن
_________________
(١) داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي، إمام أهل الظاهر، يسميه بعضهم: داود القياسي؛ لنفيه القياس كما سميت القدرية بذلك لنفيها القدر، وكان من المحبين للشافعي وكَتب ترجمة له، بصير بالفقه، عالم بالقرآن، حافظ للأثر، رأس في معرفة الخلاف، من أوعية العلم، له ذكاء خارق، وفيه دين متين، واختُلف في مخالفته للإجماع هل يعتد به؟ قال الذهبي: (لا ريب أن كل مسألة انفرد بها، وقطع ببطلان قوله فيها، فإنها هدر، وإنما نحكيها للتعجب، وكل مسألة له عضدها نص، وسبقه إليها صاحب أو تابع، فهي من مسائل الخلاف، فلا تهدر)، توفي سنة (٢٧٠) هـ. انظر: تهذيب الأسماء واللغات (١/ ١٨٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٩٧)، توضيح المشتبه (٧/ ٢٥٩).
(٢) انظر: شرح السنة (١/ ٤٠٧)، المغني (١/ ٧٣)، المحلى (١/ ٢٠٣)، وقد نسب البغوي القول بالوجوب إلى ابن جرير الطبري، وتبعه على ذلك النووي. انظر: شرح السنة (١/ ٤٠٨)، شرح النووي على مسلم (٣/ ١٨٠).
(٣) المسند (٨٩٦٥) من طريق محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
(٤) والمِهراس: (حجر منقور مستطيل عَظِيم هرس كالحوض يتَوَضَّأ مِنْهُ النَّاس لَا يقدر أحد على تحريكه) غريب الحديث للقاسم بن سلام (٤/ ١٨٥).
[ ١ / ٧٩ ]
أبي شيبة (^١) قال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم قال: (كان أصحاب عبد الله [بن مسعود] إذا ذكر عندهم حديث أبي هريرة قالوا: كيف يصنع أبو هريرة بالمهراس الذي بالمدينة؟).
- قال الجصاص: (والذي أنكره أصحاب عبد الله من قول أبي هريرة اعتقاده الإيجاب فيه; لأنه كان معلومًا أن المهراس الذي كان بالمدينة، قد كان يتوضأ منه في عهد رسول الله -ﷺ- وبعده فلم ينكره أحد، ولم يكن الوضوء منه إلا بإدخال اليد فيه، فاستنكر أصحاب عبد الله اعتقاد الوجوب فيه مع ظهور الاغتراف منه باليد من غير نكير من أحد منهم عليه، ولم يدفعوا عندنا روايته وإنما أنكروا اعتقاد الوجوب) (^٢).
- وأما مذهب ابن عمر -﵁-؛ فيمكن معرفته بمارواه ابن خزيمة (^٣) قال: قال النبي -ﷺ-:
«إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات؛ فإنه
لايدري أين باتت يده أو أين طافت يده» فقال له رجل: أرأيت إن كان حوضًا؟ قال: فحصبه ابن عمر وقال: (أخبرك عن رسول الله، وتقول أرأيت إن كان حوضًا).
- وهذا الأثر محتمل وليس فيه التصريح بالوجوب، وترجم عليه ابن
_________________
(١) المصنف (١٠٥٢).
(٢) أحكام القرآن (٢/ ٤٤٣).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (١٤٦)، والدارقطني (١٢٩)، والبيهقي في الكبرى (٢٠٩) من طريق أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، عن عبدالله ابن وهب، عن ابن لهيعة وجابر بن إسماعيل الحضرمي، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه، قال ابن خزيمة: (ابن لهيعة ليس ممن أخرج حديثه في هذا الكتاب إذا تفرد برواية، وإنما أخرجت هذا الخبر؛ لأن جابر بن إسماعيل معه في الإسناد)، وقال الدارقطني: (إسنادٌ حسن)، قال البيهقي: (كذا قال الشيخ؛ لأن جابر بن إسماعيل مع ابن لهيعة في إسناده).
[ ١ / ٨٠ ]
خزيمة: (باب كراهة معارضة خبر النبي - ﷺ - بالقياس والرأي، والدليل على أن أمر النبي - ﷺ - يجب قبوله إذا علم المرء به، وإن لم يدرك ذلك عقله ورأيه …).
- وأما مانُسب للحسن؛ فيمكن معرفته بمارواه ابن أبي شيبة (^١) قال: حدثنا ابن إدريس عن هشام عن الحسن في الجنب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، أو الرجل يقوم من منامه فيدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها، قال: (إن شاء توضأ، وإن شاء أهراقه) وهذا لايدل على الوجوب، وفي رواية هشام بن حسان عن الحسن كلام، وإن كان هشام من أثبت الناس في ابن سيرين، قال أبوداود: (إنما تكلموا في حديثه عن الحسن وعطاء؛ لأنه كان يرسل، وكانوا يرون أنه أخذ كتب حوشب [بن مسلم]) (^٢).
- وهناك ماهو أصح من هذا وأصرح، وهو مارواه الأثرم (^٣) قال: حدثنا عبيد الله بن معاذ حدثنا أبي [معاذ بن معاذ] حدثنا الأشعث [بن عبدالملك الحمراني] قال: (وكان الحسن يقول: من استيقظ من نومه فغمس يده في إنائه قبل أن يغسلها ثلاثًا =أهراق ذلك الماء، فإن توضأ به أو اغتسل فهو كمن لم يتوضأ، يعيد الوضوء والصلاة إن كان صلى … الخ)، وهذه الرواية أصرح في تجلية مذهب الحسن، وهو وجوب غسل اليدين للمستيقظ من النوم؛ فيلزم من إراقة الماء وفساده وجوب غسل اليد قبل غمسها،
_________________
(١) المصنف (٨٩٣).
(٢) سؤالات أبي عبيد الآجري أبا داود السجستاني ص (٢٨٤)، وانظر: تقريب التهذيب ص (٥٧٢).
(٣) سنن الأثرم (٧٩).
[ ١ / ٨١ ]