المسألة الأولى: أدلة القائلين بنجاسة الدم:
استدل أصحاب هذا القول، بأدلة منها:
١/ قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^١).
وجه الاستدلال:
أن الرجس هو: النجس (^٢)، وقد قام الإجماع على تقييد الدم المحرم النجس بالمسفوح، وليس مطلق الدم (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال:
- بأن الرجس دلالته أعم من النجاسة فقط، فهي تعم النجس
_________________
(١) من الآية (١٤٥) في سورة الأنعام.
(٢) انظر: بدائع الصنائع (١/ ٦١)، المقدمات الممهدات (١/ ٤٤٢)، مغني المحتاج (١/ ٢٣٢)، الكافي (١/ ١٥٧).
(٣) قال ابن جرير في تفسيره (٩/ ٤٩٣): (وأما الدم، فإنه الدم المسفوح، دون ما كان منه غير مسفوح؛ لأن الله جل ثناؤه قال: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، فأما ما كان قد صار في معنى اللحم، كالكبد والطحال، وما كان في اللحم غير منسفح؛ فإن ذلك غير حرام؛ لإجماع الجميع على ذلك)، ونقل الإجماع على هذا التقييد أيضًا ابن العربي في تفسيره (١/ ٧٩)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢٢٢)، وخالف في ذلك ابن حزم فإن مطلق الدم عنده محرم نجس؛ لإطلاق آية المائدة وهي من آخر مانزل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾، أما آية الأنعام؛ فهي مكية. انظر: المحلى (٦/ ٥٦)، لكن ابن حزم (ت ٤٥٦) محجوج بالإجماع قبله في التفريق بين المسفوح وغيره، كما نقله ابن جرير (ت ٣١٠) وغيره.
[ ١ / ١٣٣ ]
والقذر (^١)، ثم إن المقصود بها النجاسة المعنوية، لأن الآية لم تُسق لبيان الطهارة والنجاسة، بل لبيان ما يحل ويحرم ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ (^٢).
- وعلى فرض التسليم بأن الرجس يعني النجس، فإن قوله سبحانه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ (^٣)، يعود لأقرب مذكور وهو لحم الخنزير لا لجميع المذكورات؛ لإفراد الضمير (^٤).
وأجيب عن ذلك:
- بالتسليم بعموم دلالة الرجس على النجس والقذر (^٥)، ولكن إجماع الأمة عيَّن أحد هذه المعاني المحتملة، فنقل دلالة الرجس على النجس من الظن إلى القطع (^٦)، قال ابن عبدالبر: (ولا خلاف أن الدم المسفوح رجس نجس) (^٧).
- ولايسلم بأن المقصود النجاسة المعنوية فهذا تأويل بالمعنى المجازي، والصحيح أنها نجاسة حسية؛ لأن الأصل في الكلام الحقيقة (^٨)، والمجاز خلاف الأصل، لايصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة (^٩).
_________________
(١) انظر: السيل الجرار ص (٣١)، والعجيب أن الشوكاني قرر عموم المعنى هنا، وجزم في الدراري المضية (١/ ٣٢) بنجاسة لحم الخنزير بناء على دلالة (رجس) نفسها!
(٢) من الآية (١٤٥) من سورة الأنعام، وانظر: السيل الجرار ص (٣٠)، الجامع لبيان النجاسات وأحكامها ص (١٧٢).
(٣) من الآية (١٤٥) من سورة الأنعام.
(٤) انظر: الدراري المضية (١/ ٣٢)، السلسلة الصحيحة (١/ ٦٠٧)
(٥) ولاتلازم بين القذر والنجس، فالبصاق قذر لكنه ليس بنجس.
(٦) انظر: تحذير النبلاء من مخالفة الإجماع والقول بطهارة الدماء ص (٢٢).
(٧) الاستذكار (١/ ٣٣١).
(٨) انظر: الأشباه والنظائر للسيوطي ص (٦٣)، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص (٥٩).
(٩) كوصف المرض في قوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ فليس المراد بالمرض هنا المرض الحسي بإجماع المفسرين. انظر: رفع الشك وإثبات اليقين ص (٩).
[ ١ / ١٣٤ ]