المسألة الأولى: أدلة القائلين بمشروعية ختان الإناث:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «الفطرة خمس» وذكر منها: «الختان» (^٢)، وحديث عائشة - ﵂- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب
_________________
(١) للشافعية وجه باستحباب ختان الإناث، حكم عليه النووي بالشذوذ؛ لأنه واجب عندهم. انظر: المجموع (١/ ٣٠٠ - ٣٠١)، فإذا كان الاستحباب عندهم وجه شاذ فكيف بالإباحة فضلًا عن التحريم؟! وعلى كل حال هو شذوذ مذهبي وليس بشذوذ عام، ووقفت على بعض الكلمات للمعاصرين في شناعة الرأي بتحريم ختان الإناث ووصفه بماهو أشد من الشذوذ؛ كقول الشيخ أبي إسحاق الحويني في مقطع مرئي منشور في الشبكة: (هذه الفتوى ليست فتوى شرعية، هذه فتوى سياسية)، هكذا قال، ولعل هذا يمكن ربطه بما سبق من تجريم ختان الإناث الرسمي في مصر.
(٢) رواه البخاري (٥٨٩١)، ومسلم (٢٥٧)، وفي رواية لهما «أو خمس من الفطرة».
[ ١ / ٢٠٦ ]
الغسل» (^١).
وجه الاستدلال:
أن النبي -ﷺ- ذكر الختان من السنن، والأصل اشتراك النساء مع الرجال في التشريع إلا لمخصص (^٢)، وفي حديث عائشة نص على ختان الرجل والمرأة: «ومس الختان الختان» (^٣)، فلو كان محرمًا أو مكروهًا لنبّه عليه، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز.
وقد نوقش هذا الاستدلال:
بأن الختان لايطلق في اللغة على الأنثى فيحمل على ختان الرجل، وأما لفظ: «الختانان» فقد خرج مخرج الغالب، وهو مسوق لحكم الغسل، لا مشروعية الختان فلا دلالة فيه؛ لأن الدليل إذا سيق لمعنى فلا يصرف إلى غيره (^٤).
ويمكن الجواب عن ذلك بأمور:
- وقبل تفصيل الجواب عن المناقشة، فإنه يلحظ على هذه المناقشة أن فيها تأويلًا للنص، وصرفًا عن الظاهر، وإبطالًا للحقيقة،
_________________
(١) أخرجه مسلم (٣٤٩)، وبوّب عليه البخاري: (باب: إذا الْتقى الختانان)، وهناك أحاديث أخرى لا تخلو من ضعف.
(٢) قال الإمام مالك: (من الفطرة ختان الرجال والنساء) الاستذكار (٨/ ٣٨٨)، ولذا اشتركت المرأة مع الرجل في مشروعية الاستحداد ونتف الآباط وتقليم الأظفار، وحديثهما واحد.
(٣) قال ابن رجب في الفتح (١/ ٣٧٢): (استند بهِ الإمام أحمد على أن المرأة تختتن كالرجل، وختان المرأة مشروع بغير خلاف)، وجاء عن الإمام أحمد قوله عن الحديث: «الختانان» ولا يكون واحد إنما هو اثنين)، وقال: (وفي هذا بيان] أن [النساء كن يختتن). "الوقوف والترجل من الجامع لمسائل الإمام أحمد بن حنبل" ص (١٤٨ - ١٤٩).
(٤) انظر: جراحات الذكورة والأنوثة ص (٢٤٠)، الرد على المفتي ص (٥٣١)، بحث دار الإفتاء المصرية حول ختان الإناث المنشور في موقعها الرسمي.
[ ١ / ٢٠٧ ]
وإهمالًا لبعض الكلام، وكل هذا خلاف الأصل (^١)، إضافة إلى أن فيه فهمًا حادثًا للنص لم أقف على من سبق إليه.
- أما كون الختان في اللغة لا يطلق على الأنثى فهذا خطأ؛ لأن أصل الختن: القطع (^٢)، وهو حاصل في الذكر والأنثى، قال في اللسان: (خَتَنَ الغلام والجارية يختنهما …) (^٣).
- وأما لفظ: «الختانان» فلايسلّم به؛ لأن اللفظ الذي أثبته الإمام مسلم هو: «… ومس الختان الختان» فقط، وهذا اللفظ لايصح معه دعوى التغليب (^٤).
- وعلى فرض التسليم باللفظ الآخر: «الختانان»، فإن ذلك لاينفي ختان الأنثى؛ فإن المقصود بذلك اللفظ: ختان الذكر وختان الأنثى، ولفظ مسلم يفسر هذا المقصود، وتفسير السنة بالسنة أولى، ثم إن هذا هو الحقيقة في اللفظ وهي مقدمة على غيره.
- وعلى فرض التسليم أيضًا، بأن اللفظ ليس للتثنية الحقيقية بل فيه تغليب فإن العلماء لم ينفوا ختان الأنثى، وإنما قالوا: يسمى خفاضًا؛ كما قال العيني عن لفظ الختانين: (يعني: ختان الرجل، وختان المرأة، وقال بعضهم: المراد بهذه التثنية ختان الرجل، وخفاض المرأة، وإنما ثنيا بلفظ واحد تغليبًا) (^٥).
_________________
(١) قال ابن القيم في الصواعق المرسلة (١/ ٢٩٢): (دليل المدعي للحقيقة والظاهر قائم فلا يجوز العدول عنه إلا بدليل صارف يكون أقوى منه).
(٢) انظر: تهذيب اللغة (٧/ ١٣٢)، القاموس المحيط ص (١١٩٣).
(٣) لسان العرب (١٣/ ١٧٣)، وانظر: تهذيب اللغة (٧/ ١٣٢)، وقد قال ابن سيده: (والأعرف في النساء الخفض). المخصص (٥/ ١٠٦).
(٤) لأن التغليب يكون فيما ثُنّي لفظه، وإن افترقا في المعنى. انظر: اللمحة في شرح الملحة (١/ ١٨٦).
(٥) عمدة القاري (٢/ ٢٤٦)، وانظر: فتح الباري (١/ ٣٩٥).
[ ١ / ٢٠٨ ]