المسألة الأولى: أدلة القائلين بتحريم قراءة القرآن للجُنب:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ حديث علي بن أبي طالب -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه: «… لم يكن يحجبه عن القرآن شيء، ليس الجنابة» (^١)،
_________________
(١) أخرجه أحمد (٦٢٧)، وأبوداود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، وقال: (حسن صحيح)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤)، وابن خزيمة (٢٠٨)، وابن حبان (٧٩٩)، والحاكم (٥٤١)، وقال: (هذا حديث صحيح الإسناد، والشيخان لم يحتجا بعبد الله بن سلِمة، فمدار الحديث عليه) ولم يتعقبه الذهبي، وأخرجه غيرهم وألفاظهم متقاربة، ومدار الحديث عندهم جميعهم على عمرو بن مرة عن عبدالله بن سلِمة عن علي به، والحديث صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وحسنه ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨)، ولكن قال النووي بعد أن ذكر تصحيح الترمذي في خلاصة الأحكام (١/ ٢٠٧): (وخالفه الأكثرون؛ فضعفوه)، وقال في المجموع (٢/ ١٥٩): (وقال غيره من الحفاظ المحققين هو حديث ضعيف)، وقد حكى الخطابي في معالم السنن (١/ ٧٦) عن الإمام أحمد أنه: (كان يوهن حديث علي هذا، ويضعّف أمر عبد الله بن سلِمة)، وقال الشافعي: (أهل الحديث لا يثبتونه)، انظر: الخلاصة للنووي (١/ ٢٠٧)، وقال البزار في مسنده (٢/ ٢٨٦): (وهذا الحديث لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن علي، ولا يروى عن علي إلا من حديث عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سلمة، عن علي، وكان عمرو بن مرة، يحدث عن عبد الله بن سلِمة، فيقول: يعرف في حديثه وينكر)، وقال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٠٠): (لا يثبت إسناده لأن عبد الله بن سلِمة تفرّد به وقد تكلم فيه عمرو بن مرة قال: "سمعت عبد الله بن سلمة وإنا لنعرف ونُنكر" فإذا كان هو الناقل بخبره فجرحه= بطل الاحتجاج به)، فتفرُّد عبدالله بن سلمة المرادي بمثل هذا الحديث لا يقبل؛ لضعفٍ في حفظه كما سبق الإشارة إليه عن أئمة هذا الفن، وقد قال البخاري عنه في التاريخ الكبير (٥/ ٩٩): (لا يُتابَع في حديثه)، وقال ابن كثير في تفسيره (٥/ ١٢٥): (عبد الله بن سلِمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه) وقال ابن حجر في التقريب ص (٣٠٦): (صدوق تغيّر حفظه).
[ ١ / ٢٣٠ ]
أي: غير الجنابة (^١)، وحديث علي أيضًا عندما توضأ ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ، ثم قرأ شيئًا من القرآن، ثم قال: هذا لمن ليس بجنب فأما الجنب؛ فلا ولا آية» (^٢).
وجه الاستدلال:
أن امتناع النبي -ﷺ- عن قراءة القرآن في حال الجنابة يدل على منع الجنب من قراءة القرآن، وقد صرّح بالمنع بقوله في الحديث الآخر: «… فأما الجنب فلا ولا آية».
وقد نوقش هذا الاستدلال، بأمرين:
- أن الحديث الأول ضعيف قال ابن المنذر: (لا يثبت إسناده) (^٣)، والحديث الآخر لا يثبت إلا موقوفًا، قال الدارقطني: (هو صحيح عن علي) (^٤).
- ولو ثبت مرفوعًا فإنه لايدل على تحريم القراءة؛ لأنه فعلٌ مجرد غاية دلالته طلب الكمال، كما تطهّر -ﷺ-؛ ليرد السلام؛ لأنه كره أن
_________________
(١) انظر: معالم السنن (١/ ٧٦)، قال ابن رجب عن هذا الحديث في الفتح (٢/ ٤٨): (أقوى ما في الجنب).
(٢) أخرجه أحمد (٨٧٢)، وأبويعلى في مسنده (٣٦٥) من طريق عائذ بن حبيب (صدوق رُمي بالتشيع) عن عامر بن السِّمط عن أبي الغريف عن علي بما يحتمل الرفع، ومع عدم صراحة الرفع، فقد صرح من هو أحفظ وأوثق من عائذ بوقفه على عليّ، وهو يزيد بن هارون (حافظ متقن) عند الدارقطني (٤٢٥)، ولذا قال الدارقطني: (هو صحيح عن علي) أي: موقوف، وأخرجه موقوفًا عبدالرزاق (١٣٠٦)، وابن أبي شيبة (١٠٨٦)، وابن المنذر (٦١٩)، والبيهقي (٤١٧).
(٣) الأوسط (٢/ ١٠٠)، وانظر: تخريج الحديث ففيه بيان سبب ضعفه.
(٤) سنن الدارقطني (١/ ٢١٢).
[ ١ / ٢٣١ ]
يذكر الله إلا على طهارة (^١).
- ثم هو معارض بما هو أصح منه، وهو ماثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة -﵂- قالت: «كان النبي -ﷺ- يذكر الله على كل أحيانه» (^٢).
- والجمع بينهما ممكن وهو أولى من الترجيح كما قال ابن جرير الطبري:
(الصواب أن ما روي عنه -ﷺ- من «ذكر الله على كل أحيانه» وأنه «كان يقرأ ما لم يكن جنبًا»: أن قراءته طاهرًا اختيارٌ منه لأفضل الحالتين، والحالة الأخرى أراد تعليم الأمة، وأن ذلك جائز لهم، غير محظور عليهم ذكر الله وقراءة القرآن) (^٣).
٢/ واستدلوا: بحديث ابن عمر -﵁- «لا تقرأ الحائضُ ولا الجُنُبُ شيئًا من القرآن» (^٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد (١٩٠٣٤) وأبوداود (١٧) وغيرهما، وانظر: الأوسط (٢/ ١٠٠)، المحلى (١/ ٩٥)، فتح الباري (١/ ٤٠٩).
(٢) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به في موضعين، وأخرجه مسلم موصولًا (٣٧٣).
(٣) نقله عنه ابن بطال في شرحه للبخاري (١/ ٤٢٣)، والعيني في عمدة القاري (٣/ ٢٧٥) وعزاه العيني لكتاب التهذيب.
(٤) أخرجه الترمذي (١٣١)، وابن ماجه (٥٩٦) وغيرهما، من طريق إسماعيل بن عيّاش عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر به، قال البيهقي في معرفة السنن والآثار (١/ ٣٢٥): (وهذا حديث ينفرد به إسماعيل بن عياش، ورواية إسماعيل عن أهل الحجاز ضعيفة لا يحتج بها أهل العلم بالحديث)، فرواية إسماعيل بن عياش عن غير أهل الشام منكرة، قال البخاري: (إنما حديث إسماعيل بن عياش عن أهل الشأم) رواه الترمذي عن البخاري في جامعه (١/ ٢٣٦)، وهذا الحديث رواه إسماعيل عن موسى بن عقبة وهو مدني فيكون ضعيفًا؛ ولذا قال ابن تيمية في الفتاوى (٢٦/ ١٩١) عن الحديث: (حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث).
[ ١ / ٢٣٢ ]
وقد نوقش هذا الاستدلال:
- بأن الحديث ضعيف، فقد قال عنه ابن تيمية: (حديث ضعيف باتفاق أهل المعرفة بالحديث) (^١)، وقال ابن القيم: (حديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث) (^٢).
٣/ واستدلوا بالإجماع: فتحريم القراءة على الجنب كان مشهورًا عند الصحابة؛ لا يخفى على رجالهم ولاعلى نسائهم، كما جاء في قصة ابن رواحة مع زوجته (^٣)،
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٦/ ١٩١).
(٢) إعلام الموقعين (٣/ ٢٥).
(٣) هذا الخبر لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة والمسانيد المشهورة، وقد قال ابن عبدالهادي في تنقيح التحقيق (٣/ ٢٧٦) عن حديث أخرجه الدارقطني فقط: (كيف يكون هذا الحديث صحيحًا سالمًا من الشُّذوذ والعِلَّة ولم يخرِّجه أحدٌ من أئمة " الكتب الستة "، ولا المسانيد المشهورة وهم محتاجون إليه أشدّ حاجة؟! والدارقطني إنَّما جمع في كتابه "السُّنن" غرائب الأحاديث)، والخبر أخرجه الدارمي في الرد على الجهمية (٨٢)، من طريق يحيى ابن أيوب المصري، عن عمارة بن غزية، عن قدامة بن إبراهيم أنه حدثه أن عبد الله بن رواحة -﵁-: (وقع بجارية له، فقالت له امرأته: فعلتها؟ قال: أما أنا فأقرأ القرآن، فقالت: أما أنت فلا تقرأ القرآن وأنت جنب، فقال: أنا أقرأ لك، فقال: شهدتُ بأنَّ وعدَ الله حقٌّ … وأنَّ النار مثوى الكافرينَا وأنَّ العرش فوق الماءِ طَافٍ … وفوق العرش ربُّ العالمينا وتحملهُ ملائكةٌ كرامٌ … ملائكةُ الإله مُسَوِّمِينَا فقالت: آمنت بالله وكذبت البصر). ويحيى بن أيوب فيه ضعف، والسند فيه انقطاع، وأخرجه ابن أبي الدنيا في الإشراف في منازل الأشراف (٢٣٩) من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن سلمان عن يزيد بن الهاد بمضمون القصة، وعبدالرحمن بن سلمان فيه ضعف، والسند منقطع بين ابن الهاد وابن رواحة، وأخرجها ابن أبي شيبة (٢٦٠٢٤) من طريق أبي أسامة حماد بن أسامة، عن نافع، بمضمون القصة مع اختلاف تام في الأبيات، وفيها انقطاع بين حماد ونافع، وبين نافع وابن رواحة، وأخرجه الدارقطني (٤٣٢) من طريق زمعة بن صالح عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة بضمون القصة، مع اختلاف تام في الأبيات، وفيه أنه أخبر النبي -ﷺ- بذلك فضحك، وزمعة بن صالح ضعيف، وسلمة فيه ضعف، وقد قال ابن عبدالبر في الاستيعاب (٣/ ٩٠٠) عن القصة (رويناها من وجوه صحاح)، ولعل توجيه قوله أن صحة السند لايلزم منه السلامة من الانقطاع وعدم نكارة المتن؛ ولذا قال الذهبي في العلو ص (٤٩) معلقًا على قول ابن عبدالبر: (قلت: روي من وجوه مرسلة … فهو منقطع)، وقال النووي في المجموع (٢/ ١٥٩): (إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع)، ونقل مغلطاي في شرح ابن ماجه ص (٧٥٨) عن عبدالحق قوله في الخبر: (ولا يروى من وجه صحيح يحتج به؛ لأنه منقطع وضعيف)، وقد حكم محمد رشيد رضا عليها بالوضع كما في مجلة المنار (١٤/ ١٠٣)، وقال مشهور آل سلمان في تحقيقه لخلافيات البيهقي-كتاب الطهارة- (٢/ ٣٦): (القصة ضعيفة جدًا، ومتنها منكر)، وقد أخرج البخاري (١١٥٥) الأبيات التي أخرجها الدارقطني في القصة دون القصة.
[ ١ / ٢٣٣ ]
فكان إجماعًا (^١).
ونوقش هذا الاستدلال:
- أما قصة ابن رواحة -﵁- مع زوجته؛ ففي أسانيدها ضعف، وفي حكاية أبياتها اضطراب، وفي القصة نكارة فالصحابة أجلّ من أن يُوهموا غيرهم أن الله قال شيئًا لم يقله، والنبي -ﷺ- لا يضحك من افتراء الكذب على الله أو شبهه، ثم كيف لا تفرق زوجته بين كلام الله الذي وقع به الإعجاز، وبين الشعر.
- وأما الإجماع، فلم أقف على حكايته إلا عند الماوردي تعليقًا منه على قصة ابن رواحة، قال النووي: (واحتج أصحابنا أيضًا بقصة عبد الله بن رواحة -﵁- … والدلالة فيه … أن هذا كان مشهورًا عندهم؛ يعرفه رجالهم ونساؤهم؛ ولكن إسناد هذه القصة ضعيف ومنقطع) (^٢)، وقد خالف ابن عباس -﵁-، فلا إجماع.
- وقد صرّح جماعة من العلماء بعدم ثبوت شيء مرفوع في المنع من قراءة الجنب للقرآن ومنهم: ابن المنذر وابن حزم (^٣)، ومن
_________________
(١) انظر: الحاوي الكبير (١/ ١٤٨).
(٢) المجموع (٢/ ١٥٩)، وانظر: الحاوي الكبير (١/ ١٤٨) ففيه حكاية الإجماع.
(٣) انظر: الأوسط (٢/ ١٠٠)، وقال ابن حزم في المحلى (١/ ٩٥): (وقد جاءت آثار في نهي الجنب ومن ليس على طهر عن أن يقرأ شيئا من القرآن، ولا يصح منها شيء، وقد بينا ضعف أسانيدها في غير موضع).
[ ١ / ٢٣٤ ]
المعاصرين: الألباني (^١)، قال ابن رجب: (وفي نهي الحائض والجنب عن القراءة أحاديث مرفوعة، إلا أن أسانيدها غير
قوية) (^٢).
- ومما يدلُّ على عدم ثبوت إجماع في المسألة أن القول بجواز قراءة الجنب للقرآن صحَّ عن ابن عباس (^٣) -﵁-، وهو قول جمعٍ من أصحابه (^٤)، واختاره جمعٌ من العلماء بعدهم، وقد سبق ذكرهم في تحرير محل الشذوذ.
٤/ ومن أدلة المنع ما صحَّ عن عمر: -﵁- (لا يقرأ الجنب القرآن) (^٥)، وصحَّ عن علي أيضًا منع الجنب من قراءة القرآن (^٦)، قال ابن
_________________
(١) انظر: السلسلة الضعيفة (٦/ ٨).
(٢) فتح الباري (٢/ ٤٨).
(٣) جزم بذلك البخاري فقال في صحيحه (١/ ٦٨) معلِّقًا غير مُسنِد: (ولم ير ابن عباس بالقراءة للجنب بأسًا)، وقد وصله ابن المنذر في الأوسط (٦٢٤) بلفظ: (أنه كان يقرأ ورده وهو جنب)، قال ابن حجر في تغليق التعليق: (٢/ ١٧٢): (وإسناده صحيح)، قال ابن رجب في الفتح (٢/ ٤٥): (أما ابن عباس؛ فقد حكى عنه جواز القرآن للجنب غير واحد)، ولمعرفة الروايات عن ابن عباس انظر: الأوسط (٢/ ٩٨)، والمحلى (١/ ٩٦).
(٤) كعكرمة وسعيد بن جبير وابن المسيب، وقد أخرج ابن حزم في المحلى (١/ ٩٦) بسنده إلى حماد بن أبي سليمان، قال: (سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟ فلم ير به بأسًا وقال: أليس في جوفه القرآن)؟!، وانظر: الأوسط (٢/ ٩٩)، واكتفيت بإثبات قول ابن عباس فقط؛ لأن المقصود عدم صحة الإجماع، وقد تحقق بمخالفة ابن عباس -﵁-.
(٥) أخرجه عبدالرزاق (١٣٠٧)، وابن أبي شيبة (١٠٨٠) وغيرهما، من طريق الأعمش عن شقيق بن سلمة عن عبيدة السلماني عن عمر به، وصححه البيهقي وابن كثير وابن حجر. انظر: معرفة السنن والآثار (١/ ٣٢٥)، مسند الفاروق لابن كثير (١/ ١٢٨)، التلخيص الحبير (١/ ٣٧٤).
(٦) سبق ترجيح وقف حديث علي -﵁- في منع الجنب من قراءة القرآن وقوله: (… فأما الجنب؛ فلا ولا آية)، قال الدارقطني في سننه (١/ ٢١٢): (هو صحيح عن علي)، ومدار الحديث على عامر بن السِّمط، وقد تفرّد برفعه عنه عائذ بن حبيب، ومع أن سياق حديثه ليس بصريح في الرفع إلا أن تسعةً من الرواة عن عامر بن السمط كلهم صرحوا بوقفه وهم: الثوري عند عبدالرزاق، ومروان بن معاوية ومحمد بن فضيل وأبو معاوية عند القاسم ابن سلام في "فضائل القرآن" ص (٩٧)، وشريك عند ابن أبي شيبة (١٠٨٦)، وخالد بن عبدالله وإسحاق بن إبراهيم عند ابن المنذر في الأوسط (٦١٩) (٦٢٠)، ويزيد بن هارون عند الدارقطني (٤٢٥)، والحسن بن حي عند البيهقي (٤١٧)؛ ولذلك قال الألباني في الإرواء (٢/ ٢٤٣): (لو كان صريحًا فى الرفع فهو شاذ أو منكر؛ لأن عائذ بن حبيب وإن كان ثقة فقد قال فيه ابن عدي: "روى أحاديث أنكرت عليه"، قلت: ولعل هذا منها، فقد رواه من هو أوثق منه وأحفظ موقوفًا على علي).
[ ١ / ٢٣٥ ]
رجب: (وهذا مروي عن أكثر الصحابة … والاعتماد في المنع على ما روي عن الصحابة) (^١).
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال:
- بأن قول الصحابي إنما يكون حجة على الصحيح إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة (^٢)، أما إذا اختلفوا؛ فلا يكون حجة بالاتفاق (^٣).
- وقد خالف في هذه المسألة ابن عباس، ومِنْ ثمَّ فلا يلزم الأخذ بقول أحدهما إلا بدليل آخر يرجحه (^٤)، كما قال الشافعي في أقاويل الصحابة إذا اختلفت: (نصير منها إلى ما وافق الكتاب أو السنة أو الإجماع أو كان أصح في القياس) (^٥).
_________________
(١) فتح الباري (٢/ ٤٧ - ٤٩)، قال محمد رشيد رضا: (وأقوى ما في الباب من الآثار ما صح عن عمر بن الخطاب أنه كان يكره أن يقرأ القرآن وهو جنب). مجلة المنار (١٤/ ١٠٣).
(٢) قال ابن القيم في تحفة المودود ص (١٧٩): (وقد احتج الأئمة الأربعة وغيرهم بأقوال الصحابة، وصرحوا بأنها حجة، وبالغ الشافعي في ذلك وجعل مخالفتها بدعة)، وهذا عند الجمهور حتى ولو لم ينتشر، فإن انتشر فهو الإجماع السكوتي. انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٢٠/ ١٤).
(٣) قال ابن تيمية في الفتاوى (٢٠/ ١٤): (وإن تنازعوا رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، ولم يكن قول بعضهم حجة مع مخالفة بعضهم له باتفاق العلماء)، وانظر: البحر المحيط (٤/ ٣٥٨).
(٤) انظر: رفع الحاجب (٤/ ٥١٣)، روضة الناظر ص (١٦٦).
(٥) الرسالة ص (٥٩٧).
[ ١ / ٢٣٦ ]
وأجيب عن ذلك:
- بأن من خالف ابن عباس أكثر، وفيهم إمامان: عمر، وعلي -﵃-، ومعهم ظاهر الخبر، كما ذكر البيهقي (^١)، وكما قال ابن القيم عن أقوال الخلفاء الراشدين: (وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب) (^٢).
ويمكن مناقشة هذا الجواب:
- بأنه لاشك في تقوية قول الصحابي بالكثرة، أو باعتماده على حديث فيه ضعف، أو بكون القائل أحد الخلفاء الأربعة (^٣)، فهذا من القرائن والمرجحات، لكنه ليس بدليل مستقل، إذا عُلم ذلك فإنه ينبغي المقارنة بين القرائن التي عند الفريقين ثم الترجيح بعد ذلك.
المسألة الثانية: أدلة القائلين بجواز قراءة الجنب للقرآن:
استدل أصحاب هذا القول بأدلة منها:
١/ حديث عائشة -﵂- قالت: «كان النبي -ﷺ- يذكر الله على كل
_________________
(١) السنن الكبرى (١/ ١٤٤).
(٢) إعلام الموقعين (٤/ ٩١)، قال ابن رجب: (ولو قال بعضُ الخلفاء الأربعة قولًا، ولم يُخالفه منهم أحدٌ، بل خالفه غيرُه من الصَّحابة، فهل يقدم قولُه على قول غيره؟ فيه قولان أيضًا للعلماء، والمنصوصُ عن أحمد أنَّه يُقدمُ قوله على قولِ غيره من الصَّحابة … وكلام أكثر السّلف يدلُّ على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب -﵁- … وقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعليّ على شيء= فهو الأمر). جامع العلوم والحكم (٢/ ٧٧٦ - ٧٧٧).
(٣) هذا النقاش بين من يحتج بقول الصحابي وهم جمهور العلماء، وليس الكلام مع من لا يحتج به كابن حزم حيث يكرر كثيرًا في المحلى: (لاحجة في أحد دون رسول الله -ﷺ-، وقرر بطلان ذلك أيضًا في الإحكام في أصول الأحكام (٦/ ٥٩)، وممن صرح بعدم حجية قول الصحابي الشوكاني في إرشاد الفحول (٢/ ١٨٨) وفي غيره.
[ ١ / ٢٣٧ ]
أحيانه» (^١).
وجه الاستدلال:
أنه (بعمومه يشمل حالة الجنابة وغيرها؛ كما أن الذكر يشمل القرآن وغيره) (^٢).
ونوقش هذا الاستدلال بأمرين:
- (أن ذكر الله إذا أُطلق لا يراد به القرآن) (^٣).
- وعلى فرض عمومه فهو مخصوص بأحاديث منع الجنب من قراءة القرآن (^٤).
ويجاب عن هذه المناقشة بأمور:
- أن إخراج القرآن عن معنى الذكر عند الإطلاق تحكّم؛ وفيه تخصيص للمعنى الشرعي بالعرف (^٥)، ولا يُجوز تخصيص المعنى الشرعي بالعرف الحادث بعده (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به في موضعين، وأخرجه مسلم موصولًا (٣٧٣).
(٢) تمام المنة ص (١٠٩)، قال ابن المنذر في الأوسط (٢/ ١٠٠): (قال بعضهم: الذكر قد يكون بقراءة القرآن وغيره، فكل ما وقع عليه اسم ذكر الله فغير جائز أن يمنع منه أحدًا، إذا كان النبي -ﷺ- لا يمتنع من ذكر الله على كل أحيانه).
(٣) قاله ابن رجب في الفتح (٢/ ٤٥)، وانظر: المجموع (٢/ ١٥٩)، وقد روى عبدالرزاق (١٣٠٢) عن معمر، قال: (سألت الزهري عن الحائض والجنب أيذكران الله؟ قال: نعم، قلت: أفيقرآن القرآن؟ قال: لا).
(٤) انظر: الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان (٣/ ٨٢)، البحر الرائق (١/ ٢٠٩)، سبل السلام (١/ ١٠٢).
(٥) قال ابن حجر في الفتح (١/ ٤٠٨): (الذكر أعم من أن يكون بالقرآن أو بغيره، وإنما فرق بين الذكر والتلاوة بالعرف).
(٦) قال الزَّرْكشيُّ في البحر المحيط (٤/ ٥٢٢): (العادة الطارئة بعد العام لا أثر لها، ولا ينزل اللفظ السابق عليها قطعًا)، ومن القواعد أن: (العرف الذي تحمل عليه الألفاظ إنما هو المقارن السابق دون المتأخر اللاحق)، ولذلك قالوا: (لا عبرة بالعرف الطارئ). الوجيز للبورنو ص (٢٩٧).
[ ١ / ٢٣٨ ]
- ثم إن هذا التخصيص مخالف للتنصيص الخاص الدال على أن الذكر هو القرآن؛ كما قال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^١)، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ (^٣).
- ولعل الذكر في الشرع يطلق ويراد به القرآن كما في الآيات السابقة، وقد يراد به الأدعية والأذكار، وقد يراد به جميعها، وتحديد المراد يعرف من السياق والقرائن.
- أما تخصيص عموم «على كل أحيانه» بغير حالة الجنابة، بالأحاديث التي فيها المنع من قراءة الجنب للقرآن، فهذا ممتنع أيضًا؛ لضعف الأحاديث المخصصة، وقد سبق بيانها.
٢/ واستدلوا للإباحة بكتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل وفيه: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (^٤) … الحديث (^٥).
وجه الاستدلال:
أن النبي -ﷺ- كتب إلى الكفرة من الروم كتابًا فيه من القرآن ليقرأوه، والكافر يغلب عليه أن يكون جنبًا،
_________________
(١) من الآية (٢٣) من سورة الزُّمَر، وقد ورد الذكر اسمًا للقرآن في (٢٩) موضعًا فيه. انظر: أسماء القرآن للدهيشي ص (٨٣).
(٢) الآية (٩) من سورة الحِجر.
(٣) الآية (٤١) من سورة فُصِّلَت.
(٤) من الآية (٦٤) من سورة آل عمران.
(٥) متفق عليه، أخرجه البخاري (٧)، ومسلم (١٧٧٣).
[ ١ / ٢٣٩ ]
وإن لم يكن جنبًا، فالمسلم الجنب أولى من الكافر بجواز قراءة القرآن.
ونوقش هذا الاستدلال بأمور:
- بأن الكتاب اشتمل على شيء غير الآية، فأشبه كتب التفسير أو الفقه التي فيها بعض الآيات؛ لو قرأها الجنب فإنه لايمنع منها؛ لأنه لم يقصد التلاوة.
- ثم إن كتابة الآية ونحوها للكفار جائزة؛ لمصلحة وضرورة التبليغ.
- وعلى فرض التسليم بالاستدلال، فإنما يُجوّز للجنب الآية ونحوها كما في الكتاب (^١).
٣/ واستدلوا أيضًا: بأن النبي -ﷺ- قال لعائشة - ﵂- حين حاضت وهي حاجّة: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» (^٢).
وجه الاستدلال: أن النبي -ﷺ- لم يستثن إلا الطواف، والحاج يقرأ القرآن، ولم تمنع منه الحائض، فكذلك الجنب؛ لأن حدثه أخف (^٣).
ونوقش هذا الاستدلال:
- بأن قوله -ﷺ-: «افعلي ما يفعل الحاج …» لا دلالة فيه؛ لأنه ليس
_________________
(١) كما هو رواية عن أحمد تجويز قراءة الآية ونحوها للجنب، وفي كتاب هرقل بعض آية، وهذا يجوز قراءته للجنب عند بعض الحنفية، وهو المذهب عن الحنابلة. انظر: رد المحتار (١/ ١٧٢)، الإنصاف (١/ ٢٤٣).
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري (٣٠٥)، ومسلم (١٢١١).
(٣) استدل بهما البخاري في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت، ثم ذكر مايدل على قراءة الحائض والجنب للقرآن، وانظر في وجه الاستدلال بالحديثين: فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٠٧ - ٤٠٨)، ووجه كون حدث الحيض أشد من حدث الجنب: أنه يمنع ما يمنع منه حدث الجنابة وزيادة، وهي الوطء والصوم، وقيل بأن الحائض أولى بالترخيص؛ لطول مدته؛ ولأنه ليس في يد الحائض رفعه. انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٤٨).
[ ١ / ٢٤٠ ]
في مناسك الحج قراءة مخصوصة حتى تدخل في عموم هذا الكلام (^١)، والكلام سياقه في أفعال الحج الخاصة فلا يستدل به في غيره، وإلا فيلزم منه تجويز الصلاة للحائض.
وأجيب عن المناقشة:
- بأن قراءة القرآن ذكر لله فلا فرق بينه وبين ما ذكر من أفعال الحج التي شرعت؛ لإقامة ذكر الله، وأما الصلاة فمنعها فيه إجماع وفيه أدلة صحيحة خاصة فا فترقا (^٢).
٤/ ومما استدلوا به أيضًا: البراءة الأصلية، واستصحاب الندب إلى قراءة القرآن لكل أحد، ولم يصح برهان في تخصيص الجنب بالمنع (^٣)، مع عموم البلوى وشدة الحاجة، بل صحَّ عن نبينا -ﷺ- أنه ينام وهو جنب إذا توضأ (^٤)، وكان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة قرأ الإخلاص والمعوذتين (^٥)، وأقرَّ -ﷺ- مشروعية قراءة آية الكرسي
_________________
(١) انظر: فتح الباري لابن رجب (٢/ ٤٩)، وفتح الباري لابن حجر (١/ ٤٠٨).
(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٠٨).
(٣) انظر: المحلى (١/ ٩٥).
(٤) روى البخاري (٢٨٦)، ومسلم (٣٠٥) عن أبي سلمة قال: سألت عائشة أكان النبي -ﷺ- يرقد وهو جنب؟ قالت: «نعم ويتوضأ» واللفظ للبخاري، وجاء في الصحيحين أن عمر -﵁- سأل النبي عن ذلك -ﷺ- فأفتاه بمثل فعله -ﷺ-.
(٥) روى البخاري (٥٧٤٨) عن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ- إذا أوى إلى فراشه، نفث في كفيه بِقُلْ هو الله أحد، وبالمعوذتين جميعًا، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده» قالت عائشة: «فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به» قال يونس: كنت أرى ابن شهاب يصنع ذلك إذا أتى إلى فراشه. - وهل فعله -ﷺ- كان دائمًا أم عند الشكوى فقط؟ قال ابن حجر في الفتح (١١/ ١٢٥): (بيّنت اختلاف الرواة في أنه كان يقول ذلك دائما أو بقيد الشكوى، وأنه ثبت عن عائشة أنه يفيد الأمران معًا لما في رواية عقيل عن الزهري بلفظ: كان إذا أوى إلى فراشه كل ليلة).
[ ١ / ٢٤١ ]