الرأي الشاذ إذا ثبت شذوذه بمخالفته للإجماع أو النص، فإنه غير معتبر ويكون وجوده كعدمه، وقد يصف بعض العلماء الرأي بغير الشذوذ ومراده أنه غير معتبر، وذلك يصدق على الشاذ، وإن وصف بألفاظ غير لفظ الشذوذ، ومن ذلك:
١. الباطل والفاسد: قال الجويني: (وأما الباطل والفاسد: فهما في اللغة بمعنى العدم … فإذا أضيف الفساد أو البطلان إلى حاصل موجود فعلى معنى سقوط حكمه، ونفي الاعتداد به في المراد … كل واحد منهما يستعمل فيما لا يقع موقعه؛ فيكون كأنه لم يوجد) (^٢).
- مثاله في البحث: قال ابن حزم (ت ٤٥٦): (وأما تنجيس الخمر ما وقعت فيه فلا نعلم في أنها تنجس ما مست من ذلك خلافًا، إلا شيئًا ذكره بعض العلماء عن ربيعة وهو قول فاسد، وحسبنا الله ونعم الوكيل) (^٣)، وقال ابن دقيق العيد في التصوير المجسم (ت ٧٠٢): (وقد تظاهرت دلائل الشريعة على المنع من التصوير والصور. ولقد أبعد غاية البعد من قال: إن ذلك محمول على
_________________
(١) لايخفى أن بعض هذه الألفاظ أعم أو أخص من معنى الشاذ، والسياق يحكم في كثير من الحالات على إرادة الشاذ أو غيره، ومن أرد التوسع في معرفة الفروق بين هذه الاصطلاحات ومصطلح الشاذ فيراجع مقدمة رسالة "الآراء الشاذة في أصول الفقه" للدكتور علي النملة.
(٢) الكافية في الجدل ص (٤٤).
(٣) رسائل ابن حزم (٣/ ٢١٠).
[ ١ / ٣٤ ]
الكراهة … وهذا القول عندنا باطل قطعًا) (^١).
٢. المطّرح والساقط: لما تكلّم الإمام مسلم عن الرأي المطّرح في مقدمة الصحيح وذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى؛ لإماتته، استدرك فقال: (غير أنا لمّا تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور وإسراعهم إلى اعتقاد خطإ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء= رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد؛ أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (^٢).
- مثاله في البحث: قال أبو العباس القرطبي (ت ٦٥٦) بعدما ذكر تحريم استعمال آنية الذهب والفضة: (وروي عن بعض السلف إباحة ذلك. وهو خلاف شاذٌّ مطرح للأحاديث الصحيحة الكثيرة في هذا الباب) (^٣)، وقال ابن العربي (ت ٥٤٣) عن حكم الصلاة على النبي -ﷺ- في التشهد الآخر: (وشذَّ الشّافعيّ في ذلك فقال: من لم يصلِّ على النبي بعد التشهد الآخر، وقبل السّلام فصلاته فاسدة، وإن صلّى عليه قبل ذلك، لم يجزه. وهذا قول ساقط) (^٤).
٣. المردود: قال ابن تيمية: (المردود هو قول غير الحق والقول بلا علم مطلقًا) (^٥)، وقال ابن القيم: (ومعلوم أن المردود هو الباطل
_________________
(١) إحكام الأحكام (١/ ٣٧١)، وقال صاحب عون المعبود (٣/ ٢٨٨)، عن قول الشوكاني في سقوط الجمعة والظهر عمن صلى العيد: (هذا قول باطل).
(٢) مقدمة صحيح مسلم (١/ ٢٨).
(٣) المفهم (٥/ ٣٤٥)، وفي الحاوي للماوردي (٨/ ٣٨٧) قال عن قول: (وهذا قول شذ به عن الكافة فكان مطرحًا).
(٤) المسالك في شرح موطأ مالك (٣/ ١٥٩).
(٥) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣٤).
[ ١ / ٣٥ ]
بعينه بل كونه ردا أبلغ من كونه باطلا إذ الباطل قد يقال لما لا تقع فيه أو لما منفعته قليلة جدا وقد يقال لما ينتفع به ثم يبطل نفعه وأما المردود فهو الذي لم يجعله شيئا ولم يترتب عليه مقصوده أصلًا) (^١).
- مثاله في البحث: قال الرملي (ت ٩٥٧) عن قول السبكي في رد شهادة من رأى الهلال: (وما قاله السبكي مردود رده عليه جماعة من المتأخرين … وجه ما قلناه أن الشارع لم يعتمد الحساب بل ألغاه بالكلية) (^٢).
٤. الخطأ والغلط: قال الجويني: (والخطأ هو: تخطي المقصود، وهكذا معنى الغَلَط، وهو: الباطل والفاسد. والباطل والفاسد والغلط: اسم لما قبح من الأفعال في الشريعة، وقد يوصف بالخطأ والغلط مالا يوصف بالقبح، لكن لا يوصف بالبطلان في الشريعة إلا ما قبح) (^٣).
مثاله في البحث: قول السبكي (ت ٧٥٦): (فقد سئلت عن ترميم الكنائس أو إعادة الكنيسة المضمحلة … وهذا الترميم يقع السؤال عنه كثيرًا، ولا سيما في الديار المصرية ويفتي كثير من الفقهاء بجوازه وتخرج به مراسيم من الملوك والقضاة بلا إذن فيه، وذلك
_________________
(١) حاشية ابن القيم على سنن أبي داود (٦/ ١٦٩) المطبوع مع عون المعبود.
(٢) نهاية المحتاج (٣/ ١٥٣)، وسيأتي تفصيل قول السبكي في محله من كتاب الصيام، وإن احتمل قول الرملي الرد في المذهب، فقد قال صالح اللحيدان: (القول برد الشهادة لقول الحاسب قول مردود كفانا السلف الصالح مؤنة معاناة رده، وحكوا لنا الإجماع على ذلك، وما وجد من شذوذ بعد الإجماع فهو مردود لا يعول عليه). مجلة البحوث العلمية العدد (٢٧) ص (١١٠).
(٣) الكافية في الجدل ص (٥٩).
[ ١ / ٣٦ ]
خطأ بإجماع المسلمين) (^١)، وقال النووي عن قول من قال بأن المُحرّم في آنية الذهب والفضة هو الشرب فقط دون الأكل وغيره: (وهذا الذي قاله غلط فاحش) (^٢).
٥. … وقد يوصف القول الشاذ بالمتروك أو المهجور أو المنكر أو أو لاوجه له أو لايعرج عليه: وقد جمعها ابن عبدالبر (ت ٤٦٣) بقوله عمن قال بسقوط الجمعة والظهر عمن شهد العيد: (أما القول الأول: إن الجمعة تسقط بالعيد ولا تصلى ظهرًا ولا جمعة= فقول بيّن الفساد وظاهر الخطأ، متروك مهجور لا يعرج عليه)، وقال: (وقد روي في هذا الباب عن ابن الزبير وعطاء قول منكر أنكره فقهاء الأمصار ولم يقل به أحد منهم … لا وجه فيه عند جماعة الفقهاء وهو عندهم خطأ إن كان على ظاهره … وعلى أي حال كان فهو عند جماعة العلماء خطأ وليس على الأصل المأخوذ به) (^٣)، ثمانية أوصاف جمعها تشنيعًا على القول!
٦. … وقد يوصف القول الشاذ بالضلال أو البدعة بل الكفر، وهذا أشد مما سبق، ولا يخلو من مبالغة، وهو نادر، إلا إنه مهما يكن من وصف فإن المعتبر عند الباحث هو تحقق معيار الشذوذ بمخالفة الإجماع الثابت أو النص الصريح الصحيح، وقد وُجد في البحث
_________________
(١) فتاوى السبكي (٢/ ٣٦٩)، وقال الماوردي في الحاوي (٩/ ٥٦٤) عن قولٍ للإصطخري: (وهذا الذي قاله خطأ؛ لأن النص يدفعه).
(٢) المجموع (١/ ٢٤٩)، وقال ابن باز في فتاوى نور على الدرب (٨/ ٢٧٧): (قول من كتب في صفة صلاة -ﷺ-: إن وضعهما على الصدر بعد الركوع بدعة= قول غلط، وهو قول أخينا في الله الشيخ ناصر الدين الألباني، قد غلط في هذا، وهو علامة جليل، مفيدة كتبه، لكن كل يغلط وله أغلاط معدودة).
(٣) الاستذكار (٢/ ٣٨٥).
[ ١ / ٣٧ ]
ما وصف مجازفة بالكفر، ومع ذلك فقد خرج عن الشذوذ لعدم مخالفته للإجماع لكنه بقي مرجوحًا (^١).
_________________
(١) انظر: المبحث الثامن من الفصل الثاني، في الكلام على مسألة: (لا إعادة للصلاة لمتعمد ترك أدائها في وقتها).
[ ١ / ٣٨ ]