أسباب الشذوذ غير أسباب الاختلاف، ومن أبرز أسباب الشذوذ عند المعاصرين:
١. الجمود على الظواهر.
٢. المبالغة في سد الذرائع، والاحتياط، وعدم مراعاة المتغيرات.
٣. التوسع في اعتبار المصالح والمقاصد.
٤. الاستدلال بالخلاف الفقهي.
٥. تبرير الواقع المنحرف، والخضوع للضغوطات (^١).
٦. الضعف العلمي، والاضطراب الكثير في الأصول الفقهية.
٧. عدم اعتبار الإجماع، أو الاضطراب في اعتباره، وهذا أهمها، ولئن كان الشذوذ في السابقين يقع كثيرًا من غير قصد، فإنه في المعاصرين يقع كثيرًا بقصد ومعرفة بالمخالفة، وأهم سبب وقفت عليه في الرسالة لذلك وتكرر فيها:
"عدم اعتبار الإجماع، أو الاضطراب في اعتباره"، ومن مظاهر ذلك الاعتداد بالفهم المباشر للنصوص ولو خالف فهم السلف قاطبة أو قلة الاهتمام بطلب فهمهم، ومن أسباب هذا الانحراف: التأثر بالمدرسة الظاهرية، أو العصرانية والتجديد.
_________________
(١) انظر: أسباب الخطأ في فتاوى المعاصرين ص (٣٢٤ - ٣٢٦).
[ ١ / ٤٦ ]
أما الظاهرية؛ فابن حزم من أشهرهم، وقد قال أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري: (مذهب ابن حزم في الإجماع مضطرب جدًا) (^١)، ومع أن شرطه في الإجماع عسير إلا أنه لم يستطع الوفاء به في الواقع، وسيأتي ذلك في ثنايا البحث، والمراد هنا الإشارة، وفي البحث آراء لظاهرية جديدة لم يعرفها ابن حزم مع معرفته بالنصوص التي استدلوا بها.
والشوكاني له تأثر بالظاهرية، وهو يقول: (فأما الإجماع؛ فقد أوضحت في كثير من مؤلفاتي أنه ليس بدليل شرعي، على فرض إمكانه؛ لعدم ورود دليل يدل على حجيته) (^٢)، ولرأي الشوكاني سطوة على اختيارات بعض المعاصرين.
وأما المدرسة العصرانية أو التجديد؛ (فإنكارها للإجماع، أو تشكيكها في وقوعه يُعد من الملامح الرئيسية لها) (^٣)، فالقرضاوي مثلًا يقول: (حجية الإجماع ذاته ليست موضع إجماع! فلا يجوز أن نشهر هذا السيف؛ سيف الإجماع المزعوم في وجه كل مجتهد في قضية) (^٤)، ولا مانع عنده من إحداث فهم جديد للنص، أو قول جديد في مسألة خلافية لم يسبق إليه المجتهد ولو كانت المسألة قديمة (^٥).
ويحسن في هذا المقام إيراد قول الجويني: (قد علمنا قطعًا انتشار
_________________
(١) نواد الإمام ابن حزم "السفر الثاني" ص (١٣٢).
(٢) أدب الطلب ومنتهى الأدب ص (٢٠٤)، وسيأتي في المبحث الرابع من الطهارة تحرير رأيه في الإجماع.
(٣) منهج البحث والفتوى للطرابلسي ص (٣٨٣).
(٤) "الاجتهاد في الشريعة الإسلامية"، وهو منشور في موقعه الرسمي، وكلامه تحت عنوان: (معالم وضوابط لابد منها).
(٥) انظر: المرجع السابق، تحت عنوان: (موقعنا من الفقه الإسلامي) و(الإجتهاد الإنشائي)، ومن مقولاته: (يستطيع أهل الاجتهاد أن يفهموا النص فهمًا جديدًا لم ينقل عن السابقين).
[ ١ / ٤٧ ]