أما خطر الشذوذ: فمما يبينه قول عمر -﵁- لزياد بن حدير: (هل تعرف ما يهدم الإسلام؟ قال: قلت: لا، قال: يهدمه زلة العالم، وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة المضلين) (^١)، وقول ابن عباس -﵄-: (ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد من هو أعلم برسول الله -ﷺ- منه فيترك قوله ذلك ثم يمضي الأتباع) (^٢)، فيؤخذ منهما أن الشذوذ:
فيه من النسبة إلى دين الله ماليس منه، وفيه إرباك للناس وتذبذب، قال ابن القيم: (ومن المعلوم أن المخوف في زلة العالم تقليده فيها) (^٣)، ومايكون في ذلك من تضييع الشريعة، وذهاب هيبة العلماء، وفساد ذمم الناس، وتعريض المفتي نفسه لسخط الله، وولوج الإفتاء من ليس أهلًا له (^٤)، قال الشاطبي: (ولهذا تُستعظم شرعًا زلة العالم، وتصير صغيرته كبيرة، من حيث كانت أقواله وأفعاله جارية في العادة على مجرى
_________________
(١) أخرجه الدارمي (٢٢٠) قال: أخبرنا محمد بن عيينة، أنبأنا علي هو ابن مسهر، عن أبي إسحاق، عن الشَّعبي، عن زياد بن حدير به، قال ابن كثير في مسند الفاروق (٢/ ٤٢٣): (روى الإسماعيلي -أيضًا- من طرق جيدة عن الشَّعبي) فذكره، وقال (٣/ ٧٨): (فهي صحيحة من قول عمر -﵁-.
(٢) أخرجه البيهقي في المدخل (٨٣٥)، وابن عبدالبر في جامع في بيان العلم وفضله (١٨٧٧)، من طريق حماد بن زيد عن المثنى بن سعيد، عن أبي العالية عن ابن عباس به.
(٣) إعلام الموقعين (٢/ ١٣٣).
(٤) انظر: الفتوى الشاذة للحسين ص (٣٩ - ٤٠).
[ ١ / ٤٢ ]
الاقتداء، فإذا زل حملت زلته عنه قولًا كانت أو فعلًا؛ لأنه موضوع منارًا يهتدى به، فإن عُلم كون زلته زلة؛ صغرت في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسيًا به، وتوهموا فيها رخصة علم بها، ولم يعلموها هم تحسينًا للظن به، وإن جهل كونها زلة؛ فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع، وذلك كله راجع عليه) (^١)، وقال معتذرًا للعلماء: (وهو وإن كان على غير قصد ولا تعمد وصاحبه معذور ومأجور، لكن مما ينبني عليه في الاتباع لقوله فيه خطر عظيم، وقد قال الغزالي: "إن زلة العالم بالذنب قد تصير كبيرة وهي في نفسها صغيرة"، وذكر منها أمثلة، ثم قال: "فهذه ذنوب يتبع العالم عليها، فيموت العالم ويبقى شره مستطيرًا في العالم آمادا متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت معه ذنوبه"، وهكذا الحكم مستمر في زلته في الفتيا من باب أولى، فإنه ربما خفي على العالم بعض السنة أو بعض المقاصد العامة في خصوص مسألته، فيفضي ذلك إلى أن يصير قوله شرعًا يتقلد، وقولًا يعتبر في مسائل الخلاف، فربما رجع عنه وتبين له الحق فيفوته تدارك ما سار في البلاد عنه ويضل عنه تلافيه، فمن هنا قالوا: زلة العالم مضروب بها الطبل) (^٢).
هذا في الزلة أو الشذوذ غير المقصود أما من تتبع الشذوذات والزلات فقد اجتمع فيه الشر، كما قال سليمان التيمي (ت ١٧٧): (لو أخذت برخصة كل عالم، أو زلة كل عالم، اجتمع فيك الشرَّ كله) (^٣)، قال ابن عبدالبر: (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافًا) (^٤)، واتباع الشذوذات
_________________
(١) الموافقات (٤/ ٨٨ - ٨٩).
(٢) المرجع السابق (٥/ ١٣٦).
(٣) أخرجه ابن الجعد في مسنده (١٣١٩)، وأبونعيم في الحلية (٣/ ٣٢)، وابن عبدالبر في جامع بيان العلم (١٧٦٦)، بل جاء عن الأوزاعي أنه قال: (من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام) أخرجه البيهقي في الكبرى (٢٠٩١٨).
(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٧).
[ ١ / ٤٣ ]