والخلاف يكون سائغًا: إذا لم يكن في المسألة نص صحيح صريح، أو لم يكن في المسألة إجماع قديم؛ ولما ذكر السبكي مراعاة الخلاف ذكر شرط ذلك: (أن يقوى مدرك الخلاف، فإن ضعف ونأى عن مأخذ الشرع كان معدودًا من الهفوات والسقطات، لا من الخلافيات المجتهدات) (^١).
وقد تتابع العلماء بقولهم وفعلهم على تبيين الهفوات والشذوذات، ولابد في الأمة من قائم بذلك، كما قال أبو العباس ابن تيمية: (فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعًا قديمًا وجب إنكاره وفاقًا) (^٢).
وإن كان الأولى دفن المقالة الشاذة وعدم إشهارها إلا إنه يقال كما قال الإمام مسلم في مقدمة الصحيح -بعد أن ذكر أن الإعراض عن القول المطّرح أولى- استدرك فقال: (غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد= أجدى على الأنام وأحمد للعاقبة إن شاء الله) (^٣).
ولذلك فليس كل رأي شاذ يصلح أن يطرح للنقاش، إلاّ أنّه متى اشتهر هذا القول الشّاذّ، وتعلّق به أهل الأهواء، أو خُشي من ذلك؛ فإنّ في ذكره وبيان ضعف مأخذه من الكتاب والسّنة، ومن أقوال الأئمّة إسقاطًا له وإعذارًا إلى الله تعالى؛ كما كان الأئمّة يروون الأحاديث الموضوعة، ويُدوِّنونها في كتبهم، ويُصرِّحون بكذب راويها تحذيرًا
_________________
(١) الأشباه والنظائر (١/ ١١٢).
(٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٩٦).
(٣) مقدمة صحيح مسلم (١/ ٢٨).
[ ١ / ٦ ]
للأمّة، ولئلاّ تُركّب الأسانيد الصّحيحة عليها، بل إنّ في هذا المسلك حراسة للدّين، ودفاعًا عن حياض الشّريعة، وسيرًا على نهج أوائل أهل السّنة والجماعة في ردّهم على كلّ مخالفٍ بمخالفته المذمومة، فلا يزهق الباطل إلاّ إذا قُذف بالحقّ كما قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (^١).
وفي عصرنا هذا يتأكد الكلام السابق؛ لوجود من يروج لهذه الآراء الشاذة، ولانتشارها، ولسهولة الوصول إليها، ولاغترار بعض الناس بها، أضف إلى ذلك عدم قبول بعض العامة للتقليد وهذا هو الداء العصراني الذي فتك في كثير ممن تنكب عن توجيه ربه: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢)، كل ذلك وغيره يؤكد ضرورةَ طرح هذه الآراء على مائدة البحث ووزنها بالميزان العلمي، ورحم الله الشيخ بكر أبو زيد حين قال: (لما كان في الشذوذ والترخص منابذة للشرع صان السالفون دينهم وعلمهم عن ذلك … لكن من الندرة بمكان أن ترى الجمع منها عند إمام، ومع جلالة القائلين بها فقد تنكبها العلماء وهجروها، ونابذوا القول بها أشد منابذة حتى أصبحت غير معتبرة في دواوين الإسلام.
أما في المعاصرة فترى فواقر الرخص، وبواقر الشذوذ يجتمع منها الكُثر في الشخص الواحد، وأجواء العصر المادي على أهبة الاستعداد باحتضان عالم الشقاق، فتحمل له العلم الخفّاق لنشر صيته في الآفاق، فيغتر بذلك أسير الحظ الزائل، ومازاد أن صار بوقًا ينفخ به العدو الصائل) (^٣).
_________________
(١) من الآية (١٨) من سورة الأنبياء، وينظر: إرسال الشواظ على من تتبع الشواذ للشمراني.
(٢) من الآية (٤٣) من سورة النحل.
(٣) التعالم ص (١١٢ - ١١٣).
[ ١ / ٧ ]