- كما أن الأزمنة التي نقل فيها مختلفة، ومع ذلك لم يخرج في أي عصر من العصور من يَرُد على ناقل هذا الإجماع أو يخطئه، ولم يثبت ولو عن واحد من أهل العلم طيلة هذا الزمان القول بخلافه (^١).
ونوقش هذا الدليل:
- بعدم التسليم، فقد عورض الإجماع بالاختلاف في دم الشهيد، والسمك، ودم مالانفس له سائلة (^٢)، وبما ثبت عن بعض السلف مما ينافي إطلاق الإجماع، كقصة الصحابي الذي رماه المشرك وهو قائم يصلي، فاستمر في صلاته، وجرحه يسيل (^٣).
- وجاء في الفروع لابن مفلح رواية عن أحمد بطهارة الدم (^٤).
ويمكن الجواب عن ذلك بأمور:
- إذا ثبت الإجماع على نجاسة نوع من أنواع الدم فلا يؤثر فيه وجود الخلاف في نوع آخر، ومن نقل الإجماع على نجاسة الدم المسفوح نقل الخلاف في دم الشهيد ونحوه، ومن ذلك قول ابن
_________________
(١) انظر: تحذير النبلاء من مخالفة الإجماع والقول بطهارة الدماء ص (٩).
(٢) انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٦٠٧)، الجامع لبيان النجاسات وأحكامها ص (١٧٦)، وقد وهم في إيراد الكبد في المختلف فيه، وأورد أيضًا دم مالانفس له سائلة، وهو مندرج في حكم الدم اليسير؛ لأنه غير منسفح ولايسيل، مع أن ابن قدامة قال: (وليس المنسوب إلى البراغيث دمًا إنما هو بولها في الظاهر) المغني (٢/ ٦١).
(٣) انظر: السلسلة الصحيحة (١/ ٦٠٦).
(٤) الفروع (١/ ٣٤٣)، وهذه الرواية سيأتي أنها خطأ على أحمد سببه خطأ في المطبوع تبين بالرجوع للمخطوط، وتأيد بعدم التفريع عليها في الكتب التي اعتنت بالفروع، وبنفي الخلاف في نجاسة الدم الذي نقله أحمد، وقد أشكل هذا الخطأ على بعض المعاصرين كما في شرح العمدة للجبرين (١/ ٢٩)، وقال: (فإن ثبت هذا عنه فلعله كان قبل أن يعلم إجماع الأمة على نجاسته، فلما علم بذلك رجع عنه)، وسيأتي أنه لاحاجة لذلك؛ لثبوت الخطأ.
[ ١ / ١٤١ ]
حزم: (واتفقوا على أن الكثير من الدم أي دم كان، حاشا دم السمك وما لا يسيل دمه نجس) (^١).
- ومن اسثنى دم السمك والشهيد فرآى طهارتهما وهم الحنفية والحنابلة (^٢)، نصوا على نجاسة الدم المسفوح، واستثناؤهم ما استثنوه دليل على العموم فيما سواه (^٣).
- وهذا التخصيص والاستثناء ليس بغريب إذا اقتضاه الدليل، وله نظائر كما خُصت ميتة البحر من تحريم الميتة، وكما خص بول الغلام من وجوب الغسل (^٤).
- أما ماثبت عن بعض السلف مما يظنُّ منافاته للإجماع، فلم يستدل بهذه الآثار أحد من العلماء المتقدمين على خرم الإجماع، وجميعُ ماجاء مما يُظن معارضته للإجماع فهو إن صح دائر بين أمرين: إما أن يكون يسيرًا مما يُعفى عنه للمشقة، أو يكون كثيرًا ولا يمكن التحرز منه للضرورة (^٥)، وهاتان الصورتان مما حُكي
_________________
(١) مراتب الإجماع ص (١٩).
(٢) انظر: حاشية ابن عابدين (١/ ٢١١) (١/ ٣٢٢)، الإنصاف (١/ ٣٢٧ - ٣٢٨).
(٣) قال ابن عثيمين: (فهذه أقوال أهل العلم من أهل المذاهب المتبوعة وغيرهم، صريحة في القول بنجاسة الدم، واستثناؤهم ما استثنوه دليل على العموم فيما سواه) مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١١/ ٢٦٣).
(٤) قال ابن القيم: (وما خص سبحانه شيئا إلا بمخصص، ولكنه قد يكون ظاهرا وقد يكون خفيًا) إعلام الموقعين (٢/ ١١٥)، وقال في بدائع الفوائد (٣/ ١٤١): (وإذا تأملت أسرار هذه الشريعة الكاملة وجدتها في غاية الحكمة ورعاية المصالح، لا تفرق بين متماثلين البتة، ولا تسوي بين مختلفين … ولا يلزمه الأقوال المستندة إلى آراء الناس وظنونهم واجتهاداتهم، ففي تلك من التفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات وإباحة الشيء وتحريم [نظيره] وأمثال ذلك ما فيها).
(٥) انظر: مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (١١/ ٢٦٦).
[ ١ / ١٤٢ ]
الإجماع على العفو عنهما، وهذا الجواب عن هذه الآثار بإجمال، وسيأتي تفصيل الجواب عند ذكرها بإذن الله.
- وأما الرواية التي في الفروع عن أحمد، فهي خطأ في المطبوع يتبين ذلك بالرجوع إلى المخطوط (^١)، فالعبارة التي في المطبوع: (وعنه: طهارة قيح، ومدّة وصديد، ودم. وعرق المأكول طاهر) (^٢)، والظاهر أن قوله: (ودم) تابعة لما بعده، فتكون العبارة: (ودم عرق المأكول طاهر)، كما هي واضحة جدًا هكذا في المخطوطين.
- وهذه العبارة موجودة ومطروقة أيضًا في كتب المذهب الأخرى، قال في الإقناع: (ودم عرق مأكول بعد ما يخرج بالذبح وما في خلال لحمه طاهر ولو ظهرت حمرته نصًا) (^٣)، وفي الإنصاف: (دم عرق المأكول طاهر، على الصحيح من المذهب، ولو ظهرت حمرته) (^٤)، ويقصدون به: (الدم الذي يبقى في اللحم وعروقه طاهر، ولو غلبت حمرته في القدر، لأنه لا يمكن التحرز) (^٥).
_________________
(١) رجعت لمخطوطين موجودين على شبكة الألوكة لكتاب الفروع، الأول مصور من المكتبة الأزهرية: | والثاني مصور من مكتبة عنيزة الوطنية: |
(٢) الفروع (١/ ٣٤٣ - ٣٤٥) طبعة التركي.
(٣) الإقناع (١/ ٦٢)، وانظر: كشاف القناع (١/ ١٩١).
(٤) الإنصاف (٢/ ٣٢٢).
(٥) المبدع (١/ ٢١٤)، وانظر: الروض المربع ص (٥٢).
[ ١ / ١٤٣ ]