رسول الله -ﷺ- وفيه: «ونهانا عن آنية الفضة» (^١).
وجه الاستدلال: أن في الخبرين نهيًا عامًا عن آنية الذهب والفضة جملة، فهما زائدان حكمًا وشرعًا على الأخبار التي فيها النهي عن الشرب فقط أو الأكل والشرب فقط، والزيادة في الحكم لا يحل خلافها (^٢).
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال:
- أن اللفظ الأصح في الحديثين فيه تخصيص النهي بالشرب والأكل، وهو اللفظ المتفق عليه في كلا الحديثين، وهذا في الصنعة الحديثية (^٣)؛ وسلوك الترجيح بين الروايات عند اتحاد
_________________
(١) هذا اللفظ أخرجه البخاري (١٢٣٩)، واللفظ المتفق عليه فيه النهي عن الشرب بالفضة كما أخرجه البخاري (٦٢٣٥)، ومسلم (٢٠٦٦).
(٢) انظر: المحلى (١/ ٢٠٩)، وقد قال عن لفظ (الشرب): (فكانت هذه اللفظة ناقصة عن معنى الحديث الآخر الذي فيه إجمال النهي عن آنية الفضة نقصانا عظيما، ومبيحة لعظائم في عموم ذلك الحديث …، فهذه اللفظة وإن كانت زائدة في الصوت والخط فهي ناقصة من المعنى، والحديث الآخر وإن كان ناقص اللفظ فهو زائد في الحكم والمعاني، فهو الذي لا يجب الأخذ به) إحكام الأحكام (٢/ ٩٢).
(٣) مذهب ابن حزم في زيادة الثقة: أن الحكم للمعنى الأعم مطلقًا، قال في الإحكام في أصول الأحكام (٢/ ٩٠): (وإذا روى العدل زيادة على ما روى غيره فسواء انفرد بها، أو شاركه فيها غيره، مثله أو دونه أو فوقه، فالأخذ بتلك الزيادة فرض)، وقال (٢/ ٩١): (وانفراد العدل باللفظة كانفراده بالحديث كله ولا فرق، فإن كانت اللفظة الزائدة ناقصة من المعنى، فالحكم للمعنى الزائد لا للفظة الزيادة؛ لأن زيادة المعنى هو العموم وهو الزيادة حينئذ على الحقيقة وهو الحكم الزائد، والشرع الوارد، والأمر الحادث)، قلت: وهذا يحتاج إلى تحرير، فالمشهور في مبحث زيادة الثقة هو الزيادة اللفظية من أحد الرواة، أو وصل المرسل، أو رفع الموقوف، ثم إن قبول زيادة الثقة مطلقًا قال عنه ابن حجر في النكت على كتاب ابن الصلاح (٢/ ٦٨٨): (فيه نظر كثير؛ لأنه يرد عليهم الحديث الذي يتحد مخرجه فيرويه جماعة من الحفاظ الأثبات على وجه، ويرويه ثقة دونهم في الضبط والإتقان على وجه يشتمل على زيادة، تخالف ما رووه إما في المتن وإما في الإسناد، فكيف تقبل زيادته وقد خالفه من لا يغفل مثلهم عنها؛ لحفظهم أو لكثرتهم).
[ ١ / ١٧٤ ]
المخرج هو الأصوب عند أهل الفن (^١).
٢/ الدليل الثاني هو: الإجماع.
وقد نقل الإجماع في هذه المسألة غير واحد من العلماء:
١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (واختلف العلماء في الشرب في الإناء المفضض، بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب أو غيره) (^٢)، وقال: (واختلف العلماء في جواز اتخاذ أواني الفضة، بعد إجماعهم على أنه لا يجوز استعمالها لشرب ولا غيره) (^٣).
٢. وقال ابن هبيرة (ت ٥٦٠): (اتفقوا على أن استعمال أواني الذهب والفضة من المأكول والمشروب والطيب وغيره منهي عنه) (^٤).
٣. وقال النووي (ت ٦٧٦): (الإجماع منعقد على تحريم استعمال إناء الذهب، وإناء الفضة في الأكل والشرب والطهارة، والأكل بملعقة
_________________
(١) قال ابن حجر في نزهة النظر ص (٦٩): (والمنقول عن أئمة الحديث المتقدمين؛ كعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى القطان، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، والنسائي، والدارقطني، وغيرهم، اعتبار الترجيح فيما يتعلق بالزيادة وغيرها، ولا يعرف عن أحد منهم إطلاق قبول الزيادة)، قلت: وقد سلك ابن حزم الترجيح في حديث كفارة المجامع في نهار رمضان؛ حيث ورد في بعض رواياته العموم في سبب الكفارة «أن رجلًا أفطر في نهار رمضان» فأخذ ابن حزم بالرواية الأخص في المعنى وهو الجماع، وقال: (لأنه خبر واحد عن رجل واحد، في قصة واحدة بلا شك) المحلى (٤/ ٣١٦)، فيلزمه ذلك.
(٢) التمهيد (١٦/ ١٠٨).
(٣) الاستذكار (٨/ ٣٥١).
(٤) اختلاف الأئمة العلماء (١/ ٣٢)، والمقصود بالاتفاق هنا اتفاق الأربعة.
[ ١ / ١٧٥ ]
من أحدهما والتجمر بمجمرة منهما والبول في الإناء منهما وجميع وجوه الاستعمال … ويستوي فى التحريم الرجل والمرأة بلاخلاف) (^١).
- وهذه الإجماعات صريحة في تحريم استعمال آنية الذهب والفضة في غير الأكل والشرب، ومن الإجماعات العامة في تحريم الاستعمال دون التنصيص على الأكل والشرب:
١. قال ابن عبدالبر (ت ٤٦٣): (والعلماء كلهم لا يجيزون استعمال الأواني من الذهب كما لا يجيزون ذلك من الفضة) (^٢).
٢. وقال ابن قدامة (ت ٦٢٠): (ولا خلاف بين أصحابنا في أن استعمال آنية الذهب والفضة حرام، وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، ولا أعلم فيه خلافًا) (^٣).
٣. وقال ابن تيمية (ت ٧٢٨): (… آنية الذهب والفضة فإنهم اتفقوا على أن استعمال ذلك حرام على الزوجين: الذكر والأنثى) (^٤).
٤. وقال ابن مفلح صاحب المبدع (^٥) (ت ٨٨٤) عن استعمال آنية الذهب والفضة: (هذا مما اتُفق على تحريمه) (^٦).
_________________
(١) شرح النووي على مسلم (١٤/ ٢٩)، وانظر: المجموع (١/ ٢٥٠).
(٢) التمهيد (١٦/ ١٠٥).
(٣) المغني (١/ ٥٥ - ٥٦).
(٤) مجموع الفتاوى (٢١/ ٨٤).
(٥) إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن محمد ابن مفلح (برهان الدين)، وجده الأعلى صاحب الفروع (ت ٧٦٣) محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج (شمس الدين)، وهذا هو تلميذ ابن تيمية المعتني باختياراته، ولشمس الدين ابنٌ اسمه إبراهيم بن محمد (ت ٨٠٣) وله شرح على المقنع ويلقب (برهان الدين)، فاجتمع مع صاحب المبدع في الاسم الأول والثاني واللقب، ولكليهما شرح على المقنع. انظر: المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (١/ ٥٨٠).
(٦) المبدع في شرح المقنع (١/ ٤٦).
[ ١ / ١٧٦ ]
٥. وقال الشربيني (ت ٩٧٧) عن آنية الذهب والفضة: «فيحرم) استعماله على الرجل والمرأة والخنثى بالإجماع) (^١).
٦. وقال الرملي (ت ١٠٠٤): «فمن المحرم الإناء) من ذهب وفضة بالإجماع للذكر وغيره … ومنه الميل للمرأة وغيرها فيحرم عليهما) (^٢).
٧. وقال الدسوقي (ت ١٢٣٠) عن إناء الذهب والفضة: (والحاصل أن اقتناءه إن كان بقصد الاستعمال فحرام باتفاق) (^٣)، ونقله الصاوي (ت ١٢٤١) أيضًا (^٤).
ونوقش هذا الاستدلال:
بأن الإجماع المحكي لايتم مع مخالفة معاوية وداود والشافعي وبعض أصحابه، على أنه لا يخفى على المنصف ما في حجية الإجماع من النزاع والإشكالات التي لا مخلص منها (^٥).
ويجاب عن ذلك:
- أن مخالفة معاوية وداود مما يقر مجوّز الاستعمال بعدم صحتها لمخالفتها النص؛ فكيف يعترض بها، وهو لايسلّم كذلك بما نسب للشافعي من الكراهة، بل هذا عنده على التحريم، ومع ذلك فإن
_________________
(١) مغني المحتاج (١/ ١٣٦).
(٢) نهاية المحتاج (٣/ ٨٩)، يحتمل هذا النص أنه أراد الاتخاذ أو الاستعمال، لكن نقله للإجماع وذكره للمثال (الميل) يدل على أن مراده الاستعمال؛ لأن الاتخاذ فيه خلاف.
(٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ٦٤).
(٤) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (١/ ٦١)، نقل النص الذي نقله الدسوقي، وقالا بعد ذلك: (هذا محصل ما ذكره أبو الحسن على المدونة).
(٥) انظر: نيل الأوطار (١/ ٩١).
[ ١ / ١٧٧ ]
الإجماع قائم لم يُخرم، ويمكن مناقشة مانسب لمعاوية والشافعي وداود بأمور:
- أما مانسب للتابعي معاوية بن قرة (^١)؛ فوجدته مسندًا عند ابن أبي شيبة عن أبي داود الطيالسي عن شعبة بن الحجاج أنه قال: سألت معاوية بن قرة، قلت: آتي الضَّبَّانيَّة (^٢) فيه فأوتي بقدح من فضة أشرب فيه؟ قال: (لا بأس) (^٣)، وقد ترجم عليه ابن أبي شيبة: (في الشرب من الإناء ا لمُفضَّضِ، من رخَّص فيه)، وأورد آثارًا كلها في الشرب في الإناء المُفضَّض أو المُضبّب بفضة، والمقصود بالمُفضَّض، أي: المُموّه أو المُرصَّع بالفضّة (^٤)، وليس هذا بخارم للإجماع، لأن الخلاف في الإناء المضبب بفضة محفوظ (^٥)، قال ابن عبدالبر: (واختلف العلماء في الشرب في الإناء المفضض،
_________________
(١) نسب إليه بعضهم جواز الشرب بآنية الذهب والفضة مطلقًا، كما يفهم من نسبة ابن حجر إليه في الفتح (١٠/ ٩٤) والشوكاني في نيل الأوطار (١/ ٩٠)، وبعضهم ذكر أنه حمل النهي على التنزيه، كما ذكر المناوي في فيض القدير (٦/ ٣١٧)، وبعضهم حكى قوله على الترخيص بالشرب من قدح فضة، كما في المغني (٩/ ١٧٣).
(٢) (الضَّبَّانيَّة) هكذا هي في طبعة الرشد بتحقيق كمال الحوت، وفي طبعة محمد عوامة (٢٤٦٢٨): (آتي (الصَّيارف) فأوتى بقدح من فضة …)، وفي طبعة الفاروق بتحقيق أسامة بن إبراهيم (٢٤٦١٢): (آتي (الصيارفة) فيه فأوتي بقدح من فضة …)، ولم يتبين لي معنى (الضبّانية) إلا أن يكون ذلك نسبة إلى من يصلحون الأواني بالتضبيب، (والضَّبُّ والتَّضْبيبُ: تغْطِيَة الشيء، ودخول بعضه في بعض) لسان العرب (١/ ٥٤٠) وهذه اللفظة يرجحها ترجمة ابن أبي شيبة لهذا الأثر: (في الشرب من الإناء المفضض، ومن رخص فيه)، وأما (الصيارف) و(الصيارفة)؛ فهما جمع للصراف والصيرف والصيرفي، أي: النقّاد، والصرف: بيع الذهب بالفضة. انظر: لسان العرب (٩/ ١٩٠).
(٣) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٢٤١٥٠) وسنده صحيح.
(٤) انظر: لسان العرب (٧/ ٢٠٨)، عمدة القاري (٢١/ ٥٨).
(٥) انظر: مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ١٠٤) فقد ذكر فيه آثارًا لمن رخص بالشرب في الإناء المفضض، ثم آثارا لمن كرهه.
[ ١ / ١٧٨ ]
بعد إجماعهم على تحريم استعمال إناء الفضة والذهب في شرب أو غيره) (^١).
- وعلى فرض التسليم بأن مراده إناء الفضة، فيعتذر له بأن النهي لم يبلغه (^٢)، (ولا شك أن أحاديث الباب تدل على تحريم الأكل والشرب) (^٣)، ومخالفته للنص الصريح لايعكر على الإجماع؛ لشذوذه وعدم معرفة من سبقه من الصحابة، ثم إن من يرى جواز الاستعمال من المتأخرين لا يقول بهذا القول فلا يعد سلفًا له.
- وأما مانقل عن الشافعي في القديم (^٤) من القول بأن النهي محمول على التنزيه وليس على التحريم؛ فهذا أنكره أكثر الخراسانيين من الشافعية (^٥)، وقد اتفقوا على ضعف قوله القديم (^٦)، وعلى فرض
_________________
(١) التمهيد (١٦/ ١٠٨).
(٢) انظر: فتح الباري (١٠/ ٩٤).
(٣) نيل الأوطار (١/ ٩١).
(٤) انظر: المجموع (١/ ٢٤٩)، فتح الباري (١٠/ ٩٤)، المغني (٩/ ١٧٤)، قال العمراني في البيان في مذهب الإمام الشافعي (١/ ٨١): (قال في القديم: "يكره كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنه إنما نهى عن ذلك، لما يلحق من ذلك من السرف والخيلاء وإغاظة الفقراء، وهذا لا يوجب التحريم"). وانظر: المهذب (١/ ٢٩).
(٥) انظر: المجموع (١/ ٢٤٩)، والخراسانيون في مقابل العراقيين من المدرسة الشافعية؛ وذلك أن الشافعي له تلامذة نشروا علمه في خراسان والعراق، وكان لكل طريقته في تناول مذهب الشافعي وتأصيله، إلى أن تلاشت الطريقتان في عهد الرافعي، ومن بعده النووي، وإذا أطلق لفظ (العراقيون) في مقابلة الخراسانيين، فالمراد به الشافعية من أهل العراق، وأما إذا أطلق في مقابلة مذهب مالك أو الشافعي أو أحمد وغيرهم، فالمراد بالعراقيين هنا أصحاب أبي حنيفة. انظر: المجموع (١/ ٦٩) المدخل إلى دراسة المذاهب الفقهية ص (٣٤)، مقدمة نهاية المطلب ص (١٣٦).
(٦) قال الشربيني في حاشيته على الغرر البهية (١/ ٧٤): (في شرح المنهاج للدميري: وعن القديم يكره كراهة تنزيه، لكنهم اتفقوا على ضعفه)، وقال النووي في المجموع (١/ ١٤٩): (ومن أثبت القديم فهو معترف بضعفه في النقل والدليل)، وقال ابن دقيق في إحكام الأحكام (٢/ ٢٩٧): (ولا اعتداد به لورود الوعيد عليه بالنار).
[ ١ / ١٧٩ ]