بالمعنى، ونص كلامه يدل على عكس ما سيق لأجله هنا، وهذا هو نص كلامه من كتابه: (ليس في باب الختان نهي ثبت، ولا لوقته خبر يرجع إليه، ولا سنة تتبع، وتستعمل الأشياء على إباحة، ولا يجوز حظر شيء منها إلا بحجة، ولا نعلم مع من منع أن يختن الصبي لسبعة أيام حجة) (^١).
- وأما قول ابن عبدالبر: (والذي أجمع المسلمون عليه …)، فله تتمة تبين أن الكلام له علاقة بكلام سابق وليس هو كلام مطلق، وكلامه بتمامه: (والذي أجمع المسلمون عليه الختان في الرجال على ما وصفنا) (^٢)، فالكلام له ارتباط بكلام سابق، ويحتمل رجوع الضمير إلى قوله: (وأجمع العلماء على أن إبراهيم أول من اختتن)؛ لأنه أقرب مذكور ذُكر فيه الإجماع، أو إلى قوله: (قص الشارب، والختان، من ملة إبراهيم لا يختلفون في ذلك) (^٣)؛ لأنه أقرب مذكور ذكر فيه نفي الخلاف، وفيه وصف يمكن تحققه في الرجال يقينًا، وهو: أن الختان من ملة إبراهيم للرجال بالإجماع.
- ثم إن قول ابن عبدالبر ولو افترضنا إطلاقه فلا يلزم منه عدم وجود اتفاق في مشروعية ختان الأناث؛ لأنه لم ينفه، وقد أثبته غيره من العلماء، بل لايبعد أن نقول: إن ابن عبدالبر لايعلم خلافًا في استحباب ختان الإناث؛ حيث لم يذكر خلافًا على استحبابه في موسوعتيه: "التمهيد" و" الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء
_________________
(١) الإشراف (٤/ ٤٢٤)، وانظر: الإقناع (١/ ٣٨١)، ومن المهم الرجوع إلى كلام الشخص حتى يتبين المعنى ولا ينسب إليه مالم يرده، فكيف يقال: إن ابن المنذر ينفي أحاديث الختان نوأحاديثه في الصحيحين؟! ثم إن هذا الاستشهاد بكلام ابن المنذر يلزم أيضًا في نفي مشروعية ختان الذكور.
(٢) التمهيد (٢١/ ٥٩).
(٣) المرجع السابق (٢١/ ٥٨).
[ ١ / ٢١٣ ]
الأمصار" (^١)، بل نص على استحبابه عن جماعة العلماء بقوله: (ورأى مالك والشافعي وأبو حنيفة للكبير أن يختتن إذا أسلم، واستحبوه للنساء) (^٢).
- أما القول بأنه -ﷺ- لم يختن بناته، والاستدلال بذلك على عدم المشروعية، فهذا غريب، وليس من شرط السنة أن يجتمع الفعل مع القول، بل قد تثبت السنة بالإقرار ولو لم يرد فعل منه -ﷺ-، فكيف بما ثبت بالقول وهو أقوى وأصرح؟! وكيف إذا أضيف إليه اتفاق العلماء على المشروعية؟! وهذا القول يلزم منه إبطال السنن التي لم تثبت إلا بالقول، ومن اللوازم القريبة أن يُبطل مشروعية ختان الذكر (^٣)!
- ومن المسالك الأصولية في إثبات الفعل للنبي -ﷺ- ماذكره الزركشي من أنه إذا قام الإجماع على أن إحدى صورتي الفعل أفضل من الأخرى، ف (العلم الضروري حاصل بأن أفضل الخلق لا يواظب على ترك الأفضل، فثبت إتيانه به) (^٤).
- أما عدم النقل؛ فلأن ختان الأنثى إخفاؤه أولى، بل قال ابن الحاج: (والسنة في ختان الذكر إظهاره، وفي ختان النساء
_________________
(١) انظر: التمهيد (٢١/ ٦١)، الاستذكار (٣/ ٣٨٨).
(٢) الاستذكار (٨/ ٣٣٨).
(٣) لعدم ثبوت ذلك من فعله -ﷺ-، أما حديث: «أن النبي -ﷺ- عق عن الحسن والحسين، وختنهما لسبعة أيام» أخرجه الطبراني في الأوسط (٦٧٠٨)، والبيهقي في الكبرى (١٧٥٦٣)، وقال الطبراني: (لم يقل في هذا الحديث أحد من الرواة: «وختنهما لسبعة أيام»، إلا زهير بن محمد)، وزهير بن محمد التميمي قال عنه الذهبي: (ثقة يغرب، ويأتي بما ينكر)، وقد قال العراقي عن هذا الحديث: (وإسناده ضعيف)، وقال ابن المنذر: (ليس في باب الختان نهي ثبت، ولا لوقته خبر يرجع إليه). انظر: الإشراف (٤/ ٤٢٤)، الكاشف للذهبي (١/ ٤٠٨)، تخريج أحاديث الإحياء ص (٤٩٤).
(٤) البحر المحيط (٦/ ٤١)، وانظر: أفعال الرسول -ﷺ- للأشقر (١/ ٤٧٨).
[ ١ / ٢١٤ ]
إخفاؤه) (^١)، وقد تقصر الحجة عن السنية إلا أن هذا هو العرف كما قال السخاوي: (فالمعنى عليه والعرف يشهد له) (^٢).
٢/ ومما استدلوا به أيضًا: أن في ختان الإناث ضررًا عند الأطباء، والضرر يزال، وقد ربط العلماء الحكم في عدد من المسائل بالأطباء؛ كقول الشافعي في الوضوء: (ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب) (^٣)، ويؤيد المنع النهي عن تغيير خلق الله (^٤).
ويمكن مناقشة هذا الاستدلال بأمور:
- تمهيدًا للمناقشة: سئلت اللجنة الدائمة للإفتاء عن الختان الفرعوني (^٥) فقالت: (هذا الختان لا يجوز بصفته المذكورة؛ لما فيه من الضرر البالغ بالمرأة) (^٦)، وذكر بعض العلماء أن الختان المشروع إنما هو لمن وجد عندها فضلة في بظرها؛ كأهل المشرق
_________________
(١) المدخل (٣/ ٢٩٦)، وقد نقله ابن حجر في الفتح (١٠/ ٣٤٣) ولم يتعقبه، ونقله ابن حجر الهيتمي ثم قال: (كذا نقله جمع منا عنه وسكتوا عليه وفيه نظر؛ لأن مثل هذا إنما يثبت بدليل ورد عنه -ﷺ- فإن أريد أن ذلك أمر استحساني لم يناسبه الجزم بسنيته). تحفة المحتاج (٩/ ٢٠٠).
(٢) المقاصد الحسنة ص (٧٢).
(٣) الأم (١/ ١٦)
(٤) انظر: "الحكم الشرعي في ختان الإناث" للقرضاوي، وهو منشور في موقعه الرسمي، مقال د. علي جمعة بعنوان: "ختان الإناث" المنشور بتاريخ (٣٠/ ٧/ ١٤٢٨ هـ) صحيفة الأهرام.
(٥) ومما جاء في السؤال: (نحن مسلمات صوماليات نعيش في كندا، ونعاني معاناة شديدة من أمر يطبق علينا بحكم العادة والتقليد، وهو الختان الفرعوني الذي تأخذ فيه الخاتنة البظر كله مع جزء من الشفرين الصغيرين، ومعظم الشفرين الكبيرين، وهو بمعنى إزالة كل الأعضاء التناسلية الظاهرة للمرأة، مما يؤدي إلى تشويه كامل للفرج، وبعدها يتم خياطة الفتحة كاملة، وهو ما يعرف باسم (الرتق) الذي يلحق آلامًا مبرحة للمرأة ليلة زفافها وعند ولادتها، وفي كثير من الأحيان يحتاج الأمر إلى إجراء عملية جراحية، ويؤدي كذلك إلى البرود الجنسي، ويتسبب في مضاعفات طبية تفقد فيها المرأة حياتها أو صحتها أو قدرتها على الإنجاب).
(٦) فتاوى اللجنة الدائمة- المجموعة الثانية (٤/ ٤٤).
[ ١ / ٢١٥ ]
وليس مطلقًا (^١)، وليس في هذين النقاش ولا إشكال فيهما، وتحريم ختان الأنثى مطلقًا خوفًا من الختان الفرعوني، كتحريم ختن الذكر المشروع خوفًا من الخصي الممنوع.
- فالختان ليس على درجة واحدة؛ فمنه ما هو ممنوع عند الجميع ولايُختلف فيه كإزالة الأعضاء التناسلية أو أغلبها (^٢) فهذا من الجنايات، أما الختان المشروع بقطع جزء يسير من البظر؛ فهذا الذي يُناقش في منعه، والخلط بينها سبب للخلاف، كما تقول د. آمال البشير: (بناء على هذا الدمج المتعمد للختان الشرعي للأنثى مع الختان الفرعوني بدرجاته المختلفة، جُندت كل جهود المنظمات العالمية لمحاربته، وللضغط المستمر على من يدافع عنه) (^٣).
_________________
(١) انظر: المدخل (٣/ ٢٩٦)، وحاشية العدوي (١/ ٥٩٦).
(٢) يقسم بعضهم ختان الإناث ثلاثة أقسام: بسيط، ومتوسط، ومعقّد، فأما البسيط؛ فيتم إزالة جزء من البظر، أو كله، وأما المتوسط؛ فيزال فيه البظر والشفران الصغيران مع جزء بسيط من الشفرين الكبيرين، وأما المعقّد؛ فيزال فيه البظر والشفران الصغيران والكبيران، وهذا النوع يشوّه الفرج تشويهًا كاملًا، ويسميه بعضهم: "الختان الفرعوني"، كما في الموسوعة الطبية الفقهية ص (٤٢٢) نقلًا عن جراحات الذكورة والأنوثة ص (١٨٨)، قلت: وختان السنة هو أحد قسمي الختان البسيط الذي يزال فيه جزء من البظر؛ كما قال النووي في شرح مسلم (٣/ ١٤٨): (وفي المرأة يجب قطع أدنى جزء من الجلدة التي في أعلى الفرج)، ووضّح ذلك في المجموع (١/ ٣٠٢) بقوله: (والواجب في المرأة قطع ما ينطلق عليه الاسم من الجلدة … ويستحب أن يقتصر في المرأة على شيء يسير، ولا يبالغ في القطع)، وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة المجموعة الثانية (٤/ ٤٣): (ويكون ختان الأنثى بقطع جزء من الجلدة التي كعرف الديك فوق مخرج البول، المسماة بالبظر، ولا يجوز قطعها كلها).
(٣) والدكتورة آمال متخصصة في طب المجتمع، ومما قالته أيضًا: (إن الختان الشرعي للأنثى (Prepucectomy) لم يكن ممنوعًا من منظمة الصحة العالمية (WHO) … و… في السنوات الأخيرة أدمج هذا الختان مع النوع الأول (Type I) لتشويه الأعضاء التناسلية للأنثى (FGM) بحجة أن ممارسة المسلمين له غير صحيحة). انظر: مقال "الحرب على ختان الإناث حرب على الإسلام" للدكتورة آمال البشير في صحيفة محيط الإلكترونية بتاريخ (٢٥/ ١٢/ ١٤٣٢) هـ.
[ ١ / ٢١٦ ]
- أما الضرر الطبي؛ فإنه ليس بحقيقة علمية حتى يُترك من أجله اتفاق العلماء، يؤكد ذلك: تصريح عدد من الأطباء بفائدة ختان الإناث، وعدم ضرره، وهذا عكسٌ للدعوى (^١).
- ومما يؤيد ذلك استمرار الختان على مر العصور دون ذكر لهذا الضرر إلا في القرن الرابع عشر، وهذا الاستقراء يقويه تصريحُ العلماء على جوازه واتفاقُهم عليه؛ فلا نترك المعلوم للضرر الموهوم.
- ولو أخذنا بكل ما يقال: أن فيه ضررًا دون تبيّن وتثبت للزمنا تحريم ختان الذكور أيضًا فإن هناك من يدعي وجود الضرر فيه (^٢)، وجوابهم عنه هو الجواب هنا.
- ومن جهة أخرى فإن هناك أضرارًا ذكروها في ختان الإناث ليس مرجعها إلى الختان نفسهِ، وإنما إلى قيام شخص غير مؤهل بالختان، أو الختان بآلة غير صحية (^٣)، وهذا غير مقبول في كل
_________________
(١) ومن هؤلاء الأطباء: أ. د. محمد حسن الحفناوي أستاذ الأمراض الجلدية والتناسلية، وأ. د. صادق محمد صادق [في بحث لهما منشور في مجلة أكتوبر العدد (٩٣٨) وقد أكدا فيه أهمية ختان الأنثى]، ود. محمد عبد الله خليفة، ود. حاتم سعد إسماعيل، ود. محمد علي البار، ود. منير فوزي، ود. إيزل بيكر براون أستاذ أمراض النساء والولادة بإنجلترا، والطبيبة الأمريكية أي بي لوري [كمانشر في صحيفة محيط في مقال بعنوان (ختان الإناث بين الدين والسياسة)، ولبعض هؤلاء الأطباء مقالات أو بحوث منشورة تخص ختان الإناث]، وغيرهم من الأطباء. انظر: خلاصة الرد على القرضاوي والجديع (٣/ ١٤٩)، ختان الإناث بين المشروعية والحظر ص (١٢٢)، وانظر في ضوابط ختان الأنثى الطبية والصحية: جراحات الذكورة والأنوثة في ضوء الطب والفقه ص (٢٦٠).
(٢) يقول د. سامي عوض الذيب وهو نصراني في كتابه "ختان الذكور والإناث"ص (٢٦٣): (وبموازاة التيّار الرافض لختان الإناث بين المسلمين، هناك تيّار آخر يرفض أيضًا ختان الذكور لنفس الأسباب، ولكن هذا التيّار ما زال ضعيفًا وينقصه العون المادّي والمعنوي الذي تتيحه الدول الغربيّة والمنظّمات الدوليّة وغير الحكوميّة لمعارضي ختان الإناث).
(٣) انظر: جراحات الذكورة والأنوثة ص (١٩٤).
[ ١ / ٢١٧ ]
عملية جراحية ولا اختصاص له بالختان فقط.
- أما الاحتجاج بربط العلماء لمسائل فقهية بالأطباء، فهذا مقلوب عليهم، فأين ربط العلماء للختان المشروع بالأطباء؟! ثم فرق بين الفرع الفقهي المنصوص عليه وغير المنصوص عليه، فالذي يرجع فيه إلى الطب هو غير المنصوص عليه، أو النوازل إن احتيج فيها إلى رأيهم، أو قضايا الأعيان والأشخاص كما سيأتي في فتوى لابن تيمية.
- وأما الاحتجاج بالنهي عن تغيير خلق الله، فهذا غريب؛ لأن كل ما أذن الشارع به فهو مخصوص من النهي، ويدخل في ذلك الختان، وتقليم الأظافر، والاستحداد ونحوها، بل يدخل ما هو أبعد من ذلك؛ من قطعٍ ليد سارق، وقصاصٍ في جناية.
- وبعد: فإنه لوثبت الضرر في عملية الختان على شخص مخصوص من ذكر أو أنثى فإنه يمنع من الختان؛ لخصوص حاله، كما قرّر ابن تيمية عن ختان مسلم بالغ عاقل يصوم ويصلي وهو غير مختون، فقال: (إذا لم يخف عليه ضرر الختان فعليه أن يختتن فإن ذلك مشروع مؤكد للمسلمين باتفاق الأئمة … ويرجع في الضرر إلى الأطباء الثقات) (^١)، فهي فتوى خاصة لحالة خاصة نقل الاتفاق على مشروعية ما سواها.
المسألة الثالثة: حُكم نسبة هذا الرأي إلى الشذوذ:
بعد عرض هذا الرأي ودراسته، فالذي يظهر أن نسبة القول بتحريم ختان الإناث أو عدم مشروعيته إلى الشذوذ صحيحة؛ لمخالفته للنص
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢١/ ١١٣).
[ ١ / ٢١٨ ]
والإجماع، ولا يعرف من قرَّر القول بعدم المشروعية قبل محمود شلتوت، ود. محمد سيد طنطاوي، ولا من صرّح بالتحريم أو المنع قبل د. علي جمعة، ود. يوسف القرضاوي؛ وكفى خطأً بقولهم خروجهم عن أقوال أهل العلم لو لم يكن على خطئهم دلالة سواه، كيف وظاهر السنة ينبئ عن فساده (^١)؟! والله أعلم.
_________________
(١) انظر: تفسير الطبري (٨/ ٧٢١) فهذه العبارة من قوله: (وكفى خطأ …) للطبري، مع تصرف يسير.
[ ١ / ٢١٩ ]
(أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم؛ لأن العلم نور، فإِذا أطفأ مصابيحهم خبطهم فِي الظُلَم كيف شاء).
ابن الجوزي - ﵀ -
تلبيس إبليس (ص ٢٨٣)
[ ١ / ٢٢٠ ]