قال ابن فارس: (دبر) الدال والباء والراء أصل هذا الباب وهو آخر الشيء وخلفه خلاف قبله (١)
وقال ابن منظور: الدبر والدبر نقيض القبل، ودبر كل شيء عقبه، ومؤخره، وجمعهما أدبار، والدبر خلاف القبل ودبر الشهر آخره (٢)، وقال ابن قتيبة: دبر الصلاة: آخرها، ودبر البيت وكل شيء: مؤخرة (٣).
_________________
(١) - (مقاييس اللغة٢/ ٣٢٤)
(٢) - (لسان العرب٢/ ٣٢٤)
(٣) - غريب الحديث٢/ ٢٧٢
[ ٢ ]
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما لفظ دبر الصلاة فقد يراد به آخر جزء منه وقد يراد به ما يلي آخر جزء منه كما في دبر الإنسان فإنه آخر جزء منه ومثله لفظ العقب قد يراد به الجزء المؤخر من الشيء كعقب الإنسان وقد يراد به ما يلي ذلك، فالدعاء المذكور في دبر الصلاة إما أن يراد به آخر جزء منها ليوافق بقية الأحاديث أو يراد به ما يلي آخرها، ويكون ذلك ما بعد التشهد كما سمي ذلك قضاء للصلاة وفراغا منها حيث لم يبق إلا السلام المنافي للصلاة أو يكون مطلقا أو مجملا وبكل حال فلا يجوز أن يخص به ما بعد السلام لأن عامة الأدعية المأثورة كانت قبل ذلك. مجموع الفتاوى (١)
وقال أيضا: ولفظ (دبر الصلاة) قد يراد به آخر جزء من الصلاة كما يراد بدبر الشيء مؤخره وقد يراد به ما بعد انقضائها كما في قوله - تعالى -) (وأدبار السجود) (٢) وقد يراد به مجموع الأمرين. (٣) وقال ابن القيم: ودبر الصلاة يحتمل قبل السلام وبعده، وكان شيخنا_يعني ابن تيمية_ يرجح أن يكون قبل السلام فراجعته فيه فقال: دبر كل شيء منه كدبر الحيوان (٤)
قلت: وهذا يخالف ما نقلته عنه في الموضع الثاني، فلعل له قولين، أو أنه تراجع عما نقله عنه ابن القيم.
قال الشيخ ابن باز ﵀: دبر الصلاة يطلق على معنيين: أحدهما: آخر الصلاة يعني قبل السلام، والآخر: بعد السلام (٥)
وذلك حسب سياق الأحاديث، فإن كانت تتعلق بالدعاء فأكثرها يدل على أن المراد آخر الصلاة قبل السلام، وأما إن كانت_الأحاديث الواردة دبر الصلاة_ تتعلق بالأذكار، فمعناه بعد السلام.
لكن الحافظ ابن حجر يرى أن المراد بدبر الصلاة في الأحاديث بعد السلام سواء كانت تتعلق بالأذكار أو بالدعاء فكلها محلها بعد الصلاة ولذلك قال:
(فان قيل: المراد بدبر كل صلاة قرب آخرها وهو التشهد، قلنا: قد ورد الأمر بالذكر دبر كل صلاة، والمراد به بعد السلام إجماعا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه) (٦) وقال في موضع آخر (وزعم بعض الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام، وتعقب بحديث (ذهب أهل الدثور)، فإن فيه تسبحون دبر كل صلاة، وهو بعد السلام جزما فكذلك ما شابهه) (٧)
_________________
(١) - (٢/،٤٧٠،٤٧١)
(٢) - (ق ٤٠)
(٣) - مجموع الفتاوى (٢٢/ ٥١٦)
(٤) - (زاد المعاد١/ ٣٠٥)
(٥) - (تحفة لإخوان بأجوبة مهمة تعلق بأركان الإسلام ص ١٢٨_١٣٠
(٦) - فتح الباري١١/ ١٣٣)
(٧) - الفتح٢/ ٣٣٥)
[ ٣ ]
وأحيانا يطلق الدبر ويقيد بموضع ما بعد الرفع من الركوع في الركعة الأخيرة كما في حديث ابن عَبَّاسٍ قال: قَنَتَ رسول اللَّهِ - ﷺ - شَهْرًا مُتَتَابِعًا في الظُّهْرِ، وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْعِشَاءِ، وَصَلَاةِ الصُّبْحِ، في دُبُرِ كل صَلَاةٍ، إذا قال: سمع الله لِمَنْ حَمِدَهُ، من الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَدْعُو على أَحْيَاءٍ من بَنِي سُلَيْمٍ، على رِعْلٍ، وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ، وَيُؤَمِّنُ من خَلْفَهُ. (١)
وخلاصة القول: أن المراد بدبر الصلاة بعد السلام إذا كان سياق الأحاديث في الذكر من تهليل وتسبيح وتحميد وتكبير وإذا كان السياق في الدعاء فغالبه قبل السلام.
ولا شك أن الدعاء في الصلاة أولى لأنه في حال مناجاة الرب سبحانه، قال شيخ الإسلام: (وذلك لأن المصلى يناجى ربه فإذا سلم انصرف عن مناجاته ومعلوم أن سؤال السائل لربه حال مناجاته هو الذي يناسب دون سؤاله بعد انصرافه، كما أن من كان يخاطب ملكا أو غيره فإن سؤاله وهو مقبل على مخاطبته أولى من سؤاله له بعد انصرافه) (٢) وقال في موضع آخر (الأحاديث المعروفة في الصحاح والسنن والمساند تدل على أن النبي ﷺ كان يدعو في دبر صلاته قبل الخروج منها وكان يأمر أصحابه بذلك ويعلمهم ذلك) (٣)
ومع ذلك فإن الدعاء مشروع بعد السلام وقد ثبت أنه ﷺ يدعو بعد الصلاة لكن بصيغة الإفراد ولم يكن الدعاء جماعيا (٤).
_________________
(١) - أخرجه أبو داود واللفظ له (٢/ ٦٨) رقم (١٤٤٣) واحمد في المسند (١/ ٣٠١) رقم (٢٧٤٦) وابن خزيمة في صحيحه (١/ ٣١٣) رقم (٦١٨) وابن الجارود في المنتقى (١/ ٦٠) رقم (١٩٨) والحاكم في المستدرك (١/ ٣٤٨) رقم (٨٢٠) والبيهقي في الصغرى (١/ ٢٧٢) رقم (٤٤٢) والكبرى (٢/ ٢١٢) رقم (٢٩٧١) والطبري في تهذيب الآثار (مسند ابن عباس) (١/ ٣١٦) كلهم من طريق ثابت بن يزيد، عن هلال بن خباب، عن عكرمة. وثابت هذا هو: ابن يزيد الأحول ثقة ثبت (التقريب (٨٣٤) وهلال هو: ابن خباب العبدي صدوق تغير بآخره (التقريب٧٣٣٤) وقال ابن الملقن في البدر المنير (٣/ ٦٢٨): (قال الحافظ أبو بكر الحازمي هذا حديث حسن وكذا قال المنذري في كلامه على أحاديث المهذب وقال النووي إسناده حسن أو صحيح)
(٢) - (مجموع الفتاوى٢٢/ ٥١٣_٥١٤)
(٣) - (٢٢/ ٤٩٢)
(٤) - الأحاديث الواردة في الدعاء بعد التشهد وقبل السلام ص١٤٤
[ ٤ ]
(، وقد بوب الإمام البخاري في كتاب الدعوات بـ (باب الدعاء بعد الصلاة) (١)
قلت: ومن ذلك الحديث الذي أخرجه بن حبان في صحيحه بإسناد صحيح (٢) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ وَمَا أَسْرَفْتُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدَّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ)
ووجه الشاهد من الحديث قوله (إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ وَسَلَّمَ)
فائدة في صفة عدد الأذكار:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والأذكار التي كان النبي - ﷺ - يعلمها المسلمين عقيب الصلاة أنواع أحدها: إنه يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر ثلاثا وثلاثين، فتلك تسع وتسعون، ويقول تمام المائة لا إله إلا الله وحده لا شريك له،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، والثاني: يقولها خمسا وعشرين ويضم إليها لا إله إلا الله، والثالث: يقول الثلاثة: ثلاثا وثلاثين، وهذا على وجهين أحدهما أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين، وهذا الرابع، والخامس: يكبر أربعا وثلاثين ليتم مائة. والسادس: يقول الثلاثة عشرا عشرا.
فهذا هو الذي مضت به سنة رسول الله - ﷺ -. (٣) وقال أيضا: والمأثور ستة أنواع:
أحدها: أنه يقول هذه الكلمات عشرا عشرا عشرا فالمجموع ثلاثون.
والثاني: أن يقول كل واحدة إحدى عشر، فالمجموع ثلاث وثلاثون.
والثالث: أن يقول كل واحدة ثلاثا وثلاثين، فالمجموع تسع وتسعون.
والرابع: أن يختم ذلك بالتوحيد التام فالمجموع مائة.
والخامس: ان يقول كل واحد من الكلمات الأربع خمسا وعشرين فالمجموع مائة (٤) قلت: ولم يذكر شيخ الإسلام إلا خمسة أنواع مع أنه قال والمأثور ستة أنواع فلعل السادس غفل عنه أو سقط من النساخ.
_________________
(١) - الصحيح ٥/ ٢٣٣١)
(٢) - ٥/ ٣٧٢رقم ٢٠٢٥
(٣) - (الفتاوى الكبرى١/ ٢٠١،٢٠٠)
(٤) - (مجموع الفتاوى٢٢/ ٥١٦،٥١٥)
(٥) شرح مسلم ٥/ ٩٣
[ ٥ ]
وذكر النووي في كيفية عد هذه الكلمات: (أن أبا صالح رحمه الله تعالى قال يقول: الله أكبر وسبحان الله والحمد لله ثلاثا وثلاثين مرة، وذكر بعد هذه الأحاديث من طرق غير طريق أبي صالح وظاهرها أنه يسبح ثلاثا وثلاثين مستقلة ويكبر ثلاثا وثلاثين مستقلة ويحمد كذلك وهذا ظاهر الأحاديث قال القاضي عياض: وهو أولى من تأويل
أبي صالح) ١٨وقال بن حجر: (ورجح بعضهم الجمع للإتيان فيه بواو العطف، والذي يظهر أن كلا من الأمرين حسن إلا أن الإفراد يتميز بأمر آخر وهو أن الذاكر يحتاج إلى العدد وله على كل حركة لذلك سواء كان بأصابعه أو بغيرها ثواب لا يحصل لصاحب الجمع منه إلا الثلث) (١)
_________________
(١) - الفتح ٢/ ٣٢٩
[ ٦ ]