اخترت أن يكون موضوع بحثي المقدم لنيل درجة العالمية العالية (الدكتواره)، بعنوان: (الأحكام الفقهية التي قيل فيها بالنسخ، وأثر ذلك في اختلاف الفقهاء، جمعًا ودراسة)، وذلك لأهمية هذا الموضوع، والأسباب الآتية:
أولًا: إن معرفة الناسخ والمنسوخ في الشريعة الإسلامية، من الأهمية بمكان؛ وذلك أن الشريعة الإسلامية، جاءت متَدَرِّجَة حسب المصلحة التي كانت تقتضيه الحال والوقائع، فكان من الضروري أن يوجد فيها الناسخ والمنسوخ تبعًا لاختلاف الأحوال والوقائع.
كما أن في وجود الناسخ والمنسوخ، في الشريعة الإسلامية، عند نزولها، حِكَمًا بالغة، منها: معرفة وتمييز المؤمن من غيره؛ حيث إن المؤمن يُسَلِّمُ ويؤمن بأن كل ذلك من عند الله تعالى. أما الكافر والمنافق فيعترض، وينقلب على عقبيه، قال تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا
[ ١ / ١٣ ]
يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^١).
وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (^٢).
كما أن في ذلك إظهار قدرة الله وأن له ملك السموات والأرض، وأنه هو المالك لكل شيء والقادر عليه، فله أن يقرر ويثبت ما يشاء، وينسخ ويزيل ويمحو ما يشاء، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٣).
وإذا كانت الشريعة الإسلامية يوجد فيها الناسخ والمنسوخ كان من اللازم على علمائها وفقهائها معرفة ناسخها ومنسوخها؛ حتى لا يعملوا أو يفتوا بالمنسوخ المتروك؛ ولذلك جاءت آثار عن بعض الصحابة﵃- في أهمية معرفة الناسخ والمنسوخ في الشريعة، حيث لم يجوزوا
_________________
(١) سورة النحل، الآية (١٠١، ١٠٢).
(٢) سورة البقرة، الآية (١٤٣).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٠٦، ١٠٧).
[ ١ / ١٤ ]
الإفتاء إلا لمن يعرف الناسخ والمنسوخ (^١)، ومن تلك الآثار:
أ-عن أبي عبد الرحمن السلمي (^٢)، قال: انتهى علي بن أبي طالب (^٣) -﵁- إلى رجل يعظ الناس، فقال: (أعلمت الناسخ والمنسوخ؟) قال: لا. قال: (هلكت وأهلكت) (^٤).
وفي رواية عنه -﵁- أنه دخل المسجد، فإذا رجل يخوّف الناس، فقال: ما هذا؟ قالوا رجل يذكّر الناس، فقال: (ليس برجل يذكر الناس، ولكنه يقول: أنا فلان بن فلان فاعرفوني، فأرسل إليه، أتعرف الناسخ والمنسوخ؟) فقال: لا.
_________________
(١) انظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لابن حزم ص ٥ - ٦؛ البرهان في علوم القرآن ٢/ ٢٩؛ الإتقان في علوم القرآن ٢/ ٤٠.
(٢) هو: عبد الله بن حبيب بن ربيعة- بالتصغير-أبو عبد الرحمن السلمي، الكوفي القاري. ثقة، روى عن: عمر، وعثمان، وعلي، -﵃-، وغيرهم، وروى عنه: سعيد بن جبير، والنخعي، وغيرهما، وتوفي بعد السبعين. انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ١٦٤؛ التقريب ١/ ٤٨٥.
(٣) هو: علي بن أبي طالب-عبد مناف-بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الحسن الهاشمي، أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين، شهد بدرًا والمشاهد إلا غزوة تبوك فقد خلفه رسول الله -ﷺ- على المدينة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبناه الحسن والحسين، وغيرهما، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر ونصف شهر، وقتل في رمضان سنة أربعين. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٠؛ الإصابة ٢/ ١٢٩٤؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٢٨٤.
(٤) أخرجه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ص ٩، والحازمي في الاعتبار ص ٤٨، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٥٠.
[ ١ / ١٥ ]
قال: (فاخرج من مسجدنا، ولا تذكّر فيه) (^١).
ب- عن حذيفة (^٢) -﵁- أنه قال: (إنما يفتي الناسَ أحدُ ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه- قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب (^٣)، قال: - وأمير لا يخاف، وأحمق متكلف) (^٤).
ج-عن ابن عباس (^٥) -﵄أنه مرّ بقاص يقصّ، فركضه
_________________
(١) أخرجه أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ص ٩، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٥٢.
(٢) هو: حذيفة بن اليمان بن جابر، العبسي، حليف بني عبد الأشهل، أسلم قبل بدر، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وروى عن النبي -ﷺ-، وكان صاحب سره، وروى عنه: جابر، وأبو الطفيل، وغيرهما. وتوفي سنة ست وثلاثين. انظر: الاصابة ١/ ٣٦٢؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٢٠٣.
(٣) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى، القرشي العدوي، أبوحفص، أمير المؤمنين وثاني الخلفاء الراشدين، أسلم بعد أربعين رجلًا، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وروى عن النبي -ﷺ- وروى عنه: عثمان، وعلي، وغيرهما، وكانت خلافته عشر سنين وخمسة أشهر، واستشهد يوم الأربعاء في شهر ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين. انظر: الاستيعاب ٢/ ٤٥٨؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٥؛ الإصابة ٢/ ١٣٠٧.
(٤) أخرجه الدارمي في سننه ١/ ٧٣، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ في القرآن- وفيه: (ورجل قاض لا يجد من القضاء بدًا) _ص ١٠، والحازمي في الاعتبار ص ٤٩، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٥٥.
(٥) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله -ﷺ-، ولد قبل الهجرة بثلاث، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن عمر، والمسور بن مخرمة، وغيرهما، وكان يقال له حبر الأمة، وقد دعا له النبي -ﷺ- بالحكمة مرتين، وتوفي سنة ثمان وستين. انظر: الاصابة ٢/ ١٠٧٤؛ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٤٦.
[ ١ / ١٦ ]
برجله، فقال: (تدري ما الناسخ من المنسوخ؟) قال: وما الناسخ من المنسوخ؟ قال: (وما تدري ما الناسخ من المنسوخ؟) قال: لا. قال: (هلكت وأهلكت) (^١).
وقد جعل ابن عباس﵄- معرفة ناسخ القرآن ومنسوخه من الحكمة التي ذكر الله أنّ من أُوتيها فقد أُوتي خيرًا كثيرًا، فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ (^٢). قال: (المعرفة بالقرآن ناسخه ومنسوخه، ومحكمه، ومتشابهه، ومقدمه، ومؤخره، وحرامه، وحلاله، وأمثاله) (^٣).
كما أن الفقهاء والمجتهدين راعوا هذه الأهمية فجعلوا من شروط الاجتهاد معرفة الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، بحيث لا يخفى عليه شيء من ذلك، وذلك مخافة أن يقع في الحكم المنسوخ (^٤).
_________________
(١) أخرجه الحازمي في الاعتبار ص ٥٠، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٥٥، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٥٩: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه أبو راشد مولى بني عامر، ولم أر من ذكره).
(٢) سورة البقرة، الآية (٢٦٩).
(٣) أخرجه الطبري في تفسيره جامع البيان ٣/ ١١٣، وأبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم ص ٩، وابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٥٦.
(٤) انظر: البحر المحيط للزركشي ٨/ ٢٣٥؛ إرشاد الفحول للشوكاني ٢/ ٢١٠.
[ ١ / ١٧ ]
قال يحيى بن أكثم (^١): (ليس من العلوم كلها علم هو واجب على العلماء وعلى المتعلمين وعلى كافة المسلمين من علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ لأن الأخذ بناسخه واجب فرضًا، والعمل به لازم ديانة، والمنسوخ لا يُعمل به ولا ينتهى إليه، فالواجب على كل عالم علم ذلك؛ لئلا يوجب على نفسه وعلى عباد الله أمرًا لم يوجبه الله، أو يضع عنهم فرضًا أوجبه الله) (^٢).
وقال أبو محمد ابن حزم الظاهري (^٣): (لا يحل لمسلم يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقول في شيء من القرآن والسنة: هذا منسوخ إلا بيقين؛ لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (^٥). فكل ما أنزل الله
_________________
(١) هو: يحيى بن أكثم بن محمد بن قطن، التميمي المروزي، أبو محمد، القاضي. فقيه، صدوق، روى عن ابن المبارك، وجرير، وغيرهما، وروى عنه: الترمذي، وأبو حاتم، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتين أو ثلاث وأربعين ومائتين. انظر: تهذيب التهذيب ١١/ ١٦٠؛ التقريب ٢/ ٢٩٧؛ شذرات الذهب ٢/ ١٠١.
(٢) انظر: جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ٢٨.
(٣) هو: علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، القرطبي الظاهري، من شيوخه: يحيى بن مسعود، وأحمد بن محمد الجسور، ومن تلامذته: ابنه أبو رافع، وأبو عبد الله الحميدي، ومن مؤلفاته (المحلى بالآثار) وتوفى سنة ست وخمسين وأربعمائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٨/ ١٨٤؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٩٩.
(٤) سورة النساء، الآية (٦٤).
(٥) سورة الأعراف، الآية (٣).
[ ١ / ١٨ ]
تعالى في القرآن أو على لسان نبيه ففرض اتباعه، فمن قال في شيء من ذلك إنه منسوخ فقد أوجب ألا يطاع ذلك الأمر، وأسقط لزوم اتباعه، وهذه معصية لله تعالى مجردة، وخلاف مكشوف، إلا أن يقوم برهان على صحة قوله، وإلا فهو مفتر مبطل.
ومن استجاز خلاف ما قلنا فقوله يؤول إلى إبطال الشريعة كلها؛ لأنه لا فرق بين دعواه النسخ في آية مَّا أو حديث مَّا، وبين دعوى غيره النسخ في آية مَّا أو حديث مَّا، وبين دعوى غيره النسخ في آية أخرى، وحديث آخر، فعلى هذا لا يصح شيء من القرآن والسنة، وهذا خروج عن الإسلام، وكل ما ثبت بيقين فلا يبطل بالظنون، ولا يجوز أن تسقط طاعة أمر أمرنا به الله تعالى ورسوله إلا بيقين نسخ لا شك فيه، فإذا قد صح ذلك وثبت، فلنقل في الوجوه التي بها يصح نسخ الآية أو الحديث، فإذا عدم شيء من تلك الوجوه، فقد بطلت دعوى من ادعى النسخ في شيء من الآيات أو الأحاديث) (^١).
وقال القرطبي (^٢): (معرفة هذا الباب أكيدة، وفائدته عظيمة، لا يستغنى عن معرفته العلماء، ولا ينكره إلا الجهلة الأغبياء؛ لما يترتَّب عليه
_________________
(١) الإحكام شرح أصول الأحكام ١/ ٤٩٧.
(٢) هو: محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح، الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله القرطبي، من شيوخه: أحمد بن عمر القرطبي صاحب "المفهم في شرح صحيح مسلم"، ومن مؤلفاته" الجامع لأحكام القرآن"، وتوفي سنة إحدى وسبعين وستمائة. انظر: الديباج المذهب لابن فرحون ٢/ ٣٠٨؛ شجرة النور الزكية ص ١٩٧.
[ ١ / ١٩ ]
من النوازل في الأحكام، ومعرفة الحلال من الحرام) (^١).
ومما يدل كذلك على أهمية هذا العلم وعظمة شأنه: أنه ليس كل أحد يُيَسّرُ له حصوله، أو يتمكن من تحصيله؛ إذ كثير من أهل العلم قد اعتبروا معرفة الناسخ والمنسوخ -وخاصة في السنة- من أصعب العلوم.
فقد قال الزهري (^٢) -وهو القائل: (لم يدون هذا العلم أحد قبلي تدويني) -: (أعيى الفقهاء وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول الله -ﷺ- من منسوخه) (^٣).
وقال الحازمي (^٤): (هو علم جليل، ذو غور وغموض، دارت فيه الرؤوس، و
تاهت (^٥) في الكشف عن مكنونه النفوس، وقد توهم بعض من
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٦١.
(٢) هو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، القرشي الزهري، الفقيه أبو بكر، المدني، متفق على جلالته، روى عن: ابن عمر، وأنس، وغيرهما، وروى عنه: عطاء بن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء ٥/ ٣٢٦؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٣٨٥.
(٣) أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١١٦، والحازمي في الاعتبار ص ٤٤.
(٤) هو: محمد بن موسى بن عثمان الحازمي الهمذاني، الحافظ أبو بكر، سمع من أبي الوقت السجزي، وغيره، وجمع وصنف، وبرع في فن الحديث، ومن أشهر مؤلفاته (الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار) وتوفي سنة أربع وثمانين وخمسمائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٢١/ ١٦٧؛ البداية والنهاية ١٢/ ٣٥٧.
(٥) تاهت من تَيَهَ، وهو التحير، والضلال. انظر: مختار الصحاح ص ٧١؛ المصباح المنير ص ٧٥.
[ ١ / ٢٠ ]
لم يحظ من معرفة الآثار إلا بآثار، ولم يحصل من طرائق الأخبار إلا أخبارًا، أن الخطب فيه جليل يسير، والمحصول منه قليل غير كثير.
ومن أمعن النظر في اختلاف الصحابة في الأحكام المنقولة عن النبي -ﷺ- اتضح له ما قلناه.) -ثم استشهد لقوله بقول الزهري السابق- (^١).
ثانيًا: إن الفقهاء والمجتهدين-رحمهم الله تعالى-اختلفوا في مسائل كثيرة، وكان أحد أسباب اختلافهم، الاختلاف في الناسخ والمنسوخ (^٢).
فجمع هذه المسائل، وتحقيق القول فيها، ودراستها دراسة علمية، يحقق فائدة عظيمة للباحث والقارئ؛ وذلك بأنه سيتمكّن من معرفة من قال بالنسخ في المسألة ممن لم يقل به، وما هو دليل كل واحد، وبالتالي سيتمكن من معرفة سبب اختلافهم، وهل المسألة منسوخة في الحقيقة أم لا.
كما أن في ذلك رفعًا للملامة عن من خالف بعض الأحاديث الصحيحة، وذلك ببيان أن مخالفته للحديث وعدم قوله به إنما حصل؛ لأنه اعتبر ذلك الحديث منسوخًا.
ثالثًا: يوجد بعض من تعصب للمذاهب، فردُّوا أحاديث صحيحة، بدعوى أنها منسوخة، من غير أن يعرفوا نسخها وناسخها. كما قال شيخ الإسلام (^٣) - ﵀-: (ونجد كثيرًا من الناس ممن يخالف الحديث الصحيح
_________________
(١) الاعتبار ص ٤٤.
(٢) انظر: رفع الملام عن الأئمة الأعلام لشيخ الإسلام ص ٣٣؛ الإيقاف على سبب الاختلاف للسندي ص ٣٦.
(٣) هو: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله، الحراني، شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس، سمع الحديث من ابن عبد الله الدائم، وغيره، وقل أن سمع شيئا إلا حفظه، وكان إمامًا في التفسير عارفًا بالفقه، وباختلاف العلماء وعالمًا بالأصول والفروع وسائر العلوم، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ١٥٤؛ شذرات الذهب ٦/ ٨٠.
[ ١ / ٢١ ]
من أصحاب أبي حنيفة (^١)، أو غيرهم يقول: هذا منسوخ. وقد اتخذوا هذا محنة كل حديث لا يوافق مذهبهم، يقولون: هو منسوخ، من غير أن يعلموا أنه منسوخ، ولا يثبت ما الذي نسخه، وكذلك كثير ممن يحتج بالعمل من أهل المدينة أصحاب مالك (^٢)، وغيرهم، يقولون: هذا منسوخ) (^٣).
وإذا كان الأمر كذلك، فجمع هذه المسائل ودراستها دراسة علمية، أمر مهم جدا، حتى تتبين وتظهر المسائل المنسوخة حقيقة، من
_________________
(١) هو: النعمان بن ثابت بن زوطى، أبو حنيفة الكوفي، مولى تيم الله بن ثعلبة، وقيل: إنه من أبناء فارس الأحرار، إمام فقيه مشهور، روى عن عطاء بن أبي رباح، وحماد بن سليمان، وغيرهما، وروى عنه: ابنه حماد، وأبو يوسف القاضي، وغيرهما، وثقه ابن معين، وضعفه النسائي من قبل حفظه، وتوفي سنة خمسين ومائة. انظر: الجواهر المضية ١/ ٥١ - ٥٧؛ سير أعلام النبلاء ٦/ ٣٩٠؛ ميزان الاعتدال ٥/ ٣٩٠؛ التهذيب ١٠/ ٤٠١.
(٢) هو: مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله، إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وروى عن نافع، والزهري، وغيرهما. وروى عنه الإمام الشافعي، وابن المبارك، وغيرهما، ومن مؤلفاته (الموطأ) وتوفي سنة تسع وسبعين ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٨/ ٤٨؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٥.
(٣) مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥٠ - ١٥١.
[ ١ / ٢٢ ]
التي ادعي فيها النسخ وتكلف فيها تكلفات وتأويلات بعيدة، لرد الأحاديث الصحيحة، لمجرد التعصب المذهبي.
رابعًا: سيستفيد الباحث من الكتابة في هذا الموضوع فوائد كثيرة، من أهمها: دراسة أحاديث كثيرة، من ناحية التخريج، والحكم عليها، وما تدل عليه من ناسخ أو منسوخ.
خامسًا: ولأن هذه المسائل الفقهية التي قيل فيها بالنسخ، متناثرة، ومتفرقة في الكتب الفقهية، وكتب فقه السنة، وشروح كتب الأحاديث، والكتب المؤلفة في الآثار، فأردت جمعها، ودراستها في مؤلف واحد؛ لتكون قريبة التناول سهلة المأخذ، لمن يريدها أو يحتاج إليها.