النسخ الواقع في القرآن على ثلاثة أنواع، وهي:
أولًا: ما نسخ تلاوته وحكمه معًا.
ومثاله ما روي عن عائشة (^١) -﵂قالت: (كان فيما أنزل من القرآن: «عشر رضعات معلومات يُحرِّمْن». ثم نُسخن: بخمس معلومات. فتوفي رسول الله -ﷺ- وهنّ فيما يُقرأُ من القرآن) (^٢).
فهذا مما نُسخ تلاوته وحكمه معًا (^٣).
ومعنى قولها: (فتوفي رسول الله -ﷺ- وهن فيما يقرأُ من القرآن) أن نسخها كان قرب وفاة رسول الله -ﷺ-، فبعض الناس لم يكن بلغهم نسخها إلا بعد وفاة رسول الله -ﷺ-، فكانوا يقرؤونها ويجعلونها قرآنًا، ثم بلغهم نسخها (^٤).
_________________
(١) هي: عائشة بنت عبد الله- أبي بكر الصديق-، التيمية، زوج النبي -ﷺ-، وأفقه النساء مطلقًا، تزوجها النبي -ﷺ- وهي بنت ست سنين، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: عبد الله بن الزبير، وقاسم بن محمد، وغيرهما، وتوفيت سنة سبع وخمسين. انظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ١٣٥؛ الإصابة ٤/ ٢٥٧٣.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٥/ ٣٧٤، كتاب الرضاع، باب التحريم بخمس رضعات، ح (١٤٥٢) (٢٤).
(٣) انظر: البرهان للزركشي ٢/ ٣٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٣٢.
(٤) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٥/ ٣٧٤؛ البرهان للزركشي ٢/ ٣٩؛ الإتقان للسيوطي ٢/ ٤٢.
[ ١ / ٩٨ ]
ثانيًا: ما نسخ حكمه دون تلاوته
مثاله: قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ (^١).
فهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (^٢).
فحكم الآية الأولى منسوخ بالآية الثانية، مع أن تلاوته باقية (^٣).
ثالثًا: ما نسخ تلاوته دون حكمه
مثاله: ما روى ابن عباس﵄- عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال وهو جالس على منبر رسول الله -ﷺ-: (إن الله قد بعث محمدًا -ﷺ- بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله -ﷺ- ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن، من الرجال والنساء، إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف) (^٤).
_________________
(١) سورة المجادلة، الآية (١٢).
(٢) سورة المجادلة، الآية (١٣).
(٣) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢٣٢.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٣٣، كتاب الحدود، باب رجم الحبلى في الزنا إذا أحصنت، ح (٦٨٣٠)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له-٦/ ٢٥٢، كتاب الحدود، باب رجم الثيب في الزنى، ح (١٦٩١) (١٥).
[ ١ / ٩٩ ]
وفي رواية عنه -﵁- أنه قال: (وقد قرأتها: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة﴾ رجم رسول الله -ﷺ- ورجمنا بعده) (^١).
فهذه الآية لا وجود لها الآن في المصحف، وحكمها باق، فهي مما نسخ تلاوته، وبقي حكمه (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٤٣٥، كتاب الحدود، باب الرجم، ح (٢٥٥٣)، ومالك في الموطأ ص ٦٢٩، ورجال مالك رجال الجماعة، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ٤٣٥، وفي إرواء الغليل ٨/ ٤.
(٢) انظر: الإتقان ٢/ ٥٠؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٣٣.
[ ١ / ١٠٠ ]