قسم أهل العلم (^١) الحكم (^٢) الشرعي (^٣) الثابت لأفعال المكلفين (^٤) إلى أقسام خمسة، وهي:
أولًا: الفرض (^٥) والواجب (^٦).
_________________
(١) انظر: المستصفى للغزالي ص ٥٢؛ روضة الناظر ١/ ٦٤.
(٢) الحكم لغة: المنع، يقال: حكمت عليه بكذا: إذا منعته من خلافه. ومنه قيل للقضاء حكم؛ لأنه يمنع من غير المقضي. انظر: مختار الصحاح ص ١٣٠؛ المصباح المنير ص ١٢٧. والحكم اصطلاحًا: إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه. مذكرة أصول الفقه ص ٣.
(٣) الحكم الشرعي هو: خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف. مذكرة أصول الفقه ص ٤. وانظر: التعريفات للجرجاني ص ٩٢؛ إرشاد الفحول للشوكاني ١/ ٢٥.
(٤) المكلفين جمع مكلف، وهو: المسلم العاقل البالغ. التعريفات الفقهية ص ٢١٥. والتكليف لغة: الأمر بما فيه مشقة. انظر: المصباح المنير ص ٤٣٨؛ القاموس المحيط ص ٧٦٥. واصطلاحًا: إلزام الكلفة على المخاطب. التعريفات للجرجاني ص ٦٥؛ التعريفات الفقهية ص ٦١. وقيل: التكليف اصطلاحًا هو: طلب ما فيه مشقة. مذكرة أصول الفقه ص ٥.
(٥) الفرض لغة: القطع، والحز، والتقدير، وما أوجبه الله تعالى على عباده. انظر: لسان العرب ١٠/ ٢٣٠ - ٢٣١؛ المصباح المنير ص ٣٨١؛ القاموس المحيط ص ٥٨٤. أما الفرض اصطلاحًا: ففرق الحنفية بينه وبين الواجب-وهو رواية عن الإمام أحمد- فعرفوا الفرض بأنه: ما ثبت بدليل قطعي لا شبهة فيه، ويكفر جاحده، ويعذب تاركه. التعريفات للجرجاني ص ١٦٥. وانظر: التعريفات الفقهية ص ١٦٣. روضة الناظر ١/ ٦٥. وعند الجمهور لا فرق عندهم بينه وبين الواجب فهو عندهم: ما توعد بالعقاب على تركه. روضة الناظر ١/ ٦٤. أو هو: ما أُمر به أمرًا جازمًا. مذكرة أصول الفقه ص ٦.
(٦) الواجب من وجب، وهو لغة: السقوط، والثبوت، واللزوم. انظر: مختار الصحاح ص ٦٢٥؛ المصباح المنير ص ٥٣١؛ القاموس المحيط ص ١٣٠. أما الواجب اصطلاحًا، فقد سبق تعريفه عند الجمهور. أما عند الحنفية-وهو رواية عن الإمام أحمد- فهو: ما ثبت وجوبه بدليل فيه شبهة، لكونه ظني الدلالة أو ظني الثبوت. التعريفات الفقهية ص ٢٣٥. وانظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٤٩؛ مذكرة أصول الفقه ص ٦.
[ ١ / ١١٩ ]
ثانيًا: المندوب (^١).
ثالثًا: المباح (^٢).
رابعًا: المكروه (^٣).
_________________
(١) المندوب من ندب، وهو لغة: الدعاء إلى الفعل. انظر: مختار الصحاح ص ٥٧٣؛ المصباح المنير ص ٤٨٨. والمندوب اصطلاحًا هو: ما في فعله ثواب، ولا عقاب في تركه. روضة الناظر ١/ ٧٩. أو هو: ما أُمر به أمرًا غير جازم. مذكرة أصول الفقه ص ١٢. وقيل: المندوب: هو الفعل الذي يكون راجحًا على تركه في نظر الشارع، ويكون تركه جائزًا. التعريفات للجرجاني ص ٢٣١؛ التعريفات الفقهية ص ٢١٩.
(٢) المباح لغة: ضد المحظور، وباح الشيء: ظهر. انظر: مختار الصحاح ص ٥٩؛ المصباح المنير ص ٦٤. والمباح اصطلاحًا هو: ما أذن الله في فعله وتركه، غير مقترن بذم فاعله وتاركه ولا مدحه. روضة الناظر ١/ ٨١. وقيل هو: ما استوى طرفاه، يعني ما ليس بفعله ثواب ولا لتركه عقاب. التعريفات للجرجاني ص ١٩٦؛ التعريفات الفقهية ص ١٩٢.
(٣) المكروه اسم مفعول من كره، وهو لغة: ضد المحبوب. انظر: مختار الصحاح ص ٥٠٠؛ المصباح المنير ص ٤٣٣؛ القاموس المحيط ص ١١٢٧. واصطلاحًا هو: ما ترجح تركه على فعله من غير وعيد فيه. البلبل في أصول الفقه للطوفي ص ٣٦. أو هو: ما نُهي عنه نهيًا غير جازم. مذكرة أصول الفقه ص ١٧. وقيل: المكروه هو: ما راجح الترك، فإن كان إلى الحرام أقرب تكون كراهته تحريمية، وإن كان إلى الحل أقرب تكون تنزيهية، ولا يعاقب على فعله. التعريفات للجرجاني ص ٢٢٨.
[ ١ / ١٢٠ ]
خامسًا: الحرام (^١).
وهذه الأقسام يقع نسخها على أوجه مختلفة، وتفصليها على النحو التالي:
القسم الأول: الفرض والواجب
وهذا القسم يقع نسخه على ثلاثة أوجه، وهي:
الوجه الأول: أن ينسخ من الوجوب إلى المنع.
مثاله: نسخ وجوب التوجه إلى بيت المقدس بالمنع منه (^٢).
الوجه الثاني: أن ينسخ من الوجوب إلى الاستحباب.
_________________
(١) الحرام لغة: الممنوع، وضد الحلال. انظر: مختار الصحاح ص ١١٦؛ المصباح المنير ص ١١٦. والحرام اصطلاحًا هو: ما ذُم فاعله شرعًا. البلبل في أصول الفقه ص ٣٣. أو هو: ما في تركه الثواب، وفي فعله العقاب. أو هو: ما نُهي عنه نهيًا جازما. مذكرة أصول الفقه ص ١٨.
(٢) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٢٨.
[ ١ / ١٢١ ]
مثاله: نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة إلى الاستحباب (^١).
الوجه الثالث: أن ينسخ من الوجوب إلى الإباحة.
مثاله: نسخ وجوب الوضوء مما مست النار إلى الإباحة (^٢).
القسم الثاني: المندوب والمستحب
وهذا القسم يقع نسخه كذلك على ثلاثة أوجه، وهي:
الوجه الأول: أن ينسخ من الندب والاستحباب إلى الوجوب.
مثاله: الصوم في رمضان، فإن صومه كان مستحبًا، وكان جائزًا لمن افتدى أن يتركه ثم نُسخ ذلك بوجوب الصوم في رمضان في حق الصحيح المقيم (^٣).
الوجه الثاني: أن ينسخ من الندب والاستحباب إلى التحريم.
مثاله: الإعراض والصفح عن المشركين واللطف بهم، فإن ذلك كان مستحبًا ومندوبًا في أول الإسلام، ثم نسخ ذلك بالأمر بقتالهم (^٤).
الوجه الثالث: أن ينسخ من الاستحباب والندب إلى الإباحة (^٥).
_________________
(١) راجع المصدر السابق.
(٢) المصدر السابق. والمسألة مختلف فيها، وسيأتي تفصيلها في مبحث آداب الوضوء ونواقضه.
(٣) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٢٩.
(٤) المصدر السابق. وسيأتي في مبحث الجهاد تفصيل القول في المسألة وأقوال أهل العلم فيها.
(٥) ذكر ابن الجوزي في نواسخ القرآن ١/ ١٢٩، مثالًا لهذا القسم نقلًا عن شيخه ابن الزاغوني، فقال: (مثل نسخ استحباب الوصية للوالدين بالإباحة). وهذا غير صحيح؛ لأنه جاء النهي عن الوصية للورثة في الحديث الصحيح، وقد سبق ذكره.
[ ١ / ١٢٢ ]
القسم الثالث: المباح.
ويقع نسخه على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن ينسخ من الإباحة إلى التحريم.
مثاله: أن الخمر كانت مباحة في أول الإسلام، ثم حرمت (^١).
الوجه الثاني: أن ينسخ من الإباحة إلى الكراهة.
مثاله: الالتفات في الصلاة، فإنه كان جائزًا ومباحًا، ثم نسخ فصار مكروهًا (^٢).
الوجه الثالث: أن ينسخ من الإباحة إلى الوجوب.
مثاله: أن قتال المشركين كان قد نُهي عنه، ثم نُسخ ذلك بالإباحة، ثم نُسخ إباحة قتالهم بوجوبه، فصار المباح واجبًا (^٣).
القسم الرابع: المكروه.
ويقع نسخه على وجه واحد، وهو أن يُنسخ من الكراهة إلى الإباحة والجواز.
_________________
(١) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥١١؛ نواسخ القرآن ١/ ١٢٩.
(٢) وهذا على قول بعض أهل العلم. انظر: الاعتبار للحازمي ص ٢٠٤. وسيأتي تفصيل القول في المسألة في مبحث ما يكره في الصلاة أو يفسدها.
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٩.
[ ١ / ١٢٣ ]
مثاله: نسخ كراهة ذكر الله تعالى على غير وضوء إلى إباحة ذكره بغير وضوء (^١).
القسم الخامس: الحرام.
وهذا القسم يقع نسخه على وجهين:
الوجه الأول: أن ينسخ من التحريم إلى الاستحباب والندب.
مثاله: زيارة القبور، فإنها كانت قد نُهي عنها، ثم زار النبي -ﷺ- القبور، وأمر بزيارتها، فصارت مستحبة (^٢).
الوجه الثاني: أن ينسخ من التحريم إلى الإباحة.
مثاله: الأكل والشرب والجماع، فإنها كانت محرمة على الصائم بعد النوم في ليالي رمضان، ثم نسخ ذلك، فصار مباحًا (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٩؛ المحلى ١/ ١٠٠؛ بداية المجتهد ١/ ٨٩. وسيأتي تفصيل القول في المسألة في مبحث آداب قضاء الحاجة، والوضوء ونواقضه.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٣٣٠. وسيأتي تفصيل القول فيها في مبحث الجنائز - إن شاء الله تعالى-.
(٣) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٠.
[ ١ / ١٢٤ ]