النسخ في الشريعة الإسلامية قد يرد به القرآن، وقد ترد به السنة. والمنسوخ كذلك قد يرد به القرآن، وقد ترد به السنة، فتكون الأقسام أربعة، وهي كالتالي:
أولًا: نسخ القرآن بالقرآن
وهو جائز وواقع بلا خلاف (^١)، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٢).
ومن أمثلته كذلك بعض ما سبق في الفرع السابق.
ثانيًا: نسخ القرآن بالسنة
وقد اختلف أهل العلم في هذا النوع في جوازه ووقوعه على قولين:
القول الأول: لا يجوز نسخ القرآن بالسنة
وهو قول الإمام الشافعي (^٣)،
_________________
(١) انظر: البرهان ٢/ ٣٢؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٥٤.
(٢) سورة البقرة، الآية (١٠٦).
(٣) هو: محمد بن إدريس بن عثمان بن شافع، القرشي، المطلبي، أبو عبد الله الشافعي، المكي نزيل مصر، أحد الأئمة الأربعة، ولد سنة خمسين ومائة وروى عن: مالك وابن عيينة، وغيرهما. وروى عنه: أحمد ابن حنبل، وأبو ثور، وغيرهما. وكان إمامًا فقيهًا محدثًا، وتوفي سنة أربع ومائتين. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٣٦١؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٢٣؛ شذرات الذهب ٢/ ٩. وانظر قوله في: الرسالة ص ١٠٦؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٥٠؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٣٨.
[ ١ / ١٠١ ]
والمشهور عن الإمام أحمد (^١).
القول الثاني: يجوز نسخ القرآن بالسنة.
وهو قول الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد (^٤).
واستدل من قال بعدم الجواز بأدلة منها ما يلي:
أ- قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (^٥).
فهذه الآية تدل على أن الله ﷾ إذا نسخ آية فإنه يأتي بخير منها
_________________
(١) هو: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني المروزي، أبو عبد الله، ثقة، فقيه، أحد الأئمة الأربعة، ولد سنة أربع وستين ومائة، وروى عن: الإمام الشافعي، وابن عيينة، وغيرهما، وروى عنه: الإمام البخاري، ويحيى بن معين، وغيرهما، وتوفي سنة إحدى وأربعين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٧٧؛ البداية والنهاية ١٠/ ٢٤٩؛ تهذيب التهذيب ١/ ٦٨. وانظر قوله في: روضة الناظر ١/ ١٥٠؛ مجموع الفتاوى ١٧/ ١٩٥؛ المسودة في أصول الفقه ص ٢٠١؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٢.
(٢) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٦٧؛ أصول فخر الإسلام البزدوي مع كشف الأسرار للبخاري ٣/ ٣٣٥؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٩٣.
(٣) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب للسبكي ٤/ ٩٠؛ نفائس الأصول للقرافي ٣/ ٢٧٩؛ البحر المحيط ٥/ ٢٦٢؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٩.
(٤) انظر: المسودة ص ٢٠٢؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦٣.
(٥) سورة البقرة، الآية (١٠٦).
[ ١ / ١٠٢ ]
أو مثلها، والسنة ليست خيرًا من القرآن ولا مثله، فلا تكون ناسخةً له (^١).
واعترض عليه: بأن السنة كذلك من عند الله تعالى، والنسخ في الآية أعم من أن يكون في الأحكام أو في التلاوة، والخيرية والمثلية أعم من أن تكونا في المصلحة أو في الثواب، وعلى هذا فقد تكون السنة الناسخة خيرًا من القرآن المنسوخ من هذه الناحية، وإن كان القرآن خيرًا من السنة من ناحية امتيازه بخصائصه العليا (^٢).
ب- قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^٣).
وهذه الآية كذلك تدل على أن الآية إذا بدلت يأتي بدلها آية، فيكون نسخ القرآن بالقرآن لا بغيره (^٤).
واعترض عليه: بأنه ﷾ لم يقل: أنه لا يبدل آية إلا مكان آية، بل إنه قال: إنه يبدل آية مكان آية، وليس فيه نفي أنه لا يبدل آية بغيرها (^٥).
_________________
(١) انظر: الرسالة للإمام الشافعي ص ١٠٨؛ الإتقان ٢/ ٤٠؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٥٨.
(٢) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٧٥؛ الإتقان ٢/ ٤٠؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٥٨.
(٣) سورة النحل، الآيتان (١٠١، ١٠٢).
(٤) انظر: الرسالة ص ١٠٨؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٥٧.
(٥) انظر: الإحكام شرح أصول الأحكام ١/ ٥٢١.
[ ١ / ١٠٣ ]
ج-قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (^١).
فهذه الآية تدل على أن الله ﷾ فرض على نبيه اتباع ما يُوحى إليه، ولم يجعل له تبديله من تلقاء نفسه، وفي قوله: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ بيان أنه لا ينسخ كتاب الله إلا كتابه، فلا تكون السنة ناسخة له (^٢).
واعترض عليه: بأن السنة كذلك وحي من عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^٣).
وإذا كانت السنة وحيًا من عند الله تعالى فنسخ القرآن بها نسخ من عند الله تعالى وليس من تلقاء نفس الرسول -ﷺ- (^٤).
د- ويدل عليه كذلك أن الصحابة﵃- والتابعين الذين
_________________
(١) سورة يونس، الآية (١٥).
(٢) انظر: الرسالة ص ١٠٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٥٧.
(٣) سورة النجم، الآيتان (٣، ٤).
(٤) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٧٢؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٥٧، ٢٥٨.
[ ١ / ١٠٤ ]
أُخذ عنهم علم الناسخ والمنسوخ، إنما يذكرون نسخ القرآن بقرآن، لا يذكرون نسخه بغير قرآن، والكتب المؤلفة في ناسخ القرآن ومنسوخه تتضمن هذا، فلو كان ناسخ القرآن غير القرآن لوجب أن يذكروا ذلك كذلك (^١).
واعترض عليه: بأن إطلاق هذا القول على خلاف الواقع؛ حيث إن بعضًا ممن ألف في
ناسخ القرآن ومنسوخه، قد ذكرو في مؤلفاتهم نسخ بعض الآيات بالسنة (^٢).
دليل من قال بجواز نسخ القرآن بالسنة
استدلوا بأدلة منها ما يلي:
أ- أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (^٣).
نُسخ بقوله -ﷺ-: «إن الله قد أعطى كل ذي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث» (^٤).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ١٧/ ١٩٧.
(٢) ومنهم أبو جعفر النحاس، والمكيّ القيسي، فقد ذكرا في الآية (١٤٥) من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة﴾ الآية، أقوالًا منها قول من قال: إنها نسخت بالنهي عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير. انظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم للنحاس ص ١٤١؛ الإيضاح في ناسخ القرآن ومنسوخه للمكيّ القيسي ص ٢٨٨.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٨٠).
(٤) أخرجه من حديث أبي أمامة أبو داود في سننه ص ٤٣٧، كتاب الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث، ح (٢٨٧٠) والترمذي في سننه ص ٤٧٨، كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث، ح (٢١٢٠)، وابن ماجة في سننه ص ٤٦١، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، ح (٢٧١٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/ ٤٣٢. ثم أسند البيهقي إلى أحمد بن حنبل أنه قال: (إسماعيل بن عياش ما روى عن الشاميين صحيح، وما روى عن أهل الحجاز فليس بصحيح) ثم قال البيهقي: (وكذلك قاله البخاري وجماعة من الحفاظ، وهذا الحديث إنما رواه إسماعيل عن شامي). وقال الترمذي في سننه ص ٤٧٨: (حديث حسن صحيح)، وكذلك صححه الشيخ الألباني في إرواء الغليل ٦/ ٨٧، ثم قال: (وقد جاء عن جماعة كثيرة من الصحابة، منهم أبو أمامة الباهلي، وعمرو بن خارجة، وعبد الله بن عباس، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمرو، وجابر بن عبد الله، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم).
[ ١ / ١٠٥ ]
فالوصية للوالدين والأقربين كانت فرضًا بهذه الآية، ثم نسخ بالحديث المذكور (^١).
واعترض عليه: بأن الوصية للورثة نسخت بآيات المواريث، يدل عليه الحديث المذكور؛ حيث جاء فيه: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه»، وهذا الحق هو المذكور في آيات
المواريث (^٢).
كما يدل عليه ما جاء عن ابن عباس﵄- أنه قال: (كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل
_________________
(١) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٣٨، ٣٣٩؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٠.
(٢) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي ٣/ ٣٣٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٠.
[ ١ / ١٠٦ ]
للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع) (^١).
ب- أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^٢).
نُسخ بقوله -ﷺ-: «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا. البكر بالبكر (^٣) جلد مائة، ونفي سنة، والثيب بالثيب (^٤) جلد مائة والرجم» (^٥).
فالإمساك في البيوت المذكور في الآية، نُسخ بالحديث المذكور، فجعل
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٥٦، كتاب الوصايا، باب لا وصية لوارث، برقم (٢٧٤٧).
(٢) سورة النساء، الآية (١٥).
(٣) البكر بالبكر، أي الرجل الذي لم يتزوج، بالمرأة التي لم تتزوج، ولم يوجد الدخول في النكاح الصحيح. طلبة الطلبة للنسفي ص ١٥٢. والبكر: هي التي يكون واطئها مبتدءًا لها. التعريفات الفقهية ص ٤٢.
(٤) الثيب هو الرجل المتزوج الداخل بالمرأة المنكوحة المدخول بها. طلبة الطلبة ص ١٥٣. والثيبة: خلاف الباكرة، أي هي التي يكون واطئها راجعًا إليها. التعريفات الفقهية ص ٤٢، ٦٧.
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه-من رواية عبادة بن الصامت -﵁- ٦/ ٢٤٩، كتاب الحدود، باب حد الزنى، ح (١٦٩٠) (١٢).
[ ١ / ١٠٧ ]
للبكر والباكرة الزانيين جلد مائة، وللثيب والثيبة الزانيين الرجم (^١).
واعترض عليه: بأن النسخ ثبت بالقرآن؛ حيث إن جلد الزاني ثابت بنص القرآن في قوله
تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (^٢).
وكذلك الرجم كان قد أنزل فيه قرآن يتلى، ثم نُسخ لفظه، وبقي حكمه وهو قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة» (^٣).
فلا يكون نسخ الآية بالسنة، بل بالقرآن (^٤).
ج- أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥).
نُسخ بحديث ابن عباس﵂- قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير» (^٦).
_________________
(١) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥٢٢؛ أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٤٢؛ أصول السرخسي ٢/ ٧١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦١.
(٢) سورة النور، الآية (٢).
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٦.
(٤) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٧١؛ مجموع الفتاوى ٢٠/ ٣٩٨؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦١.
(٥) سورة الأنعام، الآية (١٤٥).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٧/ ١٤، كتاب الصيد، باب تحريم أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، ح (١٩٣٤) (١٦).
[ ١ / ١٠٨ ]
فالنهي عن كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، ناسخ لهذه الآية فتكون السنة قد نسخت القرآن (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أ-أن الآية جواب لمن سأل عن أشياء بعينها، فوقع الجواب بخصوصها، أي أجابهم عن المحرمات من تلك الأشياء، وليس المراد حصر جميع المحرمات فيما ذكر في الآية فقط (^٢).
وعلى هذا فلا يكون للنسخ وجهًا في الآية، بل تكون محكمة، ويضم إليها بالسنة ما فيها
من محرم (^٣).
ب- أن الآية الكريمة لم تتعرض لإباحة ما عدا الذي ذكر فيها، فغير ما ذكر فيها مباح بالبراءة الأصلية، والأحاديث التي ذكر فيها محرمات غيرها، رفعت هذه البراءة، ورفعها لا يسمى نسخًا (^٤).
وأجيب عن هذا: بأن الحصر في الآية يفهم منه إباحة ما سوى
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٥؛ الناسخ والمنسوخ في الأحاديث للرازي ص ٣٢؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٧/ ١٠٣؛ تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٥؛ مختصر ابن حاجب مع شرحه رفع الحاجب ٤/ ٨٢؛ إرشاد ا لفحول ٢/ ٧٠؛ أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٢/ ١٨٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦١.
(٢) انظر: جامع البيان ٥/ ٣٦٠٨، ٣٦٠٩؛ أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٢١؛ الجامع لأحكام القرآن ٧/ ١٠٣.
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٧٦٥.
(٤) انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ١٧٥؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٢.
[ ١ / ١٠٩ ]
الأربعة المذكورة فيها شرعًا، فتكون إباحة شرعية؛ لدلالة القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ (^١).
هذا كان أظهر أدلة القولين، والذي يظهر-والله أعلم- أنه لا ما نع من نسخ القرآن بالسنة، لكن في وقوعه خلاف قوي. لكنه إذا أريد بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢). حصر المحرمات في الأربعة المذكورة، ونفي التحريم عمّا عداها، فإن الأظهر القول بنسخ هذا الحصر بالأحاديث التي جاء فيها ذكر محرمات كثيرة (^٣) والله أعلم.
ثالثًا: نسخ السنة بالسنة
نسخ السنة بالسنة أربعة أنواع:
١ - نسخ سنة متواترة (^٤) بسنة متواترة.
_________________
(١) انظر: أضواء البيان ٢/ ١٨٧.
(٢) سورة الأنعام، الآية (١٤٥).
(٣) انظر: أضواء البيان ٢/ ١٨٧.
(٤) السنة المتواترة أو الحديث المتواتر هو: خبر أقوام بلغوا في الكثرة إلى حيث حصل العلم بقولهم. إرشاد الفحول ١/ ١٢٨. أو هو: ما رواه عدد كثير تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. تيسير مصطلح الحديث للطحان ص ١٨. وانظر: التعريفات ص ٩٦.
[ ١ / ١١٠ ]
٢ - نسخ سنة آحادِيَّة (^١) بسنة متواترة.
٣ - نسخ سنة آحادِيّة بسنة آحادية.
٤ - نسخ سنة متواترة بسنة آحادِيّة.
أما الثلاثة الأول، وهي نسخ السنة المتواترة بالمتواترة، والآحادية بالمتواترة، والآحادية بالآحادية، فجائز بلا خلاف بين أهل العلم (^٢).
واختلفوا في نسخ المتواترة بالسنة الآحادية على قولين:
القول الأول: أنه لا يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، وأنه غير واقع.
وهو قول الجمهور (^٣).
القول الثاني: أنه يجوز نسخ المتواتر بالآحاد، وأنه واقع.
وهو رواية عن الإمام أحمد، ويحتمله قول الإمام الشافعي، وقال به جماعة من أهل العلم، منهم ابن حزم (^٤).
استدل أصحاب القول الأول: بأن المتواتر قطعي الثبوت، وخبر
_________________
(١) سنة الآحاد، أو الخبر الواحد هو: ما يرويه الواحد أو الاثنان فصاعدًا ما لم يبلغ التواتر. انظر: التعريفات ص ٩٦؛ تيسير مصطلح الحديث ص ٢١.
(٢) انظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٥٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٥.
(٣) انظر: التحرير لابن الهمام وشرحه تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/ ٢٠١؛ مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب ٤/ ٧٩؛ البحر المحيط ٥/ ٢٦٠؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٧.
(٤) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٨؛ البحر المحيط ٥/ ٢٦١؛ المسودة ص ٢٠٦؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٦١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٧.
[ ١ / ١١١ ]
الواحد ظني، والقطعي لا يرتفع بالظني؛ لأن الشي لا يبطل أقوى منه (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- أنه لا تعارض بين خبرين مختلفي التاريخ لإمكان صدق كل منهما في وقته؛ إذ لا خلاف بين أهل العلم في عدم لزوم التناقض بين القضيتين إلا إذا اتحد زمنهما، أما إن
اختلفا فيجوز صدق كل منهما في وقتها (^٢).
ب- بأنه مخالف للواقع، يدل عليه ما يذكر في أدلة القول الثاني.
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
أ- عن عبد الله بن عمر (^٣) -﵄قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة» فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى
_________________
(١) انظر: مختصر ابن الحاجب ٤/ ٧٩؛ تيسير التحرير ٣/ ٢٠١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٥.
(٢) انظر: مذكرة أصول الفقه للشيخ الشنقيطي ص ٨٤.
(٣) هو: عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، أبو عبد الرحمن، هاجر وهو ابن عشر سنين، واستصغر يوم أحد، وشهد الخندق والمشاهد بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: جابر، وابن عباس، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وسبعين. انظر: الاستيعاب ٢/ ٣٤١؛ الإصابة ٢/ ١٠٩٥؛ التهذيب ٥/ ٢٩١.
[ ١ / ١١٢ ]
الشام فاستداروا إلى الكعبة) (^١).
فأهل قباء قبلوا خبره، واستداروا وهم في صلاتهم، وبلغ ذلك رسول الله -ﷺ- فأقرهم، فدل ذلك على جواز نسخ الخبر المتواتر بالخبر الواحد، وعلى وقوعه (^٢).
ب- عن أنس (^٣) -﵁- قال: (ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، فإني لقائم أسقي أبا طلحة (^٤) وفلانًا وفلانًا، إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: «حُرّمت الخمر». قالوا:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٧، كتاب الصلاة، باب ما جاء في القبلة، ح (٤٠٣)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٣٣٣، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، ح (٥٢٦) (١٣).
(٢) انظر: مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب ٤/ ٨١، ٨٢؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٧.
(٣) هو: أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله -ﷺ- وأحد المكثرين من الرواية عنه، وروى عنه: قتادة، والحسن، وغيرهما، وتوفي بالبصرة، وكان آخر من مات بها من الصحابة، وذلك سنة ثلاث وتسعين. انظر: البداية والنهاية ٩/ ٨٢؛ الإصابة ١/ ٧٩؛ التهذيب ١/ ٣٤٢.
(٤) هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام، النجاري الأنصاري الخزرجي، أبو طلحة، مشهور بكنيته، شهد بدرًا والمشاهد كلها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس بن مالك، وابن عباس، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وثلاثين، وقيل إحدى وخمسين، وقيل غير ذلك. انظر: الإصابة ١/ ٦٤٨؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٣٦٠.
[ ١ / ١١٣ ]
أهرِقْ هذه القلال (^١) يا أنس. قال: فما سألوا عنها، ولا
راجعوها بعد خبر الرجل) (^٢).
فهذا يدل على أن هؤلاء الصحابة﵃- قبلوا خبر الواحد وعملوا بمقتضاه، وهو يفيد نسخ إباحة الخمر عندهم، وقد كان ذلك معلومًا لهم بالتواتر (^٣).
ج- ولأن النبي -ﷺ- كان يرسل رسله لتبليغ الأحكام، وهم آحاد، وكانوا يبلغون الأحكام المبتدأة وناسخها (^٤).
ويظهر-والله أعلم بالصواب- رجحان القول الثاني، وذلك لقوة أدلته.
رابعًا: نسخ السنة بالقرآن
اختلف أهل العلم في نسخ السنة بالقرآن على قولين:
القول الأول: يجوز نسخ السنة بالقرآن.
وهو قول جمهور أهل العلم (^٥).
_________________
(١) القِلال جمع قُلّة، وهي: الحُبُّ العظيم. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٨٦.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٩٥٧، كتاب التفسير، باب قوله: ﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان﴾، ح (٤٦١٧)، ومسلم في صحيحه ٧/ ٧٢، كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر، ح (١٩٨٠) (٤).
(٣) انظر: المسودة ص ٢٠٦.
(٤) انظر: مختصر ابن الحاجب ٤/ ٨١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٨.
(٥) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٣٥؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٧؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ٨٧؛ المستصفى ص ٩٩؛ الإحكام للآمدي ٣/ ١٣٥؛ البحر المحيط ٥/ ٢٧٢؛ روضة الناظر ١/ ١٤٩؛ المسودة ص ٢٠٥؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٥٩؛ الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٨؛ إرشاد الفحول ٢/ ٧١.
[ ١ / ١١٤ ]
القول الثاني: أن السنة لا ينسخها إلا سنة لرسول الله -ﷺ-، ولو نسخت السنة بالقرآن كانت للنبي -ﷺ- فيه سنة تبين أن سنته الأولى منسوخة بسنته الآخرة.
وهو قول الإمام الشافعي (^١).
دليل القول الأول
استدل أصحاب القول الأول-وهو جواز نسخ السنة بالقرآن- بورود ذلك في الشرع في غير موضع، منها ما يلي:
أ- أن التوجه إلى بيت المقدس عُرف بالسنة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن (^٢)، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٣).
_________________
(١) وذكر بعض أهل العلم أن للإمام الشافعي في المسألة قولان: أحدهما هذا، والثاني كقول الجمهور. انظر: الرسالة ص ١٠٨ - ١١٠؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٥٦؛ الإحكام للآمدي ٣/ ١٣٥؛ البحر المحيط ٥/ ٢٧٣.
(٢) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٧٧؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ٨٧؛ الإحكام للآمدي ٣/ ١٣٥؛ روضة الناظر ١/ ١٤٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٧١.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٤٤).
[ ١ / ١١٥ ]
ومما يؤكد أن نسخ التوجه من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، وقع بالكتاب:
١ - عن البراء بن عازب (^١) -﵄قال: (كان رسول الله -ﷺ- صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله -ﷺ- يحب أن يُوجّه إلى الكعبة، فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجّه نحو الكعبة) (^٢).
٢ - عن ابن عمر -﵁- قال: (بينا الناس بقباء في صلاة الصبح، إذ جاءهم آت فقال: «إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة» فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة) (^٣).
فقوله في الحديث الأول: (فأنزل الله ﷿: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ
_________________
(١) هو: البراء بن عازب بن الحارث بن عدي، الأوسي الأنصاري، صحابي ابن صحابي، أول مشاهده الخندق، وقيل أحد، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن أبي ليلى، وأبو بردة، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتين وسبعين. انظر: الكاشف ١/ ٩٨؛ التهذيب ١/ ٣٨٨؛ التقريب ١/ ١٢٣.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٦، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ح (٣٩٩)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٣٣٣، كتاب المساجد، باب تحويل القبلة من القدس إلى الكعبة، ح (٥٢٥) (١١).
(٣) سبق تخريجه في ص ٧٥.
[ ١ / ١١٦ ]
وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ فتوجّه نحو الكعبة)، وقوله في الحديث الثاني: (إن رسول الله -ﷺ- قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أُمر أن يستقبل الكعبة). يدل على التوجه إلى الكعبة كان بأمر الله الذي أنزله في القرآن، وهو قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^١).
ب- أن المباشرة في الليل كانت محرمة على الصائم بالسنة، ثم نُسخ ذلك بالقرآن (^٢)، وهو قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ (^٣).
ج- أن صوم يوم عاشوراء كان واجبًا بالسنة، ثم نُسخ ذلك بفرض صوم رمضان (^٤)، في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (^٥).
واستُدل للقول الثاني: بأن الله ﷾ جعل السنة بيانًا للكتاب، فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٤٤).
(٢) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٧٧؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ٨٧؛ الإحكام ٣/ ١٣٦؛ روضة الناظر ١/ ١٤٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٧٢.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٨٧).
(٤) انظر: مختصر ابن الحاجب ٤/ ٨٧؛ الإحكام ٣/ ١٣٦؛ إرشاد الفحول ٢/ ٧٢.
(٥) سورة البقرة، الآية (١٨٥).
[ ١ / ١١٧ ]
وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (^١). فلو نُسخت السنة بالقرآن لخرجت السنة من كونها بيانًا، ولاختلط البيان بالنسخ، لكن إذا انضم إلى السنة الأولى وإلى القرآن الذي أتى برفعه سنة أخرى تبين أن السنة الأولى منسوخة فقد زال ما يُخوف من اختلاط البيان بالنسخ (^٢).
ولا شك أن القول الأول هو الأرجح والأقوى؛ لوقوع نسخ السنة بالقرآن في مسائل كثيرة، وعدم وجود دليل واضح يمنع من نسخ الكتاب للسنة (^٣).
وكون السنة بيانًا للقرآن لا يمنع أن تنسخ به؛ لأن بيانها بعد النسخ باق في الجملة، وذلك بالنسبة لما لم ينسخ منها (^٤) والله أعلم.
_________________
(١) سورة النحل، الآية (٤٤).
(٢) انظر: الرسالة ص ١٠٩ - ١١٣؛ الإحكام ٣/ ١٣٦؛ البحر المحيط ٥/ ٢٧٩.
(٣) انظر: الإحكام ٣/ ١٣٦؛ البحر المحيط ٥/ ٢٧٩؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٦٢.
(٤) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢٤٦.
[ ١ / ١١٨ ]