النسخ قد يكون إلى بدل من حكم شرعي، وقد يكون إلى غير بدل من حكم شرعي؛ وذلك أن الحكم الشرعي الذي ينسخه الله، إما أن يُحلّ﷾- محله حكمًا آخر أولا. فإذا أحلّ محله حكمًا آخر فذلك هو النسخ ببدل، وإذا لم يحلّ محله حكمًا آخر، فذلك هو النسخ إلى غير بدل، وكلاهما جائز (^١).
أما النسخ إلى غير بدل فمن أمثلته:
أ- نسخ إيجاب الصدقة عند مناجاة الرسول -ﷺ- إلى غير بدل (^٢).
ب-نسخ تحريم ادخار لحوم الأضاحي إلى غير بدل (^٣).
ج- نسخ الإمساك عن الأكل بعد الإفطار في ليالي رمضان إلى غير بدل (^٤).
أما النسخ إلى بدل فهو على ثلاثة أقسام:
_________________
(١) انظر: مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٨١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٨؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٣٧.
(٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٩؛ البحر المحيط ٥/ ٢٣٦؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٨١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٨.
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٨.
(٤) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٣٦؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٨٢.
[ ١ / ١٢٥ ]
القسم الأول: أن ينسخ الحكم بمثله في التخفيف والتغليظ.
مثاله: نسخ وجوب استقبال بيت المقدس بوجوب استقبال الكعبة (^١)، في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (^٢).
القسم الثاني: أن ينسخ الحكم إلى بدل أخف على نفس المكلف من الحكم السابق.
مثاله: نسخ العدة حولًا كاملًا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا
وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ (^٣). بالعدة أربعة أشهر وعشرًا، في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ (^٤). والعدة بأربعة أشهر وعشرًا أخف من العدة حولًا كاملًا (^٥).
القسم الثالث: أن ينسخ الحكم بما هو أغلظ منه، فيكون النسخ إلى
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٨؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٠.
(٢) سورة البقرة، الآية (١٤٤).
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٤٠).
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٣٤).
(٥) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٨؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٠.
[ ١ / ١٢٦ ]
بدل أثقل من الحكم المنسوخ.
وقد خالف في جواز هذا القسم بعض أهل الظاهر (^١)، والجمهور على جوازه (^٢)، ويدل على ذلك وقوعه، ومن أمثلته ما يلي:
أ- أن الله ﷾ وضع القتال في أول الإسلام، ثم نسخه بفرضه، فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٣).
والقتال أثقل وأغلظ من عدمه (^٤).
ب- أنه ﷾ نسخ الإمساك في البيوت في الزنى في قوله: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ (^٥).
_________________
(١) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥٠٦؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٢٨؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٠.
(٢) راجع المصادر في الحاشية السابقة. وانظر: مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٨٣.
(٣) سورة البقرة، الآية (٢١٦).
(٤) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٩؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٠.
(٥) سورة النساء، الآية (١٥).
[ ١ / ١٢٧ ]
بالجلد في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي
دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^١).
والجلد أثقل وأغلظ من الإمساك في البيوت (^٢).
ج- أن الله ﷾ نسخ التخيير بين الصوم والفدية في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣). بفرضية الصوم في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (^٤). وانحتام الصوم أغلظ وأثقل من التخيير بينه وبين الفدية (^٥).
والله أعلم.
_________________
(١) سورة النور، الآية (٢).
(٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٩؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٠؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٨٣؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٠.
(٣) سورة البقرة، الآية (١٨٤).
(٤) سورة البقرة، الآية (١٨٥).
(٥) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٩؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٨٣؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٠؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٠.
[ ١ / ١٢٨ ]