ذهب ابن حزم، والمجد ابن تيمية (^١) إلى اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة، وأن ما يستدل منه على عدم اشتراط ذلك فهو منسوخ؛ لتقدمه، وتأخر ما يدل على الاشتراط (^٢).
والقول بالنسخ ليس له أي أثر في اختلاف أهل العلم في المسألة، وإنما السبب لاختلافهم فيها هو تعارض ظواهر الآثار (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عبد الله -﵁- قال: بينما رسول الله -ﷺ- قائم يصلي عند الكعبة وجمع من قريش في مجلسهم، إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟
_________________
(١) هو: عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم، الحراني الفقيه الحنبلي، مجد الدين أبو البركات، سمع من عمه الخطيب فخر الدين، وابن سكينة، وغيرهما، وبرع في علوم عدة، ومن مؤلفاته: المحرر في الفقه، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة. انظر: البداية والنهاية ١٣/ ١٦٨؛ شذرات الذهب ٥/ ٢٥٧.
(٢) انظر قول ابن حزم في: المحلى ١/ ١٧٢. أما المجد ابن تيمية فنسب إليه القول بالنسخ: ابن مفلح في الفروع ٢/ ٩٧، وابن مفلح الحفيد في المبدع في شرح المقنع ١/ ٣٨٦، والبهوتي في كشاف القناع ١/ ٣٤٢. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في شرح العمدة ٢/ ٤٠٩ - بعد ذكر الحديث الذي يستدل منه على عدم الاشتراط-: (قلنا: قد قال بعض أصحابنا: هذا منسوخ؛ لأنه كان بمكة في أول الأمر).
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٤٩.
[ ٢ / ٧٥٤ ]
أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها (^١) فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟ فانبعث أشقاهم (^٢)، فلما سجد رسول الله -ﷺ- وضعه بين كتفيه وثبت النبي -ﷺ- ساجدًا فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك. فانطلق منطلق إلى فاطمة (^٣)، وهي جويرية فأقبلت تسعى، وثبت النبي -ﷺ- ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله -ﷺ- الصلاة قال: «اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش» (^٤).
ثانيًا: عن ابن عباس -﵁- قال: مرَّ النبي -ﷺ- بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان
_________________
(١) السلى: الجلد الرقيق الذي يخرج فيه الولد من بطن أمه ملفوفا فيه، يكون ذلك للناس والخيل والإبل، وقيل: هو لفافة الولد من الدواب، وهو من الناس المشيمة. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٨٠٢؛ لسان العرب ٦/ ٣٥٣.
(٢) هو عقبة ابن أبي معيط، كما هو مصرح في رواية مسلم وغيره.
(٣) هي: فاطمة بنت محمد-رسول الله- بن عبد الله بن عبد المطلب، القرشية الهاشمية، ولدت قبل البعثة، وتزوجها علي -﵁- بعد بدر، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها أبناهما: الحسن والحسين، وغيرهما، وتوفيت سنة إحدى عشرة. انظر: الإصابة ٤/ ٢٥٩٦ - ٢٦٠٠.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٩، كتاب الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى، ح (٥٢٠)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٨٤، كتاب الجهاد، باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين، ح (١٧٩٤) (١٠٧).
[ ٢ / ٧٥٥ ]
يمشي بالنميمة (^١) (^٢).
ثالثًا: قول النبي -ﷺ- لفاطمة ابنة أبي حبيش: «لا، إنما ذلك عرق وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي» (^٣).
رابعًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي -ﷺ-، فلما قضى بوله «أمر النبي -ﷺ- بذنوب (^٤) من ماء فهريق عليه» (^٥).
خامسًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: بينما رسول الله -ﷺ- يصلي بأصحابه إذ خلع نعليه، فوضعهما عن يساره، فلما رأى ذلك القوم ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله -ﷺ- صلاته قال: «ما حملكم على إلقائكم
_________________
(١) النميمة: نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الإفساد والشر. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٧٩٨.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٠، كتاب الوضوء، باب، ح (٢١٨)، ومسلم في صحيحه ١/ ٥٣٢، كتاب الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه، ح (٢٩٢) (١١١).
(٣) سبق تخريجه في ص ٤٠٩.
(٤) الذنوب: الدلو العظيمة، وقيل: لا تسمى ذنوبا إلا إذا كان فيها ماء. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٦١٤؛ المصباح المنير ص ٢١٠.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥١، كتاب الوضوء، باب يهريق الماء على البول، ح (٢٢١).
[ ٢ / ٧٥٦ ]
نعالكم؟» قالوا: رأيناك ألقيت نعليك فألقينا نعالنا، فقال: «إن جبريل ﵇ أتاني فأخبرني أن فيهما قذرًا» أو قال: «أذى» (^١).
سادسًا: عن جابر بن سمرة -﵁- قال: سأل رجل النبي -ﷺ-: يصلي في الثوب الذي يأتي فيه أهله؟ قال: «نعم إلا أن يرى فيه شيئًا فيغسله» (^٢).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث-غير حديث ابن مسعود -﵁- تدل على أن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، وهي متأخرة؛ لأنها مدنية، فتكون ناسخة لما يدل عليه حديث ابن مسعود -﵁- من عدم الاشتراط؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة (^٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة على ثلاثة أقوال:
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٠٦، كتاب الصلاة، باب الصلاة في النعال، ح (٦٥٠). وقال النووي في المجموع ٣/ ٨٩: (رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك وقال: هو صحيح على شرط مسلم) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٠٦.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٠٨، كتاب الطهارة، باب الصلاة في الثوب الذي يجامع فيه، ح (٥٤٢). قال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ١١٠: (هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٠٨.
(٣) انظر: المحلى ١/ ١٧٢؛ شرح العمدة ٢/ ٤٠٩؛ الفروع ٢/ ٩٧؛ المبدع ١/ ٣٨٦؛ كشاف القناع ١/ ٣٤٢.
[ ٢ / ٧٥٧ ]
القول الأول: أن إزالة النجاسة من شروط صحة الصلاة.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وقول جمهور أهل العلم (^٤).
القول الثاني: أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة مع الذكر للنجاسة، والقدرة على إزالتها، وليست بشرط مع النسيان، أو مع عدم القدرة.
وهو قول للإمام مالك، وقال به بعض أصحابه (^٥).
القول الثالث: أن إزالة النجاسة ليست بشرط لصحة الصلاة، بل سنة من سنن الصلاة على كل حال، أي سواء ذكرها أم لا، وقدر على إزالتها أم لا.
وهو قول المالكية (^٦).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٢٠٠؛ مختصر القدوري ص ٢٦؛ بدائع الصنائع ١/ ٣٠١؛ الهداية وشرحه العناية ١/ ٢٥٦.
(٢) انظر: الأم ١/ ١٢٣؛ التنبيه للشيرازي ص ٣٥؛ الوجيز وشرحه العزيز ٢/ ٦؛ المجموع ٣/ ٩٧؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ١٨٨.
(٣) انظر: المغني ٢/ ٤٦٤؛ المحرر للمجد ابن تيمية ١/ ٤٧؛ الشرح الكبير ٣/ ٢٧٩؛ الفروع ٢/ ٩١؛ شرح الزركشي ١/ ٣٧٠؛ الإنصاف ٣/ ٢٨٠.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٤٦٤؛ المجموع ٣/ ٩٧.
(٥) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ١٣٧؛ الاستذكار ١/ ٣٧٦؛ الكافي ص ٦٤؛ بداية المجتهد ١/ ١٤٨؛ مختصر خليل مع شرحه التاج والإكليل ١/ ١٨٨، ٢/ ١٣٦؛ مواهب الجليل ١/ ١٨٨، ٢/ ١٣٨.
(٦) راجع المصادر في الحاشية السابقة.
[ ٢ / ٧٥٨ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ-غير حديث ابن مسعود -﵁-؛ حيث إنها تدل على غسل النجاسات من الثياب، والأرض، والبدن، فدل ذلك أن إزالتها شرط لصحة الصلاة (^١).
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. (^٢)، فإنه روي عن ابن عباس، والحسن، وابن سيرين أتهم قالوا: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. اغسلها بالماء وانقها من الدرن والقذر (^٣).
فدلت هذه الأدلة أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة (^٤).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن إزالة النجاسة شرط لصحة الصلاة عند الذكر والقدرة فقط- بما يلي:
أولًا: أما اشتراط ذلك عند الذكر والقدرة فللأدلة التي سبق ذكرها
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٣٩١؛ المغني ٢/ ٤٦٤؛ المجموع ٣/ ٩٨.
(٢) سورة المدثر، الآية (٤).
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ٣٩١؛ تفسير ابن كثير ٤/ ٤٤١؛ فتح القدير للشوكاني ٤/ ٤٠٣.
(٤) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ١٣٨؛ التمهيد ٢/ ٣٩١؛ المغني ٢/ ٤٦٤؛ المجموع ٣/ ٩٨.
[ ٢ / ٧٥٩ ]
في دليل القول الأول -غير حديث ابن مسعود، وأبي سعيد﵄- (^١).
ثانيًا: أما عدم اشتراط ذلك عند النسيان وعدم القدرة فلما يلي:
أولًا: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.
ثانيًا: ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.
ووجه الاستدلال منهما: هو أن الحديث الأول يدل على عدم اشتراط ذلك عند عدم
القدرة، ولذلك لم يقطع الصلاة عندما أُلقي عليه الدم والفرث، بل استمر فيها.
والحديث الثاني يدل على جواز صلاة من صلى وفي ثوبه نجاسة إذا كان ساهيًا غير عالم بها، فلو كان إزالة النجاسة شرطًا مع عدم الذكر لما بنى على صلاته (^٢).
واعترض عليه: بأن الحديث الأول كان بمكة قبل الهجرة في وقت لعل الصلوات الخمس لم تكن فُرضت، ولم تحكم بنجاسة الدم وذبائح المشركين، والأمر بتجنب النجاسة متأخر؛ لأنه كان بالمدينة (^٣).
أما الحديث الثاني فالقذر المذكور فيه لعله كان شيئًا مستقذرًا ولم يكن
_________________
(١) انظر: الإشراف ١/ ١٣٨؛
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٣٩٩؛ بداية المجتهد ١/ ١٥٠.
(٣) انظر: شرح العمدة لابن تيمية ٢/ ٤٠٩؛ المبدع ١/ ٣٨٦؛ كشاف القناع ١/ ٣٤٨.
[ ٢ / ٧٦٠ ]
نجسًا، أو كان شيئًا يسيرًا من طين الشوارع، وذلك معفو عنه (^١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث بما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ من حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الخدري -﵄-.
ووجه الاستدلال منهما: هو أنه -ﷺ- رُمي عليه بالدم والفرث فلم يقطع الصلاة، فلو كانت إزالة النجاسة شرطًا لصحة الصلاة لقطع الصلاة. وخلع نعليه ولم يعد الصلاة بل بنى على ما مضى من الصلاة، ولو كانت إزالة النجاسة شرطًا لأعاد الصلاة، فثبت أن إزالة النجاسة سنة وليست بشرط لصحة الصلاة (^٢).
ويعترض عليه بما اعترض به على وجه استدلال القول السابق.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم الصواب-أن
الراجح هو أن اجتناب النجاسة شرط لصحة الصلاة، وذلك لما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾. (^٣)، فإنه ظاهر في الثياب
_________________
(١) انظر: المجموع ٣/ ٩٨.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٣٩٩؛ بداية المجتهد ١/ ١٥٠.
(٣) سورة المدثر، الآية (٤).
[ ٢ / ٧٦١ ]
الملبوسة، وأن معناه طهرها من النجاسة (^١).
ثانيًا: ولأنه ورد أحاديث كثيرة تدل على اجتناب النجاسة والطهارة منها، والاحتياط للصلاة واجب، وليس المرء على يقين من أدائها إلا في ثوب طاهر، وبدن طاهر، وموضع طاهر من النجاسة (^٢).
ثالثًا: ولأن الأدلة التي استدل بها من قال بعدم اشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة يتطرق إليها احتمالات، وبعضها كان بمكة فيتطرق إليها كذلك احتمال النسخ، لأن الأحاديث الدالة على إزالة النجاسة متأخرة؛ لأنها مدنية، بخلاف أدلة من قال باشتراط اجتناب النجاسة لصحة الصلاة، فإن فيها ما لا يتطرق إليها احتمالات، لذلك كان القول بها متعينًا.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٣٩١؛ المجموع ٣/ ٩٨.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٣٩٨؛ المبدع ١/ ٣٨٦.
[ ٢ / ٧٦٢ ]