ذهب أبو عوانة (^١) إلى أن البول قائمًا منسوخ من فعله -ﷺ- (^٢)؛ لذلك يكون البول قائمًا من غير عذر مكروهًا.
وقد ظهر منه أنه ليس للقول بالنسخ في هذه المسألة أثر بارز في اختلاف الفقهاء فيها، إلا أنه أحد أسباب الاختلاف عند من قال به؛ حيث أنه رأى ما ورد في البول قائمًا منسوخًا بما ورد في النهي عن ذلك (^٣).
ومع هذا فإن أصل سبب الاختلاف في المسألة هو اختلاف الأحاديث الواردة فيها، كما سيتبين ذلك من خلال دراسة الأدلة في
_________________
(١) هو: يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم النسابوري الإسفراييني، أبو عوانة، الإمام الحافظ، صاحب المسند الصحيح الذي خرجه على صحيح مسلم، وسمع من يونس بن عبد الأعلى، ومحمد بن يحيى الذهلي، وغيرهما، وحدث عنه: أحمد بن علي الرازي، وأبو أحمد بن عدي، وغيرهما، وتوفي سنة ست عشرة وثلاث مائة. انظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٤١٧؛ البداية والنهاية ١١/ ١٥٤.
(٢) انظر: مسند أبي عوانة ١/ ١٦٩، فتح الباري ١/ ٣٩٤، عمدة القاري ٣/ ١٣٥. وقال ابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ص ١٦٥، ١٦٧ - بعد ذكر حديث البول قائمًا، ثم ذكر ما يدل على النهي عن ذلك-: (وهذا الحديث يوجب نسخ الأول- ثم ذكر اختلاف الصحابة والتابعين في البول قائمًا، ثم قال: - وإذا كان الأمر هكذا في اختلاف الصحابة والتابعين على هذا الحديث وجب التوقف عن الإطلاق عن نسخه الأول؛ لأن هؤلاء أعرف بما نسخ من الحديث وما لم ينسخ ممن تأخر).
(٣) انظر: مسند أبي عوانة ١/ ١٦٩؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٦٥.
[ ١ / ٢٩٠ ]
المسألة.
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عائشة﵂- قالت: «من حدثكم أن النبي -ﷺ- كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول إلا قاعدًا» (^١).
وفي رواية عنها -﵂- قالت: «ما بال رسول الله -ﷺ- قائمًا منذ أنُزل عليه القرآن» (^٢).
ثانيًا: عن شريح (^٣)، قال سمعت عائشة﵂تقسم بالله
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ١٤، أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائمًا، ح (١٢)، والنسائي في سننه ص ١٣، كتاب الطهارة، باب البول في البيت جالسًا، ح (٢٩)، وابن ماجة في سننه ص ٧٢، كتاب الطهارة، باب في البول قاعدًا، ح (٣٠٧)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١١٦، والإمام أحمد في المسند ٤١/ ٤٩٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٧، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٢٧٨. والحديث قال عنه الترمذي في سننه ص ١٤: (حديث عائشة أحسن شيء في الباب وأصح). وقال النووي في المجموع ٢/ ٩٨: (وإسناده جيد وهو حديث حسن). وصححه الشيخ الألباني وقال: (وسنده صحيح على شرط مسلم) انظر: إرواء الغليل ١/ ٩٥؛ صحيح سنن الترمذي ص ١٤.
(٢) أخرجه أبو عوانة في مسنده ١/ ١٦٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٥. قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي في التلخيص ١/ ٢٩٠.
(٣) هو: شريح بن هانئ بن يزيد الحارثي والمذحجي، أبو المقدام الكوفي، ثقة، أدرك النبي -ﷺ- ولم يره، وروى عن: عمر، وعلي، وغيرهما، وروى عنه: ابنه المقدام، والشعبي، وغيرهما، وقتل سنة ثمان وسبعين. انظر: تاريخ خليفة بن خياط ص ٢٧٧؛ تهذيب التهذيب ٤/ ٣٠١؛ التقريب ١/ ٤١٦.
[ ١ / ٢٩١ ]
«مارأى أحد رسول الله -ﷺ- يبول قائمًا منذ أُنزل عليه الفرقان» (^١).
ثالثًا: عبد الرحمن بن حسنة (^٢) -﵁- قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- وفي يده كهيئة الدرقة (^٣) فوضعها ثم جلس خلفها فبال إليها، فقال بعض القوم: انظروا يبول كما تبول المرأة، فسمعه فقال: «أوما علمت ما أصاب صاحب بني إسرائيل، كانوا إذا أصابهم شيء من البول قرضوه بالمقاريض فنهاهم صاحبهم فعذب في قبره» (^٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٥. قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي في التلخيص فقال: (على شرطهما).
(٢) هو: عبد الرحمن بن حسنة - قيل: هو أخو شرحبيل بن حسنة- صحابي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه زيد بن وهب. انظر: الكاشف ٢/ ١٤٤؛ التهذيب ٦/ ١٤٩؛ التقريب ١/ ٥٦٦.
(٣) الدرقة: الحجفة، والترس إذا كان من جلود ليس فيها خشب ولا عقب يقال له حجفة ودرقة. انظر: مختار الصحاح ص ١٠٩، ١٧٨؛ القاموس المحيط ص ٧٩٤.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٩، كتاب الطهارة، باب الإستبراء من البول، ح (٢٢)، والنسائي في سننه -واللفظ له- ص ١٤، كتاب الطهارة، باب البول إلى السترة يستتر بها، ح (٣٠)، وابن ماجة في سننه ص ٧٩، كتاب الطهارة، باب التشديد في البول، ح (٣٤٦)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٤. قال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي. وقال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٣٩٢: (وهو حديث صحيح صححه الدارقطني وغيره).
[ ١ / ٢٩٢ ]
رابعًا: عن بريدة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «ثلاث من الجفاء (^١): أن يبول الرجل وهو قائم، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده» (^٢).
_________________
(١) الجفاء يطلق على: البعد، وترك الصلة والبر، وغلظ الطبع. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٧٤؛ مختار الصحاح ص ٩٣؛ مجمع بحار الأنوار ١/ ٣٦٥.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٨٦: (رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح) وقال العيني في عمدة القاري ٣/ ١٣٥: (رواه البزار بسند صحيح). وهو في مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/ ١٨١، عن طريق سعيد بن عبيد الله الثقفي ثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال: (ثلاث من الجفاء: مسح الرجل التراب عن وجهه قبل فراغه من صلاته، ونفخه في الصلاة التراب لموضع وجهه، وأن يبول وهو قائم). وقال البخاري في التاريخ الكبير ٣/ ٤٩٥ - في ترجمة سعيد بن عبيد الله الثقفي-: (وقال نصر بن علي: ثنا سعيد بن عبيد الله عن ابن بريدة عن أبيه قال النبي -ﷺ-: (أربع من الجفاء: بول قائم، ومسح جبهته قبل أن ينصرف من الصلاة، والنفخ في الصلاة، وأن يسمع المنادي ثم لا يتشهد مثل ما يتشهد) ثم قال في ٣/ ٤٩٦: (وقال سعيد بن محمد: ثنا عبد الواحد بن واصل، قال: ثنا سعيد بن عبيد الله قال: نا ابن بريدة قال: حدثنا أبي عن النبي -ﷺ-، ولم يذكر التشهد، وقال نصر: ثنا عبد الأعلى عن الجريري عن ابن بريدة عن ابن مسعود نحوه). وذكر الترمذي في سننه ص ١٤، أن حديث بريدة غير محفوظ. وتعقبه العيني في عمدة القاري ٣/ ١٣٥ فقال: (فيه نظر؛ لأن البزار أخرجه بسند صحيح). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ١٩٧: بعد قوله أن البخاري في التاريخ الكبير-فذكره ثم قال-: (ورواه البزار بتمامه نحوه من طريق عبد الله بن داود، ثنا سعيد بن عبيد الله به) ثم ذكر قول الهيثمي ثم قال في ١/ ٩٨: (ورواه عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الكبرى من طريق البزار ثم قال: (لا أعلم في هذا الحديث أكثر من قول الترمذي: حديث بريدة غير محفوظ. وقال أبو بكر البزار: لا نعلم رواه عن عبد الله بن بريدة إلا سعيد ابن عبيد الله ولم يقل في سعيد شيئًا، وسعيد هذا بصري ثقة مشهور ذكره أبو محمد ابن أبي حاتم). ثم قال الشيخ الألباني: (قلت: وقول الترمذي الذي نقله عبد الحق ذكره قبيل أثر ابن مسعود هذا ولم يسق الحديث، وهو في ذلك تبع لشيخه البخاري، فقد قال البيهقي بعد أن علق الحديث من هذا الوجه: (قال البخاري: هذا حديث منكر يضطربون فيه) قلت: وجه الاضطراب المذكور: أن قتادة والجريري روياه عن ابن بريدة عن ابن مسعود موقوفًا كما تقدم، وخالفهما سعيد بن عبيد الله الثقفي فقال: عن عبد الله بن بريدة عن أبيه مرفوعًا كما رأيت. ولولا أن الثقفي هذا فيه بعض الضعف لحكمنا على حديثه بالصحة كما فعل العيني في شرح صحيح البخاري (٣/ ١٣٥) ولكن قال الدارقطني فيه: (ليس بالقوي يحدث بأحاديث يسندها وغيره يوقفها) ولذلك أورده الذهبي في الميزان. وقال الحافظ فيه: (صدوق ربما وهم). قلت: فمثله لا يحتمل ما خالف فيه غيره ممن هو أوثق منه وأكثر كما هو الحال في هذا الحديث، والله أعلم) انتهي كلامه. وسعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية الثقفي هذا، وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو زرعة، وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال الدارقطني: ليس بالقوي، يحدث بأحاديث يسندها وغيره بوقفها. وقال ابن حجر: صدوق ربما وهم. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٥٠؛ التهذيب ٤/ ٥٤؛ التقريب ١/ ٣٥٩.
[ ١ / ٢٩٣ ]
خامسًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «أربع من الجفاء: يبول الرجل قائمًا، أو يكثر مسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو يسمع المؤذن يؤذن فلا يقول مثل ما يقول، أو يصلي بسبيل من يقطع صلاته» (^١).
سادسًا: عن ابن مسعود -﵁- أنه كان يقول: (أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا، وصلاة الرجل والناس يمرون بين يديه وليس بين يديه شيء يستره، ومسح الرجل التراب عن وجهه وهو في صلاته، وأن يسمع المؤذن فلا يجيبه في قوله) (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٨/ ٤٣٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٠٦. قال البيهقي: (قال أبو أحمد: أحاديثه- أي هارون بن هارون- عن الأعرج وغيره مما لا يتابعه الثقات عليه، قال أبو أحمد: ثنا الجنيدي، ثنا البخاري قال: هارون بن هارون لا يتابع في حديثه، يروي عن الأعرج، يقال: هو أخو محرز التيمي المدني. قال الشيخ: وقد روي من أوجه كلها ضعيفة). وهارون بن هارون بن عبد الله قال عنه البخاري: لا يتابع في حديثه. وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الأثبات لا يجوز الاحتجاج به. وقال الذهبي: ضعفوه. انظر: الكامل لابن عدي ٨/ ٤٣٦؛ ميزان الاعتدال ٤/ ٢٨٧؛ المغني في الضعفاء ٢/ ٤٧١.
(٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٠٥، وقال: (وكذلك رواه الجريري عن ابن بريدة عن ابن مسعود، ورواه سعيد بن عبيد الله بن زياد بن جبير بن حية عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي -ﷺ- بمعناه إلا أنه قال: والنفخ في الصلاة بدل المرور، ولم يقل أربع. قال البخاري: هذا حديث منكر يضطربون فيه). وذكره الترمذي في سننه ص ١٤ معلقًا فقال: (وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: إن من الجفاء أن تبول وأنت قائم). وقال ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١١٦: (حدثنا وكيع عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع قال: قال عبد الله: من الجفاء أن يبول قائمًا). وفي سنده عاصم بن بهدلة، قال عنه ابن حجر في التقريب ١/ ٤٥٦: (صدوق له أوهام، حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون) كما أن في سنده المسيب بن رافع الأسدي وهو ثقة إلا أنه لم يلق ابن مسعود ولم يسمع منه، فروايته عنه مرسلة، قاله أبو حاتم وأبو زرعة. انظر: التهذيب ١٠/ ١٤٠؛ التقريب ٢/ ١٨٤. ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٤٠٩، عن وكيع عن كهمس بن الحسن عن ابن بريدة قال: (كان يقال: أربع من الجفاء: أن تمسح جبهتك قبل أن تنصرف، أو تبول قائمًا، أو تسمع المنادى ثم لا تجيبه، أو تنفخ في سجودك). وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٣٣٦، عن بريدة عن ابن مسعود أنه كان يقول: (أربع من الجفاء: أن يبول الرجل قائمًا). وقال الحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٠: (وعن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله -﵁- قال: من الجفاء أن تبول وأنت قائئم). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٩٧، -بعد ذكر رواية البيهقي-: (قلت: فهو عنه صحيح موقوفًا. وقد رواه كهمس عن ابن بريدة قال: (كان يقال: من الجفاء أن ينفخ الرجل في صلاته) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤١/ ٢) بسند صحيح عنه).
[ ١ / ٢٩٥ ]
سابعًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «نهى رسول الله -ﷺ- أن يبول قائمًا» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٧٢، كتاب الطهارة، باب في البول قاعدًا، ح (٣٠٩)، وابن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه ص ١٦٤، وابن عدي في الكامل ٧/ ٩٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٦. وفي سنده عدي بن الفضل، قال البيهقي والبوصيري وغير واحد: ضعيف. وقال ابن معين وأبو حاتم: متروك الحديث. وقال يحيى: لا يكتب حديثه. انظر: السنن الكبرى ١/ ١٦٥؛ ميزان الاعتدال ٣/ ٦٢؛ المغني في الضعفاء ٢/ ٥٤؛ زوائد ابن ماجة ص ٧٤.
[ ١ / ٢٩٦ ]
ثامنًا: عن أبي هريرة -﵁- أن النبي -ﷺ- «نهى أن يبول الرجل قائمًا» (^١).
تاسعًا: عن عمر -﵁- قال: رآني رسول الله -ﷺ- وأنا أبول قائمًا فقال: «يا عمر لا تبل قائمًا» فما بلت قائمًا بعد (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٦٥. وفي سنده السري بن سهل- السري بن عاصم بن سهل- وهاه ابن عدي وقال: يسرق الحديث. وكذبه ابن خراش. انظر: الكامل ٤/ ٥٤٠؛ ميزان الاعتدال ٢/ ١١٧.
(٢) ذكره الترمذي في سننه ص ١٤، معلقًا، أبواب الطهارة، باب النهي عن البول قائمًا. وأخرجه ابن ماجة في سننه-واللفظ له- ص ٧٢، كتاب الطهارة، باب في البول قاعدًا، ح (٣٠٨)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٥. وفي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، قال عنه الترمذي في سننه ص ١٤: (وإنما رفع هذا الحديث عبد الكريم ابن أبي المخارق وهو ضعيف عند أهل الحديث، ضعفه أيوب السختياني، وتكلم فيه). وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٥: (وعبد الكريم بن أبي المخارق ضعيف). وقال أيوب ويحيى: ليس بشيء. وقال أحمد بن حنبل: قد ضربت على حديثه، هو شبه المتروك. وقال النسائي والدارقطني: متروك. وقال ابن عبد البر: لا يختلفون في ضعفه إلا أن منهم من يقبله في غير الأحكام خاصة ولا يحتج به وكان مؤدب كُتّاب، حسن السمت. وقال الذهبي: وقد أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم متابعة، وهذا يدل على أنه ليس بمطرح. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٦٤٦. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ٧٤: (عبد الكريم مجمع على تضعيفه، وقد تفرد بهذا الخبر).
[ ١ / ٢٩٧ ]
عاشرًا: عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تبل قائمًا» (^١).
حادي عشر: عن أبي هريرة -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- بال قائما من جرح كان بمأبضه (^٢) (^٣).
وجه الاستدلال منها على النسخ
ويستدل منها على النسخ: بأن من قال بذلك لعله رأى أن أحاديث
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٤/ ٢٧٢، وقال: (أخاف أن ابن جريج لم يسمع من نافع هذا الخبر).
(٢) المأبض: باطن الركبة. انظر: القاموس المحيط ص ٥٧٣.
(٣) أخرجه الخطابي في معالم السنن ١/ ٢٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩١، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٤. قال الحاكم: (هذا حديث صحيح تفرد به حماد بن غسان، ورواته كلهم ثقات) وتعقبه الذهبي في التلخيص فقال: (حماد ضعفه الدارقطني) -ونحوه قوله في الميزان ١/ ٥٩٩، والمغني في الضعفاء ١/ ٢٨٨ - . وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٩٢: (لو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم، لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي).
[ ١ / ٢٩٨ ]
النهي عن البول قائمًا متأخرة؛ وذلك لأنه ثبت عنه ﵊ البول قائمًا، وكان ذلك مما لا تستنكره العرب قبل الإسلام، وثبت عنه -ﷺ- أنه كان من عادته البول عن قعود، وثبت عنه التشديد في التنزه والإستبراء من البول، وروي عنه مع ذلك ما يدل على النهي عن البول قائمًا وأنه من الجفاء.
فقد يُستدل من هذا كله على أن البول قائمًا من فعله -ﷺ- منسوخ بما روي عنه من النهي
عن ذلك، وبما ثبت من عادته في البول قاعدًا (^١).
واعترض عليه: بأنه ليس في هذه الأدلة ما يدل على تأخرها على أدلة جواز البول قائمًا، وحديث عائشة -﵂في ذلك مستند إلى علمها، وقد يجوز أن يبول -ﷺ- جالسًا في وقت، ويبول قائمًا في وقت آخر. فعائشة -﵂- أخبرت بما كانت تراه في البيوت يبول قاعدًا، وغيرها أخبر ما عاين من بوله قائمًا، وعائشة لم تكن معه في ذلك الوقت، فكل منهم أخبر بما شاهده (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم البول قائما من غير عذر على
_________________
(١) انظر: مسند أبي عوانة ١/ ١٦٩؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٦٧؛ ناسخ الحديث لابن الجوزي ص ٦٣؛ فتح الباري ١/ ٣٩٢، ٣٩٤.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٧؛ صحيح ابن حبان ٤/ ٢٧٨؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤؛ عمدة القاري ٣/ ١٣٥.
[ ١ / ٢٩٩ ]
قولين:
القول الأول: أن البول قائما من غير عذر مكروه.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة (^٣).
وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي موسى الأشعري، والحسين بن علي، وهو رواية عن عمر، وابنه عبد الله -﵃- (^٤).
وهو كذلك قول سعيد بن جبير، وإبراهيم بن سعد (^٥)، ورواية عن الشعبي، والحسن
البصري (^٦).
القول الثاني: أنه لا يكره البول قائمًا، ولو من غير عذر.
_________________
(١) انظر: البحر الرائق ١/ ٤٢٢؛ فتح باب العناية ١/ ١٧٣؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٣؛ التعليق على إعلاء السنن للتقي العثماني ١/ ٤٤٠.
(٢) انظر: المهذب ١/ ١٠٧؛ التهذيب ١/ ٢٨٣؛ الروضة ١/ ١٧٨؛ المجموع ٢/ ١٠٠؛ مغني المحتاج ١/ ٤٢.
(٣) انظر: المغني ١/ ٢٢٣؛ الفروع ١/ ١٣٥؛ الإنصاف ١/ ٢٠١.
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١١٦؛ الأوسط ١/ ٣٣٥؛ ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ١٦٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٠٧؛ المجموع ٢/ ١٠٠؛ عمدة القاري للعيني ٣/ ١٣٥.
(٥) هو: إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن الزهري أبو إسحاق المدني، ثقة، روى عن أبيه، وعن الزهري، وغيرهما، وروى عنه: الليث، وشعبة، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ١/ ٣٧؛ التهذيب ١/ ١١٠.
(٦) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١١٦؛ الأوسط ١/ ٣٣٥؛ ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ١٦٦؛ المجموع ٢/ ١٠٠؛ عمدة القاري ٣/ ١٣٥.
[ ١ / ٣٠٠ ]
وهو مذهب المالكية (^١)، وقول للإمام أحمد، والصحيح من مذهب الحنابلة (^٢).
وممن روي عنه أنه بال قائمًا، أو كان يرى ذلك، من الصحابة: علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وأبو هريرة، وسهل بن سعد (^٣)، وأنس بن مالك، وسعد بن عبادة (^٤). وهو رواية عن عمر، وابنه عبد الله -﵃- (^٥).
_________________
(١) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٦٧؛ عقد الجواهر ١/ ٣٨؛ الذخيرة ١/ ٢٠٣؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ١/ ٣٨٥؛ شرح الزرقاني على الموطأ ١/ ١٣١؛ مواهب الجليل ١/ ٣٨٦؛ حاشية الدسوقي ١/ ١٠٤.
(٢) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٦٧؛ الفروع ١/ ١٣٥؛ الإنصاف ١/ ٢٠١؛ الإقناع ١/ ٢٦؛ منار السبيل ١/ ١٩.
(٣) هو: سهل بن سعد بن مالك الأنصاري، الساعدي، أبو العباس، توفي النبي -ﷺ- وعمره خمس عشرة سنة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه الزهري وأبو حازم وغيرهما، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة، وتوفي سنة إحدى وتسعين-وقيل غير ذلك-. انظر: الاستيعاب ٢/ ٩٥؛ الإصابة ٢/ ٨٨.
(٤) هو: سعد بن عبادة بن دليم الخزرجي الأنصاري، سيد الخزرج، أبو ثابت، شهد العقبة وغيرها من المشاهد، واختلف في شهوده بدرًا، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وغيرهما، ومات بحوران من أرض الشام سنة خمسة عشرة، وقيل غير ذلك. انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/ ٢١٢؛ التهذيب ٣/ ٤١٤.
(٥) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١١٥، ١١٦؛ الأوسط ١/ ٣٣٣؛ ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ١٦٦، ١٦٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٠٧؛ المجموع ٢/ ١٠٠؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤؛ عمدة القاري للعيني ٣/ ١٣٥.
[ ١ / ٣٠١ ]
ومن التابعين فمن بعدهم: سعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن (^١)، وخارجة بن
زيد (^٢)، ويزيد بن الأصم (^٣)، وأبو الشعثاء (^٤)، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وسماك بن حرب (^٥)، والثوري، وابن المنذر. وهو رواية عن
_________________
(١) هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي المدني، قيل: اسمه محمد، وقيل: المغيرة، وقيل: اسمه كنيته، كان ثقة وأحد الفقهاء السبعة، وروى عن أبي هريرة، وعائشة، وغيرهما، وروى عنه: عمر بن عبد العزيز، والزهري، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وتسعين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ٣/ ٢٧٦؛ التهذيب ١٢/ ٢٨.
(٢) هو: خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري النجاري، أبو زيد المدني، أحد الفقهاء السبعة، روى عن: أبيه، وعن أسامة بن زيد، وغيرهما، وروى عنه: ابنه سليمان، والزهري، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وتسعين، وقيل: سنة مائة. انظر: الكاشف ١/ ٢٠٠؛ التهذيب ٣/ ٦٩.
(٣) هو: يزيد بن الأصم بن عبيد بن معاوية العامري، أبو عوف البكائي، روى عن: خالته ميمونة، وعن أبي هريرة، وغيرهما، وروى عنه: الزهري، وراشد بن كيسان، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث ومائة. انظر: الكاشف ٣/ ٢٤٠؛ التهذيب ١١/ ٢٧١.
(٤) هو: جابر بن زيد الأزدي أبو الشعثاء البصري، ثقة فقيه، روى عن: ابن عباس، وابن عمر، وغيرهم، وروى عنه: قتادة، وعمرو بن دينار، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وتسعين-وقيل غير ذلك-. انظر: التهذيب ٢/ ٣٥؛ شذرات الذهب ١/ ١٠١.
(٥) هو: سماك-بكسر أوله وتخفيف الميم- ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي، أبو المغيرة الكوفي، روى عن جابر ابن سمرة، وأنس بن مالك، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، والثوري، وغيرهما، وقال: أدركت ثمانين صحابيًا، وهو ثقة ساء حفظه، وقواه جماعة وضعفه البعض، وتوفي سنة ثلاث وعشرين ومائة. انظر: الكاشف ١/ ٣٢٢؛ التهذيب ٤/ ٢١٠؛ التقريب ١/ ٣٩٤.
[ ١ / ٣٠٢ ]
الشعبي، والحسن البصري (^١).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول - وهو كراهة البول قائما من غير عذر-بما سبق من الأحاديث في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأدلة بعضها يدل على أنه -ﷺ- كان من عادته البول قاعدًا. وبعضها يدل على النهي عن البول قائمًا، وبعضها يدل على السبب الذي بال -ﷺ- من أجله قائمًا.
فيثبت من هذا كله أن البول قائمًا من غير عذر مكروه كراهة تنزيه وأدب (^٢).
واعترض على هذا الاستدلال: بأنه قد ثبت وصح عن رسول الله -ﷺ- أنه كان يبول قاعدًا، وكان هذا عادته الغالبة، لكن الأدلة الدالة على النهي عن البول قائمًا، وكذلك الدليل الذي فيه ذكر سبب بوله -ﷺ- قائمًا وأنه كان من
_________________
(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١١٥، ١١٦؛ الأوسط ١/ ٣٣٣؛ ناسخ الحديث ومنسوخه لابن شاهين ص ١٦٦، ١٦٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٠٧؛ المجموع ٢/ ١٠٠؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤؛ عمدة القاري للعيني ٣/ ١٣٥.
(٢) انظر: صحيح ابن حبان ٤/ ٢٧١؛ المستدرك للحاكم ١/ ٢٩٠؛ التهذيب للبغوي ١/ ٢٨٣؛ ناسخ الحديث لابن الجوزي ص ٦٣؛ المجموع ٢/ ٩٨؛ عمدة القاري ٣/ ١٣٥؛ فتح باب العناية للقاري ١/ ١٧٣.
[ ١ / ٣٠٣ ]
جرح بمأبضه، أدلة كلها ضعيفة، فلا تقوم بها حجة، ولا تعارض الأدلة الثابتة الصحيحة الدالة على جواز البول قائمًا (^١).
وأجيب عنه: بأن الأدلة الدالة على النهي عن البول قائمًا تعضد بعضها البعض، وهي بمجموعها تدل على أن لها أصلًا، وأن كلها ليست ضعيفة، بل من أهل العلم من صحح بعضها، فهي قابلة للاستدلال بها على كراهة البول قائما من غير عذر (^٢).
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٣٦؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٧، ٢٦٨؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٠٦؛ فتح الباري ١/ ٣٩٢، ٣٩٤. قال النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٠٦: (وقد روي في النهي عن البول قائمًا أحاديث لا تثبت، ولكن حديث عائشة هذا ثابت). وقال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٣٩٤ في شرح حديث حذيفة -﵁- في البول قائمًا: (وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش والله أعلم، ولم يثبت عن النبي -ﷺ- في النهي عنه شيء).
(٢) فرواية بريدة مرفوعًا: (ثلاث من الجفاء) قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٨٦: (رجاله رجال الصحيح). وقال العيني في عمدة القاري ٣/ ١٣٥: (رواه البزار بسند صحيح). ورواية عبد الله بن مسعود موقوفًا عليه: (أربع من الجفاء) هو في معنى حديث بريدة، وقد قال عنه الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٩٧: (فهو عنه صحيح موقوفًا). وحديث أبي هريرة مرفوعًا: (أربع من الجفاء) وإن كان ضعيفًا إلا أنه يصلح أن يكون شاهدًا لحديث بريدة وابن مسعود. كما أن رواية عبد الله بن بريدة: (كان يقال أربع من الجفاء) يؤكد ما سبق ذكره، وهو صحيح كذلك.
[ ١ / ٣٠٤ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو جواز البول قائمًا من غير كراهة- بما يلي:
أولًا: عن حذيفة -﵁- قال: «أتى النبي -ﷺ- سُباطة (^١) قوم فبال قائمًا، ثم دعا بماء فجئته
بماء فتوضأ» (^٢).
ثانيًا: عن المغيرة بن شعبة (^٣) -﵁- أن رسول الله -ﷺ- «أتى سباطة قوم فبال قائمًا» (^٤).
_________________
(١) السُباطة: الكُناسة. انظر: مختار الصحاح ص ٢٤٩؛ المصباح المنير ص ٢٦٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥١، كتاب الوضوء، باب البول قائمًا وقاعدًا، ح (٢٢٤)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٦٢، كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين، ح (٢٧٣) (٧٣).
(٣) هو: المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أبو عيسى أو أبو عبد الله، أسلم عام الخندق وشهد الحديبية وبيعة الرضوان، وحدث عن النبي -ﷺ-، وروى عنه المسور بن مخرمة، ومسروق، وغيرهما، وشهد اليمامة وفتوح الشام والعراق، وكان من دهاة العرب، ولاه معاوية -﵁- على الكوفة فلم يزل أميرها حتى توفي سنة خمسين على المشهور. انظر: البداية والنهاية ٨/ ٤٣؛ الإصابة ٣/ ٤٥٢.
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٧١، كتاب الطهارة، باب ما جاء في البول قائمًا، ح (٣٠٦)، والإمام أحمد في المسند ٣٠/ ٨٣، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٦، والطبراني في المعجم الكبير ٢٠/ ٤٠٥، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٦٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٣. قال الترمذي في سننه ص ١٤ - بعد ذكر رواية حذيفة-: (وروى حماد بن أبي سليمان وعاصم بن بهدلة عن أبي ائل عن المغيرة بن شعبة عن النبي -ﷺ-، وحديث أبي وائل عن حذيفة أصح). وقال الدارقطني في العلل الواردة في الأحاديث النبوية ٧/ ٧٥: (يرويه عاصم بن أبي النجود وحماد بن أبي سليمان عن أبي وائل عن المغيرة بن شعبة، ووهما فيه على أبي وائل، ورواه الأعمش ومنصور عن أبي وائل عن حذيفة عن النبي -ﷺ- وهو الصواب). وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٦٣، بعد تخريج الحديث: (كذا رواه عاصم بن بهدلة وحماد بن أبي سليمان عن أبي وائل عن المغيرة، والصحيح ما روى منصور والأعمش عن أبي وائل عن حذيفة، كذا قاله أبو عيسى الترمذي وجماعة من الحفاظ). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٩٢: (وقال الترمذي: حديث أبي وائل عن حذيفة أصح، يعني من حديثه عن المغيرة وهو كما قال، وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصمًا على قوله عن المغيرة، فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معًا، لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواية عاصم وحماد لكونهما في حفظهما مقال). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ٧١.
[ ١ / ٣٠٥ ]
ثالثًا: عن سهل بن سعد -﵁- أنه بال قائمًا، وقال: «قد رأيت من هو خير مني فعله» (^١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث جاء فيها التصريح بأن النبي -ﷺ- بال
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢١١: (رواه الطبراني في الأوسط وفيه إبراهيم بن حماد بن أبي حازم ولم أر من ذكره).
[ ١ / ٣٠٦ ]
قائمًا وهو دليل الجواز مطلقًا (^١).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: أن الراجح هو القول الأول، وهو أن البول قائمًا مكروه كراهة تنزيه، وأنه خلاف الأولى، وذلك لما يلي:
أ-لأن من عادته -ﷺ- الغالبة وأكثر أحواله البول عن قعود، ويدل على ذلك حديث عائشة وعبد الرحمن بن حسنة -﵄- وقد سبق ذكرهما (^٢).
ب-ولأنه إذا ثبت تعارض بين مبيح وحاظر، يقدم الحاظر على المبيح (^٣).
ج-ولأنه اختلف في السبب الذي بال من أجله -ﷺ- قائمًا على أقوال، منها:
١ - أنه بال قائمًا من أجل عدم إمكان القعود؛ وذلك لأنه أتى سباطة
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٣٨؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٧؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤؛ عمدة القاري ٣/ ١٣٥.
(٢) راجع تخريج حديث عائشة، وعبد الرحمن بن حسنة الذين مرّ ذكرهما في المسألة وانظر: زاد المعاد ١/ ١٧١؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤؛ نيل الأوطار ١/ ٨٨؛ تحقيق إعلاء السنن للتقي العثماني ١/ ٤٣٩.
(٣) انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٤٧٠؛ منهاج الوصول للبيضاوي وشرحه نهاية السول للأسنوي ٣/ ٢٤٠؛ مناهج العقول للبدخشي ٣/ ٢٤٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٢٧٠؛ أصول الفقه الإسلامي ٢/ ١١٩٢.
[ ١ / ٣٠٧ ]
قوم، وهي المزبلة، فأراد أن يبول فلم يتهيأ له البول عن قعود؛ لأن المرء إذا قعد يبول على شيء مرتفع عنه ربما تفشى البول فرجع إليه، فمن أجل عدم إمكانه من القعود بال -ﷺ- قائمًا (^١).
٢ - أنه بال قائمًا من أجل جرح بمأبضه، وهو باطن الركبة، فكأنه لم يتمكن لأجله من
القعود، ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة -﵁- قال: (إنما بال رسول الله -ﷺ- قائمًا لجرح كان بمأبضه) (^٢).
٣ - رُوي عن الإمام الشافعي أنه قال: كانت العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائمًا، فلعله -ﷺ- كان به إذا ذاك وجع الصلب فبال قائمًا (^٣).
٤ - أنه إنما فعل ذلك لبيان الجواز (^٤).
_________________
(١) هذا ما قاله ابن حبان في صحيحه ٤/ ٢٧٤، ونحوه كلام ابن القيم في زاد المعاد ١/ ١٧٢، حيث قال: (والصحيح أنه إنما فعل ذلك تنزهًا وبعدًا من إصابة البول، فإنه إنما فعل هذا لما أتى سباطة قوم وهو ملقى الكناسة، وتسمى المزبلة، وهي تكون مرتفعة فلو بال فيها الرجل قاعدًا لارتد عليه بوله، وهو -ﷺ- استتر بها وجعلها بينه وبين الحائط فلم يكن بد من بوله قائمًا والله أعلم)، وانظر كذلك: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١٦٤؛ والمجموع للنووي ٢/ ٩٩.
(٢) سبق تخريجه في دليل القول بالنسخ. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٩٤: (ولو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي) وقد سبق أن الحاكم صححه. وانظر كذلك: السنن الكبرى ١/ ١٦٤؛ المجموع ٢/ ٩٩.
(٣) انظر: السنن الكبرى ١/ ١٦٤؛ المجموع ٢/ ٩٩؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤.
(٤) انظر: الأوسط ١/ ٣٣٨؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٦٧؛ المجموع ٢/ ٩٩؛ فتح الباري ١/ ٣٩٤.
[ ١ / ٣٠٨ ]
والخلاصة: أنه ثبت عن رسول الله -ﷺ- من فعله أنه بال قائمًا، وثبت عنه من فعله أنه كان يبول قاعدًا، وكان ذلك عادته الغالبة، وروي عنه من قوله ما يدل على النهي عن البول قائمًا، ثم ما روي عنه من البول قائمًا من فعله يحتمل أن يكون لعذر، ويحتمل أن يكون لغير عذر بل للتشريع وبيان الجواز، وإذا احتمل بوله -ﷺ- قائمًا بين كونه عن عذر، وبين كونه عن غير عذر، دل ذلك على أنه خلاف الأولى، فكان تركه أولى (^١).
ثانيًا: أنه لا يصح ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على جواز البول قائمًا؛ وذلك لما يلي:
أ-أنه لا يوجد دليل يدل على تأخر أحاديث المنع من ذلك على أحاديث الإباحة، حتى تكون ناسخة لها، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ، على ما يخالفه (^٢).
ب-أنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث، وذلك بحمل ما ورد في النهي على الكراهة وخلاف الأولى، وبحمل ما يعارضه على الجواز، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا فإنه لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (^٣) والله أعلم.
_________________
(١) وبنحو هذا أفتى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بالمملكة العربية السعودية حيث قالت: (لا يحرم تبول الإنسان قائمًا، لكنه يسن له أن يتبول قاعدًا) فتاوى اللجنة الدائمة ٥/ ١٠٦.
(٢) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٦؛ الاعتبار ص ٥٦.
(٣) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٣٥؛ الاعتبار ص ٤٩٥؛ فتح الباري ٤/ ٣٩٧.
[ ١ / ٣٠٩ ]