ذهب بعض أهل العلم إلى أن ما ورد في المسح (^١) على القدمين منسوخ، بالأحاديث الدالة على أن فرض الرجلين الغسل إذا لم يكن عليهما خف (^٢).
وممن صرح بالنسخ: أبو بكر الحميدي (^٣)، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي (^٤)، وأبو بكر الأثرم (^٥)، والطحاوي (^٦)، وابن شاهين (^٧)، وابن حزم (^٨)،
_________________
(١) المسح لغة إمرار اليد على الشيء السائل أو المتلطخ لإذهابه، وقيل: المسح في كلام العرب يكون مسحًا، وهو إصابة الماء، ويكون غسلًا، يقال: مسحت يدي بالماء إذا غسلتهما. انظر: المصباح المنير ص ٥٧١؛ القاموس المحيط ص ٢١٩. والمسح اصطلاحًا: إمرار اليد المبتلة بلا تسييل. التعريفات للجرجاني ص ٢١٢. والمسح على الخفين هو: إصابة البلة لخف مخصوص في زمن مخصوص. الدر المختار ١/ ٢٦١.
(٢) انظر: رسوخ الأحبار ص ٢١٧؛ فتح الباري ١/ ٣٣٦؛ نيل الأوطار ١/ ١٦٨.
(٣) هو: عبد الله بن الزبير بن عيسى بن عبد الله القرشي، الحميدي المكي، أبو بكر، ثقة، فقيه، روى عن ابن عيينة، والشافعي، وغيرهما، وروى عنه: البخاري، وأبو زرعة، وغيرهما، ومن مؤلفاته (المسند) وتوفي سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل بعدها. انظر: البداية والنهاية ١٠/ ٢٥٥؛ تهذيب التهذيب ٥/ ١٩٢؛ التقريب ١/ ٤٩٢. وانظر قوله في: مسند الحميدي ١/ ١٧٦؛ التمهيد ٢/ ٢٣٨.
(٤) هو: عبد الله بن عبدالرحمن بن الفضل بن بهرام، التميمي الدارمي، أبو محمد السمرقندي، ثقة حافظ، روى عن: النضر بن شميل، وهاشم بن القاسم، وغيرهما، وروى عنه: مسلم، وأبو داود، وغيرهما، وتوفي سنة خمس وخمسين ومائتين. انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦١؛ التقريب ١/ ٥٠٨؛ شذرات الذهب ٢/ ١٣٠. وانظر قوله في: سنن الدارمي ١/ ١٩٥.
(٥) انظر قوله في: إعلام العالم بعد رسوخه لابن الجوزي ص ٩٣.
(٦) انظر قوله في: شرح معاني الآثار ١/ ٣٩؛ فتح الباري ١/ ٣٣٦.
(٧) انظر قوله في: ناسخ الحديث ومنسوخه ص ٢٢٥.
(٨) انظر قوله في: المحلى ١/ ٣٠٢.
[ ١ / ٥٠٧ ]
والحازمي (^١).
وتبين منه أن أحد أسباب الاختلاف في المسألة هو القول بالنسخ؛ حيث إن بعض الفقهاء اعتبروا ما ورد في المسح على القدمين منسوخًا، فلم يقولوا بموجبها، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٢). وهل المراد به الغسل أو المسح.
وكذلك اختلافهم في صحة ما ورد في المسح على القدمين، وفي المراد به هل هو المسح على القدمين أو على الخفين (^٣).
ويستدل للقول بالنسخ بأدلة منها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٤).
بنصب الأرجل،
_________________
(١) انظر قوله في: الاعتبار ص ١٨٥، ١٨٦.
(٢) سورة المائدة، الآية (٦).
(٣) انظر: جامع البيان للطبري ١٠/ ٥٢ - ٦٠؛ شرح معاني الآثار ١/ ٣٥ - ٤٠؛ التمهيد ٢/ ٤٧ - ٥٠؛ بداية المجتهد ١/ ٣٧؛ المغني ١/ ١٨٤ - ١٨٩؛ المجموع ١/ ٢٣١ - ٢٣٣.
(٤) سورة المائدة، الآية (٦).
[ ١ / ٥٠٨ ]
معطوفة على الأيدي، أي اغسلوا أيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين، وهو ظاهر في الغسل (^١).
وقد قرأها بالنصب: علي ابن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، -﵃- وروي ذلك عن جماعة غيرهم (^٢).
وقد فسره رسول الله -ﷺ- وبين المراد منه بفعله وقوله؛ حيث تواترت الأخبار عنه -ﷺ- في صفة وضوئه أنه كان يغسل رجليه (^٣)، وقال في فضل الوضوء: «… ثم يغسل قدميه كما أمره الله …» (^٤).
والرسول -ﷺ- هو المبين لأمر الله، فثبت من فعله، وقوله في هذا الحديث:
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ١/ ٣٧؛ الكافي لابن قدامة ١/ ٦٧؛ المجموع ١/ ٢٣٢.
(٢) انظر: جامع البيان ١٠/ ٥٢ - ٥٦؛ الأوسط ١/ ٤١٠ - ٤١١؛ شرح معاني الآثار ١/ ٣٩ - ٤٠؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٣٣؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١١٥؛ أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٧؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٢/ ٢٤؛ فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢٤.
(٣) سيأتي بعض الأحاديث الدالة على أنه -ﷺ- كان يغسل قدميه في الوضوء في أدلة هذا القول، وهي متواترة، وقد صرح بذلك غير واحد من أهل العلم. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٧؛ الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٩١؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥.
(٤) أخرجه أحمد في المسند ٢٨/ ٢٣٩، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٨٥، والدارقطني في سننه ١/ ١٠٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٣١، وقال في ١/ ١١٧: (وقد روينا في الحديث الصحيح عن عمرو بن عبسة) فذكره. ورجال أحمد رجال مسلم.
[ ١ / ٥٠٩ ]
«كما أمره الله» أن الله تعالى أمر بغسل الرجلين في الآية، لا بمسحهما (^١).
ثانيًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: تخلف النبي -ﷺ- عنا في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا (^٢) العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل (^٣) للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثا (^٤).
والحديث فيه دلالة على أن استيعاب الرجلين بالغسل واجب ولا يجوز مسحهما؛ إذ لو كان المسح على الرجلين كافيًا لما توعد من ترك غسل عقبيه بالنار (^٥).
ثالثًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: رجعنا مع رسول الله -ﷺ- من مكة
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٨٥؛ الأوسط ١/ ٤١٢؛ الاستذكار ١/ ١٧٧؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١١٧؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥.
(٢) يقال: أرهقه أي أغشاه، وأرهقه يرهقه رهقًا، إذا غشيه، وأرهقنا الصلاة، أي أخرناها عن وقتها حتى كدنا نغشيها ونلحقها بالتي بعدها. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٧٠٧، ٧٠٨؛ مجمع بحار الأنوار ١/ ٤٠٥.
(٣) الويل: الحزن والهلاك والمشقة من العذاب، وقد يرد الويل بمعنى التعجب. انظر: النهاية ٢/ ٨٨٧؛ مجمع بحار الأنوار ٥/ ١٣٥.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٠، كتاب الوضوء، باب غسل الرجلين ولا يمسح على القدمين، ح (١٦٣)، ومسلم في صحيحه ١/ ٤٧٨، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، ح (١٤١) (٢٧).
(٥) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٨٦؛ التمهيد ٢/ ٤٨؛ المجموع ١/ ٢٣٢؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٧٩؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٨.
[ ١ / ٥١٠ ]
إلى المدينة حتى إذا كنا بماء في الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضؤا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله -ﷺ-: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» (^١).
والحديث يدل على وجوب استيعاب الرجلين بالغسل في الوضوء؛ لأن المسح لا يستوعب جميع الرجل، بل يجزئ فيه ما يجزئ في مسح الخف؛ ولو كان فرض الرجلين مسحهما أو أنه يجوز ذلك فيهما لما توعد على تركه بالنار (^٢).
رابعًا: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤٧٨، كتاب الطهارة، باب وجوب غسل الرجلين بكمالهما، ح (٢٣١) (٢٦).
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٤٧، ٤٩؛ تفسير القرطبي ٦/ ٩٣؛ المجموع ١/ ٢٣٢؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢٩/ ٢٤٨، وفي ص ٢٤٦ - غير مرفوع- وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٨٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٨، والدارقطني في سننه ١/ ٩٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١١٤، وصححه الحاكم، وأقره الذهبي عليه، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٤٥: (رواه أحمد هكذا-أي غير مرفوع- وقال الطبراني في الكبير عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي قال سمعت رسول الله -ﷺ- … -فذكره ثم قال: - ورجال أحمد والطبراني ثقات) وقال ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٦ - عن سند الحاكم والبيهقي-: (هذا إسناد صحيح).
[ ١ / ٥١١ ]
وفيه دلالة على أن فرض القدمين الغسل، وأنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان؛ لأن بطون الأقدام إنما يدرك بالغسل لا بالمسح (^١).
ويستدل من هذه الأدلة على نسخ المسح على القدمين بالوجهين التاليين:
أولًا: إن قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (^٢). آية من سورة المائدة، وسورة المائدة من آخر ما نزل، وفيها الأمر بغسل الرجلين، فيكون ناسخًا لمسح القدمين؛ لأن ذلك كان قبل نزول قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. يدل على ذلك قول هشيم (^٣) -بعد ذكره حديث المسح على القدمين: (كان هذا في أول الإسلام) (^٤).
ولذلك كان بعض الصحابة -﵃- يرون نسخ المسح على
_________________
(١) انظر: سنن الترمذي ص ٢١؛ صحيح ابن خزيمة ١/ ٨٤؛ التمهيد ٢/ ٤٩؛ تفسير القرطبي ٦/ ٩٣.
(٢) سورة المائدة، الآية (٦).
(٣) هو: هشيم بن بشير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية الواسطي، ثقة، كثير الإرسال والتدليس الخفي، روى عن: سليمان التيمي، والأعمش، وغيرهما، وروى عنه: مالك، وشعبة، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وثمانين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ١١/ ٥٣؛ التقريب ٢/ ٢٦٩؛ شذرات الذهب ١/ ٣٠٣.
(٤) انظر: مسند الحميدي ١/ ١٧٦؛ سنن الدارمي ١/ ١٩٥؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٢٥؛ الاعتبار للحازمي ص ١٨٦؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
[ ١ / ٥١٢ ]
الخفين بهذه الآية، حتى حدثهم جرير بن عبد الله (^١) -﵁- أنه أسلم بعد نزول المائدة، وقد رأي النبي -ﷺ- يمسح على
الخفين (^٢).
ثانيًا: إن حديث عبد الله بن عمرو -﵁-، فيه أنهم كانوا يمسحون على أرجلهم، فأمرهم النبي -ﷺ- بإسباغ الوضوء، فدل ذلك أن حكم المسح الذي كانوا يفعلونه قد نسخه ما تأخر عنه، وهو الأحاديث التي فيها الأمر بإسباغ الوضوء، والوعيد لمن لم يعم رجليه بالغسل في الوضوء (^٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم المسألة -أعني فرض الرجلين- على ثلاثة أقوال:
القول الأول: إن فرض الرجلين الغسل إذا لم يكن عليهما خف.
_________________
(١) هو: جرير بن عبد الله بن جابر بن مالك، أبو عمر، اليماني، أسلم سنة عشر، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس بن مالك، والشعبي، وغيرهما، وتوفي سنة إحدى وخمسين، وقيل بعدها. انظر: الإصابة ١/ ٢٦٦؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٦٦؛ التقريب ١/ ١٥٨؛ شذرات الذهب ١/ ٣٠٣.
(٢) انظر: الاستذكار ١/ ٢٥٨؛ تفسير القرطبي ٦/ ٩٢؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٧؛ المبدع ١/ ٩٩؛ كشاف القناع ١/ ١٣٥. وأما حديث جرير -﵁- فسيأتي تخريجه في المسح على الخفين.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٩؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٢٥؛ إعلام العالم بعد رسوخه لابن الجوزي ص ٩٣؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥.
[ ١ / ٥١٣ ]
وهو قول المذاهب الأربعة: الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وقول جمهور أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم (^٥)، حتى قال عبد الرحمن بن أبي ليلى (^٦): (أجمع
أصحاب رسول الله -ﷺ- على غسل القدمين) (^٧).
وقال عطاء: (لم أدرك أحدًا منهم يمسح على القدمين) (^٨).
وقال ابن المنذر: (أجمع عوام أهل العلم على أن الذي يجب على من لا خف عليه غسل القدمين إلى الكعبين) (^٩).
وقال ابن حجر: (ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، إلا
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٩؛ بدائع الصنائع ١/ ٧٢؛ المحيط البرهاني ١/ ٣٤؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ١٩٠.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٤٨؛ الاستذكار ١/ ١٧٩؛ جامع الأمهات ص ٤٩؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ١/ ٣٠٦؛ مواهب الجليل ١/ ٣٠٦.
(٣) انظر: الأم ١/ ٨١؛ مختصر المزني ص ٨؛ الأوسط ١/ ٤١٣؛ الوجيز وشرحه العزيز ١/ ١١٤؛ المجموع ١/ ٢٣١.
(٤) انظر: المغني ١/ ١٨٤؛ الكافي ١/ ٦٧؛ التحقيق ١/ ١٢٤؛ الشرح الكبير ١/ ٢٩٣.
(٥) انظر: الأوسط ١/ ٤١٣؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٣٦؛ التمهيد ٢/ ٤٨؛ المغني ١/ ١٨٤؛ المجموع ١/ ٢٣١.
(٦) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى-يسار- بن بلبل بن أحيحة، الأنصاري، الأوسي، ثقة من أئمة التابعين، روى عن أبيه، وعثمان، وغيرهما، وروى عنه: الشعبي، ومجاهد، وغيرهما. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٤؛ تهذيب التهذيب ٦/ ٢٣٣؛ التقريب ١/ ٥٨٨.
(٧) انظر: المغني ١/ ١٨٤؛ فتح الباري ١/ ٣٣٦.
(٨) انظر: ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٢٥؛ جامع البيان للطبري ١٠/ ٥٧.
(٩) انظر: الأوسط ١/ ٤١٣.
[ ١ / ٥١٤ ]
عن علي، وابن عباس، وأنس، وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك) (^١).
القول الثاني: أن فرض الرجلين المسح.
وروي ذلك عن علي، وابن عباس، وأنس -﵃- (^٢).
وهو قول عكرمة، والشعبي، والحسن البصري (^٣). وبه قالت الشيعة (^٤).
القول الثالث: أن الشخص مخير بين غسل الرجلين ومسحهما مسحًا تعم جميع القدم.
وهو اختيار ابن جرير الطبري (^٥).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٣٣٦.
(٢) وقد ذكر ابن حجر أنه قد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك، ويدل عليه قول عبد الرحمن بن أبي ليلى وقول عطاء. انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٩؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٥؛ المحلى ١/ ٣٠١؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٢٥؛ أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٧؛ فتح الباري ١/ ٣٣٦.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٨؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٥؛ المحلى ١/ ٣٠١؛ أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٧.
(٤) الشيعة: هم الذين شايعوا عليًا -﵁- وقالوا إنه الإمام بعد رسول الله -ﷺ- واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده. التعريفات للجرجاني ص ١٢٩. أو يقال لهم الشيعة: لأنهم شايعوا عليًا -﵁- ويقدمونه على سائر أصحاب رسول الله -ﷺ-. مقالات الإسلاميين ١/ ٦٥. هذا والشيعة فرق شتى، منهم الغلاة، والملاحدة، والباطنية. وانظر قولهم في: صحيح ابن خزيمة ١/ ٨٤؛ المجموع ١/ ٢٣١؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
(٥) انظر: تفسير جامع البيان للطبري ١٠/ ٦١ - ٦٤، ٧٦ - ٧٧؛ أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٧؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٩١؛ المغني ١/ ١٨٤؛ المجموع ١/ ٢٣١. هذا وقد ذكر ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٥، أن قول ابن جرير ليس كما نسب إليه، وأن كلامه في تفسيره (إنما يدل على أنه أراد أنه يجب دلك الرجلين من دون سائر أعضاء الوضوء؛ لأنهما يليان الأرض والطين وغير ذلك، فأوجب دلكهما ليذهب ما عليهما، ولكنه عبر عن الدلك بالمسح). وكلام ابن جرير في تفسيره محتمل لما ذكره ابن كثير، لكنه أظهر فيما نسبه إليه الأكثرونوالله أعلم.
[ ١ / ٥١٥ ]
الأدلة:
ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأدلة التي استُدل بها للقول بالنسخ وقد سبق ذكرها.
ثانيًا: عن عمر بن الخطاب -﵁- (أن رجلًا توضأ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي -ﷺ- فقال: «ارجع فأحسن وضوءك» فرجع ثم صلى) (^١).
والحديث يدل على أن الواجب في الرجلين الغسل دون المسح؛ وإلا لما أمره بالإرجاع وإحسان الوضوء (^٢).
ثالثًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- أن رجلًا أتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثًا، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل ذراعيه ثلاثًا، ثم مسح برأسه فأدخل أصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه على ظاهر أذنيه، وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثًا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ١/ ٤٨١، كتاب الطهارة، باب وجوب استيعاب جميع أجزاء محل الطهارة، ح (٢٤٣) (٣١).
(٢) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٨١.
[ ١ / ٥١٦ ]
ثلاثًا، ثم قال: «هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم» أو «ظلم وأساء» (^١).
والحديث فيه بيان كيف الطهور والوضوء، ومنه غسل الرجلين، فدل أن فرض القدمين الغسل (^٢).
رابعًا: عن عثمان -﵁- أنه دعا بوضوء، فأفرغه على يديه من إنائه فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء، ثم مضمض واستنشق واستننثر، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ويديه إلى المرفقين ثلاثًا، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثًا، ثم قال: رأيت النبي -ﷺ- يتوضأ نحو وضوئي هذا، وقال: «من توضأ نحو وضوئي هذا وصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر الله له ما تقدم من ذنبه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٥، كتاب الطهارة، باب الوضوء ثلاثًا، ح (١٣٥)، والنسائي في سننه ص ٣٠، كتاب الطهارة، باب الاعتداء في الوضوء، ح (١٤٠)، وابن ماجة في سننه ص ٩٠، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثًا، ح (٤٢٢)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦، وأحمد في المسند ١١/ ٢٧٧، وابن الجارود في المنتقى ص ٤٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٢٨، -وليس في سياق النسائي، وابن ماجة، وأحمد وابن الجارود لفظة: (أو نقص) - وصححه النووي في المجموع ١/ ٢٤٣، حيث قال بعد ما ذكره: (هذا صحيح رواه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٢٥: (حسن صحيح دون قوله (أو نقص) فإنه شاذ).
(٢) انظر: المجموع ١/ ٢٣٢.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٠، كتاب الوضوء، باب المضمضة في الوضوء، ح (١٦٤)، ومسلم في صحيحه ١/ ٤٦٢، كتاب الطهارة، باب صفة الوضوء وكماله، ح (٢٢٦) (٣).
[ ١ / ٥١٧ ]
خامسًا: عن علي -﵁- أن توضأ فأفرغ من الإناء على يمينه فغسل يديه ثلاثًا، ثم تمضمض واستننثر ثلاثًا، فمضمض من الكف الذي يأخذ فيه، ثم غسل وجهه ثلاثًا، ثم غسل يده اليمنى ثلاثًا، وغسل يده الشمال ثلاثًا، ثم جعل يده في الإناء فمسح برأسه مرة واحدة، ثم غسل رجله اليمنى ثلاثًا، ورجله الشمال ثلاثًا، ثم قال: «من سره أن يعلم وضوء رسول الله -ﷺ- فهو هذا» (^١).
والحديثان يدلان على أن من وضوء رسول الله -ﷺ- غسل القدمين.
والأحاديث في غسل القدمين في الوضوء وأنه كان ذلك من صفة وضوء رسول الله -ﷺ-، وأنه أمر بذلك: متواترة ومستفيضة (^٢).
وهي بيان لمراد الآية الكريمة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾؛ لأن
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٢، كتاب الطهارة، باب صفة وضوء النبي -ﷺ-، ح (١١١)، والترمذي في سننه ص ٢٣، كتاب الطهارة، باب ما جاء في وضوء النبي -ﷺ- كيف كان، ح (٤٨)، والنسائي في سننه ص ٢٧، كتاب الطهارة، باب غسل الرجلين، ح (١١٥)، وأحمد في المسند ٢/ ٣٥١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٥، وابن حبان في صحيحه ص ٣٨٧، والدارقطني في سننه ١/ ٩٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٧٨، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٢١.
(٢) انظر: جامع البيان ١٠/ ٧٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ٣٧؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥.
[ ١ / ٥١٨ ]
الرسول -ﷺ- هو المبين لأمر الله بقوله وفعله -ﷺ-، فثبت من ذلك أن فرض الرجلين هو الغسل إذا لم يكن عليهما خف (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن فرض الرجلين المسح- بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (^٢) بخفض الأرجل، معطوفة على الرؤوس، ويكون تأويل ذلك: امسحوا برؤوسكم وأرجلكم، فيكون المأمور به في الآية مسح الأرجل دون غسلها.
وقد قرأها بالخفض ابن عباس -﵁- في رواية، وروي ذلك عن أنس -﵁-، وعكرمة، والحسن البصري، والشعبي، وبعض الآخرين (^٣).
ويؤكد أن المراد بالآية المسح، ما روي:
١ - عن أنس -﵁- أنه قال: (نزل القرآن بالمسح، والسنة الغسل) (^٤).
٢ - عن ابن عباس -﵁- قال: (الوضوء غسلتان ومسحتان) (^٥).
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٨٥؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١١٧؛ فتح الباري ١/ ٣٥٥؛ فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢٤.
(٢) سورة المائدة، الآية (٦).
(٣) انظر: جامع البيان للطبري ١٠/ ٥٧ - ٦٠؛ الأوسط ١/ ٤١١ - ٤١٢؛ شرح معاني الآثار ١/ ٤٠؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٣٣؛ أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٥٧٧؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٦/ ٩٢؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥؛ فتح القدير للشوكاني ٢/ ٢٤.
(٤) انظر: جامع البيان للطبري ١٠/ ٥٨. وصححه ابن كثير في تفسيره ٢/ ٢٥.
(٥) انظر: جامع البيان للطبري ١٠/ ٥٨؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١١٧؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥.
[ ١ / ٥١٩ ]
واعترض على هذا الاستدلال: بأن كون الأرجل في الآية الكريمة مخفوضة على قراءة لا يلزم منه ولا يدل على أن فرض الرجلين المسح، وذلك لما يلي:
أولًا: إن قراءة الخفض يحتمل أن يكون معطوفة على الوجه، ويكون مخفوضًا بالمجاورة، وهذا سائغ شائع في لغة العرب، ومن ذلك قولهم: (جحر ضب خرب) فجروه وإنما هو رفع (^١).
وورد نحو ذلك في الكتاب العزيز، ومن ذلك:
قوله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ﴾ (^٢). بجر نحاس للمجاورة (^٣).
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ (^٤). فجرّ أليمًا على جوار يوم، وهو منصوب صفة لعذاب (^٥).
ولذلك روي عن الأعمش أنه قال: (كانوا يقرؤونها بالخفض وكانوا يغسلون) (^٦).
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٤٠٤؛ تفسير القرطبي ٦/ ٩٣؛ المجموع ١/ ٢٣٢؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥.
(٢) سورة الرحمن، الآية (٣٥).
(٣) انظر: الاستذكار ١/ ١٧٨؛ تفسير القرطبي ٦/ ٩٣.
(٤) سورة هود، الآية (٢٦).
(٥) انظر: المجموع ١/ ٢٣٢.
(٦) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ١١٦.
[ ١ / ٥٢٠ ]
ثانيًا: أن قراءتي النصب والخفض متساويتان في الصحة، والآية تحتمل أن يكون المراد بها غسل الرجلين، وتحتمل أن يكون المراد بها مسح الرجلين، لكن السنة بينت أن المراد بالآية الغسل؛ حيث جاء عن النبي -ﷺ- متواترًا أنه غسل قدميه في الوضوء، وأنه أمر بإسباغ الوضوء، وتوعد بالنار من لم يستوعب قدميه بالغسل في الوضوء، كما أنه -ﷺ- قال: «ثم يغسل قدميه كما أمره الله» فثبت من هذا كله أنه -ﷺ- بين بفعله وقوله مراد الآية، وأنه الغسل، وأنه الذي أمر الله به في الآية؛ والرسول -ﷺ- هو المبين لأمر الله، فثبت بذلك أن فرض الرجلين الغسل لا المسح، وأن دلالة الآية على مسح القدمين في الوضوء مجرد احتمال لا دليل عليه (^١).
ثالثًا: أن قراءة الخفض محمولة على مسح القدمين إذا كان عليهما خفان، والنصب على الغسل إذا لم يكن عليهما خفان.
وقد تواتر عن النبي -ﷺ- أنه مسح على الخفين، فيكون ما روي عنه في غسل القدمين بيانًا لقراءة النصب، وما روي عنه في المسح على الخفين بيانًا لقراءة الخفض، والنبي -ﷺ- هو المبين عن الله، وعن معنى ما أراد بقوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (^٢) (^٣).
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٤١٢؛ شرح معاني الآثار ١/ ٣٧؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٣٧؛ الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٩٠؛ المجموع ١/ ٢٣٣؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٢٨، ١٣١؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٦.
(٢) سورة المائدة، الآية (٦).
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٤١٢؛ أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٤٣٥؛ الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٩١؛ المجموع ١/ ٢٣٣؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٢٨؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥.
[ ١ / ٥٢١ ]
رابعًا: أنه لو أريد بقراءة الخفض مسح الرجلين، فيحمل مسح الرجلين على الغسل؛ جمعًا بين الأدلة والقراءتين؛ وذلك لأن المسح يطلق على الغسل كما قاله جماعة من أئمة اللغة (^١).
ثانيًا: -من أدلة القول الثاني- عن أوس بن أبي أوس الثقفي (^٢) -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- توضأ ومسح على نعليه وقدميه» (^٣).
_________________
(١) انظر: الاستذكار ١/ ١٧٨؛ الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٩١؛ المجموع ١/ ٢٣٣؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٣٢؛ تفسير ابن كثير ٢/ ٢٥؛ النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٦٥٧؛ لسان العرب ١٣/ ٩٨؛ المصباح المنير ص ٥٧١؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ٥٩٠.
(٢) هو: أوس بن حذيفة بن ربيعة بن أبي سلمة، الثقفي، صحابي، روى عن النبي -ﷺ-، وروىعنه: ابنه عمرو، والنعمان بن سالم، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وخمسين. انظر: الإصابة ١/ ٩٢؛ تهذيب التهذيب ١/ ٣٤٦.
(٣) أخرجه من طريق يعلى بن عطاء عن أبيه عن أوس بن أبي أوس: أبو داود في سننه ص ٢٩، كتاب الطهارة، باب، ح (١٦٠)، وأحمد في المسند ٢٦/ ٨٠، -ولفظه: (رأيت رسول الله -ﷺ- توضأ ومسح على نعليه، ثم قام إلى الصلاة) -وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٢١، -ولفظه: (رأيت رسول الله -ﷺ- أتى كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على رجليه) - والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٤٩، والحازمي في الاعتبار ص ١٨٥، نحو لفظ ابن شاهين، ثم ذكر ابن شاهين والحازمي: (قال هشيم: كان هذا في مبدأ الإسلام). وعطاء والد يحيى المذكور في السند، قال عنه أبو الحسن القطان: مجهول الحال، ما روى عنه غير ابنه يعلى. ونحوه قول الذهبي حيث قال: لا يعرف إلا بابنه. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن حجر: مقبول. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٧٨؛ تهذيب التهذيب ٧/ ١٩١؛ التقريب ١/ ٦٧٧. والحديث صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٨٢، وذكر إسناده ثم قال: (وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح غير عطاء والد يعلى). وأخرجه أحمد في المسند ٢٦/ ٨٨، من طريق حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أوس بن أبي أوس عن أبيه، بلفظ: (عن أوس بن أبي أوس قال: رأيت أبي يومًا توضأ فمسح على النعلين، فقلت له: أتمسح عليهما؟ فقال: هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يفعل) فجعله من مسند أبي أوس، ويعلى رواه عن أوس دون والده. ومن نفس الطريقة أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٩٦، وابن حبان في صحيحه ص ٤٥٤. وذكر البيهقي في الكبرى ١/ ٤٢٩، أنه منقطع. وأخرجه من طريق شريك عن يعلى عن أوس بن أبي أوس عن أبيه أحمد في المسند ٢٦/ ٩٩، ولفظه: (قال: كنت مع أبي على ماء من مياه العرب فتوضأ ومسح على نعليه، فقيل له، فقال: ما أزيدك على ما رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع)، وبنفس الطريقة أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٩٧. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٤٨٤: (فقد اتفق حماد في رواية الأكثرين وشريك على إسقاط عطاء من الإسناد وعلى أن الحديث من مسند أبي أوس، ليس من مسند ابنه أوس خلافًا لرواية هشيم وشعبة، وهي عندي أصح وأولى؛ لأنهما أوثق وأحفظ من حماد وشريك). والحديث فيه اضطراب كما قاله الأثرم، انظر: إعلام العالم لابن الجوزي ص ٩٣، وقال الحازمي في الاعتبار ص ١٨٦: (أما الأحاديث الواردة في غسل الرجلين كثيرة جدًا مع صحتها، ولا يعارضها مثل حديث يعلى بن عطاء؛ لما فيه من التزلزل؛ لأن بعضهم رواه عن يلعى عن أوس ولم يقل عن أبيه، وقال بعضهم عن رجل، ومع هذا الاضطراب لا يمكن المصير إليه) وانظر كذلك: رسوخ الأحبار ص ٢١٩.
[ ١ / ٥٢٢ ]
ثالثًا: عن علي -﵁- قال: «كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، حتى رأيت رسول الله -ﷺ- يمسح على ظاهرهما» (^١).
رابعًا: عن عبد الله بن زيد (^٢) -﵁- «أن النبي -ﷺ- توضأ ومسح على
القدمين» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه، -وقال بعده: (قال وكيع: يعنى الخفين) -ص ٣٠، كتاب الطهارة، باب كيف المسح، ح (١٦٤)، والحميدي في مسنده ١/ ١٧٥، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٦، وأحمد في المسند ٢/ ١٣٩، -واللفظ له- وفي ص ٢٤٢، وص ٢٩٥، وفي ص ٤١٤، -بلفظ: (عن عبد خير قال: رأيت عليا توضأ ومسح على النعلين، ثم قال: «لولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- فعل كما رأيتموني فعلت لرأيت أن باطن القدمين هو أحق بالمسح من ظاهرهما» وأخرجه الدارمي في سننه ١/ ١٩٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٥، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢١٩، والبيهقي في الكبرى ١/ ٤٣٧، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٩٠.
(٢) هو: عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب، الأنصاري المازني، أبو محمد، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن المسيب، وواسع بن حبان، وغيرهما، وقتل يوم الحرة، سنة ثلاث وستين. انظر: الإصابة ٢/ ١٠٥٢؛ تهذيب التهذيب ٥/ ١٩٩؛ التقريب ١/ ٤٩٤.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٥؛ وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٢٠. وفي سنده عبد الله بن لهيعة، وهو مختلف في الاحتجاج به. وهذا الحديث وما سبق ذكرهما من الحديثين السابقين في أدلة هذا القول قال عن ذلك كلها ابن الجوزي في إعلام العالم ص ٩٣: (أنها لا تثبت). وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ١٠١، عن عباد بن تميم عن أبيه، ولفظه: (قال: رأيت رسول الله -ﷺ- يتوضأ ويمسح الماء على رجليه). ثم ذكر ابن خزيمة أن هذا كان في طهارة من غير حدث.
[ ١ / ٥٢٤ ]
خامسًا: عن رفاعة بن رافع (^١) -﵁- قال: فقال رسول الله -ﷺ-: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله ﷿، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح برأسه، ورجليه إلى الكعبين» (^٢).
وجه لاستدلال من هذه الأحاديث:
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث جاء فيها المسح على القدمين، فيدل ذلك على أن فرض الرجلين المسح، ويكون ذلك تأكيدًا لقراءة الخفض، وأنه مما أمر الله تعالى به في الآية الكريمة (^٣).
_________________
(١) هو: رفاعة بن رافع بن مالك بن العجلان، الأنصاري الخزرجي، أبو معاذ، شهد بدرًا والعقبة وبقية المشاهد، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابناه: عبيد، ومعاذ، وغيرهما، وتوفي سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ١٨٤؛ الإصابة ١/ ٥٩٢؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٢٥١.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٣٧، كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود، ح (٨٥٨)، وابن ماجة في سننه ص ٩٥، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء على ما أمر الله تعالى به، ح (٤٦٠)، والطحاوفي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٥. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٣٧، وصحيح سنن ابن ماجة ص ٩٥.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٥؛ المجموع ١/ ٢٣١؛ المغني ١/ ١٨٥؛ الشرح الكبير للمقدسي ١/ ٢٩٤؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
[ ١ / ٥٢٥ ]
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: أما حديث أوس بن أبي أوس الثقفي -﵁- فإنه مضطرب، فلا يقوى بمعارضة الأحاديث المتواترة المستفيضة في غسل القدمين (^١).
على أنه يحتمل أن يكون المراد به غسل الرجلين في النعلين، والمسح يطلق ويراد به الغسل (^٢).
ويحتمل أن يكون المراد بالقدمين الخفين، تسمية الظرف بالمظروف (^٣).
وإذا تطرق إلى الدليل الاحتمال بطل به الاستدلال.
ثانيًا: أما حديث علي -﵁- فالمراد به المسح على الخفين، ويفسره الروايات الأخرى عنه؛ حيث جاء فيها: «ما كنت أرى باطن القدمين إلا أحق بالغسل حتى رأيت رسول الله -ﷺ- يمسح على ظهر خفيه» (^٤).
وفي رواية: «لو كان الدين بالرأي لكان باطن القدمين أحق بالمسح من ظاهرهما، وقد مسح النبي -ﷺ- على ظهر خفيه» (^٥).
وغيرهما من الروايات في هذا المعنى، فهي مفسرة للرواية المذكورة، والراوي لكلها واحد وهو علي -﵁- (^٦).
_________________
(١) راجع تخريج الحديث وكلام أهل العلم فيه. وانظر: التحقيق لابن الجوزي ١/ ١٢٥.
(٢) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٣٠.
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ٢٣٨؛ التحقيق ١/ ١٢٥؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٠، كتاب الطهارة، باب المسح، ح (١٦٣).
(٥) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٠، كتاب الطهارة، باب المسح، ح (١٦٤).
(٦) انظر: سنن أبي داود ص ٢٩ - ٣٠، كتاب الطهارة، باب كيف المسح. والسنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٣٧.
[ ١ / ٥٢٦ ]
كما أنه يحتمل أن يكون المراد بالقدمين الخفين، تسمية الظرف بالمظروف؛ ولذلك حمله بعض أهل العلم على المسح على ظهور الخفين (^١).
ثالثًا: أما حديث عبد الله بن زيد -﵁- ففي سنده كلام، فلا يقوى بمعارضة الأحاديث الصحيحة المتواترة في غسل الرجلين في الوضوء (^٢). ثم يحتمل أن يكون المراد به المسح على الخفين، تسمية الظرف بالمظروف (^٣).
رابعًا: أما حديث رفاعة بن رافع -﵁- فيقال فيه ما قيل في الاستدلال من الآية الكريمة،
فإنه ورد على لفظ الآية (^٤).
وإضافة إلى ما سبق يقال: بأن هذه الأحاديث على تقدير أن المراد بها المسح على القدمين، فيقال: بأن المسح على القدمين كان أولًا، ثم نسخ (^٥).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو التخيير بين غسل الرجلين ومسحهما، مسحًا يعمُّ الرجلين- بما يلي:
أولًا: أما أدلة غسل القدمين فالأحاديث التي سبق ذكرها في دليل القول
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٢٣٨؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
(٢) راجع تخريج هذا الحديث والكلام عليه.
(٣) انظر: رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
(٤) راجع ما اعترض به على الاستدلال من الآية على قراءةالخفض. وانظر: المجموع ١/ ٢٣٣.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٣٩.
[ ١ / ٥٢٧ ]
الأول.
ثانيًا: أما أدلة مسح القدمين إذا كان مستوعبًا فما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (^١) على قراءة الخفض، وهذا أولى؛ لأن العطف على الرؤوس مع قربه منه أولى من العطف به على الأيدي (^٢).
والمراد بالمسح في الآية عموم مسح الرجلين بالماء، كالأمر بعموم مسح الوجه بالتراب في التيمم (^٣).
ثانيًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: تخلف النبي -ﷺ- عنا في سفرة سافرناها فأدركنا وقد أرهقنا العصر، فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: «ويل للأعقاب من النار» مرتين أو ثلاثًا (^٤).
ثالثًا: عن عبد الله بن عمرو -﵁- قال: رجعنا مع رسول الله -ﷺ- من مكة إلى المدينة حتى إذا كنا بماء في الطريق تعجل قوم عند العصر فتوضؤا وهم عجال، فانتهينا إليهم وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء، فقال رسول الله -ﷺ-: «ويل للأعقاب من النار، أسبغوا الوضوء» (^٥).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٦).
(٢) انظر: جامع البيان ١٠/ ٦٤.
(٣) انظر: جامع البيان ١٠/ ٦١ - ٦٢، ٦٤.
(٤) سبق تخريجه في ص ٣٣٨.
(٥) سبق تخريجه في ص ٣٣٨.
[ ١ / ٥٢٨ ]
رابعًا: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار» (^١).
وغيرها من الأحاديث التي أمر النبي -ﷺ- فيها بإسباغ الوضوء، ولو كان مسح بعض القدم مجزئًا من عمومها لما كان لها الويل بترك ما ترك مسحه منها بالماء بعد أن يمسح بعضها، ففي ذلك أوضح الدليل على وجوب فرض العموم بمسح جميع القدم بالماء (^٢).
واعترض على هذا الاستدلال بما يلي:
أولًا: أما الاستدلال من الآية الكريمة فقد سبق ما اعترض عليه في الاستدلال منه على المسح، في أدلة القول الثاني.
ثانيًا: أما الاستدلال من الأحاديث المذكورة على المسح وعلى عمومها، فيعترض عليه بما يلي:
أولًا: بأن الإنكار والوعيد كان على المسح، وعدم غسل الرجلين، كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو -﵁- الأول (^٣).
ثانيًا: أن الإنكار والوعيد كان على عدم غسل الرجلين بكمالهما، كما يدل عليه الأحاديث الأخرى، لا على عدم كمالهما بالمسح (^٤).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٣٣٩.
(٢) انظر: جامع البيان ١٠/ ٦٤؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥.
(٣) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٧٧، ٤٧٩؛ فتح الباري ١/ ٣٣٥.
(٤) انظر: التمهيد ٢/ ٤٩؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ١٢٤؛ المجموع ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٥٢٩ ]
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح ما يلي:
أولًا: أن فرض الرجلين الغَسل إذا لم يكن عليهما خف، كما هو القول الأول، وذلك:
أ- لقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾. (^١) سواء كانت الأرجل مخفوضة أو منصوبة،
فإن المأمور به في الآية هو الغسل، وقد سبق ما يدل على ذلك، ويؤكده تقييد الرجلين بالكعبين (^٢).
ب- كثرة ما استُدل به لهذا القول مع صحتها وصراحة دلالتها على الغسل؛ حيث بلغت حد التواتر قولًا وفعلًا، وهي محكمة لا يتطرق إليها أي احتمال (^٣).
ج- إن الأحاديث الواردة في المسح على القدمين، أو المسح على القدمين والنعلين وردت بطرق وألفاظ مختلفة، ومن تتبعها يجد أن خلاصة هذه الطرق والألفاظ هي:
١ - أنه مسح على الخفين.
٢ - أنه مسح على القدمين.
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٦).
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ١٣٠.
(٣) انظر: رسوخ الأحبار ص ٢١٩.
[ ١ / ٥٣٠ ]
٣ - أنه مسح على الرجلين.
٤ - أنه مسح على النعلين.
٥ - أنه مسح على نعليه وقدميه.
٦ - أنه مسح على ظهر قدميه على خفيه (^١).
وهذه الطرق تفسر بعضها البعض، ويتبين من مجموعها أنه أطلق فيها على المسح على الخفين: المسح على القدمين، والمسح على الرجلين، ونحو هذه العبارات، وذلك أنه ليس المقصود المسح على الخفين مجردين عن القدم والرجل، بل يمسح عليهما ما داما في القدمين والرجلين، فلذلك عبر بالقدمين والرجلين عن ذلك (^٢).
أو أنه أُطلق فيها المسح على الغسل (^٣).
ومع هذه الاحتمالات لا يصح الاستدلال من هذه الأحاديث على أن فرض القدمين المسح؛ وذلك للاتفاق على أن الفرائض إنما يصلح أداؤها باليقين، واليقين هنا الغسل لا المسح؛ بدليل تطرق الاحتمالات المذكورة
_________________
(١) انظر هذه الطرق والألفاظ في: سنن أبي داود ص ٢٩ - ٣٠؛ مسند الحميدي ١/ ١٧٥؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٦؛ مسند الإمام أحمد ٢/ ١٣٩، ٢٤٢، ٢٩٥، ٤١٤، ٢٦/ ٨٠، ٨٨، ٩٩؛ شرح معاني الآثار ١/ ٣٥؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢١٩ - ٢٢١؛ السنن الكبرى للبهقي ١/ ٤٣٧، ٤٤٩.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٢٣٨؛ رسوخ الأحبار ص ٢١٧.
(٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٣٠.
[ ١ / ٥٣١ ]
إليها، بخلاف غسل القدمين (^١).
ثانيًا: وعلى تقدير أن المراد بالمسح في هذه الأحاديث مسح الرجلين والقدمين المخلاتين عن الخفين، فتكون منسوخة؛ وذلك لتأخر آية المائدة، والأمر بإسباغ الوضوء بعد المسح على الرجلين، كما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو -﵁-، ويؤيد ذلك قول هشيم أن المسح على القدمين كان في أول الإسلام.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٤٩.
[ ١ / ٥٣٢ ]