تعريف النسخ لغة
يطلق النسخ لغة على معنيين:
الأول: الإزالة التي يراد بها: الانعدام، والإبطال، والمحو.
الثاني: النقل، والتحويل والتبديل.
أما النسخ بمعنى الإزالة التي هي على وجه الإعدام والإبطال فعلى قسمين:
أحدهما: إزالة إلى بدل.
وهو أن يزيل شيء ويحل غيره محله.
ومن أمثلة ذلك:
أ-قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ (^١).
قال ابن جرير الطبري (^٢): (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (١٠٦).
(٢) هو: محمد بن جرير بن يزيد بن غالب، أبو جعفر الطبري البغدادي، أخذ عن: الزعفراني، والربيع المرادي، وغيرهما. وأخذ عنه الطبراني، وغيره. وكان إماما مجتهدًا. ومن مؤلفاته (جامع البيان) في التفسير، وتوفي سنة عشر وثلاثمائة. انظر: البداية والنهاية ١١/ ١٤٢؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٠٠.
[ ١ / ٥٢ ]
إلى غيره، فنُبدِّله ونُغيِّره. وذلك أن يحوّل الحلال حرامًا والحرام حلالًا، والمباح محظورًا والمحظور مباحًا) (^١).
ب- قولهم: (نسخت الشمس الظل)، أي أذهبته وحلت محله.
ج-قولهم: (نسخ الشيب الشباب). وهو في نفس معنى سابقه.
الثاني: الإزالة إلى غير بدل.
وهو أن يُزيل شيء، من غير أن يحل شيء آخر محله.
ومن أمثلته:
أ-قوله تعالى: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ (^٢) أي يذهبه ويبطله (^٣).
ب-قولهم: (نسخت الريح الآثار). أي أبطلتها وأزالتها.
أما النسخ بمعني النقل، والتحويل والتبديل، فمن أمثلة ذلك:
أ-قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٤). والمراد نقله إلى الصحف.
قال ابن جرير: (يقول: إنا كنا نستكتب حفظتنا أعمالكم، فتثبتها في الكتاب، وتكتبها) (^٥).
_________________
(١) تفسير الطبري: جامع البيان ١/ ٦٠٧. وانظر تفسير ابن كثير ١/ ١٤٢.
(٢) سورة الحج، الآية (٥٢).
(٣) انظر: تفسير ابن كثير ٣/ ٢٢٤؛ فتح القدير للشوكاني ٣/ ٥٧٦.
(٤) سورة الجاثية، الآية (٢٩).
(٥) جامع البيان ١٣/ ١٨١.
[ ١ / ٥٣ ]
ب-قولهم: (نسخت الكتاب). أو: (نسخت الكتاب ما فيه) فليس المراد إعدام ما فيه، بل تصوير مثل ما في الكتاب في محل آخر.
ج- قولهم: (نسخ ما في الخلية) أي حوّله إلى غيرها (^١).
_________________
(١) انظر تعريف النسخ لغة مع الأقسام والأمثلة في: أ-كتب اللغة: تهذيب اللغة لأبي منصور الأزهري ٧/ ١٨١ - ١٨٢؛ الصحاح للجوهري ١/ ٤٣٣؛ مختار الصحاح للرازي ص ٥٧١؛ لسان العرب لابن منظور ١٤/ ١٢١؛ المصباح المنير للفيومي ص ٤٩٣؛ القاموس المحيط للفيروز أبادي ص ٢٣٨؛ مجمع بحار الأنواع للفتني ٤/ ٧١٣؛ تاج العروس من جواهر القاموس للزبيدي ٧/ ٣٥٥ - ٣٥٦. ب-الكتب المصنفة في الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبوية: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم للنحاس ص ١١؛ الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لابن حزم ص ٦ - ٧؛ الاعتبار للحازمي ص ٥١ - ٥٢؛ نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١٢٧؛ رسوخ الأحبار في منسوخ الأخبار للجعبري ص ١٢٨؛ الناسخ والمنسوخ في الأحاديث للرازي ص ٢٤. وانظر كذلك: البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٢٩؛ الإتقان في علوم القرآن للسيوطي ٢/ ٤٠. ج-كتب الأصول: "أصول السرخسي ٢/ ٥٣؛ أصول فخر الإسلام البزدوي وشرحه كشف الأسرار للبخاري ٣/ ٢٩٧ - ٣٠١؛ مسلم الثبوت لمحب الله البهاري، وشرحه فواتح الرحموت لمحمد السهالوي ٢/ ٦٢"؛ مختصر ابن حاجب لابن حاجب مع شرحه رفع الحاجب للسبكي ٤/ ٢٦؛ شرح المعالم في أصول الفقه للتلمساني ٢/ ٣٣"؛ قواطع الأدلة للسمعاني ١/ ٤١٧؛ المستصفى للغزالي ص ٨٦؛ الإحكام للآمدي ٢/ ٩٦ - ٩٧"؛ روضة الناظر لابن قدامة ١/ ١٢٧ - ١٢٨؛ شرح مختصر الروضة للطوفي ٢/ ٢٥١؛ شرح الكوكب المنير لابن النجار ٣/ ٥٢٥"؛ إرشاد الفحول للشوكاني ٢/ ٤٩.
[ ١ / ٥٤ ]
وقد اختلف جماعة من أهل العلم من الأصوليين في اسم النسخ، هل هو حقيقة (^١) في المعنيين أم في أحدهما دون الآخر، على ثلاثة أقوال (^٢):
الأول: إنه حقيقة فيهما، مشترك بينهما لفظا؛ لاستعماله فيهما (^٣).
الثاني: إنه حقيقة في الإزالة، مجاز (^٤) في النقل (^٥).
الثالث: إنه حقيقة في النقل، مجاز في الإزالة (^٦).
تعريف النسخ شرعًا
النسخ نوعان: نسخ للشرائع (^٧)، ونسخ في الشريعة الإسلامية. وسأذكر-
_________________
(١) الحقيقة هو: اللفظ المستعمل في موضوعه الأصلي. روضة الناظر ٢/ ٦. وانظر: المستصفى ص ١٨٦.
(٢) راجع المصادر من كتب الأصول في الحاشية ما قبل السابقة.
(٣) وممن قال بهذا: أبو بكر الباقلاني، والقاضي عبد الوهاب، والغزالي. وذهب ابن المنير إلى أنه مشترك بينهما اشتراكًا معنويًّا. انظر: المستصفى للغزالي ص ٨٦؛ الإحكام للآمدي ٢/ ٩٦؛ البحر المحيط ٥/ ١٩٥؛ إرشاد الفحول ٢/ ٤٩.
(٤) المجاز هو: اللفظ المستعمل في غير موضوعه على وجه يصح. روضة الناظر ٢/ ١١. وانظر: المستصفى ص ١٨٦.
(٥) وهو قول أبي الحسين البصري، والرّازي، وحكاه الصفي الهندي عن الأكثرين. انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ٩٦؛ المحصول للرازي وشرحه نفائس الأصول ٣/ ٢١١؛ البحر المحيط للزركشي ٥/ ١٩٥.
(٦) وممن قال به القفال الشاشي. انظر: المحصول مع شرحه نفائس الأصول ٣/ ٢١١؛ البحر المحيط ٥/ ١٩٥؛ إرشاد الفحول ٢/ ٤٩.
(٧) الشرائع جمع شريعة، وهي لغة تأتي بمعنى الطريقة العظيمة الواضحة، وبمعنى مورد الإبل على الماء الجاري. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٨٥٧؛ مختار الصحاح ص ٢٩٤؛ المصباح المنير ص ٢٥٤. وفي الاصطلاح: ما شرع الله لعباده من الدين، على لسان رسول من الرسل. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٨٥٧؛ مختار الصحاح ص ٢٩٤؛ المدخل في التعريف بالفقه الإسلامي، لمحمد مصطفى شلبي ص ٢٧.
[ ١ / ٥٥ ]
إن شاء الله تعالى- أولًا تعريف نسخ الشرائع، ثم بعض التعريفات الاصطلاحية للنسخ في الشريعة الإسلامية.
أولًا: تعريف نسخ الشرائع
نسخ الشرائع هو: ابتداء شريعة دلت على انتهاء السابقة (^١).
والمراد: أن الشريعة المتأخرة تنسخ الشريعة السابقة فيما يعارضها. وليس المراد أن الشريعة السابقة تُنسخ بكاملها بحيث لا يبقى منها شيء؛ وذلك لأنه قد يوجد أشياء مشتركة بين جميع الشرائع لا يمكن القول بنسخها كأصول العقائد والإيمانيات. كما أن الشريعة المتأخرة قد تُشرع فيها أحكام موافقة لسابقتها، وقد يوجد في السابقة أشياء لا يكون لها ذكر في الشريعة المتأخرة. فهذه الأمور لا يقال بأنها نُسخت بالشريعة المتأخرة (^٢).
ثانيًا: بعض التعريفات الاصطلاحية للنسخ في الشريعة الإسلامية
النسخ له إطلاقان: إطلاق عند السلف، وإطلاق عند المتأخرين، فهو في
_________________
(١) انظر: رسوخ الأحبار ص ١٣٠.
(٢) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥٩؛ روضة الناظر ١/ ١٣٤؛ البحر المحيط للزركشي ٤/ ٣٢٩؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٦٩؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٣.
[ ١ / ٥٦ ]
اصطلاح السلف يختلف عن النسخ في اصطلاح المتأخرين؛ لأن النسخ عند السلف من الصحابة والتابعين، أعم من النسخ عند من بعدهم؛ حيث إنهم يطلقون النسخ على تخصيص العام، وتقييد المطلق، وتفصيل المجمل، وإيضاح المبهم، ونحو ذلك، كما كانوا يطلقونه على النسخ بمعناه المعروف عند المتأخرين من الأصوليين وغيرهم بعد تحديد المصطلحات العلمية.
وقد صرح بهذا غير واحد من أهل العلم، منهم:
أ- شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-؛ حيث قال: (والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف-العام- كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح، كتخصيص العام، وتقييد المطلق) (^١).
وقال أيضًا: (وفصل الخطاب أن لفظ النسخ مجمل، فالسلف كانوا يستعملونه فيما يظن دلالة الآية عليه، من عموم أو إطلاق أو غير ذلك) (^٢).
ب- ابن القيم (^٣) -﵀-؛ حيث قال: (ومراد عامة السلف
_________________
(١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٢٧٢.
(٢) مجموع الفتاوى ١٤/ ١٠١.
(٣) هو: محمد بن أبي بكر بن أيوب، الزرعي، أبو عبد الله، ابن قيم الجوزية، سمع من الشهاب النابلسي، ولازم شيخ الإسلام ابن تيمية واستفاد منه كثيرًا، وأخذ عنه ابن عبد الهادي، وغيره، من مؤلفاته: (زاد المعاد)، وتوفي سنة إحدى وخمسين وسبعمائة. انظر: البداية والنهاية ١٤/ ٢٦٧؛ الذيل على طبقات الحنابلة ٢/ ٤٤٧.
[ ١ / ٥٧ ]
بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارة، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارة، إما بتخصيص أو تقييد، أو حمل مطلق على مقيد وتفسيره وتبيينه حتى إنهم يسمون الاستثناء والشرط والصفة نسخًا، لتضمن ذلك رفع دلالة الظاهر وبيان المراد، فالنسخ عندهم وفي لسانهم هو بيان المراد بغير ذلك اللفظ، بل بأمر خارج عنه، ومن تأمل كلامهم رأى من ذلك فيه ما لا يحصى، وزال عنه به إشكالات أوجبها حمل كلامهم على الاصطلاح الحادث المتأخر) (^١).
ج- أبو إسحاق الشاطبي (^٢) -﵀- حيث قال: (وذلك أن الذي يظهر من كلام المتقدمين أن النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين، فقد يطلقون على
تقييد المطلق نسخًا، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخًا، وعلى بيان المبهم والمجمل نسخًا، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخًا؛ لأن جميع ذلك مشترك في معنى واحد، وهو أن النسخ في الاصطلاح
_________________
(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٢٩.
(٢) هو: إبراهيم بن موسى أبو إسحاق الغرناطي، الشهير بالشاطبي، الفقيه، الأصولي، من شيوخه: أبو عبد الله البلنسي، وأخذ عنه: أبو بكر بن عاصم، وغيره، ومن مؤلفاته: ا"لموافقات في أصول الشريعة"، وتوفي سنة تسعين وسبع مائة. انظر: شجرة النور الزكية ص ٢٣١؛ الفتح المبين في طبقات الأصوليين ٢/ ٢٠٤.
[ ١ / ٥٨ ]
المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم غير مراد في التكليف، وإنما المراد ما جيء به آخرًا، فالأول غير معمول به، والثاني هو المعمول به، وهذا المعنى جار في تقييد المطلق؛ فإن المطلق متروك الظاهر مع مقيده، فلا إعمال له في إطلاقه، بل المعمول هو المقيد، فكأن المطلق لم يفد مع مقيِّدِه شيئًا، فصار مثل الناسخ والمنسوخ. كذا العام مع الخاص؛ إذ كان ظاهر العام يقتضي شمول الحكم بجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار، فأشبه الناسخ والمنسوخ؛ ولأن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة وإنما أُهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي السائر على الحكم الأول. والمبين مع المبهم كالمقيد مع المطلق، فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جملة هذه المعاني؛ لرجوعها إلى شيء واحد) (^١).
فتبين مما سبق أن النسخ في اصطلاح السلف العام أعم منه في اصطلاح المتأخرين، وأن ما اصطلح عليه المتأخرون هو أحد إطلاقاته عندهم.
أما النسخ عند المتأخرين فقد تعددت تعريفاتهم له، والغرض منها كلها هو تصوير حقيقة النسخ في اصطلاح الشرع، وسأكتفي بذكر بعض منها، مع ذكر شيء من شرحها، دون التعرض لما يرد عليها من مآخذ وإيرادات والأجوبة عنها، وذلك خشية التطويل. وفيما يلي بعض هذه التعريفات:
_________________
(١) الموافقات ٢/ ٧٦.
[ ١ / ٥٩ ]
أ-النسخ، هو: (الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم، على وجه لولاه لكان ثابتًا به، مع تراخيه عنه) (^١).
شرح التعريف:
قوله: (الخطاب) قيد يقصد به تعميم كل خطاب ودليل، سواء كان من باب المنطوق أو غيره.
قوله: (الدال على ارتفاع الحكم) قيد به ليتناول الأمر، والنهي، والخبر، وجميع أنواع الحكم.
قوله: (بالخطاب المتقدم) قيد يخرج به إيجاب العبادات ابتداء، فإنه يزيل حكم العقل ببراءة الذمة، ولا يسمى نسخًا؛ لأنه لم يزل حكم خطاب.
قوله: (على وجه لولاه لكان ثابتًا) قيد يحترز به عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت، ثم ورد الخطاب عند تصرّم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول، فإنه لا يكون نسخًا لحكم الخطاب الأول.
قوله: (مع تراخيه عنه) قيد يحترز به عن الخطاب المتصل، كالاستثناء،
_________________
(١) هذا هو تعريف القاضي الباقلاني، والصيرفي، وأبو إسحاق الشيرازي، والغزالي، وغيرهم، وذكر الحازمي أن المتأخرين أطبقوا عليه، وأنه حد صحيح. وقد أورد على التعريف بعض الاشكالات، لكن أجاب عنها الآمدي. انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤١٧؛ المستصفى ص ٨٦؛ الاعتبار للحازمي ص ٥٢؛ الإحكام للآمدي ٢/ ٩٨ - ١٠٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٠.
[ ١ / ٦٠ ]
والتقييد بالشرط والغاية، فإن ذلك لا يكون نسخًا، بل بيانًا لمدة العبادة (^١).
ب-النسخ، هو: (أن يرد دليل شرعي، متراخيًا عن دليل شرعي، مقتضيًا خلاف حكمه) (^٢).
شرح التعريف:
قوله: (دليل شرعي) يشمل الدليل من الكتاب، والسنة قولًا وفعلًا.
قوله: (متراخيًا) خرج به التخصيص؛ لأنه لا يكون متراخيًا.
قوله: (مقتضيًا خلاف حكمه) أي يدافعه وينافيه، وخرج به مجرد المغايرة (^٣).
ج- النسخ، هو: (رفع حكم شرعي بمثله مع تراخيه عنه) (^٤).
شرح التعريف:
قوله: (رفع) قيد خرج به ما ليس برفع، كالتخصيص، فإنه لا يرفع
_________________
(١) انظر شرح التعريف المذكور في: المستصفى ص ٨٦؛ الإحكام للآمدي ٢/ ٩٨، ٩٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥١.
(٢) بهذا عرف النسخ جماعة ممن ألف في المصطلحات من الحنفية. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٢٤٠؛ كشاف اصطلاحات الفنون لمحمد التهانوي ٤/ ١٨٩؛ جامع العلوم في اصطلاحات الفنون ٣/ ٢٤٦؛ التعريفات الفقهية ص ٢٢٧.
(٣) انظر: كشاف اصطلاحات الفنون ٤/ ١٨٩.
(٤) عرفه بهذا الشوكاني، وذكر معنى ذلك: ابن الجاجب، وابن النجار الحنبلي، وقال: (هو قول الأكثر) انظر: إرشاد الفحول ٢/ ٥٢؛ مختصر ابن الحاجب مع شرحه رفع الحاجب ٤/ ٢٦؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٢٦.
[ ١ / ٦١ ]
الحكم، وإنما يقصره
على بعض أفراده.
قوله: (حكم شرعي) قيد يخرج به ابتداء إيجاب العبادات في الشرع، فإنه يرفع حكم العقل ببراءة الذمة، وهو لا يقال له نسخ.
قوله: (بمثله) يراد به الحكم الشرعي، ويخرج به رفع الحكم الشرعي بدليل عقلي.
قوله: (مع تراخيه عنه) قيد يحترز به عن الخطاب المتصل، كالاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية، فإن ذلك لا يكون نسخًا، بل بيانًا لمدة العبادة (^١).
وهذا التعريف الأخير (^٢)، لعله يكون أولى من سابقيه؛ لكونه مختصرًا، وأكثر جامعية.
لكن جميع هذه التعريفات المذكورة ينقصها عدم شمولها لجميع أنواع النسخ، لذلك بعد البحث والقراءة لتعريفات النسخ وأنواعه، يظهر لي أن الأولى أن يعرف النسخ اصطلاحًا بما يلي:
النسخ: رفع حكم دليل أحد الوحيين، أو لفظ دليل الوحي المتلُوّ، أو لفظه وحكمه معًا، بدليل من الوحيين، مع تراخيه عنه.
قوله: (رفع) هذا تعريف للنسخ على أنه فعل الشارع، وهذا التعبير أولى من التعريف بأنه الخطاب، أو اللفظ، أو الطريق؛ لأنه تعريف للنسخ
_________________
(١) انظر شرح التعريف في: إرشاد الفحول ٢/ ٥١ - ٥٢؛ مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ١٩١ - ١٩٢.
(٢) وهو تعريف الشوكاني.
[ ١ / ٦٢ ]
بدليله.
وخرج بهذا القيد ما ليس برفع، كالتخصيص، فإنه لا يرفع الحكم، وإنما يقصره على بعض أفراده.
قوله: (حكم أحد الوحيين) هذا قيد مخرج لرفع حكم البراءة الأصلية، فهو لا يسمى نسخًا.
والمراد (بالوحيين) الكتاب والسنة، ويسمى الأول الوحي المتلو، والثاني الوحي غير المتلو.
قوله: (أو لفظ دليل الوحي المتلو) قيد التعريف به ليشمل نسخ لفظ التلاوة؛ لأن النسخ إما أن يكون للحكم، أو للفظ، أو لهما معًا.
قوله: (أو لفظه وحكمه معًا) قيد التعريف به ليشمل نسخ لفظ وحكم دليل الوحي المتلو معًا، لأن ذلك أحد أنواع نسخ القرآن.
قوله: (بدليل) يخرج به رفع الحكم بالموت أو الجنون، ونحوهما.
قوله: (من الوحيين) أي الكتاب والسنة، ويخرج به ما عداهما من الأدلة، كالإجماع (^١) والقياس (^٢)، فلا ينسخ بهما.
_________________
(١) الإجماع لغة: العزم، والاتفاق. انظر: المصباح المنير ص ٩٨. واصطلاحًا: اتفاق علماء العصر من أمة محمد -ﷺ- على أمر من أمور الدين. انظر: روضة الناظر لابن قدامة ١/ ٢١٩؛ التعريفات للجرجاني ص ١٠.
(٢) القياس لغة: التقدير، يقال: قاس الشيء بغيره وعلى غيره أي قدره على مثاله. انظر: مختار الصحاح ص ٤٨٩؛ القاموس المحيط ص ٥١١. واصطلاحًا: حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما، أو نفيه عنهما، بأمر جامع بينهما من إثبات حكم أو صفة، أو نفيهما عنهما. انظر: المستصفى للغزالي ص ٢٨٠؛ روضة الناظر ٢/ ١٤٥.
[ ١ / ٦٣ ]
قوله: (مع تراخيه عنه) قيد يحترز به عن الدليل المتصل، كالاستثناء، والتقييد بالشرط والغاية، فإن ذلك لا يكون نسخًا، بل بيانًا لمدة العبادة.
فهذا التعريف لعله يكون أولى؛ لشموله لجميع أنواع النسخ ولكونه جامعًا مانعًا في نظري.
والله أعلم.
[ ١ / ٦٤ ]