ذهب بعض أهل العلم إلى أن فرضية صلاة الجماعة كانت في أول الإسلام، ثم نسخ. حكاه القاضي عياض (^١) وقواه ابن حجر (^٢).
وتبين منه أن القول به أحد أسباب الاختلاف، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء في المسألة هو اختلاف الآثار الواردة فيها (^٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عبد الله بن عمر﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذِّ بسبع وعشرين درجة» (^٤).
_________________
(١) هو: القاضي عياض بن موسى بن عياض، أبو الفضل، اليحصبي السبتي، المالكي، أحد الأعلام، سمع من أبي علي بن سكرة، وغيره، وولي قضاء سبتة مدة، ثم قضاء غرناطة، ومن مؤلفاته: إكمال المعلم بشرح صحيح مسلم، وتوفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة. انظر: الديباج المذهب ٢/ ٤٦؛ شجرة النور الزكية ١/ ١٤٠. وانظر حكايته لقول النسخ في: إكمال المعلم ٢/ ٦٢٥؛ فتح الباري ٢/ ١٥٩؛ نيل الأوطار ٣/ ١٢٤.
(٢) انظر: فتح الباري ٢/ ١٥٩؛ نيل الأوطار ٣/ ١٢٤. ويدل عليه كذلك قول القرطبي في المفهم ٢/ ٢٧٩.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٧٢؛ فتح الباري ٢/ ١٥٧ - ١٥٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٠، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٤٥)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٥٧، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٥٠) (٢٤٩).
[ ٢ / ١٠١١ ]
وفي رواية عنه -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعًا وعشرين» (^١).
ثانيًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- أنه سمع النبي -ﷺ- يقول: «صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفذِّ بخمس وعشرين درجة» (^٢).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «صلاة الرجل في الجماعة تضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضِعفًا، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة، لم يخط خَطْوةً إلا رفعت له بها درجة وحُطّ عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صلِّ عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» (^٣).
وفي رواية عنه -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءًا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٤٥٧، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٥٠) (٢٥٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٠، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٤٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣١، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٤٧)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٥٦، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٤٩) (٢٤٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٤٥٥، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب فضل صلاة الجماعة، ح (٦٤٩) (٢٤٥).
[ ٢ / ١٠١٢ ]
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا (^١) سمينًا أو مرماتين (^٢) حسنتين لشهد العشاء» (^٣).
خامسًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: بعثنا رسول الله -ﷺ- في بعثٍ فقال: «إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار» ثم قال رسول الله -ﷺ- حين أردنا الخروج: «إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما» (^٤).
سادسًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: أتي النبي -ﷺ- رجل أعمى (^٥) فقال: يا
_________________
(١) العرق بالسكون: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ١٩٢.
(٢) المرماة: ظلف الشاة، وقيل: ما بين ظلفيها. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٦٩٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٠، كتاب الأذان، باب وجوب صلاة الجماعة، ح (٦٤٤)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٥٧، كتاب المساجد، باب فضل صلاة الجماعة والتشديد في التخلف عنها، ح (٦٥١) (٢٥١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦١١، كتاب الجهاد والسير، باب لا يعذب بعذاب الله، ح (٣٠١٦).
(٥) هو ابن أم مكتوم، كما جاء مفسرًا في بعض الروايات. انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٤٥٩.
[ ٢ / ١٠١٣ ]
رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله -ﷺ- أن يُرَخِّص له فيصلي في بيته، فرخص له فلما ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم. قال: «فأجب» (^١).
سابعًا: عن محمود بن الربيع الأنصاري (^٢) أن عتبان بن مالك (^٣) -﵁- كان يؤم قومه وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله -ﷺ-: يا رسول الله إنها تكون الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر، فصل يا رسول الله في بيتي مكانًا اتخذه مصلى، فجاءه رسول الله -ﷺ- فقال: «أين تحب أن أصلي؟» فأشار إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٤٥٩، كتاب المساجد، باب يجب إتيان المساجد على من سمع النداء، ح (٦٥٣) (٢٥٥).
(٢) هو: محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو، الأنصاري الخزرجي، أبو محمد، صحابي صغير، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: الزهري، ورجاء بن حيوة، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وتسعين. انظر: الإصابة ٣/ ١٧٩٥؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٥٦؛ التقريب ٢/ ١٦٣.
(٣) هو: عتبان بن مالك بن عمرو بن العجلان، الأنصاري الخزرجي، شهد بدرًا، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس، ومحمود بن الربيع، وغيرهما، وكان إمام قومه بني سالم، وتوفي في خلافة معاوية -﵁-. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٧٠؛ الإصابة ٢/ ١٢٢٦؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٨٣.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣٤، كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله، ح (٦٦٧)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٤، كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة، ح (٣٣) (٥٤).
[ ٢ / ١٠١٤ ]
ويستدل منها على النسخ بالوجوه الآتية:
أولًا: إن الأحاديث الثلاثة الأول تدل على جواز صلاة الفذ؛ لأن فيها تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، والأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، فيثبت من ذلك أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ مع جواز صلاة الفذ، وإذا ثبت ذلك فتكون هذه الأحاديث ناسخة لفرضية صلاة الجماعة؛ لأن وجوب الجماعة تستلزم عدم جواز صلاة الفذ (^١).
واعترض عليه: بأنه لا يوجد دليل يثبت تأخر أحاديث فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ عن الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة، حتى تكون ناسخة لها.
أما المفاضلة بين صلاة الجماعة وصلاة الفذ فلا تدل على عدم وجوب صلاة الجماعة، بل تدل على صحة صلاة الفذ، ولا تنافي بين صحة صلاة الفذ وكون الجماعة واجبة (^٢).
ثانيًا: إن من الأدلة التي تدل على وجوب صلاة الجماعة حديث أبي هريرة -﵁- الذي فيه
التهديد بتحريق تارك الجماعة، والتعذيب بالناركان يجوز أولًا ثم نُسخ، يدل عليه حديث أبي هريرة -﵁- الذي بعده: (وإن النار لا يعذب بها إلا الله)، فدل ذلك أن فرضية صلاة الجماعة كان أولًا
_________________
(١) انظر: الاستذكار ٢/ ١٣١؛ فتح الباري ٢/ ١٥٩؛ نيل الأوطار ٣/ ١٢٥.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٦، ٧؛ فتح الباري ٢/ ١٦٣.
[ ٢ / ١٠١٥ ]
ثم نسخ بنسخ الوعيد المذكور في حقهم (^١).
واعترض عليه: بأنه لا يلزم من نسخ التعذيب بالنار نسخ وجوب الجماعة؛ لوجود أدلة أخرى تدل على الوجوب.
ثالثًا: إن حديث أبي هريرة -﵁- الأخير فيه أن النبي -ﷺ- لم يرخص للأعمى في التخلف عن الجماعة، وقد انعقد الإجماع على سقوط حضور الجماعة عن ذوي الأعذار، والأعمى من جملتهم، ويدل عليه كذلك حديث عتبان بن مالك -﵁-، فدل ذلك أن التشديد في التخلف عن الجماعة كان أولًا، ثم نُسخ ذلك وخُفف فيه (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم صلاة الجماعة على أربعة أقوال:
القول الأول: أنها سنة مؤكدة.
وهو مذهب الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، ووجه عند الشافعية (^٥)، ورواية عن الإمام أحمد (^٦).
_________________
(١) انظر: فتح الباري ٢/ ١٥٩، ٦/ ١٩٢.
(٢) انظر: إكمال المعلم ٢/ ٦٢٥؛ المفهم للقرطبي ٢/ ٢٧٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٤٥٩.
(٣) انظر: مختصر القدوري ص ٢٩؛ الهداية ١/ ٣٤٤؛ الاختيار ١/ ٤٧؛ مجمع الأنهر ١/ ١٠٧؛ الفتاوى الهندية ١/ ٨٢.
(٤) انظر: الإشراف ١/ ٢٩١؛ الاستذكار ١/ ١٣٢؛ عقد الجواهر ١/ ١٨٩؛ جامع الأمهات ص ١٠٧؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٣٩٥؛ التاج والإكليل ٢/ ٣٩٥؛ الشرح الكبير للدردير ١/ ٥٠٩.
(٥) انظر: الحاوي ٢/ ٣٠٢؛ المهذب ١/ ٣٠٩؛ العزيز ٢/ ١٤١؛ المجموع ٤/ ٦٢.
(٦) انظر: الإنصاف ٤/ ٢٦٥.
[ ٢ / ١٠١٦ ]
القول الثاني: أنها فرض كفاية.
وهو الصحيح من مذهب الشافعية (^١).
القول الثالث: أنها واجبة، ولكنها ليست شرطًا لصحة الصلاة.
وهو مذهب الحنابلة (^٢)، واختيار جماعة من الحنفية (^٣)، وقول ابن المنذر، وابن خزيمة من الشافعية (^٤).
وروي نحوه عن ابن مسعود، وأبي موسى﵄-. وبه قال عطاء، والأوزاعي وأبو ثور (^٥).
القول الرابع: أن الجماعة فرض عين، وشرط لصحة الصلاة.
وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦)، وقول داود وأهل الظاهر (^٧).
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ٢٧٧؛ الحاوي ٢/ ٣٠٢؛ المهذب ١/ ٣٠٨؛ حلية العلماء ٢/ ١٨٣؛ العزيز ٢/ ١٤١؛ المجموع ٤/ ٦٢، ٦٣؛ مغني المحتاج ١/ ٣٩٥.
(٢) انظر: الانتصار لأبي الخطاب ٢/ ٤٧٦؛ المغني ٣/ ٥؛ المحرر ١/ ٩١؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٦٥؛ الممتع ١/ ٥٤٠؛ الإنصاف ٤/ ٢٦٥؛ زاد المستقنع ص ١٦.
(٣) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٣٨٤؛ فتح القدير ١/ ٣٤٤؛ البحر الرائق ١/ ٣٦٥؛ الدر المختار ٢/ ٢٤٧.
(٤) انظر: الأوسط ٤/ ١٣٢؛ المجموع ٤/ ٦٣؛ مغني المحتاج ١/ ٣٩٦.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٥؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٦٥؛ المجموع ٤/ ٦٣.
(٦) انظر: الاختيارا ت الفقهية ص ٦٧؛ الإنصاف ٤/ ٢٦٥.
(٧) انظر: المحلى ٣/ ١٠٤، ١٠٧؛ الاستذكار ٢/ ١٣٢؛ المجموع ٤/ ٦٣.
[ ٢ / ١٠١٧ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن الجماعة سنة- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث الثلاثة الأول التي سبقت في دليل القول بالنسخ.
ثانيًا: عن أبي موسى -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «أعظم الناس أجرًا في الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشىً، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجرًا من الذي يصلي ثم ينام» (^١).
ثالثًا: عن يزيد بن الأسود العامري (^٢) -﵁- قال: شهدت مع النبي -ﷺ- حجته، فصليت معه
صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته انحرف فإذا هو برجلين في أخرى القوم لم يصليا معه، فقال: «عليّ بهما» فجيء بهما تُرعدُ فرائصهما (^٣)، فقال: «ما منعكما أن تصليا معنا؟» فقالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: «فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم، فإنها لكما نافلة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٣١، كتاب الأذان، باب فضل صلاة الفجر في جماعة، ح (٦٥١)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤٧٠، كتاب المساجد، باب فضل كثرة الخطا إلى المساجد، ح (٦٦٢) (٢٧٧).
(٢) هو: يزيد بن الأسود، ويقال: ابن أبي الأسود، العامري، حليف قريش، صحابي، سكن الطائف، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه جابر. انظر: الإصابة ٣/ ٢١٠٣؛ تهذيب التهذيب ١١/ ٢٧١.
(٣) الفرائص جمع فريصة، وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها لا تزال ترعد. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٣٥٨؛ مختار الصحاح ص ٤٣٨.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٩٦، كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم، ح (٥٧٥)، والترمذي في سننه-واللفظ له- ص ٦٤، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي وحده ثم يدرك الجماعة، ح (٢١٩)، والنسائي في سننه ص ١٤٢، كتاب الإمامة، باب إعادة الفجر مع الجماعة لمن صلى وحده، ح (٨٥٨)، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٤٢١، وأحمد في المسند ٢٩/ ١٨، وابن حبان في صحيحه ص ٥٠٧، والدارقطني في سننه ١/ ٤١٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٢٧. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وقال ابن حجر في التلخيص ٢/ ٢٩: (وصححه ابن السكن) ثم قال: (وقال الشافعي في القديم: إسناده مجهول، قال البيهقي: لأن يزيد بن الأسود ليس له راو غير ابنه، ولا لابنه جابر راو غير يعلى. قلت: يعلى من رجال مسلم، وجابر وثقه النسائي وغيره). وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٦٤.
[ ٢ / ١٠١٨ ]
رابعًا: عن محجن (^١) -﵁- أنه كان في مجلس مع رسول الله -ﷺ-، فأُذِّن بالصلاة، فقام رسول الله -ﷺ- فصلى، ثم رجع، ومحجن في مجلسه لم يصل معه، فقال له رسول الله -ﷺ-: «ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟» فقال: بلى يا رسول الله، ولكني قد صليت في أهلي. فقال له رسول الله -ﷺ-: «إذا جئت فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت» (^٢).
_________________
(١) هو: محجن بن أبي محجن الدئلي، صحابي قليل الحديث، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه بسر، ويقال إنه كان في سرية حارثة بن زيد إلى حسمى سنة ست من الهجرة. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٥٢؛ الإصابة ٣/ ١٧٧٢؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٤٨.
(٢) أخرجه النسائي في سننه ص ١٤٢، كتاب الإمامة، باب إعادة الصلاة مع الجماعة بعد صلاة الرجل لنفسه، ح (٨٥٧)، ومالك في الموطأ-واللفظ له- ١/ ١٢٧، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٤٣١، وأحمد في المسند ٢٦/ ٣١٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٣٦٢، وابن حبان في صحيحه ص ٧٠٩، والدارقطني في سننه ١/ ٤١٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٧١، وقال: (صحيح). وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ١٤٢. وقد تفرد بسر بن محجن بهذه الرواية عن أبيه، قال الذهبي: غير معروف. وقال ابن حجر: صدوق. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٣٠٩؛ التقريب ١/ ١٢٥.
[ ٢ / ١٠١٩ ]
ويستدل منها على أن صلاة الجماعة سنة وليست بفرض بالوجوه الآتية:
أولًا: إن بعض هذه الأحاديث يدل على أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ، فدل ذلك على جواز الصلاة بدون جماعة، وإذا ثبت ذلك دل ذلك على أن الجماعة سنة ليست فريضة؛ لأنها لو كانت فريضة لما صح صلاة الرجل بدون جماعة (^١).
ثانيًا: إن بعض هذه الأحاديث فيه أن بعض الصحابة﵃- صلوا بغير جماعة، ثم أدركوا الجماعة فلم يصلوها جماعة، فلم ينكر عليهم النبي -ﷺ- صلاتهم بغير جماعة، وإنما أنكر عليهم عدم إعادتهم الصلاة جماعة إذ أدركوها، فدل ذلك على أن صلاة الجماعة سنة وليست فرضًا وإلا لأنكر عليهم النبي -ﷺ- ذلك (^٢).
واعترض عليه: بأن غاية هذه الأدلة هي صحة صلاة من صلى وحده، وأن الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة، ولا يلزم من الوجوب الاشتراط،
_________________
(١) انظر: الاستذكار ٢/ ١٣١؛ المفهم للقرطبي ٢/ ٢٧٧؛ البناية ٢/ ٣٨٣؛ نيل الأوطار ٣/ ١٢٨.
(٢) انظر: المغني ٣/ ٥؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٦٦؛ نيل الأوطار ٣/ ١٢٨.
[ ٢ / ١٠٢٠ ]
فهي واجبة ولكن ليست بشرط لصحة الصلاة (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنها فرض كفاية- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها بيان أفضلية صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ حيث إنها تدل على أن صلاة الجماعة ليست فرض عين؛ لأن المفاضلة إنما تكون حقيقتها بين فاضلين جائزين (^٢).
ثانيًا: عن أبي الدرداء -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاةُ إلا استحوذ (^٣) عليهم الشيطان، فعليك بالجماعة، فإنما يأكل الذئب
القاصية (^٤) (^٥).
فهذا يدل على وجوبها، لكن صرفه عن الوجوب العيني الأحاديث التي
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٦.
(٢) انظر: الحاوي ٢/ ٢٩٨؛ المجموع ٤/ ٦٤.
(٣) استحوذ عليهم، أي استولى عليهم، وحواهم إليه. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٤٨.
(٤) القاصية أي المنفردة عن القطيع، البعيدة عنه. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٦٥.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه ص ٩١، كتاب الصلاة، باب في التشديد في ترك الجماعة، ح (٥٤٧)، والنسائي في سننه ص ١٤٠، كتاب الإمامة، باب التشديد في ترك الجماعة، ح (٨٤٧)، وابن حبان في صحيحه ص ٦٣٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٧٤، وقال: (صحيح). ووافقه الذهبي. وكذلك صححه النووي، وحسنه الشيخ الألباني. انظر: المجموع ٤/ ٦١؛ صحيح سنن أبي داود ص ٩١؛ صحيح سنن النسائي ص ١٤٠.
[ ٢ / ١٠٢١ ]
تدل على أفضلية الجماعة على صلاة الفذ؛ حيث أن تفضيل أحد الفعلين يشعر بتجويزهما جميعًا (^١).
واعترض عليه: بأن صلاة الجماعة لو كانت فرض كفاية لما أنكر النبي -ﷺ- على من تخلف عنها مع أنه قد حضرها مع النبي -ﷺ- جماعة من الصحابة﵃- (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن صلاة الجماعة واجبة- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية (^٣).
ولو لم تكن الجماعة واجبة لرخص في تركها في حالة الخوف، ولم يجز الإخلال بواجبات الصلاة من أجلها (^٤).
ثانيًا: ما سبق في دليل القول الثاني من حديث أبي الدرداء -﵁-،
_________________
(١) انظر: الحاوي ٢/ ٢٩٨؛ العزيز ٢/ ١٤١؛ المجموع ٤/ ٢٦، ٦٤.
(٢) انظر: فتح الباري ٢/ ١٥٧؛ أحكام الإمامة والائتمام في الصلاة للدكتور عبد المحسن المنيف ص ٥٣.
(٣) سورة النساء، الآية (١٠٢).
(٤) انظر: المغني ٣/ ٥؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٦٧.
[ ٢ / ١٠٢٢ ]
وفيه: (فعليك بالجماعة) فإن فيه الأمر بالجماعة، وظاهر الأمر للوجوب (^١).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب ليُحطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها، ثم آمر رجلًا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحرق عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عَرْقًا سمينًا أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء» (^٢).
فهذا الحديث ظاهر في وجوبها، إذ لو كانت غير واجبة لما توعد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول -ﷺ- ومن معه، فدل على أنها واجبة (^٣).
واعترض عليه:
أ- بأن الحديث ورد في حق المنافقين، وسياق الحديث يقتضي ذلك، إذ لا يظن بالمؤمنين من الصحابة﵃- أنهم يؤثرون العظم السمين على حضور الجماعة مع رسول الله -ﷺ-. فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه، لذلك لا يصح الاستدلال منه على الوجوب (^٤).
_________________
(١) انظر: الشرح الكبير ٤/ ٢٦٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٦٧٩.
(٣) انظر: المحلى ٣/ ١٠٦؛ بدائع الصنائع ١/ ٣٨٤؛ فتح الباري ٢/ ١٥٧.
(٤) انظر: الأم ١/ ٢٧٧؛ إكمال المعلم ٢/ ٦٢٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ فتح الباري ٢/ ١٥٨.
[ ٢ / ١٠٢٣ ]
وأجيب عنه: بأن النبي -ﷺ- إنما علق الحكم على التخلف عن الصلاة، لا بخصوص المنافقين، على أن النبي -ﷺ- كان معرضًا عن عقوبتهم (^١).
ب-بأن المراد بالحديث من يتخلف عن الجمعة، كما جاء في بعض الروايات (^٢).
وأجيب عنه: بأن حديث أبي هريرة -﵁- لا تختص الصلاة فيها بالجمعة، والحديث في التخلف عن الجمعة حديث مستقل، فهما واقعتان، على أنه لو أراد الجمعة لما هم بالتخلف عنها (^٣).
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: أتي النبي -ﷺ- رجل أعمى فقال: يا رسول الله، إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد فسأل رسول الله -ﷺ- أن يُرَخِّص له فيصلي في بيته، فرخص له، فلما
ولَّى دعاه فقال: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» فقال: نعم. قال: «فأجب» (^٤).
وإذا لم يرخص للأعمى الذي لا يجد قائدًا في التخلف عنها فغيره أولى (^٥).
خامسًا: عن عبد الله -﵁- قال: (من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم -ﷺ- سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي
_________________
(١) انظر: المحلى ٣/ ١٠٧؛ فتح الباري ٢/ ١٥٨.
(٢) انظر: فتح الباري ٢/ ١٥٩.
(٣) انظر: المغني ٣/ ٦؛ فتح الباري ٢/ ١٥٩.
(٤) سبق تخريجه في ص ٦٧٢.
(٥) انظر: المغني ٣/ ٦؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٦٨.
[ ٢ / ١٠٢٤ ]
هذا المتخلف في بيته لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة ويرفعه بها درجة، ويحطُّ عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يُؤتى به يُهادى (^١) بين الرجلين حتى يقام في الصف) (^٢).
وهذا يدل على أن التخلف عن الجماعة من صفات المنافقين، وقد نُهينا عن التشبه بهم، فدل ذلك على وجوبها (^٣).
سادسًا: عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «من سمع النداء فلم يأته فلا صلاة له، إلا من عذر» (^٤).
_________________
(١) يهادى بين الرجلين، أي يمشى بينهما معتمدًا عليهما، من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيها إذا تمايلت. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٢/ ٩٠٠.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٤٦٠، كتاب المساجد، باب صلاة الجماعة من سنن الهدى، ح (٦٥٤) (٢٥٧).
(٣) انظر: فتح الباري ٢/ ١٥٨.
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٥٠، كتاب المساجد والجماعة، باب التغليظ في التخلف عن الجماعة، ح (٧٩٣)، والدارقطني في سننه ١/ ٤٢٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٧٢، وابن حزم في المحلى ٣/ ١٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٢٤٨. قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٣٣٧: (وهو كما قالا)، ونقل عن ابن حجر أنه قال: (إسناده على شرط مسلم، لكن رجح بعضهم وقفه)، قال: قلت: (ولا مبرر لهذا الترجيح، فإن الذين رفعوه جماعة الثقات تابعوا هشيمًا عليه).
[ ٢ / ١٠٢٥ ]
وهذا يؤكد كونها واجبة؛ حيث جعل الصلاة بدون جماعة كالعدم إذا كانت بغير عذر.
فهذه الأدلة تدل على وجوب صلاة الجماعة، ولكنها ليست شرطًا لصحة الصلاة بدليل الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ، والتي فيها تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذّ (^١).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو أن الجماعة فرض عين وشرط لصحة الصلاة-بأدلة القول السابق (^٢).
ووجه الاستدلال منها: هو أن النبي -ﷺ- توعد من تخلف عنها بالتحريق، ولم يرخص للأعمى في التخلف عنها، وبين أنه لا صلاة لمن سمع النداء ثم لم يجب وليس له عذر، فدل ذلك على وجوبها، وعدم صحة صلاة من صلى بدون جماعة وليس له عذر (^٣).
وأجاب هؤلاء عن الأحاديث التي تدل على تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ: بأن المراد بها من له عذر، أي أنهم تصح صلاتهم إذا صلوها بغير جماعة، ويكون صلاة من صلاها بجماعة أفضل من صلاتهم بخمس وعشرين أو سبع وعشرين درجة (^٤).
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٣٨٤؛ المغني ٣/ ٦؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٦٩، ٢٧٠.
(٢) انظر: المحلى ٣/ ١٠٤ - ١٠٧؛ المجموع ٤/ ٦٣.
(٣) انظر: المحلى ٣/ ١٠٤ - ١٠٧.
(٤) انظر: المحلى ٣/ ١٠٧.
[ ٢ / ١٠٢٦ ]
واعترض على هذا: بأن المعذور إذا صلاها بدون جماعة، وقد حبسه عنها العذر فإن له من الأجر كمن صلاها بجماعة (^١)، بدليل:
أ- عن أبي موسى -﵁- يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (^٢).
ب- عن عبد الله بن عمرو﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «ما أحد من الناس
يصاب ببلاء في جسده إلا أمر الله ﷿ الملائكة الذين يحفظونه، فقال: اكتبوا لعبدي في كل يوم وليلة ما كان يعمل من خير، ما كان في وثاقي» (^٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: إن القول بنسخ وجوب صلاة الجماعة، قول له احتمال؛ لأمرين:
أ-لأن حديث عتبان بن مالك -﵁- يظهر منه أنه بعد حديث الأعمى الذي لم يرخص له النبي -ﷺ- في التخلف عن الجماعة، يؤكد ذلك الإجماع على عدم وجوب صلاة الجماعة على أصحاب الأعذار، كما سبق ذكره.
ب- لأن حديث أبي هريرة في التخلف عن صلاة الجماعة فيه تهديد
_________________
(١) انظر: الحاوي ٢/ ٣٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦٠٧، كتاب الجهاد والسير، باب يكتب للمسافر مثل ما كان يعمل في الإقامة، ح (٢٩٩٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ١١/ ٢٠، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٩، وقال: (صحيح على شرط الشيخين). ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٣٤٦: (صحيح على شرط مسلم).
[ ٢ / ١٠٢٧ ]
بتحريق المتخلفين عنها، والتعذيب بالنار قد نسخ، فيكون ذلك قبل نسخ التعذيب بالنار، كما سبق بيانه.
لكن هذا القول ضعيف؛ لأمرين:
أ- لأن النسخ لا يثبت بالاحتمال (^١).
ب- لأن القول بالنسخ مبني على أن الأحاديث الدالة عل الوجوب معارضة بأحاديث تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، وقد سبق أنه يمكن الجمع بينهما بأن يكون صلاة الجماعة واجبة لأدلة الوجوب، ولكن لا تكون شرطًا لصحة الصلاة، لأحاديث التفضيل ونحوها.
ثانيًا: إن الراجح هو القول الثالث، هو أن صلاة الجماعة واجبة وليست شرطًا لصحة الصلاة، وذلك لما يلي:
أ- لصراحة الأدلة الدالة عليه، وظهورها، بخلاف أدلة الأقوال الأخرى.
ب- ولأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة- وذلك بحمل ما يدل على تفضيل صلاة الجماعة ونحوه على أن المراد به هو أنها ليست شرطًا لصحة الصلاة، وحمل غيره من الأدلة على الوجوب-، بخلاف الأقوال الأخرى، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا لا يصار إلى النسخ، ولا إلى ترك بعضها (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٧٤٥.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٤٩٥.
[ ٢ / ١٠٢٨ ]