ذهب جمهور أهل العلم- ومنهم أصحاب المذاهب الأربعة- إلى أن قيام الليل كان واجبًا في أول الإسلام، ثم صار تطوعًا، ونُسخ الوجوب (^١).
ونحوه قول عائشة (^٢)، وابن عباس﵄-، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، والإمام البخاري، وأبو داود السجستاني (^٣)، ونقل الإجماع على ذلك ابن عبد البر (^٤)، والنووي (^٥).
وذهب بعض أهل العلم، ومنهم الحسن البصري إلى أن المنسوخ من قيام الليل هو تقديره بمقدار معين من نصف الليل وثلثه، ونحو ذلك، إلا أن وجوب قيام الليل بالقليل باق (^٦).
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن للجصاص ٣/ ٦٢٧؛ التمهيد ٤/ ١٤٧؛ الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥١؛ المجموع ٣/ ٦؛ المغني ٢/ ٥٥٥؛ الشرح الكبير للمقدسي ٤/ ١٨٢؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٣٦؛ تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٩؛ فتح الباري ٣/ ٢٦؛ فتح القدير للشوكاني ٥/ ٣٩٩؛ أضواء البيان ١٠/ ٢٠٣.
(٢) حيث قالت: (فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة) وسيأتي تخريج هذا الحديث. وانظر: المجموع ٣/ ٦.
(٣) انظر: صحيح الإمام البخاري ص ٢٢٤؛ سنن أبي داود ص ٢٠٣؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ٤/ ٤٣٩.
(٤) انظر: التمهيد ٤/ ١٤٧.
(٥) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ١٤٠، ٢/ ٣٦٩.
(٦) انظر: التمهيد ٤/ ١٤٧؛ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٩/ ٥١، ٥٣؛ تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٩.
[ ٢ / ٩٥١ ]
ويستدل لمن قال بنسخ وجوب قيام الليل مطلقًا بأدلة منها ما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ (^١).
ثانيًا: حديث سعد بن هشام (^٢) عن عائشة﵂-، وفيه: فقلت: أنبئيني عن قيام
رسول الله -ﷺ-، فقالت: (ألست تقرأ يا أيها المزمل؟ قلت: بلى، قالت: فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام نبي الله -ﷺ- وأصحابه حولًا كاملًا، وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرًا في السماء، حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة) (^٣).
_________________
(١) سورة المزمل، الآية (٢٠).
(٢) هو: سعد بن هشام بن عامر، الأنصاري المدني، ابن عم أنس -﵁-، ثقة، روى عن عائشة، وابن عباس، وغيرهما، وروى عنه: زرارة بن أبي أوفى، والحسن البصري، وغيرهما، وقتل بأرض مكران غازيًا. انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٤٢١؛ التقريب ١/ ٣٤٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٦٩، كتاب صلاة المسافرين، باب صلاة الليل والوتر، ح (٧٤٦) (١٣٩).
[ ٢ / ٩٥٢ ]
ثالثًا: عن طلحة بن عبيد الله -﵁- يقول: جاء رجل إلى رسول الله -ﷺ- من أهل نجد ثائر (^١) الرأس نسمع دَوِيَّ (^٢) صوته ولا نفقه ما يقول حتى دنا فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال رسول الله -ﷺ-: «خمس صلوات في اليوم والليلة» فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إلا أن تطوع» (^٣).
رابعًا: حديث عبد الله بن عمر﵄- عن حفصة﵂- عن رسول الله -ﷺ-، وفيه: «نعم الرجل عبد الله لو كان يصلي من الليل» (^٤).
خامسًا: عن عبد الله بن عمرو﵄- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم من الليل فترك قيام
_________________
(١) ثائر الرأس أي منتشر شعر الرأس قائمة. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٢٢٥؛ لسان العرب ٢/ ١٤٨.
(٢) هو صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٥٩٠؛ مجمع بحار الأنوار ٢/ ٢١٧.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤، كتاب الإيمان، باب الزكاة من الإسلام، ح (٤٦)، ومسلم في صحيحه ١/ ١٣٩، كتاب الإيمان، باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، ح (١١) (٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٢١، كتاب التهجد، باب فضل قيام الليل، ح (١١٢٢)، ومسلم في صحيحه ٦/ ٣٣، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل ابن عمر، ح (٢٤٧٩) (١٤٠).
[ ٢ / ٩٥٣ ]
الليل» (^١).
ويستدل منها على نسخ وجوب قيام الليل بالوجوه الآتية:
أولًا: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ جاء بعدما افترض الله ﷿ قيام الليل في
أول هذه السورة كما في حديث عائشة﵂- فنسخ الله به فرض قيام الليل السابق، وصار تطوعًا بعد ما كان فريضة. وحديث عائشة﵂- صريح في ذلك (^٢).
ثانيًا: إن قوله -ﷺ-: «لا، إلا أن تطوع» يدل على عدم وجوب صلاة غير الصلوات الخمس، وأن غير الخمس من الصلوات تطوع، فيكون ذلك دالًا على نسخ فرض قيام الليل (^٣).
ثالثًا: إن حديث عبد لله بن عمر، وعبد الله بن عمرو﵃- يدلان كذلك على نسخ وجوب قيام الليل؛ لأن فرض قيام الليل كان في أول الإسلام، وحديثهما متأخر عن ذلك، ثم هما يدلان على عدم فرضية قيام
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٢٦، كتاب التهجد، باب ما يكره من ترك قيام الليل لمن كان يقومه، ح (١١٥٢)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٢٢٩، كتاب الصيام، باب تفضيل صوم يوم وإفطار يوم، ح (١١٥٩) (١٨٥).
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ١٤٧؛ المجموع ٣/ ٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٦٩؛ تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٩؛ فتح القدير للشوكاني ٥/ ٣٩٩.
(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ١٤٠؛ فتح القدير للشوكاني ٥/ ٤٠٠.
[ ٢ / ٩٥٤ ]
الليل؛ فدل ذلك على نسخ وجوب قيام الليل (^١).
ويستدل لمن قال: إن المنسوخ من قيام الليل هو تقديره بمقدار معين من نصف الليل ونحوه، مع بقاء وجوب قيام الليل بالقليل، بما يلي:
أولًا: قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ (^٢).
ووجه الاستدلال منه هو: أن هذه الآية ناسخة لوجوب قيام الليل المذكور في أول السورة، وهو مقدر بنصف الليل ونحوه، فيكون المنسوخ هو تقديره بقدر معين، ويبقى نفس القيام واجبًا بقوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، فإن المراد به أي صلوا ما تيسر لكم من صلاة الليل (^٣).
واعترض عليه: بأن الآية تحتمل ذلك، وتحتمل أن يكون المراد بها قراءة ما تسير من القرآن، وهو ليس مقدرًا بمقدار معين، كما ليس فيه تقييده بالليل.
فإن أريد به الاحتمال الثاني فليس فيه أي دليل على بقاء وجوب شيء من قيام الليل، وعلى الاحتمال الأول فتدل الآية على بقاء شيء من وجوب
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٨٣؛ الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٣، ٥٤؛ فتح الباري ٣/ ٧، ٤٥.
(٢) سورة المزمل، الآية (٢٠).
(٣) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٨٢؛ الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥١؛ تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٩؛ فتح القدير للشوكاني ٥/ ٣٩٩.
[ ٢ / ٩٥٥ ]
قيام الليل، لكن يكون ذلك منسوخًا كذلك بالأحاديث الدالة على أن لا واجب من الصلوات إلا الخمس (^١).
ثانيًا: عن عبد الله -﵁- قال: ذُكر عند النبي -ﷺ- رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، فقال: «بال الشيطان في أذنيه» (^٢).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد. فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطًا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» (^٣).
فهذان الحديثان يدلان على ذم من لم يصل بالليل، فيكون فيه دلالة على وجوب قيام الليل (^٤).
واعترض عليه: بأن المراد بالحديثين من ترك الصلاة المكتوبة؛ حيث جاء
_________________
(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٦٩؛ فتح القدير للشوكاني ٥/ ٤٠٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٢٥، كتاب التهجد، باب إذا نام ولم يصل بال الشيطان في أذنه، ح (١١٤٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٩٦، كتاب صلاة المسافرين، باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت، ح (٧٧٤) (٢٠٥).
(٣) سبق تخريجه في ص ٢٥٩.
(٤) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٨٢؛ الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٣؛ تفسير ابن كثير ٤/ ٤٣٩.
[ ٢ / ٩٥٦ ]
مقيدًا بذلك في روايات أخرى، ولذلك لا يتم الاستدلال منهما على وجوب قيام الليل (^١).
الراجح
يظهر لي -والله أعلم بالصواب-أن الراجح هو نسخ وجوب قيام الليل مطلقًا، وذلك لما يلي:
أولًا: لأن حديث عائشة﵂- صريح في ذلك حيث قالت: (، فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة). ولم تفرق بين قيام وقيام.
ثانيًا: ولأحاديث كثيرة صحيحة وصريحة، تدل على عدم وجوب صلاة غير الصلوات الخمس، وقد سبق ذكر بعضها.
ثالثًا: ولأن القول بوجوب قيام شيء من الليل قول شاذ، وقد انعقد الإجماع على خلافه وعلى نسخ قيام الليل مطلقًا، كما صرح به بعض أهل العلم (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: أحكام القرآن لابن العربي ٤/ ١٨٨٢؛ الجامع لأحكام القرآن ١٩/ ٥٣؛ فتح الباري ٣/ ٢٩، ٣٤.
(٢) انظر: التمهيد ٤/ ١٤٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٦٩.
[ ٢ / ٩٥٧ ]