ذهب بعض الحنفية، منهم الطحاوي إلى أن رفع اليدين في غير افتتاح الصلاة قد نسخ، لذلك لا يسن رفعهما في غير تكبيرة الافتتاح (^١).
وتبين منه أن القول بالنسخ في المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، ولكن السبب الأصلي لاختلافهم فيها هو تعارض الآثار الواردة فيها (^٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عبد الله بن مسعود -﵁- قال: ألا أصلي بكم صلاة رسول الله -ﷺ-؟ قال: «فصلى فلم يرفع يديه إلا مرة» (^٣).
_________________
(١) ادعى النسخ الطحاوي، وتبعه: الكاساني، والمنبجي، وابن الهمام، والعيني، وبعض الآخرين. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥، بدائع الصنائع ١/ ٤٨٥؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٣٣؛ فتح القدير ١/ ٣١١؛ العناية ١/ ٣٠٩؛ البناية للعيني ٢/ ٢٩٩؛ عمدة القاري ٥/ ٢٧٣؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ٣٢٩.
(٢) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٥٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٢١، كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، ح (٧٤٨)، والترمذي في سننه ص ٧٤، كتاب الصلاة، باب ما جاء أن النبي -ﷺ- لم يرفع يديه إلا في أول مرة، ح (٢٥٧)، والنسائي في سننه-ولفظه: (فرفع يديه أول مرة، ثم لم يعد) - ص ١٦٨، كتاب الافتتاح، باب ترك ذلك، ح (١٠٢٦)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٣، وأحمد في المسند ٦/ ٢٠٣، وابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٤٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار-ولفظه: (عن عبد الله عن النبي -ﷺ- أنه كان يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود) - ١/ ٢٢٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١١٢. وهذا الحديث رجاله في بعض طرقه رجال الشيخين، غير عاصم بن كليب فمن رجال مسلم، وقد صححه بعض أهل العلم، وممن صححه أو حسنه: الترمذي، وابن القطان-غير زيادة: (لا يعود) -، والطحاوي، والدارقطني-إلا قوله: (ثم لم يعد) -، وابن حزم، وابن التركماني، والزيلعي، والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٧٤؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٦؛ العلل للدارقطني ٥/ ١٧٢؛ المحلى ٢/ ٢٦٥؛ الجوهر النقي على سنن الدارقطني ٢/ ١١٢؛ نصب الراية ١/ ٣٩٤ - ٣٩٦؛ فتح الباري ٢/ ٢٧٣؛ الدراية ١/ ١٥٠؛ صحيح سنن أبي داود ص ١٢١؛ صحيح سنن النسائي ص ١٦٨. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٣٣٨ بعد ذكر سنده: (قلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وقد أعله المصنف ﵀ بما رأيت، ووافقه على ذلك غير ما واحد كما يأتي، ولم نجد في كلماتهم ما ينهض على تضعيف الحديث فالحق أنه حديث صحيح، كما قال ابن حزم في المحلى، وحسنه الترمذي). وضعفه الأكثرون، فقال ابن المبارك: لم يثبت عندي. وقال أحمد بن حنبل، ويحيى بن آدم، والبخاري: هو ضعيف. وقال أبو داود: هذا حديث مختصر من حديث طويل، وليس هو بصحيح على هذا اللفظ. وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه سفيان الثوري عن عاصم بن كليب عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة عن عبد الله أن النبي -ﷺ- (قام فكبر فرفع يديه ثم لم يعد) فقال أبي: هذا خطأ، يقال: وهم فيه الثوري، فقد رواه جماعة عن عاصم وقالوا كلهم: (إن النبي -ﷺ- افتتح فرفع يديه، ثم ركع فطبق، وجعلهما بين ركبتيه) ولم يقل أحد ما روى الثوري. وقال أبو بكر أحمد بن عمرو البزار: وهو حديث لا يثبت ولا يحتج به. وقال ابن عبد البر: هو حديث انفرد به عاصم بن كليب، واختلف عليه في ألفاظه، وقد ضعف الحديث أحمد بن حنبل وعلله ورمى به. انظر: سنن أبي داود ص ١٢١؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١١٣ - ١١٥؛ التمهيد ٣/ ٧٥، ٧٦؛ المجموع ٣/ ٢٥٩؛ نصب الراية ١/ ٣٩٦؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٢٢؛ نيل الأوطار ٢/ ١٨٠، ١٨١؛ تحفة الأحوذي ٢/ ١١٥ - ١١٧.
[ ٢ / ٨٠١ ]
ثانيًا: عن عبد الله -﵁- قال: (صليت مع النبي -ﷺ-، ومع أبي بكر، ومع عمر -﵄فلم يرفعوا أيديهم إلا عند التكبيرة الأولى في افتتاح الصلاة) (^١).
ثالثًا: عن البراء -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه إلى قريب من أذنيه ثم لا يعود» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١١٤، قال الدارقطني بعد ذكر الحديث: (تفرد به محمد بن جابر وكان ضعيفًا عن حماد عن إبراهيم، وغير حماد يرويه عن إبراهيم مرسلًا عن عبد الله من فعله غير مرفوع إلى النبي -ﷺ-، وهو الصواب).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٢١، كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، ح (٧٤٩)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٣ - ولفظه: (ثم لا يرفعهما حتى يفرغ) -، والدارقطني في سننه ١/ ٢٩٣، ولفظه: عن البراء «أنه رأى رسول الله -ﷺ- حين افتتح الصلاة رفع يديه حتى حاذى بهما أذنيه ثم لم يعد إلى شيء من ذلك حتى فرغ من صلاته». وكذلك أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٧٤. قال أبو داود بعد ذكر الحديث: (وروى هذا الحديث هشيم، وخالد، وابن إدريس، عن يزيد، لم يذكروا: (ثم لا يعود). وقال البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١١١، عن عثمان بن سعيد الدارمي أنه قال: (سألت أحمد بن حنبل عن هذا الحديث فقال: لا يصح عنه هذا الحديث. قال: وسمعت يحيى بن معين يضعف يزيد بن أبي زياد. قال أبو سعيد الدارمي: ومما يحقق قول سفيان بن عيينه أنهم لقنوه هذه الكلمة أن سفيان الثوري، وزهير بن معاوية وهشيمًا، وغيرهم من أهل العلم لم يجيئوا بها إنما جاء بها من سمع منه بآخرة). وعارضه ابن التركماني فقال: (ويعارض هذا قول ابن عدي في الكامل، رواه هشيم، وشريك، وجماعة معهما عن يزيد بإسناده، وقالوا فيه: ثم لم يعد. وأخرجه الدارقطني كذلك من رواية إسماعيل بن زكريا عن يزيد، وأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق النضر بن شميل عن إسرائيل هو ابن يونس بن أبي إسحاق عن يزيد). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٧٨: (المحفوظ في حديث يزيد بن أبي زياد عن ابن أبي ليلى عن البراء «كان رسول الله -ﷺ- إذا افتتح الصلاة رفع يديه في أول مرة» وقال بعضهم فيه: (مرة واحدة) وأما قول من قال: ثم لا يعود. فخطأ عند أهل الحديث). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٢١: (واتفق الحفاظ على أن قوله: (ثم لم يعد) مدرج في الخبر من قول يزيد بن أبي زياد، ورواه عنه بدونها شعبة، والثوري، وخالد الطحان، وزهير، وغيرهم من الحفاظ. وقال الحميدي: إنما روى هذه الزيادة يزيد، ويزيد يزيد. وقال عثمان الدارمي عن أحمد بن حنبل: لا يصح، وكذا ضعفه البخاري، وأحمد، ويحيى، والدارمي، والحميدي، وغير واحد. وقال يحيى بن محمد بن يحيى: سمعت أحمد بن حنبل يقول: هذا حديث واهي، قد كان يزيد يحدث به برهة من دهره لا يقول فيه (ثم لا يعود) فلما لقنوه تلقن، فكان يذكرها). وكذلك ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١٢١.
[ ٢ / ٨٠٣ ]
وفي رواية: (فرفع يديه في أول مرة» وقال بعضهم: «مرة واحدة» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٢١، كتاب الصلاة، باب من لم يذكر الرفع عند الركوع، ح (٧٥١). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٧٨: أن هذا هو المحفوظ. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٢١.
[ ٢ / ٨٠٤ ]
رابعًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: «سمع الله لمن حمده» ولا يفعل ذلك في السجود) (^١).
خامسًا: عن علي بن أبي طالب -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شي ء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر» (^٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٧، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع، ح (٧٣٦)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٧٢، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، ح (٣٩٠) (٢١).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٢٠، كتاب الصلاة، باب من ذكر أنه يرفع يديه إذا قام من الثنتين، ح (٧٤٤)، والترمذي في سننه ص ٧٧٨، كتاب الدعوات، باب منه، ح (٣٤٢٣)، وابن ماجة في سننه ص ١٦٠، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ح (٨٦٤)، والإمام أحمد في المسند ٢/ ١٢٣، والبخاري في قرة العينين في رفع اليدين ص ٢٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٢، والدارقطني في سننه ١/ ٢٨٧. وصححه الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي، وابن خزيمة وابن حبان، والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٧٧٨؛ نصب الراية ١/ ٤١٢؛ فتح الباري ٢/ ٢٧٦؛ التلخيص الحبير ١/ ٢١٩؛ صحيح سنن أبي داود ص ١٢٠.
[ ٢ / ٨٠٥ ]
سادسًا: عن كليب الجرمي (^١)، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب -﵁- (أن عليًا -﵁- كان يرفع يديه في التكبيرة الأولى التي يفتتح بها الصلاة، ثم لا يرفعهما في شيء من الصلاة) (^٢).
سادسًا: عن مجاهد قال: (ما رأيت ابن عمر يرفع يديه إلا في أول
_________________
(١) هو: كليب بن شهاب بن المجنون، الجرمي، والد عاصم، روي عن: عمر، وعلي، وغيرهما، وروى عنه: ابنه عاصم، وإبراهيم بن مهاجر. ووثقه أبو زرعة، وابن سعد، وذكره البعض في الصحابة، وقال ابن حجر: صدوق، ووهم من ذكره في الصحابة. انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٣٨٨؛ التقريب ٢/ ٤٤.
(٢) أخرجه محمد في الموطأ ص ٥٩، ونحوه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٣، وابن المنذر في الأوسط ٣/ ١٤٨؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١١٤. ثم قال البيهقي: قال عثمان الدارمي: (فهذا قد روي من هذا الطريق الواهي عن علي). ورد عليه ابن التركماني في الجوهر النقي فقال: (كيف يكون هذا الطريق واهيًا ورجاله ثقات، فقد رواه عن النهشلي جماعة من الثقات: ابن مهدي، وأحمد بن يونس، وغيرهما، وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف عن وكيع عن النهشلي، والنهشلي أخرج له مسلم والترمذي، والنسائي، وغيرهم، ووثقه ابن حنبل وابن معين). والأثر هذا صححه الطحاوي وابن التركماني، والزيلعي. وقال ابن حجر بعد ذكره عن طريق الطحاوي: رجاله ثقات. انظر: الجوهر النقي على سنن البيهقي ٢/ ١١٥؛ نصب الراية ١/ ٤٠٦؛ الدراية ١/ ١٥٢. وذكره الإمام البخاري في كتابه: (قرة العينين برفع اليدين في الصلاة) - المشهور بجزء رفع اليدين- ص ٤٦، ثم قال: (وحديث عبيد الله أصح) - وهو إشارة إلى حديث علي -﵁- مرفوعًا في رفع اليدين-وقد سبق ذكره-. ثم ذكر البخاري في ص ٤٨: أن الثوري أنكر حديث النهشلي هذا.
[ ٢ / ٨٠٦ ]
ما يفتتح) (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن علي بن أبي طالب وابن عمر﵄قد رويا أن النبي -ﷺ- كان يرفع يديه عند الركوع وعند الرفع منه، ثم روي عنهما أنهما كانا لا يرفعان أيديهما عند الركوع، وعند الرفع منه، فثبت من ذلك أن الرفع كان ثم نسخ، وإلا لما تركهما؛ إذ لا يظن بهما أنهما يخالفان فعله ﵇ إلا بعد ثبوت النسخ عندهما، ويكون حديث ابن مسعود والبراء -﵄- بعد أحاديث رفع اليدين في غير الافتتاح، وأن أحاديث الرفع كانت في ابتداء الإسلام ثم نسخت (^٢).
ويؤكد النسخ ما روي:
أ-عن ابن عباس -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يرفع يديه كلما ركع، وكلما رفع، ثم صار إلى افتتاح الصلاة، وترك ما سوى ذلك» (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٤، والطحاوي في شرح معاني ألاثار ١/ ٢٢٥، -ولفظه: (صليت خلف ابن عمر﵄- فلم يكن يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى من الصلاة). وذكر الحافظ في الدراية ١/ ١٤٩: أن البخاري أخرجه في جزء رفع اليدين وضعفه. وذكر العيني في عمدة القاري ٥/ ٢٧٣، والبناية ٢/ ٣٠٠، أن إسناد الطحاوي صحيح.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥، ٢٢٦؛ بدائع الصنائع ١/ ٤٨٥؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٣٣؛ عمدة القاري ٥/ ٢٧٣؛ البناية ٢/ ٢٩٩.
(٣) ذكره ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٣٢٩، دون سند، وكذلك الأثر الأتي بعده، ثم قال في ص ٣٣١: (وحديث ابن عباس وابن الزبير لا يعرفان أصلًا، والمحفوظ عنهما الرفع). وانظر: نصب الراية ١/ ٣٩٢؛ البناية ٢/ ٣٠٠.
[ ٢ / ٨٠٧ ]
ب-عن ابن الزبير -﵁- أنه رأى رجلًا يرفع يديه من الركوع، فقال: مه، «فإن هذا شيء فعله رسول الله ثم تركه» (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: أن ما روي عن ابن عباس وابن الزبير -﵄- فلا يعرفان أصلًا، وقد ثبت عنهما الرفع، فلا يصح الاستدلال من ذلك على النسخ (^٢).
ثانيًا: أما الاستدلال من أثر علي وابن عمر -﵄- على النسخ فلا يصح كذلك لما يلي:
أ- لأن ما روي عنهما لا يخلو من كلام، ثم عدم الرفع من فعلهما، وقد صح رفع اليدين عن النبي -ﷺ- من روايتهما، فلم يكونا يخالف الرسول -ﷺ-، ثم قد روي عنهما رفع اليدين، فكان الأخذ به أولى؛ لموافقة فعلهما لروايتهما. على أن جماعة الصحابة -﵃- على رفع اليدين، فلا يقال: أنهم خفي عليهم هذه السنة، وعلمه واحد أو اثنان (^٣).
_________________
(١) راجع المصادر في الحاشية السابقة.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٢؛ قرة العينين في رفع اليدين للبخاري ص ٦٠، ٧٤؛ التحقيق ١/ ٣٣١.
(٣) انظر: قرة العينين في رفع اليدين للبخاري ص ٢٢، ٤٦، ٧٤، ٧٥؛ الأوسط ٣/ ١٥٠؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٠٩، ١١٤، ١١٥؛ التمهيد ٣/ ٧٥؛ التحقيق ١/ ٣٣٤؛ إيضاح أقوى المذهبين في مسألة رفع اليدين ص ١٤٣.
[ ٢ / ٨٠٨ ]
ب- أن علي بن أبي طالب وابن عمر﵄- لم ينفردا برواية رفع اليدين في الصلاة عن النبي -ﷺ- حتى يستدل بفعلهما-وهو عدم رفع اليدين- على نسخ روايتهما -وهو رفع اليدين- بل قد رواه عن النبي -ﷺ- عدد كبير من الصحابة حتى بلغ حد التواتر، وعمل به جماعة الصحابة بعده؛ حتى قال الحسن البصري، وحميد بن هلال (^١): (كان أصحاب رسول الله -ﷺ- يرفعون أيديهم في الصلاة) (^٢).
قال البخاري: فلم يستثن الحسن وحميد بن هلال أحدًا من أصحاب النبي -ﷺ- دون أحد (^٣).
وقال أبو حازم (^٤): (رأيت سهل بن سعد الساعدي في ألف من
_________________
(١) هو: حميد بن هلال بن هبيرة، ويقال: ابن سويد بن هبيرة، العدوي، أبو نصر البصري، ثقة، روى عن عبد الله بن المغفل، وأنس، وغيرهما، وروى عنه أيوب السختياني، وشعبة، وغيرهما. انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٤٦؛ التقريب ١/ ٢٤٧.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٢؛ قرة العينين ص ٣١، ٧٥.
(٣) قرة العينين ص ٣١، ٧٦.
(٤) هو: سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج، المدني مولى الأسود بن سفيان المخزومي، ثقة، روى عن سهل بن سعد الساعدي، وابن المسيب، وغيرهما، وروى عنه الزهري، والثوري، وغيرهما، وتوفي في خلافة المنصور. انظر: تاريخ مدينة دمشق ٢٢/ ١٦؛ سير أعلام النبلاء ٦/ ٩٦؛ تهذيب التهذيب ٤/ ١٢٩.
[ ٢ / ٨٠٩ ]
أصحاب رسول الله -ﷺ- يرفع يديه في كل خفض ورفع) (^١).
فلو كان رفع اليدين في الصلاة منسوخًا لما عمل به هؤلاء الصحابة﵃- بعد النبي -ﷺ-، ولما خفي عليهم؛ لأن ممن روي عنه ذلك الخلفاء الراشدون، والعشرة المبشرون (^٢).
ج- إنه لو صح ثبوت ترك رفع اليدين عن علي وابن عمر -﵄- وكذلك حديث ابن مسعود -﵁- وغيره، فيحتمل أن ذلك كان لبيان الجواز وأن الرفع ليست بسنة لا تصح الصلاة بدونها، وهذا الاحتمال أولى؛ لما يُجمع به بين الروايات كلها مرفوعة وموقوفة، وليس في ذلك ما يدل على النسخ (^٣).
ثالثًا: إنه قد جاء في رواية أن النبي -ﷺ- كان يرفع يديه في الصلاة حتى لقي الله، فكيف يقال بنسخه؟ فعن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «أن رسول الله -ﷺ- كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وكان لا يفعل ذلك في السجود، فما زالت تلك صلاته
_________________
(١) أخرجه ابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق ٢٢/ ٢٤، ثم قال: (قد أنكره أن يكون سمع من غير سهل بن سعد قال أبو زرعة: أبو حازم الأعرج لم يسمع من صحابي غير سهل بن سعد). وانظر: البدر المنير ٣/ ٤٧٦.
(٢) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٠٩، ١١٦؛ التنقيح ١/ ٣٣٤؛ المجموع ٣/ ٢٥٦؛ إيضاح أقوى المذهبين في مسألة رفع اليدين ص ١٤٣، ١٤٤؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٢٠؛ نيل الأوطار ٢/ ١٧٨.
(٣) انظر: المحلى ٢/ ٢٦٥؛ تحفة الأحوذي ٢/ ١١٩، ١٢١.
[ ٢ / ٨١٠ ]
حتى لقي الله تعالى» (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في رفع اليدين في غير الافتتاح على قولين مشهورين:
القول الأول: أن المصلي لا يرفع يديه في غير افتتاح الصلاة.
وهو قول الحنفية (^٢)، وأشهر الروايات عن الإمام مالك، وقول أكثر
_________________
(١) قال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٤٠٩: (قال الشيخ في الإمام: ويزيل هذا التوهم-يعني دعوى النسخ- ما رواه البيهقي في سننه من جهة الحسن بن عبد الله بن حمدان الرقي، ثنا عصمة بن محمد الأنصاري، ثنا موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر … -فذكره-). وذكر ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٢١٨، رواية ابن عمر بلفظ الشيخين، ثم قال: (زاد البيهقي: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله). وقال في الدراية ١/ ١٥٣: (وأخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر … فذكره). وكذلك قال ابن الملقن في البدر المنير ٣/ ٤٥٩: (وفي رواية للبيهقي: (فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله). ولم يتعرض للكلام عليه لا الزيلعي، ولا ابن حجر، ولا ابن الملقن. وقال الشوكاني في نيل الأوطار ٢/ ١٧٨: (على أنه ثبت من حديث ابن عمر عند البيهقي أنه قال بعد أن ذكر أن رسول الله -ﷺ- كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وعند الركوع، وعند الاعتدال: فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى). والحديث بهذا اللفظ لم أجده في السنن الكبري للبيهقي، ولا في سننه الصغري، ولا في كتابه معرفة السنن. ثم في سنده عبد الرحمن بن قريش قال الذهبي في الميزان ٢/ ٥٨٢: (إتهمه السليماني بوضع الحديث). كما أن في سنده عصمة بن محمد الأنصاري، قال الذهبي في الميزان ٣/ ٦٨: (قال أبو حاتم: ليس بقوي. وقال يحيى: كذاب يضع الحديث. وقال العقيلي: حدث بالبواطيل عن الثقات. وقال الدارقطني وغيره: متروك).
(٢) انظر: الأصل ١/ ١٣؛ الموطأ لمحمد ص ٥٨؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٨؛ بدائع الصنائع ١/ ٤٨٤؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٣٠٩.
[ ٢ / ٨١١ ]
المالكيين (^١).
ورُوي عدم الرفع في غير الافتتاح عن: عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر﵃-، وعن الأسود بن يزيد، وعلقمة بن قيس، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن حي (^٢).
القول الثاني: أن المصلي يرفع يديه في افتتاح الصلاة، وعند الركوع، وعند الرفع منه، زاد بعضهم: وإذا قام من الركعتين.
وهو رواية عن الإمام مالك- قيل: هو قوله الأخير (^٣) - واختيار بعض المالكيين (^٤)، ومذهب الشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦)، وقول أكثر الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، وممن روي عنه ذلك: فمن الصحابة:
_________________
(١) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٢٨؛ التمهيد ٣/ ٧٢؛ الاستذكار ١/ ٤٥٣؛ بداية المجتهد ١/ ٢٥٧؛ جامع الأمهات ص ٩٧؛ التاج والإكليل ٢/ ٢٣٩.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢١٣، ٢١٤؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٩؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥ - ٢٢٧؛ التمهيد ٣/ ٧٢؛ المجموع ٣/ ٢٥٦؛ عمدة القاري ٥/ ٢٧٢.
(٣) انظر: اختلاف الفقهاء لمحمد بن نصر المروزي ص ١٣٠؛ الأوسط ٣/ ١٤٦؛ التمهيد ٣/ ٧٣.
(٤) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٢٨؛ التمهيد ٣/ ٧٣؛ الاستذكار ١/ ٤٥٣؛ بداية المجتهد ١/ ٢٥٧؛ جامع الأمهات ص ٩٧؛ التاج والإكليل ٢/ ٢٣٩.
(٥) انظر: الأم ١/ ٢٠٥؛ مختصر المزني ص ٢٥؛ الحاوي الكبير ٢/ ١١٦؛ العزيز ١/ ٥١١، ٥١٣؛ المجموع ٣/ ٢٥٥.
(٦) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٢/ ٥١٥؛ المغني ٢/ ١٧١، ١٨٤؛ المحرر ١/ ٦١، ٦٢؛ الشرح الكبير ٣/ ٤٧٣، ٤٨٥؛ الإنصاف ٣/ ٤٧٣، ٤٨٥؛ منتهى الإرادات ١/ ٥٧.
[ ٢ / ٨١٢ ]
أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وأبو موسى الأشعري، وأبو قتادة، وأبو أسيد الساعدي، ومحمد بن مسلمة، وسهل بن سعد الساعدي، ومالك بن الحويرث (^١)،
ووائل بن حجر (^٢)، وأبو حميد الساعدي (^٣)، وأبو هريرة -﵃- (^٤).
ومن التابعين فمن بعدهم: سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح،
_________________
(١) هو: مالك بن الحويرث بن أشيم بن زبالة، الليثي، أبو سليمان، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو قلابة، وأبو عطية، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وسبعين، وقيل غير ذلك. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٤٣؛ الإصابة ٣/ ١٧٤٣؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ١٢؛ التقريب ٢/ ١٥٣.
(٢) هو: وائل بن حجر بن ربيعة بن وائل بن يعمر، الحضرمي، أبو هنيدة، كان قيلًا من أقيال حضرموت، وكان أبوه من ملوكهم، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبناه: علقمة، وعبد الجبار، وغيرهما، ونزل الكوفة، وتوفي في خلافة معاوية﵄-. انظر: الاستيعاب ٣/ ٦٤٢؛ الإصابة ٣/ ٢٠٧٧.
(٣) هو: عبد الرحمن بن سعد، وقيل عبد الرحمن بن عمرو بن سعد، وقيل المنذر بن سعد بن المنذر، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: جابر، وعبد الملك بن سعيد، وغيرهما، وتوفي في آخر خلافة معاوية -﵁-. انظر: الاستيعاب ٣/ ٣٤٧؛ الإصابة ٤/ ٢١٩٩.
(٤) انظر: قرة العينين في رفع اليدين للبخاري ص ٢٢؛ الأوسط ٣/ ١٣٧؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٠٩؛ معرفة السنن والآثار ٢/ ٤١٧؛ التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٣٣٤؛ المجموع ٣/ ٢٥٥.
[ ٢ / ٨١٣ ]
ومجاهد، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وطاوس، ومكحول، وأبي قلابة، ونافع، والليث بن سعد، وابن المبارك، والأوزاعي، وأبي عبيد، وإسحاق بن راهوية، وأبي ثور، ومحمد بن جرير الطبري (^١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن المصلي لا يرفع يديه إلا في افتتاح الصلاة- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأدلة التي أُستدل بها للقول بالنسخ-غير حديث ابن عمر وعلي -﵄- مرفوعًا-.
ثانيًا: عن جابر بن سمرة -﵁- قال: خرج علينا رسول الله -ﷺ- فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خَيل شُمْسٍ؟ اسكنوا في الصلاة» (^٢).
فهذا الحديث فيه الأمر بالسكون في الصلاة وإنكار لرفع اليدين فيها (^٣).
واعترض عليه: بأن المراد برفع اليدين في هذا الحديث هو رفعهما في
_________________
(١) انظر: قرة العينين في رفع اليدين ص ٣١؛ اختلاف الفقهاء لأبي عبد الله محمد بن نصر المروزي ص ١٢٩؛ الأوسط ٣/ ١٣٩ - ١٤٧؛ التمهيد ٣/ ٧٣؛ الاستذكار ١/ ٤٥٥؛ المجموع ٣/ ٢٥٥، ٢٥٦؛ عمدة القاري ٥/ ٢٧٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٢٥٠، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، ح (٤٣٠) (١١٩).
(٣) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٤٨٥؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٣١؛ نصب الراية ١/ ٣٩٣؛ البناية ٢/ ٢٩٩.
[ ٢ / ٨١٤ ]
التشهد لا في القيام؛ فإنهم كانوا يرفعون أيديهم في حالة السلام من الصلاة، ويشيرون بها إلى الجانبين يريدون بذلك السلام (^١)، يدل على ذلك الرواية الثانية عن جابر بن سمرة -﵁- حيث قال: (كنا إذا صلينا مع رسول الله -ﷺ- قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، والسلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده إلى الجانبين، فقال رسول الله -ﷺ-: «علام تومئون بأيديكم كأنها أذناب خَيل شُمْسٍ، إنما يكفي أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه مَن على يمينه وشماله» (^٢).
ثالثًا: عن ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: حين يفتتح الصلاة، وحين يدخل المسجد الحرام فينظر إلى البيت، وحين يقوم على الصفا، وحين يقوم على المروة، وحين يقوم مع الناس عشية عرفة، وبجمع، وبين المقامين حين يرمي الجمرة» (^٣).
_________________
(١) انظر: قرة العينين للبخاري ص ٩٠؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ٣٣٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١١٥؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٧١؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٢١.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٢٥١، كتاب الصلاة، باب الأمر بالسكون في الصلاة، ح (٤٣١) (١٢٠).
(٣) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٣٨٥، قال الهيثمي في مجمع الزائد ٢/ ١٠٣: (وفيه محمد بن أبي ليلى، وهو ضعيف لسوء حفظه، وقد وثق) وقال في ٣/ ٢٤١: (وهو سيئ الحفظ، وحديثه حسن إن شاء الله) وكذلك رواه الطبراني في الكبير ١١/ ٤٥٢، من طريق عطاء بن السائب عن ابن جبير عن ابن عباس بلفظ: (أن النبي -ﷺ- قال: «السجود على سبعة أعضاء: اليدين، والقدمين، والركبتين، والجبهة، ورفع الأيدي: إذا رأيت البيت، وعلى الصفا والمروة، وبعرفة وبجمع، وعند رمي الجمار، وإذا أقيمت الصلاة). وفيه محمد بن السائب، قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢٤١: (قد اختلط). وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٤، من طريق عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا، ولفظه: (عن ابن عباس قال: لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن: إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي جمع، وعند الجمار). وذكره البخاري في قرة العينين-جزء رفع اليدين- ص ١٣٤، فقال: (وقال وكيع عن ابن أبي ليلى عن نافع عن ابن عمر، وعن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي -ﷺ- قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبعة مواطن: في افتتاح الصلاة، واستقبال الكعبة، وعلى الصفا والمروة، وبعرفات، وبجمع، وفي المقامين عند الجمرتين» ثم قال البخاري في ص ١٣٥: (قال علي بن مسهر، والمحاربي عن ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس عن النبي -ﷺ-، وقال شعبة: إن الحكم لم يسمع من مقسم إلا أربعة أحاديث، ليس فيها هذا الحديث، وليس هذا من المحفوظ عن النبي -ﷺ-؛ لأن أصحاب نافع خالفوا، وحديث الحكم عن مقسم مرسل). وأخرجه البزار في مسنده كما في كشف الأستار ١/ ٢٥١، عن طريق محمد بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، ثنا ابن أبي ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس، وعن نافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: «ترفع الأيدي في سبع مواطن: افتتاح الصلاة، واستقبال البيت، والصفا والمروة، والموقفين، وعند الحجر» قال البزار: رواه جماعة فوقفوه، وابن أبي ليلى ليس بالحافظ، وإنما قال: ترفع الأيدي، ولم يقل: لا ترفع إلا في هذه المواضع). وأخرجه بنحو لفظ البزار الطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٧٦.
[ ٢ / ٨١٥ ]
فهذا يدل على أن المصلي يرفع يده في افتتاح الصلاة، ولا يرفعها بعد
[ ٢ / ٨١٦ ]
ذلك (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أ- أن هذا الحديث مختلف في صحته وضعفه (^٢)، ومختلف في رفعه ووقفه (^٣)، كما أنه ورد بلفظ: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن» وبلفظ: «ترفع الأيدي في سبع مواطن» (^٤)، وإذا كان كذلك فلا يتم الاستدلال منه على عدم رفع اليدين في غير الافتتاح، ولا يقوى على معارضة الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله -ﷺ- الدالة على رفع اليدين في افتتاح الصلاة وعند الركوع، والرفع منه، وإذا قام من الركعتين (^٥).
ب- أنه لو قيل على ظاهر هذا الحديث وأنه لا ترفع الأيدي إلا المواضع السبعة المذكورة فليس فيه الرفع في تكبيرات العيدين، ورفع الأيدي في الاستسقاء، وفي الدعاء عند القنوت في الصلاة، وغير ذلك، مع أن الحنفية يقولون برفع اليدين فيها، فدل ذلك على أن الحصر المذكور في
_________________
(١) انظر: بدائع الصنائع ١/ ٤٨٥؛ الهداية وشرحه العناية ١/ ٣٠٩.
(٢) فإن في سنده محمد بن أبي ليلى، قال البزار: ليس هو بالحافظ، وقال الهيثمي: هو سيئ الحفظ، وقال مرة: ضعيف لسوء حفظه، وقد وثق. انظر: كشف الأستار ١/ ٢٥١؛ مجمع الزوائد ٢/ ١٠٣.
(٣) راجع تخريج الحديث، وانظر: نصب الراية ١/ ٣٩١.
(٤) راجع تخريج الحديث.
(٥) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٦٧؛ نصب الراية ١/ ٣٩١.
[ ٢ / ٨١٧ ]
بعض الروايات للحديث المذكور غير معتبر، وأنه لا يدل على عدم رفع اليدين في غير الافتتاح، فإن قال قائل: إن تكبيرات العيدين والاستسقاء، ونحو ذلك خرج عن الحصر المذكور بدليل، وهو الأحاديث الواردة في ذلك. قيل له: وكذلك رفع اليدين في الصلاة في غير الافتتاح خرج عن ذلك بدليل، وهو ما ورد في ذلك من الأحاديث (^١).
رابعًا: عن الأسود قال: (صليت مع عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين افتتح الصلاة) (^٢).
فهذا كذلك يدل على عدم الرفع إلا في الافتتاح، وإلا لما تركه عمر -﵁- (^٣).
واعترض عليه: بأن عمر -﵁- كما روي عنه عدم الرفع، فكذلك روي عنه الرفع، وليس الاستدلال بأحد فعليه أولى من الآخر (^٤).
_________________
(١) انظر: قرة العينين للبخاري ص ١٣٧؛ التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٧١؛ نصب الراية ١/ ٣٠٩، ٣٩١.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٤، وابن المنذر في الأوسط، -ولفظه: (صليت خلف عمر فلم يرفع يديه في شيء من صلاته إلا حين يفتتح الصلاة) - والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٧، -ولفظه: (رأيت عمر بن الخطاب -﵁- يرفع يديه في أول تكبيرة، ثم لا يعود)، ثم قال الطحاوي: (وهو حديث صحيح)، وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١٥٢: (وهذا رجاله ثقات. ويعارضه رواية طاوس عن ابن عمر كان يرفع يديه في التكبير في الركوع، وعند الرفع عنه …).
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٧.
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٠٩؛ التنقيح ١/ ٣٣٤؛ المجموع ٣/ ٢٥٦؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٢٠؛ الدراية ١/ ١٥٢؛ نيل الأوطار ٢/ ١٧٨.
[ ٢ / ٨١٨ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن المصلي يرفع يديه عند افتتاح الصلاة، وعند الركوع، والرفع منه، وكذلك إذا قام من الركعتين عند البعض- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن عمر -﵁- قال: (رأيت رسول الله -ﷺ- إذا قام في الصلاة رفع يديه حتى تكونا حذو منكبيه، وكان يفعل ذلك حين يكبر للركوع، ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع، ويقول: «سمع الله لمن حمده» ولا يفعل ذلك في السجود).
ثانيًا: عن نافع أن ابن عمر -﵄- كان (إذا دخل في الصلاة كبر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه، ورفع ذلك ابن عمر إلى النبي -ﷺ- (^١).
ثالثًا: عن مالك بن الحويرث -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- كان إذا كبر رفع يديه حتى يحاذي بهما
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٨، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين، ح (٧٣٩). ثم قال البخاري: (ورواه حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبي -ﷺ-. ورواه ابن طهمان عن أيوب وموسى بن عقبة مختصرًا).
[ ٢ / ٨١٩ ]
أذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذي بهما أذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع فقال: سمع الله لمن حمده فعل مثل ذلك» (^١).
رابعًا: عن وائل بن حجر -﵁- أنه رأى النبي -ﷺ- «رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر حيال أذنيه، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب، ثم رفعهما، ثم كبر فركع، فلما قال: "سمع الله لمن حمده" رفع يديه، فلما سجد سجد بين كفيه» (^٢).
خامسًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث علي بن أبي طالب -﵁- عن رسول الله -ﷺ-: «أنه كان إذا قام إلى الصلاة المكتوبة كبر ورفع يديه حذو منكبيه، ويصنع مثل ذلك إذا قضى قراءته وأراد أن يركع، ويصنعه إذا رفع من الركوع، ولا يرفع يديه في شي ء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر».
سادسًا: عن أبي حميد الساعدي في عشرة من أصحاب رسول الله -ﷺ- منهم أبو قتادة، قال: أنا أعلمكم بصلاة رسول الله -ﷺ-، قالوا: فلمَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٧، كتاب الأذان، باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وإذا رفع، ح (٧٣٧)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له- ٢/ ٧٣، كتاب الصلاة، باب استحباب رفع اليدين حذو المنكبين، ح (٣٩١) (٢٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٨٧، كتاب الصلاة، باب وضع يده اليمنى على اليسرى بعد تكبيرة الإحرام، ح (٤٠١) (٥٤).
[ ٢ / ٨٢٠ ]
فوالله ما كنت بأكثرنا له تبعًا ولا أقدمنا له صحبة، قال: بلى، قالوا: فأعرض، قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحته على ركبتيه، ثم يعتدل فلا يصُبُّ رأسه ولا يُقنع، ثم يرفع رأسه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتى تحاذي بهما منكبيه معتدلًا، ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في الأخرى مثل ذلك، ثم إذا قام من الركعتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما كبر عند افتتاح الصلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته حتى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخر رجله اليسرى وقعد متوركًا على شقه الأيسر». قالوا: (صدقت، هكذا كان يصلى -ﷺ- (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١١٨، كتاب الصلاة، باب افتتاح الصلاة، ح (٧٣٠)، والترمذي في سننه ص ٨٥، كتاب الصلاة، باب منه، ح (٣٠٤)، وابن ماجة في سننه ص ١٦٠، ١٩٠، كتاب الصلاة، باب رفع اليدين إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، ح (٨٦٢)، وباب إتمام الصلاة، ح (١٠٦١)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢١٣، والدارمي في سننه ١/ ٣٦١، والبخاري في قرة العينين في رفع اليدين ص ٣٨، وابن الجارود في المنتقى ص ٨٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٣، وابن حبان في صحيحه ص ٣٨٠، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٠٦. واعترض عليه الطحاوي: بأن في سنده عبد الحميد بن جعفر، وهو متكلم فيه، وأن الحديث غير متصل لأن محمد بن عمرو الراوي عن أبي حميد ذكر في حديثه أنه حضر أبا حميد وأبا قتادة، وهو لم يدرك أبا قتادة، لأنه قتل مع علي -﵁-، وصلى عليه علي -﵁-، وسن محمد بن عمرو لا تحمل ذلك. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٧، ٢٦١؛ الجوهر النقي لابن التركماني ٢/ ١٠٥. وأجيب عن ذلك بما يلي: أولًا: أما ضعف الحديث بعبد الحميد فيقال عنه:
(٢) بأن عبد الحميد بن جعفر وثقه أحمد بن حنبل، وابن معين، ويحيى القطان، وعلي بن المديني، وغيرهم، واحتج به مسلم. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٥٣٩؛ نصب الراية ١/ ٤١١؛ تهذيب التهذيب ٦/ ١٠٢.
(٣) أن الحديث روي من غير طريق عبد الحميد بن جعفر، وذكر فيه رفع اليدين عند الركوع، وعند الرفع منه. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٦٠؛ صحيح ابن حبان ص ٥٧٩، ٥٨١. ثانيًا: أما القول بأن محمد بن عمرو بن عطاء لم يدرك أبا قتادة وأن الحديث غير متصل، فيجاب عنه بما يلي:
(٤) بأن أبو قتادة مختلف في سنة وفاته، وقد قال جماعة: أنه توفي بعد الخمسين، وأن عمرو بن عطاء سمع منه ومن أبي حميد، وغيره. انظر: صحيح ابن حبان ص ٥٨٠؛ نصب الراية ١/ ٤١١؛ الإصابة ٤/ ٢٣٣٣؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٣٢٤.
(٥) أن الحديث سمعه محمد بن عمرو عن أبي حميد، وإن لم يكن سمعه منه فقد سمعه من عباس بن سهل بن سعد الساعدي عن أبيه، وعلى كل حال فالحديث ثابت صحيح. انظر: صحيح ابن حبان ص ٥٨٠؛ التخليص الحبير ١/ ٢٢٣.
(٦) قال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٢٣: (والتحقيق عندي: أن محمد بن عمرو الذي رواه عطاف بن خالد عنه هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، وهو لم يلق أبا قتادة، ولا قارب ذلك، إنما يروي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وغيره من كبار التابعين، وأما محمد بن عمرو الذي رواه عبد الحميد بن جعفر عنه فهو محمد بن عمرو بن عطاء، تابعي كبير، جزم البخاري بأنه سمع من أبي حميد وغيره، وأخرج الحديث من طريقه، وللحديث طرق عن أبي حميد سمى في بعضها من العشرة: محمد بن مسلمة، وأبو أسيد، وسهل بن سعد، وهذه رواية ابن ماجة من حديث عباس بن سهل بن سعد عن أبيه، ورواها ابن خزيمة من طرق أيضًا). والحديث هذا صححه الإمام أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٨٥؛ البدر المنير ٣/ ٤٦٦؛ فتح الباري ٢/ ٢٧٦؛ إرواء الغليل ٢/ ١٣.
[ ٢ / ٨٢١ ]
والأحاديث في رفع اليدين كثيرة حتى قيل بتواترها، وأن عدد من رواها من الصحابة عن النبي -ﷺ- بلغ خمسين رجلًا (^١).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: إن القول بأن رفع اليدين في الصلاة في غير الافتتاح منسوخ أو غير مشروع قول ضعيف، ومردود؛ لما يلي:
أ- لأن ما استدلوا به على النسخ أمران:
أحدهما: ما روي عن ابن عباس وابن الزبير﵄-
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥؛ فتح الباري ٢/ ٢٧٤.
[ ٢ / ٨٢٣ ]
مرفوعًا، وهما صريحان في النسخ، إلا أنهما ليس لهما أصلًا، ولم يذكرا في أي كتاب من كتب الحديث؛ فالاستدلال بهما في غاية السقوط؛ لأنهما لا أصل لهما، والأحاديث الدالة على الرفع متواترة، مع صحة أسانيد كثير منها واستقامتها، فكيف ينسخ ما لا أصل له ما هو ثابت عن رسول الله في أحاديث
كثيرة مع صحة أسانيدها (^١).
الأمر الثاني الذي استدلوا به على النسخ: هو أثر علي، وأثر ابن عمر -﵄- وهو أنهما رويا عن رسول الله -ﷺ- ما يدل على الرفع، ثم هما لم يرفعا، فدل ذلك على نسخ ما رويا.
وهذا كذلك غير صحيح، وقد سبق ما يُرد به هذا الاستدلال، ويضاف إليه: بأن علي وابن عمر -﵄- روي عنهما الرفع وعدم ذلك، فالاستدلال من تركهما الرفع على النسخ على احتمال أنهما رويا الرفع وعملا به، ثم تبين لهما النسخ فتركا العمل بالرفع، لا دليل عليه؛ لأنه ليس فيما روي عنهما أن تركهما الرفع كان بعد ما كانا يرفعان، ولذلك للمعارض أن يعكس فيقول: ترك الرفع منسوخ بالرفع؛ لأن علي وابن عمر﵄- كانا لا يرفعان قبل أن تقوم الحجة عندهما بلزوم الرفع، ثم لما ثبت عندهما ذلك رفعا أيديهما. وليس أحد الاحتمالين
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥؛ المجموع ٣/ ٢٥٧؛ إيضاح أقوى المذهبين ص ٥٨؛ نيل الأوطار ٢/ ١٧٨.
[ ٢ / ٨٢٤ ]
أولى من الآخر؛ لعدم ما يدل عليه (^١).
ب- أن للمعارض أن يقول: إن ترك رفع اليدين في غير الافتتاح المروي في حديث ابن مسعود -﵁-، وغيره، وكذلك ما روي من فعل علي وابن عمر، وغيرهما -﵃- من ترك الرفع منسوخ بأحاديث الرفع؛ لأن عدم الرفع في حديث ابن مسعود -﵁- كان في الابتداء قبل أن يشرع رفع اليدين؛ حيث ذكر معه التطبيق، وكان ذلك في ابتداء الإسلام، ثم صار التطبيق منسوخًا، وسُنّ رفع اليدين عند الركوع، وعند رفع الرأس منه (^٢).
ج- أنه كيف يُقال بأن رفع اليدين منسوخ وقد رواه وائل بن حجر -﵁- من صلاة النبي -ﷺ-، وهو إنما وفد على النبي -ﷺ- وصلى خلفه بعد فتح مكة (^٣)، وكذلك رواه مالك بن الحويرث، وهو ممن صلى خلف النبي -ﷺ- في آخر عمره (^٤).
ثانيًا: أن الراجح هو أن يرفع المصلي يديه عند الركوع وعند الرفع منه وإذا قام من الركعتين، وأن ذلك سنة من سنن الصلاة، وذلك لما يلي:
_________________
(١) انظر: تحفة الأحوذي ٢/ ١٢١.
(٢) انظر: معرفة السنن ٢/ ٤٢٤.
(٣) لأن النبي -ﷺ- بعث معه معاوية -﵁- عند رجوعه إلى اليمن، ومعاوية -﵁- صحب النبي -ﷺ- بعد فتح مكة. انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٦٨؛ الإصابة ٣/ ٢٠٧٧.
(٤) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ٢/ ٥٦٨.
[ ٢ / ٨٢٥ ]
أ- لكثرة الأحاديث الواردة في ذلك؛ حيث بلغت حد التواتر، مع صحتها، واستقامة أسانيدها (^١).
ب- ولأن الأحاديث الواردة والتي يُستدل منها على عدم الرفع، كلها لا تخلو من كلام، وضعفها أكثر أهل العلم بأحاديث النبي -ﷺ-، مع تطرق الاحتمالات إليها، وهي بكل حال لا تقاوم الأحاديث الدالة على الرفع ولا تعارضها؛ لعدم تكافئها لها (^٢).
ج- ولأن على احتمال صحة تلك الأحاديث فإنه يمكن الجمع بينها وبين أحاديث الرفع؛ وذلك لأن هذه الأحاديث فيها أن النبي -ﷺ- رفع يديه أول مرة، كما فيها قول الراوي: أنه لم ير النبي -ﷺ- يرفع إلا في الافتتاح. أما أحاديث الرفع ففيها زيادة الرفع عند الركوع، وعند الرفع منه، وبعد ما يقوم من الركعتين، كما فيها قول الراوي أنه رأى النبي -ﷺ- يرفع في هذه المواطن، والقول قول الشاهد، وكذلك من زاد، ولذا ترفع الأيدي في الافتتاح، وعند الركوع، والرفع منه، وبعد ما يقوم من الركعتين؛ عملًا بالأحاديث كلها (^٣).
ومع هذا كله فإنه لا تفسد صلاة من لم يرفعها في المواطن المختلف فيها؛ لاحتمال حديث ابن مسعود -﵁- وغيره، وحمل أكثر أهل العلم
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٥؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٥٦٢.
(٢) انظر كلام أهل العلم عليها عند تخريجها.
(٣) انظر: قرة العينين في رفع اليدين ص ٤٦، ١٣٧؛ معرفة السنن ٢/ ٤٢٦.
[ ٢ / ٨٢٦ ]
أحاديث الرفع على السنية والاستحباب، لكن يكون صاحبه تاركًا للأفضل ولسنة من سنن الصلاة التي ثبتت عن النبي -ﷺ-، وصح أسانيدها، وعمل بها أكثر أصحابه وكذلك التابعون لهم، ومن بعدهم من جمهور أهل العلم.
والله أعلم.
[ ٢ / ٨٢٧ ]