أجمع أهل العلم على أن من تكلم عامدًا في صلاته، وهو لا يريد إصلاح صلاته، أن صلاته فاسدة (^١).
ولا خلاف بينهم في نسخ الكلام في الصلاة (^٢).
لكنهم اختلفوا هل نُسخ عمد الكلام فقط أم نسخ عمده وسهوه؟
فذهب أكثر الحنفية (^٣)، وبعض الحنابلة (^٤): إلى نسخ الكلام مطلقًا أي سواء كان عمدًا أم سهوًا، قالوا: فمن تكلم فيها عمدًا أم سهوًا فسدت صلاته، وعليه أن يستأنفها.
وممن صرح بالنسخ: محمد بن الحسن (^٥)، والطحاوي (^٦)، والقاضي
_________________
(١) انظر: الأوسط ٣/ ٢٣٤؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٣٨؛ عقد الجواهر ١/ ١٦٠؛ المجموع ٤/ ١٤؛ المغني ٢/ ٤٤٤.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٨؛ التمهيد ٣/ ٢٥٢؛ فتح الباري ٣/ ٩٠؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥٦؛ شرح الزركشي ١/ ٣٦٨.
(٣) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٣٨؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٧٠؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١١؛ البناية ٢/ ٤٨٥؛ الدر المختار ٢/ ٣٢٠؛ حاشية ابن عابدبن ٢/ ٣٢١.
(٤) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ١٤٧؛ شرح الزركشي ١/ ٣٦٨.
(٥) انظر: الحجة على أهل المدينة ١/ ٢٥٧.
(٦) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٨؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١.
[ ٢ / ٩٠٤ ]
أبو يعلى (^١).
وذهب بعض أهل العلم إلى أن حديث أبي هريرة -﵁- الدال على عدم بطلان الصلاة بسهو الكلام ناسخ لبطلان الصلاة به في حديث ابن مسعود -﵁- دون عمده. فمن تكلم ساهيًا في صلاته أو سلم ساهيًا فإنه يبني على صلاته ويسجد للسهو، ولا يستأنفها.
وروي ذلك عن الإمام الشافعي (^٢)،
والحميدي (^٣)، وصرح به الحازمي، ونسبه إلى الإمام أحمد، وإسحاق وأكثر أهل الحجاز والشام (^٤).
وكأنهم سلموا نسخ الكلام مطلقًا، ثم قالوا بنسخ النهي عن سهوه دون عمده.
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال: أن سبب اختلاف الفقهاء في المسألة أمران: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (^٥).
_________________
(١) هو: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف، البغدادي، القاضي أبو يعلى، الحنبلي، عالم زمانه، سمع من أبي الحسين العسكري، وأبي الطيب بن المنار، وغيرهما، ومن مؤلفاته شرح المذهب، وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر: طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣؛ شذرات الذهب ٣/ ٣٠٦. ونسب إليه القول بالنسخ شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى ٢١/ ١٤٧.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢١٣.
(٣) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٥١١؛ المجموع ٤/ ١٧.
(٤) انظر: الاعتبار ص ٢١١.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٨؛ الاعتبار ص ٢١١؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٧٠؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٤٩.
[ ٢ / ٩٠٥ ]
الأدلة
ويستدل لمن قال بنسخ الكلام في الصلاة مطلقًا بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن عبد الله -﵁- أنه قال: كنا نسلم على النبي -ﷺ- وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي (^١) سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: «إن في الصلاة شغلًا» (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- قال: كنا نسلم في الصلاة ونأمر بحاجتنا، فقدمت على رسول الله -ﷺ- وهو يصلي، فسلمت عليه فلم يرد عليّ السلام، فأخذني ما قدُمَ وما حدُث، فلما قضى رسول الله -ﷺ- الصلاة قال: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، وإن الله ﷿ قد أحدث من أمره أن لا تكلموا في الصلاة» فرد علي السلام (^٣).
_________________
(١) هو: أصحمة بن أبجر النجاشي، ملك الحبشة، النجاشي لقب له، أسلم على عهد النبي -ﷺ-، ولم يهاجر إليه، وقد أحسن إلى المسلمين الذين هاجروا إليه في صدر الإسلام، وقد صلى عليه النبي -ﷺ- لما توفي صلاة الغائب، وتوفي في رجب سنة تسع، وقيل: توفي قبل فتح مكة. انظر: الإصابة ١/ ١٢٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٣٥، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يُنهى من الكلام في الصلاة، ح (١١٩٩)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٩٤، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ح (٥٣٨) (٣٤).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٤٦، كتاب الصلاة، باب رد السلام في الصلاة، ح (٩٢٤)، والنسائي في سننه ص ١٩٩، كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة، ح (١٢٢١)، والشافعي في الأم ١/ ٢٣٥، وعبد الرزاق في المصنف ٢/ ٣٣٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٢، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٥٣. قال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٤٦: (حسن صحيح).
[ ٢ / ٩٠٦ ]
ثانيًا: عن زيد بن أرقم (^١) -﵁- قال: «كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأُمرنا بالسكوت ونُهينا عن الكلام» (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «كنا نتكلم خلف رسول الله -ﷺ- في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام» (^٣).
ثالثًا: عن معاوية بن الحكم السلمي (^٤) -﵁- قال: بينا أنا أصلي مع رسول
_________________
(١) هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس، الأنصاري، الخزرجي، غزا مع رسول الله -ﷺ- سبع عشرة غزوة، وأول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه أبو عثمان النهدي، وطاوس، وغيرهما، وتوفي سنة ست وستين، وقيل غير ذلك. انظر: الاستيعاب ١/ ٥٥٦؛ الإصابة ١/ ٦٤٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٣٥، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يُنهى من الكلام في الصلاة، ح (١٢٠٠)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له- ٢/ ١٩٥، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ح (٥٣٩) (٣٥).
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ص ١١٠، كتاب الصلاة، باب في نسخ الكلام في الصلاة، ح (٤٠٥). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ١١٠.
(٤) هو: معاوية بن الحكم السلمي -﵁-، سكن المدينة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه كثير، وعطاء بن أبي يسار، وغيرهما. انظر: الاستيعاب ٣/ ٤٠٣، تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٨٢؛ الإصابة ٣/ ١٨٥٤.
[ ٢ / ٩٠٧ ]
الله -ﷺ- إذ عطس رجل من القوم، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثُكْلَ أُمَّياه، ما شأنكم تنظرون إليّ؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت، فلما صلى رسول الله -ﷺ- فبأبي هو وأمي ما رأيت معلمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه، فوالله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني، قال: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (^١).
رابعًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: بعثني رسول الله -ﷺ- في حاجة له فانطلقت، ثم رجعت وقد قضيتها، فأتيت النبي -ﷺ- فسلمت عليه، فلم يرد عليّ، فوقع في قلبي ما الله أعلم به، فقلت في نفسي: لعل رسول الله -ﷺ- وجد عليًّ أَنّي أبطأت عليه، ثم سلمت عليه فلم يرد عليّ، فوقع في نفسي أشد من المرة الأولى، ثم سلمت عليه فرد عليّ فقال: «إنما منعني أن أرد عليك أني كنت أصلي» وكان على راحلته متوجهًا إلى غير القبلة (^٢).
خامسًا: حديث سهل بن سعد الساعدي -﵁- وفيه: «أيها الناس، ما لكم
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٩٠، كتاب المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ح (٥٣٧) (٣٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٣٨، كتاب العمل في الصلاة، باب لا يرد السلام في الصلاة، ح (١٢١٧)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٩٥، كتاب، المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة، ح (٥٣٩) (٣٥).
[ ٢ / ٩٠٨ ]
حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إنما التصفيق للنساء. من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت» (^١).
سادسًا: عن عطاء بن أبي رباح (أن عمر بن الخطاب -﵁- صلى بأصحابه الظهر أو العصر ركعتين، ثم سلم، فقيل له: إنك صليت ركعتين، قال: أكذلك؟ قالوا: نعم، فأعاد بهم الصلاة) (^٢).
ويستدل من هذه الأدلة على نسخ الكلام في الصلاة مطلقًا بالوجوه الآتية:
أولًا: إن حديث ابن مسعود وزيد بن أرقم -﵄- يدلان أن الكلام كان مباحًا في الصلاة، ثم جاء النهي عنه فنسخ به الإباحة السابقة، ثم هذا النهي ليس فيه تقييد الكلام بالعمد، فهو يشمل العمد والسهو، فيكون ذلك دالًا على نسخ مطلق الكلام أي سواء كان عمدًا أم سهوًا (^٣).
ثانيًا: إن قول النبي -ﷺ- في حديث معاوية بن الحكم السلمي: «إن هذه
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٤٣، كتاب السهو، باب الإشارة في الصلاة، ح (١٢٣٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٠٩، كتاب الصلاة، باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام، ح (٤٢١) (١٠٢).
(٢) أخرجه محمد بن الحسن في كتابه الحجة على أهل المدينة ١/ ٢٥٧، من طريق عبد الله بن المبارك عن عثمان بن الأسود المكي، عن عطاء بن أبي رباح به، وهؤلاء كلهم ثقات ومن رجال الكتب الستة. وأخرج نحوه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٨.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٢.
[ ٢ / ٩٠٩ ]
الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» يفيد العموم، فيشمل عمد الكلام وسهوه، فيكون ذلك أيضًا دالًا على نسخ مطلق الكلام (^١).
ثالثًا: إن حديث جابر -﵁- فيه أن رسول الله -ﷺ- لم يرد على جابر -﵁- السلام، وذكر -ﷺ- أنه منع من ذلك أنه كان يصلي، فدل ذلك على منع الكلام في الصلاة ونسخه، وإذا كان الصلاة يترك فيها رد السلام فغيره أحق أن يترك، وهو يشمل عمد الكلام وسهوه (^٢).
رابعًا: إن حديث سهل بن سعد -﵁- فيه الأمر بالتسبيح عند حدوث ملمة ومن نابه شيء في صلاته، وهو بعد حديث أبي هريرة -﵁-، إذ لو كان قبله لأنكر عليهم ترك المأمور به من التسبيح، ولكان القوم لا يخالفونه إلى الكلام مع علمهم بحظر الكلام والأمر بالتسبيح، ففيه دليل على أن الأمر بالتسبيح ناسخ لإباحة الكلام في الصلاة ومتأخر عنه (^٣).
خامسًا: إن النهي عن الكلام في الصلاة ونسخه جاء في المدينة؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٤). مدنية باتفاق، وهو الأصل في نسخ الكلام في الصلاة (^٥)، ثم هو بعد حديث أبي هريرة -﵁- الدال على عدم بطلان الصلاة
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٧.
(٢) انظر: الحجة على أهل المدينة ١/ ٢٥٥.
(٣) انظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٥٤٢.
(٤) سورة البقرة، الآية (٢٣٨).
(٥) انظر: التمهيد ٣/ ٢٥٠؛ الجوهر النقي ٢/ ٥٠٨؛ فتح الباري ٣/ ٩٠، ٩١.
[ ٢ / ٩١٠ ]
بسهو الكلام، فيكون ناسخًا له، ويدل على تأخر نسخ الكلام على حديث أبي هريرة ما يلي:
أ-أن في حديث أبي هريرة -﵁- أن ذو اليدين (^١) كلم رسول الله -ﷺ- فقال: (أقصرت الصلاة أم نسيت)، وأبو هريرة أسلم بعد قتل ذي اليدين قاله ابن عمر -﵁- (^٢)، وقال الزهري وغيره (^٣): استشهد ذو اليدين ببدر. فهذا يدل أن أبا هريرة -﵁- لم يكن حاضرًا في تلك الصلاة، وإنما أسلم بعد ذلك ورواه عن بعض الصحابة، وأن حديث نسخ الكلام في الصلاة كان بعد قصة ذي اليدين؛ لأن ممن روى إباحة الكلام في الصلاة: زيد بن أرقم وأبو سعيد﵄- وهما إنما صحبا النبي -ﷺ- في المدينة، ثم أبو سعيد -﵁- في السن دون زيد بن أرقم، وهو يخبر أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة، فدل ذلك على تأخر نسخ الكلام في الصلاة على حديث أبي هريرة -﵁- (^٤).
_________________
(١) هو: الخرباق بن عمرو السلمي، ولقبه ذو اليدين، لطول كان في يده، قيل روي عنه محمد بن سيرين. وقيل: إن ذا اليدين هو: عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو الخزرجي، قال ابن إسحاق: كان يعمل بيديه جميعًا فقيل له ذو اليدين، وأنه استشهد ببدر، وجزم ابن حبان بأنه ذو اليدين، وجزم غيره بأنه ذو الشمالين، وقيل هما واحد، يسمى ذا اليدين، وذا الشمالين. انظر: الاستيعاب ١/ ٤٥٠؛ تجريد أسماء الصحابة ١/ ١٥٧؛ الإصابة ١/ ٤٨١، ٢/ ١٣٧٨؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١٥.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٠؛ التمهيد ٣/ ٢٤٩.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٠؛ التمهيد ٣/ ٢٥٠؛ الإصابة ٢/ ١٣٧٨؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١٥.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٠، ٤٥١؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١١.
[ ٢ / ٩١١ ]
واعترض على هذا: بأن ألفاظ حديث أبي هريرة -﵁- تدل على أنه كان حاضرًا في تلك الصلاة بنفسه (^١)، وأن المقتول ببدر ليس ذو اليدين بل هو ذو الشمالين (^٢).
واعترض على هذا الاعتراض: بأنهما إن كانا واحدًا فقد قتل هو ببدر، فتكون القصة المذكورة في الحديث قبل إسلام أبي هريرة -﵁-، لأنه أسلم بعد ذلك، وإن كانا اثنين فكذلك؛ لأن ذا الشمالين قتل ببدر، وهو المذكور في حديث أبي هريرة -﵁- كذلك، حيث روي عنه: (أن رسول الله -ﷺ- صلى يومًا، فسلم في ركعتين، ثم انصرف، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة أم نسيت) (^٣).
_________________
(١) انظر: التمهيد ٣/ ٢٥٣؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٥١٠.
(٢) هو: عمير بن عبد عمرو بن نضلة بن عمرو، الخزاعي، حليف بني زهرة، يقال: اسمه عمير، ويقال: عمرو، ويقال: عبد عمرو، استشهد ببدر. واختلف في هل هو وذو اليدين واحد أم هما اثنين؟ فذهب بعض أهل العلم ومنهم: ابن إسحاق والطحاوي وابن حبان إلى إنهما واحد، وأنه قتل ببدر. وذهب بعض أهل العلم ومنهم: الإمام الشافعي، والبيهقي، وابن عبد البر، إلى أنهما اثنان، فذو اليدين هو الخرباق بن عمرو، السلمي، وذو الشمالين عمير بن عبد عمرو، الخزاعي، وأن المقتول ببدر هو ذو الشمالين، لا ذو اليدين. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٥٠؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٥١٣؛ التمهيد ٣/ ٢٥٧؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١٥؛ الإصابة ١/ ٥٥٣، ٢/ ١٣٧٨.
(٣) أخرجه النسائي في سننه ص ٢٠٠، كتاب السهو، باب ما يفعل من سلم من ركعتين ناسيًا وتكلم، ح (١٢٢٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٥. قال ابن التركماني في الجوهر النفي ٢/ ٥١٥: (صحيح على شرط مسلم) وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٢٠٠.
[ ٢ / ٩١٢ ]
فيكون الحديث في سهو رسول الله وكلامه في الصلاة قبل بدر، سواء كان المقتول ببدر ذو اليدين أم ذو الشمالين.
فإن قيل: إن الحديث على هذا السياق من رواية الزهري، وهو قد وهم فيه فذكر ذا الشمالين مكان ذي اليدين، وقال: إنه قتل ببدر؟ (^١).
فيقال: لم ينفرد به الزهري حتى يقال أنه وهم فيه فقد تابعه على ذلك غيره (^٢).
ب-يدل على أن حديث نسخ الكلام في الصلاة بعد حديث ذي اليدين -﵁- أن عمر بن الخطاب -﵁- قد كان مع رسول الله -ﷺ- في يوم ذي اليدين، ثم هو لما سها وصلى ركعتين وسلم وتكلم وأُخبر أنه صلى ركعتين، استأنف الصلاة، ولم يبن، فلو لم يكن نُسخ ذلك عنده لفعل كما فعل رسول الله -ﷺ- ولما استأنف الصلاة، فدل ذلك على ثبوت نسخ حديث ذي اليدين -﵁- وتقدمه على أحاديث نسخ الكلام (^٣).
دليل من قال بأن حديث أبي هريرة -﵁- ناسخ لحديث ابن مسعود -﵁-
_________________
(١) انظر: التمهيد ٣/ ٢٥٩؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١٥.
(٢) فالرواية المذكورة في المتن من رواية عمران بن أبي أنس عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وهو على شرط مسلم، وروي نحوه عن الزهري، عند النسائي، وكذلك تابعه عبد الله بن عياش عن ابن هرمز عن أبي هريرة، وابن أبي ذئب عن المقبري عن أبي هريرة. انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٥؛ الجوهر النقي ٢/ ٥١٥.
(٣) انظر: الحجة على أهل المدينة ١/ ٢٥٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٨.
[ ٢ / ٩١٣ ]
وغيره في سهو الكلام دون عمده
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: صلى بنا رسول الله -ﷺ- إحدى صلاتي العشي- قال ابن سيرين: قد سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا- قال: (فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فقام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، ووضع خده الأيمن على ظهر كفه اليسرى، وخرجت السرعان من أبواب المسجد فقالوا: أقصرت الصلاة؟ وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين، قال: يا رسول الله! أنسيت أم قصرت الصلاة؟ قال: «لم أنس ولم تقصر»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر) (^١).
ثانيًا: عن عمران بن حصين -﵁- (أن رسول الله -ﷺ- صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم. فصلى ركعة ثم سلم،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٠٢، كتاب الصلاة، باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره، ح (٤٨٢)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٢٦، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، ح (٥٧٣) (٩٧).
[ ٢ / ٩١٤ ]
ثم سجد سجدتين ثم سلم) (^١).
ثالثًا: حديث معاوية بن الحكم السلمي، وقد سبق ذكره في دليل القول السابق.
ويستدل منها على النسخ: بأن النهي عن الكلام مطلقًا في الصلاة، ونسخه كان في مكة قبل الهجرة، أو في بداية الهجرة قبل غزوة بدر، وحديث أبي هريرة -﵁- ومعاوية بن الحكم متأخر عنه؛ لأن أبا هريرة -﵁- أسلم سنة سبع بعد خيبر، وفي حديث معاوية بن الحكم أنه تكلم في الصلاة سهوًا، وكان ذلك كذلك بعد نسخ الكلام في الصلاة، فثبت من ذلك أن حديث أبي هريرة -﵁- وعمران بن الحصين ومعاوية بن الحكم بعد حديث ابن مسعود -﵁- وغيره في نسخ الكلام، فيكون ذلك ناسخًا لعمومه في سهو الكلام دون عمده (^٢).
واعترض عليه: بان القول بأن حديث أبي هريرة -﵁- بعد حديث عبد الله بن مسعود -﵁- وغيره في نسخ الكلام معارض بعكسه، وهو إن لم يكن أقوى فليس بأضعف منه، ثم هذا الاستدلال على النسخ مبني على تأخر إسلام الراوي، وقد ذكر أهل العلم أن التاريخ لا يعلم بتقدم أو تأخر إسلام الراوي، وأنه ليس دليلًا على النسخ (^٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٢٢٦، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، ح (٥٧٤) (١٠١).
(٢) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٥١١؛ الاعتبار ص ٢١٣.
(٣) انظر: نيل الأوطار ١/ ١٩٨؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٤.
[ ٢ / ٩١٥ ]
وقد اختلف أهل العلم في الكلام في الصلاة هل يفسدها مطلقًا أم لا، على ثلاثة أقوال مشهورة:
القول الأول: أن الكلام في الصلاة مفسد لها مطلقًا، فمن تكلم فيها عمدًا أو سهوًا فعليه أن يستأنف الصلاة.
وهو قول الحنفية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض أصحابه (^٢)، وروي ذلك عن إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وقتادة، وحماد بن أبي سلميان، وسفيان الثوري (^٣).
القول الثاني: أن الصلاة لا يفسدها سهو الكلام، وكذلك عمده إن كان لإصلاح الصلاة.
وهو مذهب المالكية (^٤)، ورواية عند الحنابلة (^٥).
القول الثالث: أن عمد الكلام يبطل الصلاة دون السهو، والنسيان.
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ١٦٩؛ الحجة على أهل المدينة ١/ ٢٥٥؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٣٨؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٧٠؛ البناية ٢/ ٤٨٥؛ الدر المختار ٢/ ٣٢٠.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٤٤٦، ٤٤٧؛ الكافي ١/ ٣٦٨؛ الشرح الكبير ٤/ ٣٤؛ شرح الزركشي ١/ ٣٦٩.
(٣) انظر: التمهيد ٣/ ٢٤٩؛ الاستذكار ١/ ٥٤٥؛ المغني ٢/ ٤٤٦؛ المجموع ٤/ ١٥.
(٤) انظر: المدونة ١/ ١٢٧؛ الإشراف ١/ ٢٦٣؛ التمهيد ٣/ ٢٤٨؛ عقد الجواهر ١/ ١٦١؛ الذخيرة ٢/ ١٣٨، ١٤٢؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ٢/ ٣١٠.
(٥) انظر: المقنع وشرحه الممتع ١/ ٤٨٧؛ الشرح الكبير ٤/ ٣٠؛ شرح الزركشي ١/ ٣٦٩.
[ ٢ / ٩١٦ ]
وهو قول الشافعية (^١)، ومذهب الحنابلة (^٢). ورُوي نحو ذلك عن: ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس﵃-، وعروة، وإسحاق، وأبي ثور (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو بطلان الصلاة بسهو الكلام وعمده- بالأدلة التي أُستدل بها للقول بنسخ الكلام في الصلاة مطلقًا.
ووجه الاستدلال منها: أنها تدل على منع الكلام في الصلاة مطلقًا من غير فصل بين العمد والنسيان (^٤).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة وإن كانت مطلقة إلا أن فعل الرسول -ﷺ- في حديث
ذي اليدين، وتقريره لمعاوية بن الحكم السلمي وعدم الأمر له بالإعادة يقيده بالعمد، دون السهو والنسيان (^٥).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن الصلاة يبطلها عمد الكلام دون سهوه وما كان لإصلاح الصلاة- بأدلة منها ما
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ٢٣٧؛ مختصر المزني ص ٢٧؛ الحاوي ٢/ ١٧٧؛ العزيز ٢/ ٤٥، ٤٦؛ المجموع ٤/ ١٥.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٤٤٦؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٤؛ ٣٦٩؛ الممتع ١/ ٤٨٩؛ الإنصاف ٤/ ٢٥.
(٣) انظر: التمهيد ٣/ ٢٦٢؛ المجموع ٤/ ١٥.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٦ - ٤٥١؛ التمهيد ٣/ ٢٥٢؛ المغني ٢/ ٤٤٦؛ شرح الزركشي ١/ ٣٦٧.
(٥) انظر: الأم ١/ ٢٣٧؛ التمهيد ٣/ ٢٦٢؛ المغني ٢/ ٤٤٦.
[ ٢ / ٩١٧ ]
يلي:
أولًا: ما سبق ذكره من حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن الحكم السلمي -﵃-.
ثانيًا: عن عبد الله -﵁- قال: صلى النبي -ﷺ- قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين» (^١).
فهذه الأدلة تدل على أن الكلام سهوًا أو لمصلحة الصلاة لا يفسدها، لذلك بنى رسول الله -ﷺ- على صلاته، ولم يأمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته (^٢).
واعترض عليه: بأن هذه الأدلة تحتمل أن تكون بعضها قبل النهي عن
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٧، كتاب الصلاة، باب التوجه نحو القبلة حيث كان، ح (٤٠١)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٢٠، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، ح (٥٧٢) (٨٩).
(٢) انظر: الإشراف ١/ ٢٦٣؛ التمهيد ٣/ ٢٦٢.
[ ٢ / ٩١٨ ]
الكلام في الصلاة، وبعضها عن جهل، وقد نُهي عن الكلام مطلقًا، وبين النبي -ﷺ- ما به التذكير عند النسيان أو عندما ينوب شيء في الصلاة (^١)؛ حيث قال: «من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه لا يسمعه أحد حين يقول: سبحان الله، إلا التفت» (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن الصلاة يفسدها عمد الكلام دون سهوه- بنفس أدلة القول الثاني.
ووجه الاستدلال منها: أن تلك الأدلة تدل على أن الكلام في الصلاة إذا كان سهوًا لا يفسدها، وإلا لما بنى رسول الله -ﷺ- على صلاته، ولأمر معاوية بن الحكم بإعادة صلاته لما تكلم جاهلًا، والجاهل في حكم الناسي، لذلك لم يأمره بإعادة صلاته (^٣).
ويعترض عليه بما اعترض على وجه استدلال القول الثاني.
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن الكلام في الصلاة نسخ بالمدينة وبعد الهجرة، ويدل عليه ما يلي:
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٦ - ٤٥١؛ المغني ٢/ ٤٤٦؛ شرح الزركشي ١/ ٣٦٩.
(٢) سبق تخريجه في ص ٦٠٢.
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٣٧؛ المغني ٢/ ٤٤٦.
[ ٢ / ٩١٩ ]
أ-أن الآية التي هي الأصل في نسخ الكلام في الصلاة، وهي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^١). نزلت بالمدنية وبعد الهجرة بالاتفاق، حتى قيل: إنها نزلت عام الخندق (^٢).
ب-ولأن قول زيد بن أرقم -﵁-: (كنا نتكلم خلف رسول الله -ﷺ- في الصلاة، يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه) (^٣). يدل كذلك على أن نسخ الكلام في الصلاة والنهي عنه كان بعد الهجرة؛ لأن زيد بن أرقم إنما صحب رسول الله -ﷺ- وصلى خلفه بعد الهجرة، بل كان من صغار الأنصار؛ حيث استصغر يوم أحد، وأول مشاهده الخندق، وهو يحكي أنه أدرك إباحة الكلام في الصلاة فدل ذلك على أن الكلام إنما نسخ بعد الهجرة (^٤).
ج- أن في بعض روايات حديث ابن مسعود -﵁- ما يدل على أن النهي عن الكلام كان بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (^٥). وأن ذلك كان بعد الهجرة، ومن هذه الروايات:
١ - عن عبد الله -﵁- قال: كنت آتي النبي -ﷺ- وهو يصلي، فأسلم عليه
_________________
(١) سورة البقرة، الآية (٢٣٨).
(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٣/ ٢٠٣؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٥٠؛ تفسير ابن كثير ١/ ٢٧٩؛ فتح الباري ٣/ ٩١؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٧٢.
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٠١.
(٤) انظر: اللباب للمنبجي ١/ ٢٧٢؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ١٤٩؛ الإصابة ١/ ٦٤٠.
(٥) سورة البقرة، الآية (٢٣٨).
[ ٢ / ٩٢٠ ]
فيرد علي، فأتيته فسلمت عليه وهو يصلي، فلم يرد عليّ، فلما سلم أشار إلى القوم فقال: «إن الله ﷿يعني- أحدث في الصلاة، أن لا تكلموا إلا بذكر الله، وما ينبغي لكم، وأن تقوموا لله قانتين» (^١).
فهذا يدل على أن النهى عن الكلام في الصلاة كان بقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقد سبق أن هذه الآية مدنية بلا خلاف، ومتأخرة النزول.
٢ - عن حميد الحميري، عمن يرضى به أن النبي -ﷺ- لما رجعت مهاجرة الحبش نزع عن ذلك، فكان يسلم عليه في الصلاة فلا يرد، فقيل له: قد كنت يا نبي الله ترد وأنت بمكة في الصلاة، قال: «إن في الصلاة شغلًا» (^٢).
فهذا يدل على أن النبي -ﷺ- كان يرد السلام بمكة، وبعد الهجرة نسخ ذلك فكان لا يرد.
ثانيًا: إن الأدلة التي استدل بها من قال بالنسخ مطلقة وعامة تشمل جميع أنواع الكلام؛ حيث إنها ليس فيها ما يدل على الفرق بين العمد والسهو والنسيان (^٣).
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه ص ١٩٩، كتاب السهو، باب الكلام في الصلاة، ح (١٢٢٠)، ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد ٣/ ٢٥٢، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ١٩٩.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ٣٣٤، ثم قال: (قال ابن جريج: فأخبرني ابن أبي ليلى أن ابن مسعود هو الذي سلم عليه مرجعه من مهاجره الحبش).
(٣) انظر: نيل الأوطار ٢/ ٣١٨، ٣٢١.
[ ٢ / ٩٢١ ]
ثالثًا: إن حديث ذي اليدين يحتمل أن يكون قبل نسخ الكلام في الصلاة، فيكون منسوخًا بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة كما زعمت الحنفية (^١).
ويحتمل أن يكون بعده، فيكون مخصصًا لأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة، كما
زعمت الشافعية (^٢).
رابعًا: أن حديث ذي اليدين قبل أمر النبي -ﷺ- بالتسبيح لمن من نابه شيء في صلاته، وقبل قوله: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني» (^٣)؛ لأنه لو كان قبلهما لذكَّروه، ولسبحوا له حتى يتذكر، وينتبه، وإذ لم يفعلوا ذلك دل أنه قبلهما (^٤).
خامسًا: إن حديث (من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله) أصل في التنبيه والتذكير لكل من نابه شيء في صلاته، سواء كان إمامًا أو غيره، وبذلك يكون هو وحديث: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (^٥)، متوافقان، ولذلك يظهر- والله أعلم- أن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، سواء كان عمدًا
_________________
(١) انظر: الحجة على أهل المدينة ١/ ٢٥٧؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٧٠.
(٢) انظر: اختلاف الحديث ١/ ٢٣٢؛ الحاوي ٢/ ١٨٠.
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٠٨.
(٤) انظر: أحكام القرآن للجصاص ١/ ٥٤٢.
(٥) سبق تخريجه في ص ٦٠١.
[ ٢ / ٩٢٢ ]
أم غيره، وأن من نابه شيء في صلاته فليقل: سبحان الله، فإنه إذا سبح التفت إليه، وتذكر.
ومع هذا كله لو نسي شخص وسلم قبل تمام صلاته، ثم تذكره من قريب، أو كان إمامًا فأخبره أحد المأمومين بذلك فله أن يبني على صلاته، ويسجد للسهو؛ وذلك لظاهر حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وغيرهم -﵃-، وعدم وجود ما يصرح على أن النهي عن الكلام في الصلاة كان بعد تلك الأحاديث.
والله أعلم.
[ ٢ / ٩٢٣ ]