ذهب بعض الحنفية ومنهم الطحاوي، إلى أن وجوب غسل الإناء من ولوغ (^١) الكلب سبعًا منسوخ بالغسل ثلاثًا (^٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة؛ حيث إن بعض الحنفية لم يقولوا بالتسبيع لأنهم اعتبروا ما ورد في ذلك منسوخًا بما روي في الغسل ثلاثًا. والسبب الآخر للاختلاف في المسألة-وهو السبب الرئيس للاختلاف-هو اختلاف ما ورد في المسألة من الأحاديث والآثار (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (^٤).
_________________
(١) الولوغ من: ولغ يلغ ولوغًا، يقال: ولغ الكلب في الإناء إذا شرب ما فيه بأطراف لسانه، أو أدخل لسانه فيه فحركه. انظر: تحرير الفاظ التنبيه ص ٢٧؛ المصباح المنير ص ٥٥٢؛ القاموس المحيط ص ٧١٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي ١/ ٢٣؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ١١٠؛ اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي ١/ ٨٨؛ فتح باب العناية للملا علي القاري ١/ ١٠٣.
(٣) راجع المصادر في الحاشية السابقة. وانظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٧٨؛ المغني لابن قدامة/ ٧٣؛ المجموع للنووي ٢/ ٥٩٧.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٢، كتاب الوضوء، باب إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا، ح (١٧٢) ومسلم في صحيحه ٣/ ٧٧، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، ح (٢٧٩) (٩٠).
[ ١ / ١٨٦ ]
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- في الكلب يلغ في الإناء: «أنه يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٦٥، وقال: (تفرد به عبد الوهاب عن إسماعيل، وهو متروك الحديث، وغيره يرويه عن إسماعيل بهذا الإسناد فاغسلوه سبعًا وهو الصواب). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٦٥، وقال: (هذا ضعيف بمرة، عبد الوهاب بن الضحاك متروك، وإسماعيل بن عياش لا يحتج به خاصة إذا روى عن أهل الحجاز، وقد رواه عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل عن هشام عن أبي الزناد فاغسلوه سبع مرات كما رواه الثقات). وقال النووي في المجموع ٢/ ٥٩٩: (إنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، لأن راويه عبد الوهاب مجمع على ضعفه وتركه، قال العقيلي والدارقطني: هو متروك الحديث، وهذه العبارة هي أشد العبارات توهينًا وجرحًا بإجماع أهل الجرح والتعديل، وقال البخاري في تاريخه: عنده عجائب، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: كان عبد الوهاب يكذب وحدث بأحاديث كثيرة موضوعة). وقال النووي عن إسماعيل بن عياش: (وأما إسماعيل بن عياش فمتفق على ضعفه في روايته عن الحجازيين واختلفوا في قبول روايته عن الشاميين، وقد روى هذا الحديث عن هشام بن عروة وهو حجازي فلا يحتج به). وعبد الوهاب بن الضحاك: كذبه أبو حاتم، وقال البخاري: عنده عجائب. وقال أبو داود: كان يضع الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، متروك. وقال العقيلي والدارقطني والبيهقي وابن حجر: متروك. وقال صالح بن محمد الحافظ: منكر الحديث عامة حديثه كذب. وقال الحاكم وأبو نعيم: روى أحاديث موضوعة. انظر: ميزان الإعتدال ٢/ ٦٧٩؛ تهذيب التهذيب ٦/ ٣٩٠؛ تقريب التهذيب ١/ ٦٢٦.
[ ١ / ١٨٧ ]
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليهرقه وليغسله ثلاث مرات» (^١).
رابعًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاهرقه ثم اغسله ثلاث مرات) (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن عدي في الكامل ٢/ ٧٧٦، عن الحسين بن على الكرابيسي ثنا إسحاق الأزرق ثنا عبد الملك عن عطاء عن أبي هريرة به، ثم أخرجه عن عمرو بن شيبة ثنا إسحاق الأزرق بإسناده نحوه موقوفًا ثم قال: (وهذا لا يروي غير الكرابيسي مرفوعًا إلى النبي -ﷺ- وعلى ما ذكر في متنه من الإهراق والغسل ثلاث مرات، والكرابيسي له كتب مصنفة وذكر في كتبه أخبارًا كثيرة ولم أجد منكرًا غير ما ذكرت من الحديث والذي حمل أحمد بن حنبل عليه من اللفظ بالقرآن فأما في الحديث فلم أر به بأسًا). وقال ابن الجوزي في العلل المتناهية ١/ ٣٣٣،: (هذا حديث لا يصح، لم يرفعه عن إسحاق غير الكرابيسي وهو ممن لا يحتج بحديثه وأصل هذا الحديث أنه موقوف). والكرابيسي هو الحسين بن على الكرابيسي قال عنه الذهبي: مقت الناس حسينًا لكونه تكلم في أحمد، وقال ابن حجر: صدوق فاضل تكلم فيه أحمد لمسألة اللفظ. انظر: ميزان الإعتدال ١/ ٥٤٤؛ تقريب التهذيب ١/ ٢١٧.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٦٦، ونحوه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٣، وذكر الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٣١، أنه قد صحح سنده الشيخ تقي الدين في الإمام. وقال ابن التركماني في الجوهرالنقي على سنن البيهقي ١/ ٣٦٨: (رواه الدارقطني بسند صحيح). وقال البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣٦٧: (وقد روى حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فتواه بالسبع كما رواه، وفي ذلك دلالة على خطأ رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن أبي هريرة في الثلاث، وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات). وقال في معرفة السنن والآثار ٢/ ٥٩: (لم يروه غير عبد الملك وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات) ثم قال في ٢/ ٦١: (وحديثه هذا مختلف فيه فروي عنه من قول أبي هريرة، وروي عنه من فعله، فكيف يجوز ترك رواية الحفاظ الثقات الأثبات من أوجه كثيرة لا يكون مثلها غلطًا برواية واحد قد عرف بمخالفة الحفاظ في بعض أحاديثه).
[ ١ / ١٨٨ ]
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بوجهين:
الوجه الأول: أن الراوي لحديث غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا أبو هريرة، وهو قد أفتى بالغسل ثلاثًا، فيدل ذلك على أنه علم الناسخ والمنسوخ فأفتى بالناسخ (^١).
قال الطحاوي: (فلما كان أبوهريرة قد رأى أن الثلاث يطهر الإناء من ولوغ الكلب فيه وقد روى عن النبي -ﷺ- ما ذكرنا ثبت بذلك نسخ السبع؛ لأنا نحسن الظن به، فلا نتوهم عليه أنه يترك ما سمعه من النبي -ﷺ- إلا إلى مثله وإلا سقطت عدالته فلم يقبل قوله ولا روايته) (^٢).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار للطحاوي ١/ ٢٣؛ اللباب في الجمع بين السنة والكتاب للمنبجي ١/ ٨٨؛ فتح القدير ١/ ١١٠؛ فتح باب العناية ١/ ١٠٣.
(٢) شرح معاني الآثار ١/ ٢٣.
[ ١ / ١٨٩ ]
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: أن هذه الأحاديث المروية عن أبي هريرة -﵁- كلها متكلم فيها غير الحديث الأول، وذلك على النحو التالي:
-الحديث الثاني، ومما تكلم فيه:
١ - أنه حديث ضعيف (^١) فلا يصح التعلق به، ولا الاستدلال (^٢).
٢ - أنه يحتمل أن يكون شكًا من الراوي فلا يبقى حجة (^٣).
٣ - أن هذا حديث ضعيف فلا يعارض الحديث الصحيح (^٤) المتفق على صحته في الأمر بتسبيع الغسل (^٥).
-الحديث الثالث، وتكلم فيه:
بأنه حديث مختلف في رفعه (^٦) ووقفه (^٧) على أبي هريرة -﵁-
_________________
(١) الحديث الضعيف هو: كل حديث لم يجتمع فيه صفات الحديث الصحيح ولا صفات الحديث الحسن. علوم الحديث لابن الصلاح ص ٦٢؛ وانظر تقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي للسيوطي ١/ ١٧٩.
(٢) انظر الكلام عليه عند تخريجه.
(٣) انظر: التعليقة الكبرى لأبي الطيب الطبري ٢/ ١٥٤.
(٤) الحديث الصحيح هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا. انظر: علوم الحديث لابن الصلاح ص ٢٤؛، الباعث الحثيث في اختصار علوم الحديث لابن كثير ص ٦.
(٥) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٦٤.
(٦) الحديث المرفوع هو: ما أضيف إلى النبي -ﷺ- خاصة. انظر: معرفة علوم الحديث ص ٦٦؛ تقريب النواوي مع شرحه تدريب الراوي ١/ ١٨٣.
(٧) الحديث الموقوف هو: ما يروى عن الصحابة -﵃- من أقوالهم وأفعالهم، ونحوها فيوقف عليهم ولا يتجاوز به إلى رسول الله -ﷺ-. انظر: معرفة علوم الحديث ص ٦٧؛ تقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي ١/ ١٨٤.
[ ١ / ١٩٠ ]
ولم يرفعه غير الكرابيسي (^١).
أما الآخرون فرووه بعضهم موقوفًا على أبي هريرة -﵁- من قوله، وبعضهم موقوفًا عليه من فعله (^٢)، فلا يعارض به الحديث الصحيح المرفوع المتفق على صحته في الأمر بتسبيع الغسل (^٣).
-الحديث الرابع وهو الرواية الموقوفة علىأبي هريرة -﵁-، وتكلم فيه:
بأن الرواية عن أبي هريرة -﵁- بلفظ (ثلاث مرات) مختلف فيه فروي من فعل أبي هريرة -﵁- وروي من قوله، كما أنه تفرد به عبد الملك (^٤) من
_________________
(١) هو الحسين بن علي بن يزيد، أبو علي الكرابيسي البغدادي، صاحب الإمام الشافعي وأحد رواة مذهبه القديم، تفقه على الإمام الشافعي وسمع من ابن إسحاق الأزرق وغيره، وأخذ عنه الفقه خلق كثير، وكان صدوقًا فاضلًا، وتوفي سنة خمس وأربعين-وقيل ثمان وأربعين- ومائتين. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ٢٨٤؛ تقريب التهذيب ١/ ٢١٧؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٦٣.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٣؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٦؛ معرفة السنن والآثار للبيهقي ٢/ ٥٦.
(٣) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٦٤.
(٤) هو: عبد الملك بن أبي سليمان -ميسرة-العزرمي أبو محمد، ويقال أبو سليمان، روى عن: أنس بن مالك، وعطاء، وغيرهما، وروى عنه: الثوري، وابن المبارك، وغيرهما، وثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين والنسائي وغيرهم، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال الذهبي: أحد الثقات المشهورين تكلم فيه شعبة لتفرده عن عطاء بخبر الشفعة للجار، وقال ابن حجر: صدوق له أوهام. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٦٥٦؛ تهذيب التهذيب ٦/ ٣٤٨؛ تقريب التهذيب ١/ ٦١٥.
[ ١ / ١٩١ ]
بين أصحاب عطاء فرواه بلفظ (ثلاث مرات) والحفاظ الثقات رووه بلفظ (سبع مرات) وعبد الملك لا يقبل منه ما يخالف فيه الثقات. (^١)
ثانيًا: أن أبا هريرة -﵁- كما روي عنه أنه قال بغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا، فإنه روي عنه كذلك أنه قال بغسل الإناء من ولوغه سبعًا، روى ذلك عنه ابن المنذر (^٢)، وابن حزم وغيرهما مسندًا (^٣)، وذكر
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٦٧؛ ومعرفة السنن والآثار له ٢/ ٦١.
(٢) هو: محمد بن إبراهيم بن المنذر، أبو بكر النسا بوري، الحافظ العلامة الفقيه، سمع محمد بن الميمون، والربيع بن سليمان، وغيرهما، وممن روى عنه: أبو بكر ابن المقرئ، ومحمد ابن يحيى، ومن مؤلفاته: (الأوسط) و(الإجماع)، وكان غاية في معرفة الاختلاف والدليل، وتوفي سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، وقيل غير ذلك. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص ١١٨؛ تذكرة الحفاظ ٣/ ٧٨٢؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٩٨.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٣٠٦؛ المحلى ١/ ١٢٢؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٦٧.
[ ١ / ١٩٢ ]
ابن عبد البر (^١) أنه ممن روي ذلك عنه بالطرق الصحاح. (^٢)
وإذا روي عنه هذا وذاك فإما أن نقول بتساقط ما روي عنه في ذلك للتعارض، ونرجع إلى ما روي في ذلك عن النبي -ﷺ- وثبت عنه بالطرق الصحاح المتفق على صحته، وهو غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا.
وإما نرجح بين ما روي عن أبي هريرة في ذلك، فنقول: قوله وفتواه الموافق لما ثبت عن رسول الله -ﷺ- بالطرق الصحاح أولى بالترجيح، بل هو المتعين؛ لأنه لا قول لأحد مع رسول الله -ﷺ-، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا هو -ﷺ- (^٣).
ثالثًا: أن ما ذكر من وجه استدلال للنسخ، احتمال والنسخ لا يثبت بالاحتمال (^٤).
رابعًا: ولأنه يمكن أن يكون لأبي هريرة عذرًا في مخالفته للحديث،
_________________
(١) هو: يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، أبو عمر، النمري، القرطبي، حافظ المغرب، حدث عن: الخلف بن القاسم، وعبد الوارث بن سفيان، وغيرهما، وحدث عنه: أبو العباس الدولائي، وأبو علي الغساني، وغيرهما، وكان ثقة حجة صاحب سنة واتباع، وله مؤلفات كثيرة منها (التمهيد) وتوفي سنة ثلاث وستين وأربعمائة. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٢٨؛ البداية والنهاية ١٢/ ١١٤؛ شذرات الذهب ٣/ ٣١٤.
(٢) انظر: التمهيد-المرتب على الأبواب الفقهية للموطأ- ٢/ ٢٠٦.
(٣) انظر: نيل الأوطار ١/ ١٠٧.
(٤) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٦٥؛ فتح الباري ١/ ٧٤٥.
[ ١ / ١٩٣ ]
إما أنه نسي ما رواه، أو أنه اعتقد ندبية السبع لا وجوبها، أو غير ذلك فلا يتعين النسخ، وإذا أمكن أن تكون المخالفة عن رأي واجتهاد، وهو مأجور مغفور، فالعبرة حينئذ لما روى لا لما رأى؛ فإن ما رواه ثابت عن قائل معصوم، وما روي عنه ثابت عن قائل غير معصوم (^١).
خامسًا: أنه لو صح عن أبي هريرة -﵁- خلاف ما رواه عن النبي -ﷺ-، فقد رواه من الصحابة غير أبي هريرة كابن عمر وعبد الله بن المغفل (^٢) - ﵃- وهم لم ينقل عنهم مخالفة لما رووه عن النبي -ﷺ- (^٣)، بل جاء عن بعضهم القول موافقًا لما رووه عن النبي -ﷺ- منهم ابن عمر -﵁- (^٤). فلا يكون مخالفة فتياه قادحة في مروي غيره (^٥).
الوجه الثاني من وجهي النسخ: أن مع رواية السبع قرينة تدل على أنه كان في أول الأمر حين كان التشديد في أمر الكلاب، قالوا: (إن
_________________
(١) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٦٥؛ نيل الأوطار ١/ ٣٤.
(٢) هو: عبد الله بن مغفل بن عبد نهم بن عفيف، المزني، أبو سعيد، شهد بيعة الشجرة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: الحسن البصري، وثابت البناني، وغيرهما. وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر ليفقهوا الناس بالبصرة، وتوفي سنة تسع وخمسين، وقيل: سنة ستين. انظر: الإصابة ١/ ٣٧٢؛ تهذيب التهذيب ١/ ٣٩.
(٣) انظر المحلى ١/ ١٢٤. وسيأتي تخريج ما رواه ابن عمر -﵁- في دليل القول الثالث، وما رواه عبد الله بن المغفل في دليل القول الخامس.
(٤) انظر قوله في مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥٩.
(٥) انظر: نيل الأوطار ١/ ١٠٧.
[ ١ / ١٩٤ ]
رواية أبي هريرة في التثليث وكذلك فتياه بذلك تعارض روايته بالسبع فيقدم عليه؛ لأن مع حديث السبع دلالة التقدم للعلم بما كان من التشديد في أمر الكلاب أول الأمر حتى أمر بقتلها، والتشديد في سؤره يناسب كونه إذ ذاك، وقد ثبت نسخ ذلك فيتبعه حكم ما كان معه) (^١).
واعترض عليه: بأن الأمر بقتل الكلاب كان في أوائل الهجرة، أما الأمر بالغسل سبعًا فهو متأخر جدًا يدل عليه أمران:
١ - أن الأمر بالغسل سبعًا من رواية أبي هريرة -﵁-، والأمر به ثمانيًا من رواية عبد الله ابن المغفل -﵁-، وهما أسلما سنة سبع من الهجرة (^٢).
٢ - أن عبد الله بن المغفل -﵁- ذكر أنه سمع من النبي -ﷺ- يأمر بالغسل، وسياق حديثه ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب، بل بعد أن رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، فثبت بذلك أن الأمر بالغسل سبعًا متأخر عن نسخ الأمر بقتلها. (^٣)
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في عدد غسل الإناء إذا ولغ فيه الكلب على خمسة أقوال:
القول الأول: يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاث مرات.
_________________
(١) انظر: فتح القدير ١/ ١٠٩؛ البحر الرائق ١/ ١٣٥؛ فتح باب العناية ١/ ١٠٣.
(٢) انظر: المحلى ١/ ١٢٥؛ فتح الباري ١/ ٣٣٢؛ نيل الأوطار ١/ ٣٤.
(٣) انظر: المحلى ١/ ١٢٥؛ فتح الباري ١/ ٣٣٢؛ نيل الأوطار ١/ ٣٤.
[ ١ / ١٩٥ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، ورواية عن أبي هريرة -﵁- (^٢)، وقول عطاء (^٣)، والزهري (^٤).
القول الثاني: أنه يغسل الإناء من ولوغ الكلب بلا حد، بل حتى يغلب على الظن طهارته كسائر النجاسات.
وهو قول نسبه الطحاوي إلى الإمام أبي حنيفة، وأصحابه (^٥)، وقول
_________________
(١) هذا ما قاله أكثر المتأخرين ممن صنف في الفقه الحنفي، حتى أن الكاساني أشار إلى أن من أصول أبي حنيفة إزالة النجاسة الحقيقية بالغسل في الأواني ثلاث مرات، أما الطحاوي فذكر أنه لا تحديد في ذلك، ونسبه إلى أئمة المذهب. انظر: مختصر الطحاوي ص ١٦؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ١٠٩؛ بدائع الصنائع ١/ ٢٠١؛ المحيط البرهاني لمحمود بن أحمد بن عبد العزيز البخاري ١/ ١٤٠؛ فتح القدير ١/ ١٠٩؛ اللباب للمنبجي ١/ ٨٨؛ البحر الرائق ١/ ١٣٥؛ فتح باب العناية ١/ ١٠٣. ومع هذا فقد صرح غير واحد منهم باستحباب غسل الإناء من ولوغه سبعًا وكون إحداهن بالتراب. انظر: اللباب للمنبجي ١/ ٨٨؛ البحر الرائق ١/ ١٣٥؛.
(٢) انظر قوله في: شرح معاني الآثار ١/ ٢٣؛ سنن الدارقطني ١/ ٦٦؛ الاستذكار ١/ ٢٤٨.
(٣) هو: عطاء ابن أبي رباح -أسلم- القرشي مولاهم، أبو محمد المكي، ثقة فقيه، كثير الإرسال، روى عن: ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما، وروى عنه: مجاهد، والزهري، والأوزاعي، وغيرهم، وتوفي سنة أربع عشرة ومائة -وقيل غير ذلك-. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٦٧؛ تهذيب التهذيب ٧/ ١٧٤.
(٤) انظر قولهما في: الأوسط ١/ ٣٠٦؛ التمهيد ٢/ ٢٠٦؛ المجموع ٢/ ٥٩٧.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢؛ مختصر الطحاوي ص ١٦؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١١٧.
[ ١ / ١٩٦ ]
سفيان الثوري (^١)، والليث بن سعد (^٢) (^٣).
القول الثالث: أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا.
وهو قول للإمام مالك (^٤)، ومذهب الشافعية (^٥)، والصحيح من المذهب عند الحنابلة (^٦).
_________________
(١) هو: سفيان بن سعيد بن مسروق، الثوري، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه، روى عن: الأعمش، والمنصور، وغيرهما. وروى عنه: شعبة، والأوزاعي، وغيرهما. وكان أمير المؤمنين في الحديث، وتوفي سنة إحدى وستين ومائة. انظر: معجم البلدان ٤/ ٢٥٤؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٢٠٣؛ تهذيب التهذيب ٤/ ١٠١.
(٢) هو: الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث، المصري، روى عن نافع، والزهري، وغيرهما، وروى عنه: ابن المبارك، وابن وهب، وغيرهما، وكان فقيهًا حافظًا ثقة، عالم الديار المصرية وشيخها، وتوفي سنة خمس وسبعين ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٢٤؛ تهذيب التهذيب ٨/ ٤٠١.
(٣) انظر قولهما في: الأوسط ١/ ٣٠٦؛ التمهيد ٢/ ٢٠٦؛ المجموع ٢/ ٥٩٧.
(٤) وهو قول مرجوح في المذهب. انظر: الأوسط ١/ ٣٠٥؛ الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٧٨؛ شرح التلقين ١/ ٢٣٢؛ عقد الجواهر ١/ ١٣؛ الذخيرة ١/ ١٨١؛ مواهب الجليل ١/ ٢٥٤.
(٥) انظر: الأم ١/ ٤٥؛ مختصر المزني ص ١٦؛ التعليقة الكبرى ٢/ ١٥١؛ التعليقة للقاضي حسين ١/ ٤٧٣؛ العزيز ١/ ٦٦؛ المجموع ٢/ ٤١٣.
(٦) وهو قول للإمام أحمد. انظر: الأوسط ١/ ٣٠٥؛ المغني ١/ ٧٣؛ الكافي ١/ ١٨٩؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٨٠؛ الممتع ١/ ٢٥٩؛ شرح الزركشي ١/ ٥٠؛ الإنصاف-مع الشرح الكبير - ٢/ ٢٧٨.
[ ١ / ١٩٧ ]
وهو رواية عن أبي هريرة -﵁-، وقول ابن عمر، وابن عباس﵄- وقول عروة بن الزبير (^١)، وسعيد بن المسيب (^٢)،
ومحمد بن سيرين (^٣)، وطاووس (^٤)، وعمرو بن دينار (^٥)، والأوزاعي (^٦)،
_________________
(١) هو: عروة بن الزبير بن العوام القرشي، الأسدي، المدني، أبو عبد الله، تابعي جليل، روى عن أبي هريرة، وعائشة، وغيرهما. وحدث عنه: أبو الزناد، وابن المنكدر، وغيرهما، وكان ثقة، وتوفي سنة أربع وتسعين، وقيل غير ذلك. انظر: طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٠؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٦٢؛ البداية والنهاية ٩/ ٩١.
(٢) هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي أهيب، القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات والفقهاء السبعة وسيد التابعين، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، وقيل لأربع مضين منها، وروى عن: عمر، وعثمان، وغيرهما، وروى عنه: الزهري، وسالم، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وتسعين. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢١٧؛ تهذيب التهذيب ٤/ ٧٥.
(٣) هو: محمد بن سيرين الأنصاري مولاهم، أبو بكر، إمام وقته، روى عن: أبي هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهما، وروى عنه: الشعبي، وابن عون، وغيرهما، وكان محدثًا فقيهًا ثقة، وتوفي سنة عشر ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٧٧؛ تهذيب التهذيب ٩/ ١٨٤.
(٤) هو: طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن، كان أحد الأئمة الأعلام، روى عن: عائشة، وابن عباس، وغيرهما، وروى عنه: ابنه عبد الله، والزهري، وغيرهما، وكان شيخ أهل اليمن، وكان كثير الحج، وتوفي بمكة قبل يوم التروية بيوم سنة ست ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٩٠؛ البداية والنهاية ٩/ ٢١٠.
(٥) هو: عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، الحافظ، أحد الأعلام، ثقة، روى عن: ابن عباس، وجابر، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، والثوري، وغيرهما، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١١٣؛ تهذيب التهذيب ٨/ ٢٥.
(٦) هو عبد الرحمن بن عمرو ابن أبي عمرو الأوزاعي، أبو عمرو، فقيه، ثقة إمام، روى عن: قتادة، ونافع، وغيرهما، وروى عنه: مالك، وشعبة، وغيرهما، وكان من فقهاء أهل الشام وقرائهم، وتوفي سنة ثمان وخمسين ومائة -وقيل سبع وخمسين ومائة-. انظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٢١٥؛ شذرات الذهب ١/ ٢٤١.
[ ١ / ١٩٨ ]
وأبي عبيد، وإسحاق بن راهوية (^١)، وأبي ثور (^٢)، وداوود الظاهري (^٣)، وابن المنذر، وابن حزم (^٤).
القول الرابع: أنه يستحب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا تعبدًا ولا يجب ذلك.
_________________
(١) هو إسحاق بن إبراهيم بن المخلد بن إبراهيم المعروف بابن راهوية، المروزي، ثقة حافظ، روى عن: ابن عيينة، وابن المبارك، وغيرهما. وروى عنه: أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما، وتوفي سنة ثمان وثلاثين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء ١١/ ٣٥٨؛ تهذيب التهذيب ١/ ١٩٧.
(٢) هو: إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، البغدادي، حدث عن: ابن عيينة، والشافعي، وغيرهما، وروى عنه: أبو داود، وابن ماجة، وغيرهما، وكان ثقة فقيهًا، وتوفي سنة أربعين ومائتين. انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥١٢؛ تقريب التهذيب ١/ ٥٦؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٥٥.
(٣) هو: داود بن علي بن خلف بن سليمان الأصفهاني ثم البغدادي، إما م أهل الظاهر، تركوه، روى عن: سليمان بن حرب، والقعنبي، وغيرهما، وروى عنه: ابنه محمد الفقيه، وزكريا الساجي، وغيرهما، وتوفي سنة سبعين ومائتين. انظر: سير أعلام النبلاء ١٣/ ٩٧؛ ميزان الاعتدال ٢/ ٢٠٦؛ شذرات الذهب ٢/ ١٥٨.
(٤) انظر أقوالهم في: مصنف عبد الرزاق ١/ ٩٧؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٥٩؛ الأوسط ١/ ٣٠٥؛ التمهيد ٢/ ٢٠٦؛ الاستذكار ١/ ٢٤٧؛ المحلى ١/ ١٢٢؛ المجموع ٢/ ٥٩٧؛ نيل الأوطار ١/ ٣٤.
[ ١ / ١٩٩ ]
وهو قول آخر للإمام مالك، وهو الراجح في المذهب عند المالكية، وهو الذي استقر عليه المذهب. (^١)
القول الخامس: أنه إذا ولغ الكلب في الإناء غُسل سبع مرات الثامنة بالتراب.
وهو رواية عن الإمام أحمد (^٢)، وقول الحسن البصري (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو وجوب غسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا- بما يلي:
أولًا: ما سبق من الأحاديث والآثار في أدلة القول بالنسخ.
وقد سبق وجه الاستدلال منها، وما يعترض عليه.
ثانيًا: وقياسًا على سائر النجاسات، وذلك لأن البول والغائط وهما أغلظ النجاسات يطهر منها بالغسل ثلاث مرات، فكان أحرى أن يطهر
_________________
(١) انظر: الاستذكار ١/ ٢٤٧؛ شرح التلقين ١/ ٢٣٢؛ عقد الجواهر ١/ ١٣؛ الذخيرة ١/ ١٨١؛ جامع الأمهات ص ٤٠؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ١/ ٢٥٣؛ التاج والإكليل ١/ ٢٥٣.
(٢) انظر: المغني ١/ ٧٣؛ الكافي ١/ ١٨٩؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٨١؛ شرح الزركشي ١/ ١٥١؛ الإنصاف ٢/ ٢٧٨.
(٣) هو: الحسن بن أبي الحسن-يسار-البصري، ثقة فقيه مشهور، كان يرسل كثيرًا ويدلس، وروى عن: عثمان، وأبي بن كعب، وغيرهما، وروى عنه: أيوب، وقتادة، وغيرهما، وتوفي سنة عشر ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٥٦٣؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٢٤٣. وانظر قوله في: شرح معاني الآثار ١/ ٢٣؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١١٧؛ المغني ١/ ٧٣.
[ ١ / ٢٠٠ ]
بما هو دون ذلك من النجاسات. (^١)
واعترض عليه: بأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار. (^٢)
دليل القول الثاني
أما القول الثاني وهو أنه يغسل الإناء من ولوغ الكلب حتى يغلب على الظن طهارته من دون تحديد عدد في ذلك، فمن أدلته ما يلي:
١ - عن أبي هريرة -﵁- عن النبي -ﷺ- في الكلب يلغ في الإناء: «أنه يغسله ثلاثًا أو خمسًا أو سبعًا» (^٣).
وجه الاستدلال منه: هو أنه خيره بين الثلاث والخمس والسبع، وهذا يدل على أنه علقه على غلبة الظن، ولو كان التسبيع واجبًا لما خيره (^٤).
وقد سبق ما يعترض به على هذا الدليل.
٢ - وقياسًا على سائر النجاسات (^٥).
وقد سبق ما يعترض به على هذا الدليل.
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢.
(٢) انظر: التعليقة الكبرى لأبي الطيب الطبري ٢/ ١٥٦؛ فتح الباري ١/ ٣٣٣؛ نيل الأوطار ١/ ٣٤.
(٣) سبق تخريجه والكلام عليه في ص ١٢٤.
(٤) انظر: التعليقة الكبرى ٢/ ١٥٢؛ البحر الرائق ١/ ١٣٥.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢.
[ ١ / ٢٠١ ]
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث وهو أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات» (^٢).
وفي رواية أخرى عنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب» (^٣).
ثانيًا: عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» (^٤).
ثالثًا: عن علي -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لو لا أن الكلاب أمة
_________________
(١) سبق تخريجه في دليل القول بالنسخ.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٧٦، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، ح (٢٧٩) (٨٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٧٧، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، ح (٢٧٩) (٩١).
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٢، كتاب الطهارة، باب غسل الإناء من ولوغ الكلب، ح (٣٦٦). وصحح إسناده الشيخ الألباني في إرواء الغليل ١/ ١٨٩.
[ ١ / ٢٠٢ ]
من الأمم أمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم، ومن اقتنى كلبًا لغير صيد ولا زرع ولا غنم آوى إليه كل يوم قيراط من الإثم مثل أحد، وإذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات إحداهن بالبطحاء (^١) (^٢).
رابعًا: عن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «إذا ولغ الكلب في الإناء غسل سبع مرات» (^٣).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث فيها الأمر بالغسل من ولوغ الكلب سبع مرات (^٤).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث فيها اضطرابًا (^٥)؛ ففي رواية
_________________
(١) البطحاء: هو المسيل الواسع فيه دقاق الحصى، وبطحاء الوادي تراب لين مما جرته السيول. انظر: مختار الصحاح ص ٤٨؛ لسان العرب ١/ ٤٢٨.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٩١: (رواه الطبراني في الأوسط من طريق الجارود عن إسرائيل والجارود لم أعرفه). ورواه الدارقطني في سننه ١/ ٦٤، من قوله: (إذا ولغ الكلب في الإناء) إلى آخره، ثم قال: (الجارود هو ابن أبي يزيد متروك). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤٠: (إسناده ضعيف فيه الجارود بن أبي يزيد وهو متروك).
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٩٢: (رواه الطبراني والبزار بنحوه، وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه أحمد واختلف في الاحتجاج به). وإبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة: وثقه أحمد والعجلي، وضعفه النسائي وابن حجر، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال الدارقطني: متروك، وقال أبو حاتم: شيخ ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ١٩؛ تهذيب التهذيب ١/ ٩٥؛ التقريب ١/ ٥٢.
(٤) انظر: المغني ١/ ٧٣، ٧٤؛ المجموع ٢/ ٤١٣.
(٥) الحديث المضطرب هو: ما روي على أوجه مختلفة متساوية في القوة. تيسير مصطلح الحديث لمحمود الطحان ص ١١١؛ وانظر: معرفة علوم الحديث ص ١٢٢؛ وتقريب النواوي وشرحه ١/ ٢٦٢.
[ ١ / ٢٠٣ ]
(أولاهن بالتراب) وفي رواية (أخراهن) وفي رواية (إحداهن) وفي رواية (السابعة) وفي رواية (الثامنة) وهو عيب عظيم في هذا الباب، فيجب الاطراح لها (^١).
وأجيب عنه بما يلي:
١ - أن الاضطراب لا يكون قادحًا إلا مع استواء الروايات وعدم إمكان الترجيح، والترجيح هنا ممكن، فإن رواية (أولاهن) أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية، ومن حيث المعنى أيضًا؛ لأن تتريب الآخرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه (^٢).
٢ - أنه يرجح رواية (الثامنة) لأن الأخذ بها يستلزم الأخذ ببقية الروايات، دون العكس، ففيها زيادة، وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة مقبولة، ويتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية (^٣).
٣ - أنه لا يكون وجه لتعليل الخبر بالاضطراب إذا حمل اختلاف الروايات في محل التراب على التخيير وأن المراد حصول التراب في إحدى الغسلات (^٤).
_________________
(١) انظر: فتح باب العناية ١/ ١٠٣؛ سبل السلام ١/ ٢٩.
(٢) انظر: سبل السلام للصنعاني ١/ ٢٩؛ نيل الأوطار ١/ ٣٧.
(٣) انظر: فتح الباري ١/ ٣٣٢؛ نيل الأوطار ١/ ٣٧.
(٤) انظر: نيل الأوطار ١/ ٣٧.
[ ١ / ٢٠٤ ]
دليل القول الرابع
يستدل للقول الرابع وهو أنه يستحب غسل الإناء من ولوغ الكب سبعًا ولا يجب، بحديث أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (^١).
وجه الاستدلال منه: هو أن الأمر في قوله: (سبعًا) للاستحباب، أو للوجوب لكن هاهنا قرائن وأدلة صرفته عنه وهي الأدلة التي تدل على طهارة الكلب، ومنها قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ (^٢)؛ حيث فيها الأمر بالأكل مما صاده الكلب من غير ذكر غسل أثر فمه، فلو كان الغسل واجبا لأمر به (^٣).
واعترض عليه بما يلي
أن عدم التعرض للغسل في الآية لا يدل على عدم وجوب ذلك، بل المراد أكل الصيد بعد الغسل، بدليل:
١ - عموم الأدلة الدالة على تطهير النجس (^٤).
٢ - أمر الرسول -ﷺ- بغسل ما ولغ فيه الكلب (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ١٢٤.
(٢) سورة المائدة، الآية (٤).
(٣) انظر: الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١/ ١٧٨؛ المعونة ١/ ٦٦؛ شرح التلقين للمازري ١/ ٢٣٢؛ الذخيرة ١/ ١٨١؛ مواهب الجليل ١/ ٢٥٣، ٢٥٤.
(٤) انظر: نيل الأوطار ١/ ٣٥.
(٥) انظر: الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ٢٧٩؛ مواهب الجليل ١/ ٢٥٤.
[ ١ / ٢٠٥ ]
والدليل على نجاسة أثر فم الكلب:
١ - ما سبق في دليل القول الثالث من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا «طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتراب».
وجه الاستدلال منه: أنه لا يكون الطهور إلا في محل الطهارة، والطهارة تكون عن حدث أو نجس، وليس هنا حدث فتعين النجس (^١).
ويؤكد أن الغسل منه من أجل النجاسة ما روي عن ابن عباس -﵁- أنه قال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسله فإنه رجس ثم اشرب فيه وتوضأ) (^٢).
٢ - ما سبق في دليل القول الثالث من حديث أبي هريرة -﵁- مرفوعًا: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات».
وجه الاستدلال منه: أن ما ولغ فيه الكلب لو كان طاهرًا لم يأمرنا الشرع بإراقته؛ لأنه ضياع للمال وقد نهينا عن ضياعة المال (^٣).
_________________
(١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي ٢/ ١٨٧؛ الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ٢٧٩.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٣٠٦، وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٣٢: (والتعليل بالتنجيس أقوي لأنه في معنى المنصوص، وقد ثبت عن ابن عباس التصريح بأن الغسل من ولوغ الكلب بأنه رجس رواه محمد بن نصر المروزي بإسناد صحيح ولم يصح عن أحد من الصحابة خلافه).
(٣) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي ٢/ ١٨٧؛ الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ٢٧٩.
[ ١ / ٢٠٦ ]
دليل القول الخامس
أما القول الخامس وهو أنه يغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا والثامنة بالتراب فدليله:
حديث عبد الله بن المغفل -﵁- قال: أمر رسول الله -ﷺ- بقتل الكلاب ثم قال: «ما بالهم وبال الكلاب» ثم رخص في كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: (إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب» (^١).
ووجه الاستدلال منه ظاهر؛ حيث فيه الأمر بالغسل سبعًا والثامنة بالتراب (^٢).
الراجح
بعد عرض الأقوال والأدلة في المسألة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: أنه يجب غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، ويستحب غسله ثمانيًا، وتكون الثامنة بالتراب؛ وذلك:
أما وجوب السبع فلصحة الروايات في ذلك بالاتفاق، فقد روي ذلك مرفوعًا عن أبي هريرة، وابن عمر، وعلي ابن أبي طالب، وابن
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٧٧، كتاب الطهارة، باب حكم ولوغ الكلب، ح (٢٨٠) (٩٣).
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٣٥٠.
[ ١ / ٢٠٧ ]
عباس -﵃-.
أما رواية أبي هريرة فهي صحيحة بالاتفاق، ورواية ابن عمر صحيحة كذلك.
أما رواية علي ابن أبي طالب، وابن عباس ففي بعض رواتهما كلام، لكن معناهما ثابت من رواية أبي هريرة وابن عمر، وهما يعضدان رواية أبي هريرة وابن عمر.
وعلى هذا فيجمع بين هذه الروايات ورواية عبد الله بن المغفل بأن المراد: إغسلوه سبعًا واحدة منهن بالتراب مع الماء، فيكون التعفير بالتراب في إحداهن تطهير ثامن إلى السبع غسلات، ويكون التراب مع الماء بمنزلة الغسلتين (^١).
وبذلك يكون رواية عبد الله بن المغفل موافقة لرواية أبي هريرة وغيره في السبع، وهي كذلك صحيحة. فيكون مجموع ما روي في الغسل من ولوغ الكلب سبعًا مرفوعًا عن خمس من الصحابة.
أما استحباب الغسل ثمانيًا إحداهن بالتراب؛ فلظاهر حديث عبد الله بن المغفل، حيث فيه التصريح بالثمانية، ويرجح هذه الرواية على روايات السبع، بأن الأخذ بها يستلزم الأخذ ببقية الروايات دون العكس، ففيها زيادة وهو مجمع على صحته، وزيادة الثقة يتعين المصير إليها إذا لم تقع منافية (^٢).
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٢٢؛ المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي ٢/ ١٨٧؛ المجموع ٢/ ٦٠٠.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٣٣٢؛ نيل الأوطار ١/ ٣٧.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ولولا الاحتمال الذي ذكر في الجمع بين هذه الرواية وروايات السبع لكان القول بوجوب الغسل ثمانيا أرجح.
ثانيا: أن القول بنسخ ما يدل على غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا قول ضعيف بل مردود، وذلك لما يلي:
١ - أن ما استدلوا به لا يخلوا عن كلام إما في إسناده أو في رفعه، بخلاف ما روي في السبع فهي صحيحة وقوية.
٢ - أن ما استدلوا به مروي عن أبي هريرة فقط، إما مرفوعًا أو موقوفًا، أما روايات السبع فهي مروية عن أربعة أو خمسة من الصحابة كلها مرفوعة، ثم هي أصح من روايات الغسل ثلاثًا بالاتفاق.
٣ - أن وجه الاستدلال مما استدلوا به على النسخ غير ظاهر، وغير صحيح، لأن غاية ذلك أمران:
الأول: أن أبا هريرة -﵁- أفتى بالثلاث، وهو راوي السبع، وهو لا يخالف إلا إلى ما علم نسخه.
ويرد على هذا بما يلي:
١ - أن أبا هريرة -﵁- كما روي عنه أنه أفتى بالغسل ثلاثا فكذلك قد صح عنه أنه قال بالغسل سبعًا، وهذا أصح سندًا، وكذلك نظرًا؛ لموافقة فتياه لما رواه مرفوعًا. (^١)
٢ - أن أبا هريرة -﵁- ليس وحده من روى الغسل سبعًا، بل قد
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٣٣٢؛ نيل الأوطار ١/ ٣٧.
[ ١ / ٢٠٩ ]
روي ذلك عن ثلاثة أو أربعة من الصحابة غير أبي هريرة -﵁-. وغير أبي هريرة -﵁- لم يرو عن أحد منهم أنه خالف ما رواه، بل قد نقل عن بعضهم أنه أفتى وقال بالغسل سبعًا موافقًا لما رواه، فلماذا يترك قولهم ورواياتهم بفتيا أبي هريرة -﵁- في الثلاث؟ مع أن العكس صحيح بل لازم؛ لأنه لا حجة في قول أحد مع رسول الله -ﷺ-.
ولما ذا يؤخذ بفتيا أبي هريرة -﵁- في الثلاث، ويترك قوله وفتياه بالسبع موافقًا رأيه لما رواه؟ مع أن العكس صحيح بل لازم؛ لأن كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله -ﷺ-.
الأمر الثاني مما بنوا عليه النسخ: أن التشديد كان في أمر الكلاب في أول الأمر؛ حيث أمر بقتلها فكان ذلك يناسب التشديد في سؤرها فكان الغسل من ولوغها سبعًا، فلما نسخ الأمر بقتلها خفف في سؤرها فجعل الغسل منه ثلاثا، ونسخ الغسل سبعًا.
ويرد على هذا: أن أبا هريرة وابن المغفل ممن روى السبع وهما أسلما سنة سبع من الهجرة، والأمر بقتل الكلاب كان في أوائل الهجرة، على أن في حديث ابن المغفل ما يدل على أن الأمر بالغسل سبعًا بعد نسخ الأمر بقتل الكلاب، وعلى هذا فلا يصح الاستدلال مما قالوه على النسخ (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٢٥؛ فتح الباري ١/ ٣٣٢؛ نيل الأوطار ١/ ٣٤.
[ ١ / ٢١٠ ]