ذهب الإمام مالك إلى إباحة الصلاة عند انتصاف النهار، وأن النهي عن ذلك منسوخ (^١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة (^٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي (^٣) (أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر، فإذا خرج عمر وجلس على المنبر وأذن المؤذنون جلسنا نتحدث، فإذا سكت المؤذنون وقام عمر يخطب أنصتنا فلم يتكلم منا أحد) (^٤).
ثانيًا: ولأن عمل أهل المدينة كان على الصلاة وسط النهار، فقد قال مالك: (ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يصلون نصف النهار) (^٥).
_________________
(١) انظر: التمهيد ١/ ٢٨٨؛ بداية المجتهد ١/ ٢٠٠.
(٢) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٠٠.
(٣) هو: ثعلبة بن أبي مالك القرظي، حليف الأنصار، أبو مالك. مختلف في صحبته، وروى عن عمر، وعثمان، وغيرهما، وروى عنه الزهري، ومنظور، وغيرهما، ووثقه غير واحد. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٦٩؛ الإصابة ١/ ٢٢٨؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٢٣.
(٤) أخرجه مالك في الموطأ ١/ ١٠٧، والشافعي في الأم ١/ ٣٣٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٣/ ٢٧٣.
(٥) انظر: التمهيد ١/ ٢٨٨؛ الاستذكار ١/ ١٤٥.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
ويستدل منهما على النسخ: بأن رواية ثعلبة بن أبي مالك تدل على أنهم كانوا يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر -﵁-، وعمر -﵁- كان يخرج بعد الزوال، فدل ذلك على جواز الصلاة نصف النهار، وقول الإمام مالك يدل على أن ذلك كان عليه عمل أهل المدينة، وهو مما لا يجوز أن يكون مثله إلا توقيفًا، فدل ذلك على نسخ النهي عن الصلاة وسط النهار، وإلا لما عمل به جميع أهل المدينة (^١).
واعترض عليه: بأنه روي عن النبي -ﷺ- أحاديث كثيرة في النهي عن الصلاة وسط النهار، وهي أحاديث صريحة صحيحة، ولم يرو عنه -ﷺ- ما يدل على خلافها أو نسخها، وأحاديث
الرسول -ﷺ- حجة على من خالفها، وليس قول أو فعل من خالفها حجة عليها، كما أن النسخ لما صح عنه -ﷺ- لا يكون إلا بكتاب أو سنة صحيحة، لا بعمل طائفة بعده -ﷺ- على خلاف ما صح عنه -ﷺ- (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الصلاة عند انتصاف النهار على أربعة أقوال:
القول الأول: لا تجوز الصلاة نصف النهار عند استواء الشمس وسط السماء، أي صلاة كانت.
وهو مذهب الحنفية (^٣)،
القول الثاني: تجوز الصلاة وسط النهار، أي صلاة كانت.
_________________
(١) انظر: التمهيد ١/ ٢٨٨؛ الاستذكار ١/ ١٤٥؛ بداية المجتهد ١/ ٢٠٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥١ - ١٥٢؛ المحلى ٢/ ٥١؛ الاعتبار ص ٥٣ - ٥٨؛ المغني ٢/ ٥٢٣ - ٥٢٥.
(٣) انظر: الأصل ١/ ١٥٠؛ مختصر القدوري ص ٣٢؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٢٣١؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٩.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وهو قول المالكية (^١)، وروي ذلك عن الحسن، وطاووس، والأوزاعي (^٢).
القول الثالث: لا تجوز الصلاة عند نصف النهار، إلا يوم الجمعة فتجوز الصلاة فيه في ذلك الوقت مطلقًا، وما له سبب كقضاء الفائتة ونحوها فتجوز وسط النهار كذلك.
وهو قول الشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد (^٤).
القول الرابع: يجوز أن يصلي وسط النهار قضاء الفوائت، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، ولا يجوز غير ذلك.
وهو الصحيح من مذهب الحنابلة (^٥).
_________________
(١) انظر: التمهيد ١/ ٢٨٧؛ الاستذكار ١/ ١٤٥؛ بداية المجتهد ١/ ١٩٩؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٥٨.
(٢) انظر: التمهيد ١/ ٢٨٨؛ الاستذكار ١/ ١٤٦؛ المغني ٢/ ٥٣٦.
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٦٨، ٣٣٨؛ مختصر المزني ص ٣٣؛ الحاوي ٢/ ٢٧٤؛ العزيز ١/ ٣٩٦، ٣٩٧؛ المجموع ٤/ ٥٧.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٥٣٣؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٥٩؛ الإنصاف ٤/ ٢٥٧.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٥٣٣؛ الشرح الكبير ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٩؛ الممتع ١/ ٥٣٦ - ٥٣٩؛ الإنصاف ٤/ ٢٥٣، ٢٥٦؛ زاد المستقنع ص ١٦؛ منتهى الإرادات ١/ ٧٤.
[ ٢ / ٧٠٧ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم جواز أي صلاة إذا انتصف النهار- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن عقبة بن عامر الجهني -﵁- يقول: «ثلاث ساعات كان رسول الله -ﷺ- ينهانا أن نصلي فيهن، أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل الشمس، وحين تضيف للغروب حتى تغرب» (^١).
ثانيًا: حديث عمرو بن عبسة (^٢) -﵁- وفيه: فقلت: يا نبي الله أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة، قال: «صل صلاة الصبح، ثم اقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع؛ فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار، ثم صل الصلاة فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى يستقل الظل بالرمح، ثم اقصر عن الصلاة فإن حينئذٍ تسجر جهنم، فإذا أقبل الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة حتى تصلي العصر،
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٦٠.
(٢) هو: عمرو بن عبسة بن خالد بن عامر، السلمي، أسلم قديمًا، وهاجر قبل فتح مكة، وشهد فتح مكة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو أمامة، وسهل بن سعد، وغيرهما، وسكن الشام، ومات بحمص. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٤١٣؛ الإصابة ٢/ ١٣٤٤.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
ثم اقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس؛ فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار» (^١).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: سأل صفوان بن المعطل (^٢) رسول الله -ﷺ- فقال: يا رسول الله إني سائلك عن أمر أنت عالم به وأنا به جاهل! قال: «وما هو؟» قال: هل من ساعات الليل والنهار ساعة تكره فيها الصلاة؟ قال: «نعم، إذا صليت الصبح فدع الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها تطلع بقرني شيطان، ثم صل فالصلاة محضورة متقبلة حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح، فإذا كانت على رأسك كالرمح فدع الصلاة، فإن تلك الساعة تسجر فيها جهنم وتفتح فيها أبوابها، حتى تزيغ الشمس عن حاجبك الأيمن، فإذا زالت فالصلاة محضورة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم دع الصلاة حتى تغيب الشمس» (^٣).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٤٣٥، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ح (٨٣٢) (٢٩٤).
(٢) هو: صفوان بن المعطّل بن ربيعة بن خزاعيّ، السلمي، ثم الذكواني، شهد الخندق والمشاهد، وروى عن النبي -ﷺ-، وقتل في سبيل الله، فقيل سنة تسع عشرة، وقيل غيرها. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٦٧؛ الإصابة ٢/ ٩٠٤.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٢٢٣، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الساعات التي تكره فيها الصلاة، ح (١٢٥٢)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٩٤، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٦٣٩. قال الحاكم: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ٢٢٢.
[ ٢ / ٧٠٩ ]
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على النهي عن الصلاة عند انتصاف النهار، من غير فرق بين صلاة وصلاة، لذلك تكون الصلاة غير جائزة فيه (^١).
واعترض عليه: بأن النهي المذكور في هذه الأحاديث عام، لكن قد ورد عن رسول الله -ﷺ- ما يخصص هذا العموم، كقوله -ﷺ-: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^٢).
لذلك يكون الأولى حمل هذا النهي على الصلوات التي تفعل بدون سبب سابق عليها، ويكون قضاء الفوائت ونحوه مستثنىً من هذا العموم (^٣).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو جواز الصلاة عند استواء النهار أي صلاة كانت- بما استُدل به للقول بالنسخ.
وقد سبق وجه الاستدلال منها، وما يرد به عليه.
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو عدم جوز الصلاة عند نصف النهار، إلا يوم الجمعة وإلا التي لها سبب فتجوز وسط النهار- بأدلة منها ما يلي:
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٥٣؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٢٣١؛ الاختيار ١/ ٤١؛ اللباب للمنبجي ١/ ١٨٨.
(٢) سبق تخريجه في ص ٤٦٥.
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٦٨؛ المحلى ٢/ ٥٨؛ المغني ٢/ ٥١٦.
[ ٢ / ٧١٠ ]
أولًا: الأحاديث التي سبقت في دليل القول الأول، والتي فيها النهي عن الصلاة عند وسط النهار.
ثانيًا: حديث أنس -﵁- عن النبي -ﷺ- وفيه: «من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها» (^١).
ثالثًا: عن أبي قتادة السلمي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (^٢).
رابعًا: حديث أم سلمة -﵂- عن النبي -ﷺ- وفيه: «يا ابنة أبي أمية سألت عن الركعتين بعد العصر، وإنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان» (^٣).
خامسًا: عن جبير بن مطعم (^٤) -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «يا بني عبد مناف
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٦٥.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٩٥، كتاب الصلاة، باب إذا دخل المسجد فليركع ركعتين، ح (٤٤٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٤٠، كتاب صلاة المسافرين، باب استحباب تحية المسجد بركعتين، ح (٧١٤) (٦٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٤٢، كتاب السهو، باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده واستمع، ح (١٢٣٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٤٣٨، كتاب صلاة المسافرين، باب الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها، ح (٨٣٤) (٢٩٧).
(٤) هو: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، القرشي، النوفلي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه سليمان بن صرد، وابن المسيب، وغيرهما، وكان من حلماء قريش وساداتهم، وكان يؤخذ منه النسب، وتوفي سنة سبع وخمسين، وقيل غير ذلك. انظر: الاستيعاب ١/ ٢٣٠؛ الإصابة ١/ ٢٥٩.
[ ٢ / ٧١١ ]
لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار» (^١).
سادسًا: رواية ثعلبة بن أبي مالك القرظي، وقد سبق في دليل القول بالنسخ، وفيه: «أنهم كانوا في زمان عمر بن الخطاب يصلون حتى يخرج عمر -﵁-.
سابعًا: عن أبي هريرة -﵁-: «أن رسول الله -ﷺ- نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس، إلا يوم الجمعة» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٨٩، كتاب المناسك، باب الطواف بعد العصر، ح (١٨٩٤)، والترمذي في سننه-واللفظ له- ص ٢١٠، كتاب الحج، باب ما جاء في الصلاة بعد العصر وبعد الصبح لمن يطوف، ح (٨٦٨)، والنسائي في سننه ص ٩٩، كتاب المواقيت، باب إباحة الصلاة في الساعات كلها بمكة، ح (٥٨٥)، وابن ماجة في سننه ص ٢٢٣، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في الرخصة في الصلاة بمكة في كل وقت، ح (١٢٥٤)، وأحمد في المسند ٢٧، والدارمي في سننه ٢/ ٩٧، والفاكهي في أخبار مكة ١/ ٢٥٤، والدارقطني في سننه ١/ ٤٢٣، والحاكم في المستدرك ١/ ٦١٧، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٤٦. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في الإرواء ٢/ ٢٣٩ - بعد ذكر قول الحاكم والذهبي-: (وهو كما قالا). وصححه في صحيح سنن الترمذي ص ٢١٠.
(٢) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ٣٣٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٦٥٢. قال ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٢٨٩، بعد ذكر الرواية من طريق الشافعي: (وإبراهيم بن محمد الذي روى عنه الشافعي هذا الخبر هو ابن أبي يحيى المدني متروك الحديث، وإسحاق بعده في الإسناد، وهو ابن أبي فروة ضعيف أيضًا). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٨٨ - بعد ذكر سنده-: (وإسحاق وإبراهيم ضعيفان، ورواه البيهقي من طريق أبي خالد الأحمر، عن عبد الله شيخ من أهل المدينة، عن سعيد به، ورواه الأثرم بسند فيه الواقدي وهو متروك، ورواه البيهقي بسند آخر فيه عطاء بن عجلان وهو متروك أيضًا).
[ ٢ / ٧١٢ ]
ثامنًا: عن أبي قتادة -﵁- عن النبي -ﷺ- أنه كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة، وقال: «إن جهنم تُسجّر إلا يوم الجمعة» (^١).
ووجه الاستدلال منها: أن الأحاديث التي فيها النهي عن الصلاة عند وسط النهار تدل على عدم جواز الصلاة فيه، لكن ليس المراد بها جميع الصلوات، بل التي لا يوجد لها سبب سابق، أما مالها سبب كالصلاة الفائتة، والركعتان لدخول المسجد وركعتا الطواف ونحوها، فالنهي في تلك الأحاديث لا يشملها؛ للأحاديث الواردة فيها، فتكون الصلاة لسبب مخصوصة من ذلك النهي، وبذلك يجمع بين هذه الأحاديث كلها، كما أن الصلاة وسط النهار يوم الجمعة مستثنى من ذلك النهي للأحاديث الواردة فيها، ولرواية ثعلبة بن أبي مالك؛ حيث يدل
على أن الصحابة كانوا
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٧١، كتاب الصلاة، باب الصلاة يوم الجمعة قبل الزوال، ح (١٠٨٣)، وقال: (وهو مرسل، مجاهد أكبر من أبي الخليل، وأبو الخليل لم يسمع من أبي قتادة)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٦٥٢، وقال: وله شواهد وإن كانت أسانيدها ضعيفة. وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٨٩ - بعد ذكر قول أبي داود-: (وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. قال الأثرم: قدم أحمد جابر الجعفي عليه في الحديث).
[ ٢ / ٧١٣ ]
يصلون في ذلك الوقت (^١).
واعترض عليه: بأن القول بجواز الصلاة وسط النهار يوم الجمعة مطلقًا ضعيف؛ لضعف دليله، مع معارضته للأحاديث الصحيحة الدالة على عدم جوز الصلاة في ذلك الوقت (^٢).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو جواز قضاء الفوائت، وركعتي الطواف وإعادة الجماعة، وسط النهار، وعدم جواز غيرها- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: أما جواز قضاء الفوائت فلحديث أنس -﵁-، وقد سبق ذكره.
ثانيًا: أما جواز ركعتي الطواف في وسط النهار فلحديث جبير بن مطعم -﵁-، وقد سبق ذكره في دليل القول السابق.
ثالثًا: أما جواز إعادة الجماعة في ذلك الوقت فلحديث أبي ذر -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها أو يميتون الصلاة عن وقتها؟» قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: «صل الصلاة لوقتها فإن أدركتها معهم فصل فإنها لك نافلة» (^٣).
_________________
(١) انظر: الأم ١/ ٢٦٨؛ الحاوي ٢/ ٢٧٤، ٢٧٥؛ المجموع ٤/ ٥٧.
(٢) راجع تخريج الحديثين الذين استدل بهما على جواز الصلاة وسط النهار يوم الجمعة، وانظر: المغني ٢/ ٥٣٦.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٢٨٣، كتاب المساجد، باب كراهة تأخير الصلاة عن وقتها، ح (٦٤٨) (٢٣٨).
[ ٢ / ٧١٤ ]
رابعًا: أما عدم جواز الصلوات غير ما ذكر فلأحاديث النهي عن الصلاة في هذا الوقت، وقد سبق ذكرها في دليل القول الأول.
فهي عامة تشمل ذات السبب وغيرها؛ ولأنه إذا تعارض التحريم والندب، يكون ترك المحرم أولى (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن
الراجح ما يلي:
أولًا: أن القول بنسخ النهي عن الصلاة وسط النهار قول ضعيف ومردود؛ إذ ليس عليه أي دليل كما سبق ذكره.
ثانيًا: لا يجوز لأحد أن يتحرى الصلاة عند وسط النهار وغيره من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها؛ لنهي النبي -ﷺ- عن ذلك.
ثالثًا: أنه يستثنى من هذا النهي الصلاة التي لها سبب، وفي غيرها يبقى على العموم، وبذلك يمكن الجمع بين الأحاديث كلها الواردة في المسألة، والجمع بين الأحاديث أولى من ترك بعضها.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٥١٥ - ٥٢١، ٥٢٧، ٥٣٣ - ٥٣٥؛ الممتع ١/ ٥٣٥ - ٥٣٧؛ شرح الزركشي ١/ ٣٨١ - ٣٨٥.
[ ٢ / ٧١٥ ]