اختلف أهل العلم في الوضوء مما مست النار على أربعة أقوال:
القول الأول: أن الوضوء مما مست النار مطلقًا منسوخ، فلا يجب الوضوء منه، ولا ينقض الوضوء به، وأن ترك الوضوء مما غيرت النار آخر الأمرين (^١).
وهو مذهب الحنفية (^٢)، والمالكية (^٣)، والشافعية (^٤).
وممن قال بعدم الوضوء منه أو روي عنه ذلك: أبو بكر الصديق (^٥)، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان (^٦)، وعلى بن أبي طالب، وعبد الله
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٦٩، التمهيد ٢/ ١١٦ - ١٢٩، الاعتبار ص ١٥٧.
(٢) انظر: الموطأ لمحمد ص ٣٩؛ الأوسط ١/ ٢٢٣؛ شرح معاني الآثار للطحاوي ١/ ٧٠؛ المبسوط ١/ ٨٣؛ بدائع الصنائع ١/ ١٣٨، الاعتبار للحازمي ص ١٥٧.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٢٢٣، التمهيد ٢/ ١٢٧، الاستذكار ١/ ٢١٩، الاعتبار ص ١٥٧؛ جامع الأمهات ص ٥٨؛ عقد الجواهر ١/ ٤٢، مواهب الجليل ١/ ٤٣٨.
(٤) انظر: مختصر المزني ص ١٢، الأوسط ١/ ٢٢٣، التعليقة الكبرى ١/ ٧٢٨، المهذب ١/ ١٠١؛ الاعتبار ص ١٥٧؛ المجموع ٢/ ٤٨.
(٥) هو: عبد الله بن أبي قحافة-عثمان- بن عامر بن عمرو، القرشي، التيمي، أبو بكر الصديق -﵁-، أفضل الأمة، وخليفة رسول الله -ﷺ- وصديقه الأكبر، سبق إلى الإيمان به -ﷺ-، واستمر معه طول إقامته بمكة ورافقه في الهجرة وفي الغار وفي المشاهد كلها، واستقر خليفة بعده -ﷺ- وروى عنه -ﷺ-، وروى عنه: عمر، وعثمان، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث عشرة من الهجرة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢؛ الإصابة ٢/ ٢٤١.
(٦) هو: عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية، الأموي القرشي، ذي النورين، وأمير المؤمنين، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وزوجه النبي -ﷺ- بابنتيه-رقية وأم كلثوم- وبشره بالجنة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وغيرهما، وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة، وقتل سنة خمس وثلاثين. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٨؛ الإصابة ٢/ ٤٦٢.
[ ١ / ٤١٩ ]
بن مسعود، وأبو الدرداء (^١)، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عباس، وعامر بن ربيعة (^٢)، وأبي بن كعب (^٣)، -﵃-.
وروي ذلك عن سويد بن غفلة (^٤)، وعطاء، وطاووس، ومجاهد.
_________________
(١) هو: عويمر بن زيد، وقيل: عويمر بن عبد الله، ويقال، ابن ثعلبة، الأنصاري الخزرجي الإمام الرباني، أسلم يوم بدر، وشهد أحدًا وما بعدها من المشاهد، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه بلال، وأبو أمامة، وغيرهما، وتوفي في خلافة عثمان-وقيل بعده-. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٤؛ تهذيب التهذيب ٨/ ١٥٠.
(٢) هو: عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي، العدوي، حليف آل الخطاب، شهد بدرًا والمشاهدكلها، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه عبد الله، وابن عمر، وغيرهما، ومات قبل عثمان -﵁-. انظر: الكاشف ٢/ ٤٩؛ التهذيب ٥/ ٥٨؛ التقريب ١/ ٤٦٠.
(٣) هو: أبي بن كعب بن قيس الأنصاري النجاري، أبو المنذر، سيد القراء، كان من أصحاب العقبة الثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو أيوب، وابن عباس، وغيرهما. وتوفي سنة ثلاثين-وقيل غير ذلك-. انظر: الاستيعاب ١/ ٤٧؛ الإصابة ١/ ١٩.
(٤) هو: سويد بن غفلة بن عوسجة، أبو أمية الجعفي، الكوفي، قدم المدينة يوم دفن النبي -ﷺ-، وروى عن: أبي بكر، وعمر، وغيرهما، وروى عنه: سلمة بن كهيل، وإبراهيم النخعي، وغيرهما، وتوفي سنة ثمانين، وقيل بعدها. انظر: الكاشف ١/ ٣٢٩؛ التهذيب ٤/ ٢٥٢؛ التقريب ٤٠٤.
[ ١ / ٤٢٠ ]
وبه قال عبيدة السلماني (^١)، وسالم بن عبد الله، والقاسم بن محمد (^٢)، وسفيان الثوري، وابن المبارك، والأوزاعي، والليث بن سعد، والحسن بن حي، وأبو عبيد، وداود بن علي، وابن جرير الطبري (^٣).
القول الثاني: أن المنسوخ هو الوضوء مما مست النار، غير لحم الإبل، لذلك يجب الوضوء من لحوم الإبل خاصة دون ما سواه مما مسته النار.
وهو قول الإمام أحمد، ومذهب الحنابلة (^٤).
_________________
(١) هو: عبيدة بن عمرو، وقيل: عبيدة بن قيس بن عمرو، السلماني المرادي، أبو عمر، الكوفي، ثقة، أسلم في حياة النبي -ﷺ-، وروى عن: علي، وابن مسعود، وغيرهما، وروى عنه: إبراهيم النخعي، وابن سيرين، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتين وسبعين، وقيل غيرها. انظر: الكاشف ٢/ ٢١٢؛ التهذيب ٧/ ٧٥؛ التقريب ١/ ٦٤٩.
(٢) هو: القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، أبو محمد، كان ثقة عالمًا فقيهًا إمامًا، روى عن عائشة وابن عباس، وغيرهما، وروى عنه الشعبي، ونافع، وغيرهما، وتوفي سنة ست ومائة- وقيل غير ذلك-. انظر: تهذيب التهذيب ٨/ ٢٩٠؛ شذرات الذهب ١/ ١٣٥.
(٣) انظر أقوالهم في: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٦٥ - ١٧١؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٥٠ - ٥٣؛ الأوسط ١/ ١٤١، ٢١٩، التمهيد ٢/ ١٢٧، الاستذكار ١/ ٢١٩، الاعتبار ص ١٥٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٩؛ المجموع ٢/ ٤٨، نيل الأوطار ١/ ٢٠٠.
(٤) انظر: الأوسط ١/ ١٤٠؛ المغني ١/ ٢٥٠؛ الشرح الكبير ٢/ ٥٣؛ شرح الزركشي ١/ ١٢٢؛ الفروع ١/ ٢٣٣؛ الإنصاف ١/ ٥٣.
[ ١ / ٤٢١ ]
وممن قال بالوضوء من لحوم الإبل: جابر بن سمرة (^١) -﵁-، ومحمد بن إسحاق صاحب المغازي (^٢)، وأبو خيثمة زهير بن حرب (^٣)، وإسحاق بن راهوية، ويحيى بن يحيى النسابوري (^٤)، وأبوثور. واختاره ابن المنذر، وابن خزيمة (^٥)، وابن حزم،
_________________
(١) هو: جابر بن سمرة بن جنادة السوائي، صحابي ابن صحابي، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو إسحاق، وسماك بن حرب، وغيرهما، ونزل الكوفة ومات بها سنة سبعين. انظر: الكاشف ١/ ١٢١؛ التهذيب ٢/ ٣٥.
(٢) هو: محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر، المطلبي مولاهم، المدني، صدوق يدلس، وروى عن عطاء، والزهري، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، والثوري، وغيرهما، ومات سنة إحدى وخمسين ومائة، وقيل بعدها. انظر: الكاشف ٣/ ١٨؛ التهذيب ٩/ ٣٣؛ التقريب ٢/ ٥٤.
(٣) هو: زهير بن حرب بن شداد الحرشي، أبو خيثمة النسائي، ثقة، روى عن جرير، وهيثم، وغيرهما، وروى عنه: البخاري، ومسلم، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين. انظر: الكاشف ١/ ٢٥٥؛ التهذيب ٣/ ٣٠٣؛ التقريب ١/ ٣١٥.
(٤) هو: يحيى بن يحيى بن قيس بن حارثة الغساني، أبو عثمان الشامي، ثقة، روى عن سعيد بن المسيب، وعروة، وغيرهما، وروى عنه هشام، وابن عيينة، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وقيل بعدها. انظر: الكاشف ٣/ ٢٣٨؛ التهذيب ١١/ ٢٦٠؛ التقريب ٢/ ٣١٨.
(٥) هو: محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة، أبو بكر السلمي النسا بوري، شيخ الإسلام، سمع علي بن حجر، ومحمود بن غيلان، وغيرهما، وحدث عنه الإمام البخاري ومسلم، وغيرهما، ومن مؤلفاته (صحيح ابن خزيمة) وتوفي سنة إحدى عشر وثلاثمائة. انظر: تذكرةالحفاظ ٢/ ٧٢٠؛ البداية والنهاية ١١/ ١٤٥.
[ ١ / ٤٢٢ ]
والبيهقي (^١)، والنووي. (^٢)
القول الثالث: أن المنسوخ هو ترك الوضوء مما مست النار، لذلك يجب الوضوء مما مست النار مطلقًا، وينقض الوضوء به.
وهو قول الزهري، وروي نحوه عن أبي هريرة، وعائشة﵄- (^٣).
وممن روي عنه الوضوء من ذلك أو الأمر به: زيد بن ثابت، وعبد الله بن عمرو، وأبو موسى الأشعري، وأبو أيوب، وأبو مسعود (^٤)، وأبو عزة (^٥)،
_________________
(١) هو: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخسروجردي، أبو بكر البيهقي، الإمام الحافظ، أخذ عن محمد بن الحسين العلوي، وأبي عبد الله الحاكم، وغيرهما، وحدث عنه عبيد الله بن محمد، وأبو القاسم الشحامي، وغيرهما، وقد جمع بين علم الحديث والفقه، ومن مؤلفاته (السنن الكبرى) وتوفي سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. انظر: تذكرة الحفاظ ٣/ ١١٣٢؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٢٠.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٥٠؛ الأوسط ١/ ١٣٨، ١٣٩، ١٤٠، التمهيد ٢/ ١٢٩، الاستذكار ١/ ٢١٩؛ المغني ١/ ٢٥٠، المجموع ٢/ ٤٩.
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ١١٦، ١١٧، ١١٩؛ الاستذكار ١/ ٢١٧؛ الاعتبار ص ٢٦٠؛ فتح الباري ١/ ٣٩١.
(٤) هو: عقبة بن عمرو بن ثعلبة، الخزرجي الأنصاري، أبو مسعود البدري، شهد العقبة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو وائل، وعلقمة، وغيرهما، وقال البخاري ومسلم وأبو عبيد: إنه شهد بدرًا. وتوفي سنة أربعين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ٢/ ٢٣٨؛ التهذيب ٧/ ٢١٤؛ التقريب ١/ ٦٨٢.
(٥) أبو عزة- بفتح المهملة وتشديد الزاي-يسار الهذلي، يقال اسم أبيه عبد الله، وقيل: نمير بن عامر بن فهم، صحابي مشهور بكنيته، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه أبو قلابة الجرمي، وغيره. انظر: الكاشف ٣/ ٢٥٣؛ التهذيب ١١/ ٣٢٧؛ التقريب ٢/ ٣٣٥.
[ ١ / ٤٢٣ ]
وعائشة، وأم حبيبة (^١)، -﵃-.
واختلف فيه عن أبي طلحة الأنصاري، وابن عمر، وأنس بن مالك﵃-.
وبه قال خارجة بن زيد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وابنه عبد الملك (^٢)، ومحمد بن المنكدر (^٣)، وعمر بن عبد العزيز (^٤)، وعروة
_________________
(١) هي: رملة بنت أبي سفيان حرب بن صخر بن أمية، أم حبيبة، زوج النبي -ﷺ-، أسلمت قديمًا، وتزوجها النبي -ﷺ- سنة ست، وقيل سبع، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: معاوية، وعروة، وغيرهما، وتوفيت بعد سنة أربعين، وقيل غيرها. انظر: الكاشف ٣/ ٤٢٦؛ التهذيب ١٢/ ٣٦٩؛ التقريب ٢/ ٦٤١.
(٢) هو: عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، المخزومي المدني، ثقة، روى عن أبيه، وخارجة بن زيد، وغيرهما، وروى عنه: الزهري، وابن جريج، وغيرهما، وتوفي في أول خلافة هشام. انظر: الكاشف ٢/ ١٨٣؛ التهذيب ٦/ ٣٣٩؛ التقريب ١/ ٦١٣.
(٣) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله بن الهدير، التيمي المدني، ثقة، روى عن عائشة، وأبي هريرة، وغيرهما، وروى عنه: شعبة، ومالك، وغيرهما، وتوفي سنة مائة وثلاث وثلاثين، وقيل بعدها. انظر: الكاشف ٣/ ٨٨؛ التقريب ٢/ ١٣٧.
(٤) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم، أبو حفص الأموي، القرشي، حدث عن عبد الله بن جعفر، وأنس، وغيرهما. وروى عنه: الزهري، وأيوب، وغيرهما، وكان إمامًا عادلًا، وحكمًا مقسطًا، بويع له بالخلافة سنة تسع وتسعين، وتوفي سنة إحدى ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١١٨؛ البداية والنهاية ٩/ ١٧٢.
[ ١ / ٤٢٤ ]
بن الزبير، ومعمر بن راشد (^١)، و
أبو قلابة الجرمي (^٢)، وأبو مجلز (^٣)، ويحيى بن يعمر (^٤)، وأبو ميسرة (^٥)، والحسن البصري (^٦).
القول الرابع: أنه لا ينقض الوضوء بما مسته النار مطلقًا، ولا يحب
_________________
(١) هو: معمر بن راشد، أبو عروة الأزدي مولاهم، عالم اليمن، ثقة، روى عن الزهري، وهمام، وغيرهما، وروى عنه: ابن المبارك، وأيوب، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وخمسين ومائة. انظر: الكاشف ٣/ ١٤٥؛ التهذيب ١٠/ ٢٢٠؛ التقريب ٢/ ٢٠٢.
(٢) هو: عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر، أبو قلابة الجرمي، من أئمة التابعين، روى عن أنس بن مالك، وأبي هريرة، وغيرهما، وروى عنه: قتادة، وأيوب، وغيرهما، وتوفي سنة أربع ومائة، وقيل بعدها. انظر: الكاشف ٢/ ٧٩؛ التقريب ١/ ٤٩٤.
(٣) هو: لاحق بن حميد بن سعيد، ويقال: شعبة بن خالد بن كثير بن حبيش، السدوسي، أبو مجلز البصري، من ثقات التابعين إلا أنه يدلس، روى عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وغيرهما، وروى عنه قتادة، وسليمان التيمي، وغيرهما، وتوفي سنة مائة أو إحدى ومائة، -وقيل غير ذلك-. انظر: ميزان الاعتدال ٦/ ٣٠؛ تهذيب التهذيب ١١/ ١٥١.
(٤) هو: يحيى بن يعمر-بفتح التحتانية والميم، بينهما مهملة ساكنة- البصري، قاضي مرو، ثقة، روى عن علي، وعائشة، وغيرهما، وروى عنه: عكرمة، وعطاء الخراساني، وغيرهما. انظر: الكاشف ٣/ ٢٣٩؛ التهذيب ١١/ ٢٦٤؛ التقريب ٢/ ٣١٩.
(٥) هو: عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة الهمداني، ثقة، روى عن عمر، وعلي، وغيرهما، وروى عنه: مسروق، وأبو إسحاق، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وستين. انظر: الكاشف ٢/ ٢٨٦؛ التهذيب ٨/ ٤٠؛ التقريب ١/ ٧٣٧.
(٦) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٧٢ - ١٧٤؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٥٣ - ٥٤؛ الأوسط ١/ ٢١٣ - ٢١٥، التمهيد لابن عبد البر ٢/ ١١٦؛ والاستذكار ١/ ٢١٦؛ المحلى ١/ ٢٢٦؛ الاعتبار للحازمي ص ١٥٧؛ المجموع للنووي ٢/ ٤٩، نيل الأوطار ١/ ٢٠٠.
[ ١ / ٤٢٥ ]
الوضوء منه ولكنه يستحب.
وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية (^١) -﵀- وهو كذلك اختيار الخطابي (^٢).
وقد تبين مما سبق أن القول بالنسخ أحد الأسباب الرئيسية لاختلاف الفقهاء في هذه المسألة، كما أن تعارض الأحاديث الواردة في المسألة هو السبب الأصلي الآخر لاختلافهم فيها.
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو ترك الوضوء مما مست النار مطلقًا وأن الوضوء منه قد نُسخ- بأدلة منها ما يلي:
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٣٩؛ الفروع ١/ ٢٣٢؛ الإنصاف ١/ ٥٥؛ الاختيارات الفقهية ص ١٦. ونُقل عن شيخ الإسلام أنه يقول بوجوب الوضوء من لحم الإبل. قال البعلي في الاختيارات الفقهية: (ولعله آخر فتواه). أما المرداوي فقد نسب إليه القول بالاستحباب مطلقًا، وسيجيء نص شيخ الإسلام في أدلة القول الرابع، حيث صرح بأنه أعدل الأقوال، لكنه في مواضع أخرى من فتاواه دافع بشدة عن القول الثالث.
(٢) هو: حمد بن محمد بن إبراهيم، أبو سليمان البستي المعروف بالخطابي، كان أحد أوعية العلم في زمانه حافظًا فقيهًا، تفقه على ابن أبي هريرة، والقفال، وغيرهما، ومن مؤلفاته (معالم السنن) وتوفي سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر: طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ١٥٦؛ شذرات الذهب ٣/ ١٢٧. وانظر قوله في: معالم السنن ١/ ١٤٠. وراجع كذلك فتح الباري ١/ ٣٩١.
[ ١ / ٤٢٦ ]
أولًا: عن ابن عباس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- «أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ» (^١).
ثانيًا: عن عمرو بن أمية الضمري (^٢) (أنه رأى رسول الله -ﷺ- يحتز من كتف شاة فدعي إلى الصلاة فألقى السكين فصلى ولم يتوضأ) (^٣).
ثالثًا: عن ميمونة﵂-: (أن النبي -ﷺ- أكل عندها كتفًا ثم صلى ولم يتوضأ). (^٤)
رابعًا: عن أبي رافع (^٥) -﵁- قال: (أشهد لكنت أشوي لرسول الله -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٩، كتاب الوضوء باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ح (٢٠٧)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٦، كتاب الحيض باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥٤) (٩١).
(٢) هو: عمرو بن أمية بن خويلد أبو أمية الضمري، أول مشاهده بئر معونة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: الشعبي، وأبو قلابة، وغيرهما، ومات في خلافة معاوية -﵁-. انظر: الكاشف ٢/ ٢٨٠؛ التهذيب ٨/ ٦.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٩، كتاب الوضوء باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ح (٢٠٨)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٦، كتاب الحيض باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥٥) (٩٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٩، كتاب الوضوء باب من لم يتوضأ من لحم الشاة والسويق، ح (٢١٠)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٣٧، كتاب الحيض باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥٦).
(٥) هو: أبو رافع القبطي، مولى رسول الله -ﷺ-، قيل اسمه إبراهيم، وقيل أسلم، وقيل غير ذلك. شهد أحدًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: سليمان بن يسار، وعطاء بن يسار، وغيرهما. انظر: الكاشف ٣/ ٢٩٤؛ التهذيب ١٢/ ٨٢؛ التقريب ٢/ ٣٩٦.
[ ١ / ٤٢٧ ]
بطن الشاة ثم صلى
ولم يتوضأ) (^١) ..
خامسًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كان آخر الأمرين من رسول الله -ﷺ- ترك الوضوء مما غيرت النار» (^٢).
سادسًا: عن محمد بن مسلمة (^٣) -﵁- قال: «أكل رسول الله -ﷺ- مما غيرت النار ثم لم يتوضأ وكان آخر أمريه» (^٤).
سابعًا: عن المغيرة بن شعبة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- أكل طعامًا ثم أقيمت الصلاة وقد كان توضأ قبل ذلك، فأتيته بماء ليتوضأ فانتهرني، وقال:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٧، كتاب الحيض باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥٧) (٩٤).
(٢) سبق تخريجه في ص ٩٨.
(٣) هو: محمد بن مسلمة بن حريش الأنصاري الخزرجي، أبو عبد الله، أحد الثلاثة الذين قتلوا كعب بن الأشرف، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: عروة، والأعرج، وغيرهما، ومات بعد الأربعين. انظر: الكاشف ٣/ ٨٦؛ التهذيب ٩/ ٣٩١؛ التقريب ٢/ ١٣٤.
(٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٤١، والحازمي في الاعتبار ص ١٦٠، ولفظه: (أن النبي -ﷺ- أكل آخر أمره لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ) وذكر ابن حجر في التلخيص ١/ ١٠٦، أن الطبراني أخرجه بهذا اللفظ في الأوسط وأنه شاهد لحديث جابر. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٧، بلفظ: (أن النبي -ﷺ- أكل آخر أمريه لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ)، ثم قال: رواه الطبراني في الكبير وفيه يونس بن أبي خالد ولم أر من ذكره) وأخرجه ابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٢٤، بنحو لفظ مجمع الزوائد.
[ ١ / ٤٢٨ ]
«وراءك ولو فعلت ذلك لفعل الناس بعدي» (^١).
ثامنًا: عن أبي أمامة -﵁- مرفوعًا وموقوفًا: «إنما الوضوء علينا مما خرج وليس علينا مما دخل» (^٢).
تاسعًا: عن ابن عباس -﵁- قال: (إنما النار بركة الله، وما تحل من شيء ولا تحرمه، ولا وضوء مما مست النار، ولا وضوء مما دخل، إنما الوضوء مما خرج من الإنسان) (^٣).
والأخبار في هذا كثير، وممن روى عن النبي -ﷺ- ترك الوضوء مما مست النار، أو أنه أكل ما مسته النار ولم يتوضأ-غير ما ذكر-: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وأبو طلحة،
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٩١، والإمام أحمد في المسند ٣٠/ ١٥٩، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٦: (رواه أحمد والطبراني في الكبير ورجاله ثقات).
(٢) هذا لفظ الحديث المرفوع، قال في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٧: (رواه الطبراني في الكبير وفيه عبد الله بن زحر عن علي بن زيد وهما ضعيفان لا يحل الاحتجاج بهما). أما الموقوف فأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٦٩، فقال: (حدثنا ابن خزيمة قال ثنا حجاج قال ثنا حماد عن أبي غالب عن أبي أمامة أنه أكل خبزًا ولحمًا فصلى ولم يتوضأ، وقال: (الوضوء مما يخرج ليس مما يدخل).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٦٩، وسنده صحيح، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٥٢، ولفظه: (الوضوء مما خرج وليس مما دخل).
[ ١ / ٤٢٩ ]
وأبو هريرة، ومعاوية بن أبي سفيان (^١)، ورافع بن خديج (^٢)، وسويد بن النعمان، والحسن بن علي، وعائشة، وصفية بنت حيي (^٣)، وضباعة بنت الزبير (^٤)، وأم حكيم بنت الزبير (^٥)، وأم هانئ (^٦)، وأم
_________________
(١) وهو: معاوية بن أبي سفيان حرب بن صخر، أبو عبد الرحمن الأموي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: خالد بن معدان، والأعرج، وغيرهما، وتوفي سنة ستين. انظر: الكاشف ٣/ ١٣٩؛ التهذيب ١٠/ ١٨٨.
(٢) هو: رافع بن خديج بن رافع بن عدي، الأوسي الأنصاري، شهد أحدًا والخندق، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن المسيب، ونافع، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وسبعين، وقيل غير ذلك. انظر: الكاشف ١/ ٢٣٢؛ التهذيب ٣/ ٢٠٥؛ التقريب ١/ ٢٩٠.
(٣) هي: صفية بنت حيي بن أخطب بن سعيد الإسرائيلية، أم المؤمنين، سباها رسول الله -ﷺ- عام خيبر، ثم اعتقها وتزوجها، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: كنانة، ويزيد بن معتب، وغيرهما، وتوفيت في خلافة معاوية -﵁-. انظر: الكاشف ٣/ ٤٢٩؛ التهذيب ١٢/ ٣٨٠؛ التقريب ٢/ ٦٤٧.
(٤) هي: ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب الهاشمية، بنت عم النبي -ﷺ-، تزوجها المقداد بن الأسود، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها عروة، والأعرج، وغيرهما. انظر: الاستيعاب ٤/ ٣٥٢؛ الإصابة ٤/ ٣٥٢؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٣٨٣.
(٥) أم الحكم ويقال: أم الحكيم، صفية، وقيل عاتكة، ويقال ضباعة، بنت الزبير بن عبد المطلب، الهاشمية، بنت عم النبي -ﷺ-، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: الفضل بن الحسن الضمري. انظر: الكاشف ٣/ ٤٤٠؛ التهذيب ١٢/ ٤١٢؛ التقريب ٢/ ٦٦٦.
(٦) هي: أم هانئ بنت أبي طالب الهاشمية، قيل اسمها فاختة، وقيل هند، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: مجاهد، وعروة، وغيرهما، وماتت في خلافة معاوية -﵁-. انظر: الكاشف ٣/ ٤٤٤؛ التهذيب ١٢/ ٤٢٩.
[ ١ / ٤٣٠ ]
مبشر (^١)، وعمرة بنت
حرام (^٢)، وأم عامر بنت يزيد (^٣)، وأم سلمة، وابنتها زينب (^٤) -﵃ أجمعين- (^٥).
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث
أما وجه الاستدلال منها على ترك الوضوء مما مست النار مطلقًا، فهو واضح؛ حيث جاء فيها أن رسول الله -ﷺ- أكل ما مسته النار وصلى ولم
_________________
(١) أم مبشر الأنصارية، امرأة زيد بن حارثة، يقال اسمها جهينة بنت صيفي بن صخر، صحابية وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: جابر، ومجاهد، وغيرهما. انظر: الكاشف ٣/ ٤٤٤؛ التهذيب ١٢/ ٤٢٧.
(٢) هي: عمرة بنت حرام، وقيل بنت حزم الأنصارية، كانت تحت سعد بن الربيع، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها جابر بن عبد الله -﵁-. انظر: أسد الغابة ٦/ ٢٠١؛ تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٨٩.
(٣) هي: أم عامر بنت يزيد بن السكن الأنصارية الأشهلية، قيل اسمها أسماء، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها عبد الرحمن بن عبد الرحمن الأشهلي. انظر: أسد الغابة ٦/ ٣٥٨؛ تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٣٢٦.
(٤) هي: زينب بنت أبي سلمة بن عبد الأسد بن هلال المخزومية، ربيبة النبي -ﷺ-، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها عروة، وأبو قلابة، وغيرهما، وتوفيت سنة ثلاث وسبعين. انظر: الكاشف ٣/ ٤٢٦؛ التهذيب ١٢/ ٣٧١.
(٥) انظر: سنن الترمذي ص ٣٠؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٥١ - ٥٢، شرح معاني الآثار ١/ ٦٤ - ٦٧، السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٣٧ - ٢٤٤؛ مجمع الزوائد ١/ ٢٥٦ - ٢٥٩.
[ ١ / ٤٣١ ]
يتوضأ، فدل ذلك على ترك الوضوء مما مست النار مطلقًا (^١).
وأما وجه الاستدلال منها على أنها متأخرة وناسخة للوضوء مما مست النار مطلقًا فمن وجهين:
الأول: أن ممن روى هذه الأحاديث ابن عباس -﵁- وهو قد صحب النبي -ﷺ- بعد فتح مكة، فدل ذلك أن ترك الوضوء مما مست النار متأخر عن الأمر بالوضوء منه (^٢).
الوجه الثاني: أن حديث جابر بن عبد الله ومحمد بن مسلمة يدلان على تأخير ترك
الوضوء مما مست النار على الأمر بالوضوء منه، حيث إن فيهما تصريح بأن هذا آخرالأمرين من رسول الله -ﷺ-، فدل ذلك على
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٢٢٤، ٢٢٥؛ شرح معاني الآثار ١/ ٦٤؛ التمهيد ٢/ ١٢٣ - ١٢٧؛ المجموع ٢/ ٤٩.
(٢) قال الإمام الشافعي: (وإنما قلنا لا يتوضأ منه لأنه عندنا منسوخ ألا ترى أن عبد الله بن عباس وإنما صحبه بعد الفتح يروي عنه أنه رآه يأكل من كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ، وهذا عندنا من أبين الدلالات على أن الوضوء منه منسوخ، أو أن أمره بالوضوء منه بالغسل للتنظيف) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٤٠، الاعتبار للحازمي ص ١٥٩. وقال ابن عبد البر في التمهيد ٢/ ١٢٣: (ومما يستبين به أن الأمر بالوضوء مما غيرت النار منسوخ: أن عبد الله بن عباس شهد رسول الله -ﷺ- أكل لحمًا وخبزًا وصلى ولم يتوضأ. ومعلوم أن حفظ عبد الله بن عباس عن رسول الله -ﷺ- متأخر).
[ ١ / ٤٣٢ ]
نسخ الأمر بالوضوء مما مست النار مطلقًا (^١).
وقال ابن المنذر: (وقال بعضهم: والدليل على أن الرخصة هي الناسخة اتفاق الخلفاء الراشدين المهديين: أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبي طالب، في ترك الوضوء، وقد ثبت أن النبي -ﷺ- قال: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، ولا يجوز أن يسقط عنهم جميعا علم ما يحتاجون إليه في الليل والنهار، إذ مما لا بد للناس منه الأكل والشرب، ولو كان الأكل حدثًا ينقض الطهارة ويوجب الوضوء لم يخف ذلك عليهم معرفته، وغير جائز أن يجهلوا ذلك) (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني -وهو نسخ الوضوء مما مست النار، إلا من لحم الإبل فيجب الوضوء منه خاصة-بما يلي:
أ-أما الدليل على نسخ الوضوء مما مست النار غير لحم الإبل، فما سبق في دليل القول السابق؛ فإنها تدل على نسخ الوضوء مما مست النار، وعلى عدم وجوب الوضوء منه، كما سبق ذكره.
ب-أما وجوب الوضوء من لحم الإبل خاصة، فلأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن جابر بن سمرة -﵁- أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-: أ أتوضأ من
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٦٧، المحلى ١/ ٢٢٦، التمهيد ٢/ ١١٦، التعليقة الكبرى لأبي الطيب الطبري ١/ ٧٣٢، ٧٤٣.
(٢) الأوسط ١/ ٢٢٥.
[ ١ / ٤٣٣ ]
لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ»، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» الحديث (^١).
ثانيًا: عن البراء بن عازب -﵁- قال: سُئل رسولُ الله عن الوضوء من لحوم الإبل فقال:
«توضئوا منها»، وسئل عن لحوم الغنم فقال: «لا توضئوا منها» (^٢).
ثالثًا: عن أسيد بن حضير (^٣) -﵁- قال: إن رسول الله -ﷺ- قال: «توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم، وصلوا في مرابض الغنم ولاتصلوا في مبارك الإبل». (^٤)
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٨، كتاب الحيض، باب الوضوء من لحوم الإبل، ح (٣٦٠) (٩٧).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٣٣، كتاب الطهارة، باب الوضوء من لحوم الإبل، ح (١٨٤)، والترمذي في سننه ص ٣٠، أبواب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، ح (٨١)، وابن ماجة في سننه ص ١٠٠، كتاب الطهارة باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، ح (٤٩٤). وصححه أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية. وقال ابن خزيمة: (لم نر خلافًا بين علماء الحديث في صحة هذا الحديث) وكذلك صححه الشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٣٠، المغني ١/ ٢٥١، التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ١٧٥، المجموع ٢/ ٥٠؛ صحيح سنن أبي داود ص ٣٣؛ صحيح سنن ابن ماجة ص ١٠٠.
(٣) هو: أسيد بن حضير بن سماك الأنصاري الأشهلي شهد العقبة الثانية، وأحدًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس، وابن أبي ليلى، وتوفي سنة عشرين، وقيل غيرها. انظر: الاستيعاب ١/ ٩٢؛ الكاشف ١/ ٨٢.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣١/ ٤٤٢، وفي سنده حجاج بن ارطاة -وهو مختلف في الاحتجاج به-عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. قال الترمذي في سننه ص ٣٠: (وقدروى الحجاج بن أرطاة هذا الحديث عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير. والصحيح حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب، وهو قول أحمد وإسحاق، وروى عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة الجهني. وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه وقال فيه عن عبد الله بن عبدالرحمن بن أبي ليلى عن أبيه عن أسيد بن حضير. والصحيح عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب). وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٥: (رواه الطبراني في الأوسط وفيه حجاج بن أرطاة وفي الاحتجاج به اختلاف) وانظر التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٤٣٤ ]
رابعًا: عن ذي الغرة (^١) -﵁- قال: عرض أعرابي رسول الله -ﷺ- ورسول الله -ﷺ- يسير، فقال: يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل أفنصلي فيها؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «لا»، قال: أفنتوضأ من لحومها؟ قال: «نعم» (^٢).
_________________
(١) ذو الغرة الجهني، قيل اسمه يعيش، صحابي، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى. انظر: أسد الغابة ٢/ ٢٣؛ تجريد أسماء الصحابة ١/ ١٦٩؛ التهذيب ٣/ ١٩٩.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢٧/ ١٨٦، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٥: (رواه عبد الله بن أحمد والطبراني في الكبير، وسماه يعيش الجهني ويعرف بذي الغرة ورجال أحمد موثقون) وفي سنده -وكذلك سند حديث أسيد السابق-عبد الله بن عبد الله القاضي، قال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ١٧٧: (وأما عبد الله ابن عبد الله القاضي فهو راوي حديث البراء وأسيد، سئل عنه أحمد بن حنبل فقال: لا أعلم إلا خيرًا، وقال بعض العلماء في هذا الحديث: ليس بشيء وذو الغرة لا يدرى من هو. وقال ابن أبي حاتم ذو الغرة الطائي له صحبة بما رواه عبيدة الضبي عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة قال سألت النبي -ﷺ- الحديث- والحديث خطأ والصحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن النبي -ﷺ- وعبيدة ضعيف الحديث سمعت أبي يقول ذلك، وسمعت يحيى بن معين يقول: ذو الغرة من أصحاب النبي -ﷺ-.
[ ١ / ٤٣٥ ]
خامسًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- يقول: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «توضئوا من لحوم الإبل ولا توضئوا من لحوم الغنم» (^١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن هذه الأحاديث تدل على وجوب الوضوء من لحوم الإبل خاصة دون غيرها مما مست النار.
قال أصحاب هذا القول: إن أحاديث الوضوء من لحوم الإبل إما مخصصة لعموم أحاديث ترك الوضوء مما مست النار.
وإما مستثناة منها، حيث إن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٠١، كتاب الطهارة، باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل، ح (٤٩٧). وفي سنده بقية بن الوليد، قال عنه ابن حجر: كثير التدليس عن الضعفاء، وكذلك في سنده خالد بن يزيد بن عمر الفزاري قال عنه ابن حجر: مجهول الحال معروف النسب. التقريب ١/ ١٣٤، ٢٦٥. وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ١٧٦: (وقد روي هذا الحديث موقوفًا على ابن عمر وهو أشبه). وصحح الشيخ الألباني الجزء المذكور منه في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٠٠.
[ ١ / ٤٣٦ ]
الوضوء مما مست النار (^١).
وثالثًا: أن النقض بلحوم الإبل له علتان:
إحداهما: كونه مما مست النار.
ثانيهما: كونه لحم إبل.
فعلى تقدير لو سلم أنه نسخ الوضوء مما مست النار مطلقًا فيبقى الجانب الآخر وهو
كونه لحم إبل، ونسخ إحدى الجهات لا يلزم منه نسخ الأخرى. (^٢)
وقد اعترض أصحاب القول الأول على أدلة أصحاب القول الثاني بما يلي:
أولا: إنها منسوخة، والناسخ لها أحاديث ترك الوضوء مما مست النار، وخاصة حديث جابر -﵁- «كان آخر الأمرين من رسول الله ترك الوضوء مما مست النار» فهو عام يشمل لحم الجزور وغيره مما مست النار (^٣).
قالوا: ويؤكد أن الرخصة هي الناسخة اتفاق الخلفاء الراشدين، فهم كانوا لا يتوضئون مما مست النار مطلقًا (^٤).
_________________
(١) المغني ١/ ٢٥٢.
(٢) انظر: المغني ١/ ٢٥٢، الشرح الكبير ٢/ ٥٦، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ٢١/ ٢٦١ - ٢٦٣، شرح الزركشي ١/ ١٢٣.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٧١، المجموع ٢/ ٥٠.
(٤) انظر: الأوسط ١/ ٢٢٥، الاعتبار ص ١٥٧؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٩؛ المجموع ٢/ ٤٨.
[ ١ / ٤٣٧ ]
والدليل على ذلك:
أولًا: عن جابر -﵁- «أن النبي -ﷺ- أكل لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ»، (وأن أبا بكر أكل لبأً (^١) ثم صلى ولم يتوضأ، وأن عمر أكل لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ). (^٢)
ثانيًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- يقول: «قرب لرسول الله -ﷺ- خبز ولحم، ثم دعا بوضوء فتوضأ ثم صلى الظهر، ثم دعا بفضل طعامه فأكل ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ»، ثم دخلت مع عمر فوضعت له هاهنا جفنة فيها خبز ولحم وهاهنا جفنة فيها خبز ولحم فأكل عمر ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ) (^٣).
ثالثًا: قال البخاري (^٤): (وأكل أبو بكر، وعمر، وعثمان -رضي
_________________
(١) اللبأ هو: أول اللبن عند النتاج والولادة. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٥٧٩؛ مختار الصحاح ص ٥١٩.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٩٩، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، ح (٤٨٩)، وأحمد في المسند-واللفظ له- ٢٢/ ٢٠٣. وقال البصيري في زوائد ابن ماجة ص ١٠٢: (ورجال هذا الإسناد ثقات). وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ٩٩.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٦٥، وأحمد في المسند ٢٢/ ٣٤٥، وابن حبان في صحيحه ص ٤٠٥. وسنده على شرط الشيخين.
(٤) هو: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة الجعفي مولاهم، أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، حدث عن عبيد الله بن موسى، وعاصم النبيل، وخلق كثير سواهم، وروى عنه الترمذي، ومحمد بن نصر المروزي، وخلق لا يُحصون، ومن مؤلفاته (الجامع الصحيح المسند) وكان رأسًا في الذكاء وفي العلم وفي الورع، وتوفي سنة ست وخمسين ومائتين. انظر: تذكرة الحفاظ ٢/ ٥٥٥؛ تهذيب التهذيب ٩/ ٣٩.
[ ١ / ٤٣٨ ]
الله عنهم-فلم
يتوضئوا) (^١).
رابعًا: عن أبي سبرة النخعي (^٢) أن عمر بن الخطاب أكل لحم جزور ثم قام فصلى ولم يتوضأ) (^٣).
خامسًا: عن عبد الله بن الحسن (^٤) أن عليًا أكل لحم جزور ثم صلى ولم
_________________
(١) صحيح البخاري ص ٤٩. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٩٠: (وقد وصله الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن عن طريق سليم بن عامر قال: (رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار ولم يتوضئوا) ورويناه من طرق كثيرة عن جابر مرفوعًا وموقوفًا على الثلاثة مفرقًا ومجموعًا).
(٢) أبو سبرة النخعي الكوفي، يقال اسمه عبد الله بن عابس، مقبول، روى عن عمر بن الخطاب، وفروة بن مسيك، وغيرهما، وروى عنه: الأعمش، والحسن بن مسافر، وغيرهما. انظر: الكاشف ٣/ ٢٩٩؛ التهذيب ١٢/ ٩٤؛ التقريب ٢/ ٤٠٤.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٥٠، وسنده: حدثنا وكيع عن سفيان عن جابر عن أبي سبرة النخعي.
(٤) هو: عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، الهاشمي المدني، أبو محمد، ثقة، روى عن أبيه، والأعرج، وغيرهما، وروى عنه: مالك، والليث، وغيرهما، وتوفي سنة خمس وأربعين. انظر: الكاشف ٢/ ٧١؛ التهذيب ٥/ ١٦٦؛ التقريب ١/ ٤٨٦.
[ ١ / ٤٣٩ ]
يتوضأ) (^١).
أجاب أصحاب القول الثاني عن القول بالنسخ بما يلي:
أولًا: إنه لا يصح القول بالنسخ (لأن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل متأخرعن نسخ الوضوء مما مست النار، أو مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الإبل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار، فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي وإما أن يكون بشيء قبله، فإن كان به فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار، فكيف يجوز أن يكون منسوخًا به ومن شرط النسخ تأخر الناسخ. وإن كان النسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله) (^٢).
ثانيًا: أن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه لحم إبل لا لكونه مما مست النار، ولهذا ينقض وإن كان نيئًا، فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى. (^٣)
ثالثًا: أن أحاديث ترك الوضوء مما مست النار عامة وأحاديث الوضوء من لحوم الإبل خاصة، والعام لا ينسخ به الخاص، لأن من شرط النسخ تعذر الجمع، والجمع بين الخاص والعام ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٥١. وسنده: حدثنا وكيع عن شريك عن جابر عن عبد الله بن الحسن.
(٢) المغني ١/ ٢٥٢. وانظر الشرح الكبير ٢/ ٥٦، ومجموع الفتاوى ٢١/ ٢٦١.
(٣) انظر: المغني ١/ ٢٥٢، الشرح الكبير ٢/ ٥٦، مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٦١.
[ ١ / ٤٤٠ ]
التخصيص (^١).
ثانيًا: قال بعض أصحاب القول الأول:
يجوز أن يكون المراد بالوضوء في أحاديث الأمر بالوضوء من مما مست النار الوضوء اللغوي، وهو غسل اليدين والتنظيف، وفرق في ذلك بين لحم الإبل وغيره لما في لحوم الإبل من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره، فأكد الأمر فيه أكثر من غيره (^٢).
أجاب عنه أصحاب القول الثاني بما يلي:
أولًا: أن حمل الوضوء على اللغوي ضعيف، لأن الوضوء إذا جاء على لسان الشارع وجب حمله على الوضوء الشرعي دون اللغوي لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته (^٣).
ثانيًا: أن الأمر بالوضوء منه خرج جوابًا لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها والصلاة في مباركها، فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة (^٤).
_________________
(١) المغني ١/ ٢٥٢. وانظر: الشرح الكبير ٢/ ٥٦؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٢٦٢؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٣٩؛ المجموع للنووي ٢/ ٥٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٧٠؛ الاستذكار ١/ ٢١٨؛ معالم السنن للخطابي ١/ ١٣٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٤١؛ الاعتبار ص ١٥٩؛ المغني ١/ ٢٥٣.
(٣) انظر: الاستذكار ١/ ٢١٨؛ المغني ١/ ٢٥٣؛ الشرح الكبير ٢/ ٥٧؛ المجموع ٢/ ٥٠.
(٤) انظر: المغني ١/ ٢٥٣؛ الشرح الكبير ٢/ ٥٧.
[ ١ / ٤٤١ ]
ثالثًا: أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم، فإن غسل اليد منهما مستحب (^١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الوضوء مما مسته النار مطلقا وأنه الناسخ لغيره-بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «توضؤوا مما مست النار» (^٢).
ثانيًا: عن عائشة﵂قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «توضؤوا مما مست النار» (^٣).
ثالثًا: عن زيد بن ثابت -﵁- قال سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «الوضوء مما مست النار» (^٤).
رابعًا: عن سلمة بن سلامة بن وقش (^٥) -﵁- قال: رأيت رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) انظر: المغني ١/ ٢٥٣؛ الشرح الكبير ٢/ ٥٧.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٥، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥٢).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٥ كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥٣).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٣٥، كتاب الحيض، باب الوضوء مما مست النار، ح (٣٥١) (٩٠).
(٥) هو: سلمة بن سلامة بن وقش بن زغبة الأشهلي، الأنصاري، شهد العقبتين وبدرًا والمشاهد كلها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه محمد بن لبيد، وجبيرة، وتوفي سنة أربع وثلاثين، وقيل غير ذلك. انظر: أسد الغابة ٢/ ٢٧٦؛ تجريد أسماء الصحابة ١/ ٢٣٢.
[ ١ / ٤٤٢ ]
وخرجنا من دعوة دعينا لها ورسول الله -ﷺ- على وضوء، فأكل ثم توضأ، فقلت له: ألم تكن على وضوء يا رسول الله؟ قال: «بلى ولكن الأمور تحدث وهذا مما حدث» (^١).
وممن روى عن النبي -ﷺ- أنه أمر بالوضوء مما مست النار-غير ما ذكر-أبو طلحة، وأبو
أيوب، وأبو موسى، وسهل بن الحنظلية (^٢)، وأم سلمة، وابن عمر، وأم حبيبة﵃- (^٣).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في الكبير ٧/ ٤٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٤٢، والحازمي في الاعتبار ص ١٦١. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥٤: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث، وثقه عبد الملك بن شعيب بن الليث، وضعفه أحمد وجماعة، واتهم بالكذب). وكذلك في سنده زيد بن جبيرة بن محمد قال عنه ابن معين: لا شيء. وقال البخاري: منكر الحديث ومتروك الحديث. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، متروك الحديث لا يكتب حديثه. وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف. وقال ابن حجر: متروك. انظر: التهذيب ٣/ ٣٤٩، ٣٥٠؛ تقريب التهذيب ١/ ٣٢٧؛ تعليقات ابن التركماني على السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٤٣.
(٢) هو: سهل بن عمرو، ويقال: عقيب بن عمرو بن عدي بن زيد، الأوسي الأنصاري، صحابي، شهد المشاهد كلها ما خلا بدر، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو كبشة السلولي، وبشر بن قيس، ويزيد بن أبي مريم، وغيرهم. انظر: الكاشف ١/ ٣٢٥؛ التهذيب ٤/ ٢٢٧؛ التقريب ١/ ٣٩٨.
(٣) انظر: سنن الترمذي ص ٢٩؛ الأوسط ١/ ٢١٧؛ شرح معاني الآثار ١/ ٦٢ - ٦٤.
[ ١ / ٤٤٣ ]
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة ظاهر؛ حيث فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، والحديث الأخير يدل على تأخر الوضوء مما مست النار على تركه من ذلك، فدل ذلك على أن هذه الأحاديث هي الناسخة لترك الوضوء مما مست النار (^١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخير الأمر بالوضوء مما مست النار على تركه منه إلا الحديث الأخير وهو ضعيف لا يقوم به حجة (^٢).
دليل القول الرابع
أما أصحاب القول الرابع فأدلتهم هي الأدلة المذكورة في الوضوء مما مست النار وفي الترك منه، لكن هم جمعوا بين تلك الأحاديث، وذلك بأنهم حملوا الأحاديث الواردة بالأمر بالوضوء مما مست النار على الاستحباب، والأحاديث الواردة في الترك منه على عدم الوجوب، ولا تعارض بين عدم الوجوب والاستحباب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-: (وكذلك أمره بالوضوء مما
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ١١٦، ١١٧؛ السنن الكبرى ١/ ٢٤٣؛ الاعتبار للحازمي ص ١٦٠؛ فتح الباري ١/ ٣٩١.
(٢) انظر تخريج الحديث الأخير وأقوال أهل العلم في بعض رواته.
[ ١ / ٤٤٤ ]
مسته النار أمر استحباب؛ لأن ما مسته النار يخالط البدن فليتوضأ، فإن النار تطفأ بالماء، وليس في النصوص ما يدل على أنه منسوخ، بل النصوص تدل على أنه ليس بواجب، واستحباب الوضوء من أعدل الأقوال من قول من يوجبه وقول من يراه منسوخًا، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره) (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي-والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن الراجح هو استحباب الوضوء مما مست النار وعدم وجوبه إلا من لحم الجزور، وذلك لما يلي:
أ- لصحة الأحاديث في ذلك، وعدم معارضتها لأحاديث ترك الوضوء مما مست النار، وذلك بحملها على الخصوص.
ب-وخروجًا من الخلاف، وذلك بأن من توضأ من لحم الإبل وصلى فصلاته صحيحة وطهارته كاملة بالاتفاق، بخلاف من لم يتوضأ منه فإنه لا طهارة له عند جماعة من أهل العلم.
ج-وعملًا بالاحتياط، وقول النبي -ﷺ-: «دع ما يريبك إلى ما لا
_________________
(١) مجموع الفتاوى ٢٥/ ٢٣٩.
[ ١ / ٤٤٥ ]
يريبك» (^١).
ثانيًا: إن الأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء مما مست النار، إن كان المراد بها الوجوب، فتكون منسوخة بالأحاديث التي تدل على ترك الوضوء منه؛ لتأخرها عليها، كما سبق ذكره. إلا لحم الإبل فإنه يجب الوضوء منه، وليس ذلك من المنسوخ؛ لأن الأمر بالوضوء منه جاء مع ترك الوضوء من لحم الغنم، وهو مما مست النار، فدل ذلك على تخصيص لحم الإبل من عموم ترك الوضوء مما مست النار، كما سبق ذكره.
والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ٥٦٧، أبواب صفة القيامة، باب، ح (٢٥١٨)، والنسائي في سننه ص ٨٥٥، -واللفظ له-كتاب الأشربة، باب الحث على ترك الشبهات، ح (٥٧١١)، والإمام أحمد في المسند ١/ ٣٢٩، والدارمي في سننه ٢/ ٣٢٠، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٦، وقال: (حديث صحيح)، ووافقه الذهبي. وصححه كذلك الترمذي في سننه ص ٥٦٧، والشيخ الألباني. إرواء الغليل ٧/ ٢٥٥، وفي صحيح سنن الترمذي ص ٥٦٧، وصحيح سنن النسائي ص ٨٥٥.
[ ١ / ٤٤٦ ]