ذهب بعض أهل الحديث وهو رواية عن الإمام أحمد إلى أن الأحاديث الواردة في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ قد نسخت بما ورد في النهي عن ذلك (^١).
وتبين منه أن أحد أسباب اختلاف الفقهاء في هذه المسألة هو القول بالنسخ؛ حيث إن بعض من قال بعدم الانتفاع بجلود الميتة مطلقًا رأى أن الأحاديث الواردة في جواز ذلك منسوخة بحديث عبد الله بن عكيم (^٢)، وغيره الدال على منع الانتفاع بها. كما أن اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر لاختلافهم فيها (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: حديث عبد الله بن عكيم، وقد روي بطرق وألفاظ مختلفة
_________________
(١) انظر: الاعتبار للحازمي ص ١٧٥؛ المغني ١/ ٩١؛ إعلام العالم بعد رسوخه لابن الجوزي ص ٨١؛ الشرح الكبير ١/ ١٦٢؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩١؛ شرح الزركشي ١/ ٥٦، ٥٧.
(٢) هو: عبد الله بن عكيم الجهني، أبو معبد الكوفي، أدرك زمان النبي -ﷺ- ولا يعرف له سماع صحيح، وقد سمع كتاب النبي -ﷺ- إلى جهينة، وروى: عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما -﵃-، وروى عنه: عبد الرحمن بن أبي ليلى، وهلال بن وزان، وغيرهما، وتوفي في ولاية الحجاج. انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٥/ ٣٩؛ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/ ١٢١؛ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٨٧.
(٣) انظر: الاعتبار ص ١٧٥؛ المغني ١/ ٩١؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩١؛ رسوخ الأحبار ص ١٨٨.
[ ١ / ٢٣٠ ]
منها ما يلي:
أ- عن عبد الله بن عكيم قال: قُرئ علينا كتاب رسول الله -ﷺ- بأرض جهينة وأنا غلام شاب: «أن لا تستمتعوا من الميتة بإهاب (^١) ولا عصب (^٢) (^٣).
ب- عن عبد الله بن عُكَيْم أن رسول الله -ﷺ- كتب إلى جهينة قبل موته بشهر: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (^٤).
_________________
(١) الإهاب مفرد (أُهُب) وهو الجلد، وقيل: هو الجلد قبل الدبغ، أما بعده فلا يسمى إهابًا. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٨٣؛ المصباح المنير ص ٢٨؛ القاموس المحيط ص ٥٧.
(٢) العصب -بفتحتين-جمعه أعصاب، وهي أطناب المفاصل التي تلائم بينها وتشدها. انظر: لسان العرب ٩/ ٢٣٠؛ المصباح المنير ص ٤١٣؛ القاموس المحيط ص ١٠٧.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦١٦، كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، ح (٤١٢٧)، والنسائي في سننه ص ٦٥٥، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، ح (٤٢٥١)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٦٥؛ والإمام أحمد في المسند ٣١/ ٨١؛ وابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٣؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٨؛ وابن حبان في صحيحه ٤/ ٩٥؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٣. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦١٦، وإرواء الغليل ١/ ٧٦.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦١٦، كتاب اللباس، باب من روى أن لا ينتفع بإهاب الميتة، ح (٤١٢٨)، والإمام أحمد في المسند ٣١/ ٨٠، وابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ١٨٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٨، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٩٣، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٤٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٣، والحازمي في الاعتبار ص ١٧٦. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦١٦.
[ ١ / ٢٣١ ]
ج- عن عبد الله بن عكيم قال: أتانا كتاب رسول الله -ﷺ-: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (^١).
د-عن عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله -ﷺ-: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (^٢).
هـ- عن عبد الله بن عكيم الجهني قال: أتانا كتاب رسول الله -ﷺ- بأرض جهينة، قال: وأنا غلام شاب، قبل وفاته بشهر أو شهرين: «أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» (^٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ٤٠٣، كتاب اللباس، باب ما جاء في لبس جلود الميتة إذا دبغت، ح (١٧٢٩)، والنسائي في سننه ص ٦٥٥، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، ح (٤٢٥١)، وابن ماجة في سننه ص ٦٠٢، كتاب اللباس، باب من قال لا ينتفع من الميتة بإهاب ولا عصب، ح (٣٦١٣)، والإمام أحمد في المسند ٣١/ ٧٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٨، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٤٧. قال الترمذي: (هذا حديث حسن). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٤٠٣.
(٢) أخرجه النسائي في سننه ص ٦٥٥، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، ح (٤٢٥٠)، والإمام أحمد في المسند ٣١/ ٨١، وابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٣، والطبراني في المعجم الصغير ١/ ٢٢٢، وابن حزم في المحلى ١/ ١٣٠، وقال: (هذا خبر صحيح).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٣١/ ٨٠، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٤٩.
[ ١ / ٢٣٢ ]
و- عن عبد الله بن عكيم قال: حدثنا مشيخة لنا من جهينة أن النبي -ﷺ- كتب إليهم: «أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (^١).
ز- عن عبد الله بن عكيم قال: جاءنا كتاب رسول الله -ﷺ- ونحن في أرض جهنة: «إني كنت رخصت لكم في إهاب الميتة وعصبها فلا تنتفعوا بعصب ولا إهاب» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٨، وابن حبان في صحيحه-واللفظ له-٤/ ٩٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٠. قال الشيخ الألباني عن إسناده في إرواء الغليل ١/ ٧٨: (وهذا إسناد صحيح موصول عندي رجالهم كلهم معروفون ثقات رجال الصحيح، وأشياخ جهينة من الصحابة فلا يضر الجهل بأسمائهم كما هو ظاهر).
(٢) أخرجه ابن عدي في الكامل ٥/ ٤٩، وأخرجه الطبراني في الأوسط ١/ ٢٩، ولفظه (عن عبد الله بن عكيم قال: كتب رسول الله -ﷺ- ونحن في أرض جهينة: (إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب) وقال: (تفرد به فضالة بن المفضل عن أبيه). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤٧: (رواه ابن عدي والطبراني من حديث شبيب بن سعيد عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه-فذكر الحديث ثم قال: -إسناده ثقات، وتابعه فضالة بن المفضل عند الطبراني في الأوسط). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٢١: (رواه الطراني في معجمه الوسط -فذكر لفظ الطبراني ثم قال-وفي سنده فضالة بن المفضل بن فضالة المصري قال أبو حاتم: لم يكن بأهل أن نكتب عنه العلم). وكذلك رواه الطبراني في الأوسط ٩/ ١٤٨، ولفظه: عن عبد الله بن عكيم قال: قال رسول الله -ﷺ-: (لا تستمتعوا من الميتة بإهاب ولا عصب). قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٢٣: (وفيه عبيدة بن معتب وقد أجمعوا على ضعفه).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ثانيًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: «نهى رسول الله -ﷺ- أن ينتفع من الميتة بعصب أو إهاب» (^١).
ثالثًا: عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» (^٢).
_________________
(١) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٢؛ وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٥١. وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٩٤: (وروى الحافظ الضياء في المختارة من حديث أبي عبد الله محمد بن مسلم-فذكر حديث ابن عمر -﵁- هذا، ثم قال: -ذكر ابن أبي حاتم عياض بن يزيد الكلبي عن عبد الرحمن بن نباتة، وعنه يحيى بن صالح الوحاظي ولم يذكر جرحًا). وفي سند هذا الحديث عياض بن يزيد قال عنه الذهبي في الميزان ٣/ ٣٠٨: (مجهول).
(٢) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٢؛ والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٥١، وابن عدي في الكامل ٤/ ١٩٧، وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ١٢٢: (رواه ابن وهب في مسنده عن زمعة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر -فذكره ثم قال: -وزمعة فيه مقال). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤٨: (وعن جابر رواه ابن وهب في مسنده عن زمعة بن صالح عن أبي الزبير عن جابر، وزمعة ضعيف، ورواه أبو بكر الشافعي في فوائده من طرق أخرى، قال الشيخ الموفق إسناده حسن). وقد ذكر الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٧/ ٣٦٩، أن حديث جابر صحيح لغيره شاهد لحديث ابن عكيم. وفي سند هذا الحديث زمعة ابن صالح الجنيدي اليماني نزيل مكة، ضعفه أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو داود والنسائي، وقال البخاري: يخالف في حديثه تركه ابن مهدي أخيرًا. وقال أبو زرعة: لين واهي الحديث. وروي عن يحيى بن معين أنه وثقه، وروي عنه أنه ضعفه، وقال مرة: صالح الحديث. وقال ابن عدي: أرجو أن حديثه صالح لا بأس به. وكذلك ضعفه ابن حجر. انظر: الكامل ٤/ ٢٠٢؛ ميزان الإعتدال ٢/ ٨١؛ المغني في الضعفاء ١/ ٣٦٩؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٣٠٠؛ التقريب ١/ ٣١٥.
[ ١ / ٢٣٤ ]
وجه الاستدلال من هذه الأحاديث على النسخ:
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة بعضها يدل بعمومه على تحريم الميتة، وبعضها فيه النهي عن الانتفاع من الميتة بشيء، وبعضها فيه النهي عن الانتفاع من الميتة بإهاب أو عصب.
ثم إن بعض هذه الأدلة يصرح بأن هذا النهي كان قبل موت رسول الله -ﷺ- بشهر، أو قبل موته بشهر أو شهرين، كما أن بعضها يصرح بأن هذا النهي كان بعد الرخصة في الانتفاع من أهب الميتة.
فثبت من هذا كله أن النهي من الانتفاع بجلود الميتة آخر شيء، وأن الرخصة في الانتفاع بها كان قبل النهي عن الانتفاع بها، فنسخت به؛ لأنه إنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله -ﷺ- (^١).
واعترض عليه بما يلي:
أولًا: إن هذه الأحاديث متكلم فيها، ومما تكلم فيها:
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ١٧٧؛ إعلام العالم بعد رسوخه ص ٨١؛ المغني ١/ ٩١؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩١.
[ ١ / ٢٣٥ ]
أ-حديث عبد الله بن عكيم -﵁-، وتكلم فيه بما يلي:
١ - إنه حديث مرسل (^١)، وذلك لأن عبد الله بن عكيم لم يسمعه من النبي -ﷺ-، فهو أدرك زمن النبي -ﷺ- ولكن لا يعرف له سماع صحيح، ولا يعرف حامل الكتاب من هو (^٢).
وأجيب عنه: بأن عبد الله بن عكيم سمع كتاب النبي -ﷺ- إلى جهينة، وكتاب النبي -ﷺ- كلفظه، ولذلك كتب إلى ملوك الأطراف وإلى غيرهم، فلزمتهم الحجة وحصل له البلاغ، ولو لم يكن كذلك لكان لهم عذرًا في ترك الإجابة؛ لجهلهم بحامل الكتاب وعدالته (^٣).
وعلى تقدير أن عبد الله بن عكيم لم يسمع الكتاب بنفسه فلا يضر ذلك؛ لأنه قد حدثه بذلك أشياخ جهينة من الصحابة فلا يضر الجهل بأسمائهم (^٤).
_________________
(١) الحديث المرسل هو: أن يقول التابعي: قال رسول الله -ﷺ- كذا أو فعل كذا. علوم الحديث لابن الصلاح ٧١؛ تقريب النواوي وشرحه تدريب الراوي ١/ ١٩٥. وقيل: الحديث المرسل هو: ماسقط من آخر إسناده من بعد التابعي. انظر: تيسير مصطلع الحديث ص ٧٠.
(٢) أما أنه لا يعرف له سماع صحيح فهو ما قال البخاري في التاريخ الكبير ٥/ ٣٩، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ٥/ ١٢١. وأما القول بأنه مرسل فهو قول الخطابي والبيهقي والنووي وبعض الآخرين. انظر: معرفة السنن والآثار للبيهقي ١/ ٢٤٨؛ المغني ١/ ٩١؛ المجموع ١/ ٢٧٢؛ نصب الراية ١/ ١٢١؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٧، ٤٨؛ نيل الأوطار ١/ ٦٤، ٦٥.
(٣) انظر: المغني ١/ ٩١.
(٤) انظر: إرواء الغليل ١/ ٧٨.
[ ١ / ٢٣٦ ]
٢ - إنه مضطرب سندًا ومتنًا:
أما الاضطراب في السند: فهو أنه تارة قال: عن كتاب النبي -ﷺ-، وتارة عن مشيخة من جهينة، وتارة عمن قرأ الكتاب (^١).
ولذلك روي عن الإمام أحمد - ﵀ - أنه ترك هذا الحديث أو توقف فيه، لما رأى تزلزل الرواة فيه واضطرابهم في إسناده، وقد أعله بذلك غير واحد من أهل العلم (^٢).
وأجيب عنه: بأن عبد الله بن عكيم سمع الكتاب يقرأ، وكذلك سمعه من مشائخ جهينة يقولون ذلك، فأدى مرة ما شاهد وأخرى ما سمع، من غير أن يكون في الخبر انقطاع أو اضطراب (^٣).
وأما الاضطراب في المتن: فهو أنه رواه الأكثر من غير قيد، ومنهم من رواه بقيد (شهر) أو (شهرين) أو (أربعين يوما) أو (ثلاثة أيام) (^٤).
وأجيب عنه: بأن من شرط الاضطراب تقابل الروايات المضطربة قوة وكثرة، وهذا غير موجود هنا، على أن الاضطراب ليس واقعًا في كل
_________________
(١) انظر: المجموع ١/ ٢٧٢؛ نصب الراية ١/ ١٢١؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٨.
(٢) انظر: سنن الترمذي ص ٤٠٣؛ الاعتبار ١/ ٢٦٤؛ نصب الراية ١/ ١٢١؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٧.
(٣) انظر: صحيح ابن حبان ٤/ ٩٦؛ فتح الباري ٩/ ٥٧٦.
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٣؛ المجموع ١/ ٢٧٢؛ نصب الراية ١/ ١٢١؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٨.
[ ١ / ٢٣٧ ]
الطرق، بل طريق حديث ابن عكيم عن أشياخ جهينة أن النبي -ﷺ- كتب إليهم: «أن لا تنتفعوا من الميتة بشيء» لا اضطراب فيها، مع صحة إسنادها (^١).
ب-وتكلم في حديث ابن عمر -﵁- بأن في سنده راو مجهول (^٢).
ج-وتكلم في حديث جابر -﵁-: بأن تلك الرواية مختصرة، وقد جاءت مفصلة يوضح المراد من قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء) وأن المراد منه النهي عن الانتفاع بشحومها (^٣).
والدليل على ذلك: عن جابر -﵁- يقول: بينما أنا عند رسول الله -ﷺ- إذ جاءه ناس من أهل البحر فقالوا: يا رسول الله إن لنا سفينة نعمل فيها في البحر، وقد رثت واحتاجت إلى الدهن، وقد وجدنا ناقة كثيرة الشحم ميتة فأردنا أن نأخذ من شحمها فندهن به سفينتنا وهي عود بحري في البحر، فقال رسول الله -ﷺ-: «لا تنتفعوا من الميتة بشيء». أو قال: «لا ينتفع من الميتة بشيء» (^٤).
ثانيًا: ويعترض على الاستدلال منها على النسخ: بأن العمدة فيما
_________________
(١) انظر: إرواء الغليل ١/ ٧٨، ٧٩؛ سلسلة الأحاديث الصحيحة ٧/ ٣٦٨.
(٢) راجع تخريجه في ص ١٥٦.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩.
(٤) أخرجه ابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩.
[ ١ / ٢٣٨ ]
ذكر من وجه الاستدلال شيئان:
الأول: تقيد بعض الروايات بأن هذا النهي كان قبل موت رسول الله -ﷺ- بشهر أو شهرين، مما يدل على أنه كان آخر الأمرين.
الثاني: أن بعض الروايات ورد فيها لفظ: (رخصت لكم) مما يدل على أن النهي متأخر عن الرخصة فتكون منسوخة به.
فيعترض على الأول: بأنه يجوز أن تكون أحاديث الإباحة قبل موته -ﷺ- بجمعة أو يومين، أويوم؛ لأنها مطلقة فيجوز أن يكون بعضها قبل وفاته -ﷺ- بجمعة أو دون جمعة (^١).
ويعترض على الثاني: بأن لفظة: (كنت رخصت لكم) ليست في أكثر الروايات، ثم هذه الرواية مختلف في صحتها، ثم يحتمل أن يكون رخص في ذلك ثم نهى ثم رخص (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ على أربعة أقوال:
القول الأول: أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ، وأنها تطهر بذلك، وأن الأحاديث الواردة في ذلك محكمة غير منسوخة.
_________________
(١) انظر: التمهيد ١٠/ ٣٧٥؛ المجموع ١/ ٢٧٣؛ إعلام العالم بعد رسوخه ص ٨١.
(٢) انظر: إعلام العالم بعد رسوخه ص ٨١؛ إرواء الغليل ١/ ٧٩.
[ ١ / ٢٣٩ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، وقول للإمام مالك، اختاره ابن وهب (^٢) من أصحابه، وقول مرجوح في مذهب المالكية (^٣).
وهو كذلك مذهب الشافعية (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد، وهو قوله الأخير كما ذكره غير واحد من أهل العلم (^٥)، واختاره جماعة عن الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^٦).
وهو كذلك قول ابن مسعود، وروي ذلك عن عمر، وعائشة،
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٣؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٦٠؛ مختصر القدوري ص ١٣؛ بدائع الصنائع ١/ ٢٤٣؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٩٢؛ المختار وشرحه الاختيار ١/ ١٦؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٣١٧.
(٢) هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ، روى عن مالك والليث، وغيرهما، وروى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، وعلي بن المديني، وغيرهما، وتوفي سنة سبع وتسعين ومائة. انظر: الكاشف للذهبي ١/ ٩٩؛ التهذيب ٦/ ٦٦؛ التقريب ١/ ٥٤٥.
(٣) انظر: المعونة ١/ ٤٦٤؛ الاستذكار ٤/ ٣٠٣ و٣٠٤؛ بداية المجتهد ١/ ١٥٥؛ عقد الجواهر ١/ ٢٦.
(٤) انظر: الأم ١/ ٥٧؛ مختصر المزني ص ٧؛ البيان للعمراني ١/ ٧٣؛ الوجيز للغزالي وشرحه العزيز ١/ ٨١؛ المجموع ١/ ٢٧٠؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ٨٢.
(٥) انظر: سنن الترمذي ص ٤٠٣؛ الاعتبار ص ١٧٨؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩١؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٧.
(٦) انظر: المغني ١/ ٨٩؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩١؛ الفتاوى الكبرى ١/ ٤٩؛ الفروع ١/ ١١٠؛ الإنصاف ١/ ١٦٢.
[ ١ / ٢٤٠ ]
وابن عمر﵃- (^١).
وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والشعبي (^٢)، وسالم بن عبد الله (^٣)، وإبراهيم النخعي (^٤)، وقتادة، والضحاك (^٥)، وسعيد بن جبير (^٦)، ويحيى بن سعيد الأنصاري (^٧)،
_________________
(١) انظر: تهذيب الآثار ٢/ ٢٨٥؛ التمهيد ١٠/ ٣٨٠؛ المحلى ١/ ١٣٠؛ الاعتبار ص ١٧٤.
(٢) هو: عامر بن شراحيل الهمداني الكوفي، الشعبي، أبو عمرو، ثقة فقيه، روى عن: عمران بن الحصين، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهما، وروى عنه: أبو حنيفة، والأعمش، وغيرهما، وولي قضاء الكوفة وأدرك خمسمائة من الصحابة، وتوفي سنة أربع ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٢٩٤؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٧٩؛ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٦٠.
(٣) هو: سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، العدوى العمري، المدني، الفقيه، الحجة، أحد من جمع بين العلم والعمل، روى عن أبيه، وأبي هريرة، وغيرهما، وروى عنه: عمرو بن دينار، والزهري، وغيرهما، وتوفي سنة ست ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٨٨؛ البداية والنهاية ٩/ ٢٠٩.
(٤) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي أبو عمران الكوفي، الفقيه، ثقة إلا أنه يرسل كثيرًا، روى عن مسروق، وعلقمة، وغيرهما، وروى عنه: الأعمش، ومنصور، وغيرهما، وتوفي سنة ست وتسعين. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٧٤؛ تهذيب التهذيب ١/ ١٦٠.
(٥) هو: الضحاك بن مخلد بن الضحاك الشيباني، أبو عاصم النبيل البصري، ثقة، فقيه، روى عن الأوزاعي، والثوري، وغيرهما، وروى عنه أحمد، وإسحاق، وغيرهما، وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين، وقيل بعدها. انظر: التهذيب ٤/ ٤١٥؛ التقريب ١/ ٤٤٤.
(٦) هو: سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولاهم، الكوفي، الحافظ الإمام، أبو محمد، ثقة فقيه، روى عن: ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما، وروى عنه: الأعمش، ومنصور بن المعتمر، وغيرهما، وقتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين. انظر: سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٢١؛ تهذيب التهذيب ٤/ ١٠؛ التقريب ١/ ٣٤٨.
(٧) هو: يحيى بن سعيد بن قيس، الأنصاري، أبو سعيد المدني، القاضي، حدث عن: أنس بن مالك، وعبد الله بن عامر، وغيرهما. وروى عنه: شعبة، ومالك، وغيرهما، وكان فقيهًا حافظًا ثبتًا، وتوفي سنة ثلاث وأربعين ومائة- وقيل غير ذلك-. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٣٧؛ تهذيب التهذيب ١١/ ١٩٣.
[ ١ / ٢٤١ ]
والأوزاعي، والثوري، وابن المبارك (^١)، وإسحاق بن راهويه، والحسن بن حي (^٢)، وعبيد الله بن الحسن العنبري (^٣)، وداود الظاهري، وابن جرير الطبري، وابن حزم (^٤).
قال ابن عبد البر: (والذي عليه أكثر أهل العلم من التابعين ومن بعدهم من أئمة الفتوى أن جلد الميتة دباغه طهور كامل له، تجوز
_________________
(١) هو: عبد الله بن المبارك بن واضح، أبو عبد الرحمن، الحنظلي مولاهم، المروزي الحافظ، العلامة الفقيه الزاهد. روى عن: الأعمش، وحمييد الطويل، وغيرهما، وروى عنه: عبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، وغيرهما، وتوفي سنة ثمانين ومائة. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٧٤؛ البداية والنهاية ١٠/ ١٦٠.
(٢) هو: الحسن بن صالح بن حي، الفقيه، ثقة عابد، رومي بالتشيع، وروى عن: أبي إسحاق، وعمرو بن دينار، وغيرهما، وروى عنه: ابن المبارك، ووكيع، وغيرهما، وتوفي سنة تسع وتسعين ومائة -وقيل غير ذلك-. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ١٩؛ تهذيب التهذيب ٢/ ١٦١.
(٣) هو: عبيد الله بن الحسن بن الحصين العنبري، البصري القاضي، روى عن: خالد الحذاء، وداود ابن أبي هند، وغيرهما، وروى عنه: ابن مهدي، ومعاذ بن معاذ العنبري، وغيرهما، وكان فقيهًا صدوقًا، لكن تُكلم في معتقده ببدعة، وتوفي سنة ثمان وستين ومائة. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٤٠٢؛ تهذيب التهذيب ٧/ ٧.
(٤) انظر: تهذيب الآثار للطبري ٢/ ٢٨١، و٢٨٥ - ٢٨٧؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٦٠؛ التمهيد ١٠/ ٣٧٨؛ الاستذكار ٤/ ٣٠٣؛ المحلى ١/ ١٢٨ - ١٣١؛ الاعتبار ص ١٧٤.
[ ١ / ٢٤٢ ]
بذلك الصلاة عليه، والوضوء، والاستقاء، والبيع، وسائر وجوه الانتفاع، وهو قول سفيان الثوري وأبي حنيفة والكوفيين، وقول الأوزاعي في جماعة أهل الشام، وقول الشافعي وأصحابه، وابن المبارك وإسحاق، وهو قول عبيد الله بن الحسن والبصريين، وقول داود والطبري، وقول جمهور أهل المدينة، إلا أن مالكًا كان يرخص في الانتفاع فيها بعد الدباغ، ولا يرى الصلاة فيها، ويكره بيعها وشراءها، وعلى ذلك أصحابه إلا ابن وهب فإنه يذهب إلى أن دباغ الإهاب طهور كامل له في الصلاة والوضوء والبيع وكل شيء) (^١).
القول الثاني: أن جلود الميتة نجسة ولا يعمل الدباغ في تطهيرها، لكن تستعمل في اليابسات لا المائعات عدا الماء، وأنه يكره الصلاة عليه وبيعه.
وهو قول الإمام مالك المشهور والمذهب عند المالكية (^٢).
القول الثالث: لا يطهر جلد الميتة بالدباغ، إلا أنه يجوز استعماله في اليابسات بعد الدباغ، وكذلك بيعه.
وهذا هو القول المشهور عن الإمام أحمد، وهو مذهب الحنابلة (^٣).
_________________
(١) الاستذكار ٤/ ٣٠٣.
(٢) انظر: المعونة ١/ ٤٦٣؛ الاستذكار ٤/ ٣٠٣؛ الكافي ص ١٩؛ بداية المجتهد ١/ ١٥٦؛ عقد الجواهر ١/ ٢٦؛ مختصر خليل وشرحه مواهب الجليل ١/ ١٤٣؛ التاج والإكليل ١/ ١٤٣.
(٣) انظر: إعلام العالم بعد رسوخه لابن الجوزي ص ٨١؛ المغني ١/ ٨٩ - ٩٢؛ الشرح الكبير ١/ ١٦١ - ١٦٤؛ الممتع ١/ ١٤٤؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩١؛ شرح الزركشي ١/ ٥٦؛ الإنصاف ١/ ١٦١ - ١٦٤.
[ ١ / ٢٤٣ ]
وروي القول بنجاسة جلود الميتة- وإن دبغت- عن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر، وعمران بن حصين (^١)، وعائشة -﵃- (^٢).
القول الرابع: أنه يجوز الانتفاع بجلد الميتة وإن لم يدبغ.
وهو قول الزهري، وروي عن الليث مثله (^٣).
الأدلة:
ويستدل للقول الأول -وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ- بما يلي:
أولًا: عن ابن عباس -﵁- قال: تُصدق على مولاة لميمونة (^٤) -رضي
_________________
(١) هو: عمران بن حصين بن عبيد بن خلف الخزاعي، أبو نجيد، أسلم عام خيبر، وغزى عدة غزوات، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابن سيرين، وأبو رجاء العطاردي، وغيرهما، وبعثه عمر بن الخطاب إلى البصرة ليفقه أهلها، وتوفي سنة اثنتين وخمسين-وقيل: ثلاث وخمسين-. انظر: الإصابة ٢/ ١٣٧٠؛ تهذيب التهذيب ٨/ ١٠٦.
(٢) انظر: المغني ١/ ٨٩؛ الشرح الكبير ١/ ١٦١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٤١؛ نيل الأوطار ١/ ٦١.
(٣) انظر: التمهيد ١٠/ ٣٧٠؛ الاستذكار ٤/ ٣٠١؛ فتح الباري ٩/ ٥٧٥؛ نيل الأوطار ١/ ٦٣.
(٤) هي: ميمونة بنت الحارث بن حزن، العامرية الهلالية، زوج النبي -ﷺ-، تزوجها سنة سبع، وكان اسمها برة فسماها النبي -ﷺ- ميمونة، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها ابن عباس، وعبد الرحمن بن سائب، وغيرهما، وتوفيت سنة إحدى وخمسين -وقيل غير ذلك-. انظر: الإصابة ٤/ ٢٦٣٩؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٤٠٢.
[ ١ / ٢٤٤ ]
الله عنها- بشاة فماتت فمر بها رسول الله -ﷺ- فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟» فقالوا: إنها ميتة، فقال: «إنما حرم أكلها» (^١).
ثانيًا: عن ابن عباس -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر» (^٢).
ثالثًا: عن سودة (^٣) زوج النبي -ﷺ- قالت: «ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها (^٤)، ثم ما زلنا ننبذ فيه حتى صارت شنًّا (^٥) (^٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٩٨، كتاب الزكاة، باب الصدقة على موالي أزواج النبي -ﷺ-، ح (١٤٩٢)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له- ٣/ ١٦٣، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، ح (٣٦٣) (١٠٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٦٥، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، ح (٣٦٦) (١٠٥).
(٣) هي: سودة بنت زمعة بن قيس العامرية، القرشية، أم المؤمنين، تزوجها النبي -ﷺ- بعد خديجة بمكة، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها ابن عباس، ويحيى بن عبد الله، وغيرهما، وتوفيت سنة خمس وخمسين. انظر: التهذيب ١٢/ ٦٤٥؛ التقريب ٢/ ٣٧٧.
(٤) المسك هو الجلد، والجمع مسوك. انظر: المصباح المنير ص ٥٧٣.
(٥) الشن والشنة: القربة الخلق، والجلد البالي، والجمع شنان. انظر: مختار الصحاح ص ٣٠٦؛ المصباح المنير ص ٣٢٤.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٠٥، كتاب الأيمان، باب إذا حلف أن لا يشرب نبيذا فشرب طلاء، ح (٦٦٨٦).
[ ١ / ٢٤٥ ]
رابعًا: عن ابن عباس -﵁- قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله ماتت فلانة-تعني الشاة- قال: «فلولا أخذتم مسكها؟» فقالت: نأخذ مسك شاة قد ماتت؟! فقال لها رسول الله -ﷺ-: «إنما قال الله ﷿: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. فإنكم أن تدبغوه فتنتفعوا به» فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها) (^١).
خامسًا: عن عائشة﵂زوج النبي -ﷺ- أن رسول الله -ﷺ- «أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ١٥٦، وأبو يعلى الموصلي في مسنده ٤/ ٢٢٢، وابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٦٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧١، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٩٨، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٥٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٨. وصحح إسناده ابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٦٨، والنووي في المجموع ١/ ٢٧١.
(٢) أخرجه أبو داود في سننة ص ٦١٥، كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، ح (٤١٢٤)، والنسائي في سننه ص ٦٥٥، كتاب الفرع والعتيرة، باب الرخصة في الاستمتاع بجلود الميتة إذا دبغت، ح (٤٢٥٤)، وابن ماجة في سننه ص ٦٠٢، كتاب اللباس، باب لبس جلود الميتة إذا دبغت، ح (٣٦١٢، ومالك في الموطأ ص ٣٩٧، وأحمد في المسند ٤٠/ ٥٠٤، والدارمي في سننه ٢/ ١١٨. قال النووي في المجموع ١/ ٢٧١: (حديث حسن رواه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي وآخرون بأسانيد حسنة). وفي سنده أم محمد بن عبد الرحمن، قال المنذري في مختصر سنن أبي داود ٦/ ٦٥: (وأم محمد بن عبد الرحمن لم تنسب ولم تسم). وقال عبد الله بن أحمد: قلت لأبي: ما تقول في هذا الحديث؟ قال: فيه أمه، من أمه؟ كأنه أنكره من أجل أمه. انظر: التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٧٠؛ نصب الراية ١/ ١١٧. وقال ابن حجر في التقريب ٢/ ٦٧٢: (أم محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مقبولة من الثالثة). والحديث ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ٦١٥.
[ ١ / ٢٤٦ ]
سادسًا: عن عائشة﵂- قالت: سُئل النبي -ﷺ- عن جلود الميتة فقال: «دباغها طهورها» (^١).
سابعًا: عن سلمة بن المحبق (^٢) -﵁- أن رسول الله -ﷺ- في غزوة تبوك أتى على بيت فإذا قربة معلقة فسأل الماء فقالوا: إنها ميتة، فقال: «دباغها
_________________
(١) أحرجه النسائي في سننه ص ٦٥٤، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، ح (٤٢٤٤)، والإمام أحمد في المسند ٢٢/ ١١٩، والدار قطني في سننه ١/ ٤٤. وأخرج نحوه ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار ٢/ ٢٧٧، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧، وابن حبان في صحيحه ٤/ ١٠٥، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٥٧. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٦٥٤.
(٢) هو: سلمة بن المحبق، وقيل: سلمة بن ربيعة بن المحبق، أبو سنان الهذلي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه سنان، وقبيصة بن حريث، وغيرهما. انظر: تجريد أسماء الصحابة للذهبي ١/ ٢٣٣، الكاشف ١/ ٣٠٨؛ التهذيب ٤/ ١٤٢؛ التقريب ١/ ٣٧٩.
[ ١ / ٢٤٧ ]
طهورها» (^١).
ثامنًا: عن ابن عباس -﵁- قال: أراد النبي -ﷺ- أن يتوضأ من سقاء فقيل له: إنه ميتة. قال: «دباغه يذهب خبثه، أو رجسه، أو نجسه» (^٢).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦١٥، كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، ح (٤١٢٥)، والنسائي في سننه ص ٦٥٤، كتاب الفرع والعتيرة، باب جلود الميتة، ح (٤٢٤٥)، والإمام أحمد في المسند ٢٥/ ٢٤٩ و٣٣/ ٢٥٤، وابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٧٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧١، والدارقطني في سننه ١/ ٤٥، والحاكم في المستدرك ٤/ ١٥٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٦، وابن حزم في المحلى ١/ ١٢٩. وصححه الحاكم والذهبي وابن حجر والشيخ الألباني. انظر: المستدرك للحاكم مع التلخيص للذهبي ٤/ ١٥٧، التلخيص الحبير ١/ ٤٩؛ صحيح سنن أبي داود ص ٦١٥؛ صحيح سنن النسائي ص ٦٥٤. وفي سنده جون بن قتادة، وقد اختلف في صحبته، قال الإمام أحمد: جون لا يعرف. وقال علي بن المديني: جون معروف ولم يرو عنه غير الحسن إلا أنه معروف. انظر: نصب الراية ١/ ١١٨؛ التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٦٩. وقال النووي في المجموع ١/ ٢٧١: (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح إلا أن جونًا اختلفوا فيه، قال أحمد بن حنبل هو مجهول، وقال ابن المديني هو معروف). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ٤٩: (إسناده صحيح، وقال أحمد: الجون لا أعرفه. وقد عرفه غيره عرفه علي بن المديني، وروى عنه الحسن وقتادة، وصحح ابن سعد وابن حزم وغير واحد أن له صحبة).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٦٥، والطبري في تهذيب الآثار ٢/ ٢٧٤، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٦٠، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ٢٥٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٦. وصححه الحاكم والبيهقي والذهبي. انظر: المستدرك مع التلخيص ١/ ٢٦٥؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٦.
[ ١ / ٢٤٨ ]
تاسعًا: عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أيما إهاب دبغ فقد طهر» (^١).
عاشرًا: عن زيد بن ثابت (^٢) -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «دباغ جلود الميتة طهورها» (^٣).
حادي عشر: عن ميمونة -﵂- قالت: مرّ على رسول الله -ﷺ- رجال من قريش يجرون شاة لهم مثل الحمار فقال لهم رسول الله -ﷺ-: «لو أخذتم إهابها!» قالوا: إنها ميتة! فقال رسول الله -ﷺ-: «يطهرها الماء والقرظ (^٤) (^٥).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٤٨، وقال (إسناد صحيح).
(٢) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو خارجة الأنصاري الخزرجى النجاري، شهد الخندق وما بعدها من المشاهد، وكتب الوحي للنبي -ﷺ-، وحفظ القرآن وأتقنه، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو هريرة، وأبو سعيد، وغيرهما، وتوفي سنة خمس وأربعين، وقيل غير ذلك. انظر: الاستيعاب ١/ ٥٥١؛ تذكرة الحفاظ ١/ ٣٠؛ الإصابة ١/ ٦٤١.
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٤٨.
(٤) القرظ: ورق السلم، أو ثمر السنط يدبغ به، وقال البعض: القرظ حب يخرج في غُلف كالعدس من شجر العضاه، يدبغ به الأديم. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/ ٤٣؛ المصباح المنير ص ٤٩٩؛ القاموس المحيط ص ٦٢٨.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦١٥، كتاب اللباس، باب في أهب الميتة، ح (٤١٢٦)، والنسائي في سننه ص ٦٥٥، كتاب الفرع والعتيرة، باب ما يدبغ به جلود الميتة، ح (٤٢٤٨)، والإمام أحمد في المسند ٤٤/ ٤١٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧١. وأخرجه الدار قطني في سننه ١/ ٤١؛ والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١، عن ابن عباس بلفظ «أو ليس في الماء والقرظ ما يطهرها». قال الشيخ الألباني: (وإسناد الدارقطني والبيهقي على شرط الشيخين فالحديث صحيح على هذا الشاهد). انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة ٥/ ١٩٤، ح (٢١٦٣) وصحيح سنن النسائي ص ٦٥٤.
[ ١ / ٢٤٩ ]
ثاني عشر: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كنا نصيب مع النبي -ﷺ- في مغانمنا من المشركين الأسقية والأوعية فنقسمها وكلها ميتة» (^١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأدلة جاءت متواترة في طهور جلد الميتة بالدباغ، وأنه يجوز الانتفاع بها بعد ذلك، وهي ظاهرة المعنى، كما أن بعضها يدل على أن رخصة الانتفاع بها كانت بعد تحريم الميتة، وأنه حكم مخصوص من جملة تحريم الميتة (^٢).
وقد قال بعض من قال بهذا القول في الجواب عن الاعتراض على هذه الأدلة بحديث عبد الله بن عكيم وأنه متأخر: بأنه ليس مخالفًا لهذه الأدلة، وأنه يمكن الجمع بينه وبين هذه الأدلة؛ وذلك بحمل حديث عبد
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢٢/ ٣٨٣، وابن جرير في تهذيب الآثار ٢/ ٢٧٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٧٣، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٢٣: (رواه أحمد ورجاله موثقون).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٧١؛ التمهيد ١٠// ٣٧١؛ المجموع ١/ ٢٧١؛ فتح الباري ٩/ ٥٧٥.
[ ١ / ٢٥٠ ]
الله بن عكيم على ما قبل الدباغ، وحمل هذه الأدلة على ما بعد الدباغ؛ وذلك لأنه قد قال غير واحد من أهل اللغة: أن الإهاب هو الجلد قبل دباغه، ولا يسمى إهابًا بعده (^١).
وعلى تقدير أن الإهاب يطلق على الجلد قبل الدباغ وبعده- كما قاله بعض أهل اللغة- (^٢) فكذلك لا معارضة بينه وبين أدلة جواز الانتفاع بها؛ وذلك لأن حديث عبد الله بن عكيم عام (^٣) يشمل الجلد قبل الدباغ وبعده، وأدلة جواز الانتفاع به خاصة (^٤) بما بعد الدباغ، فتكون
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٩؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٥٨؛ المحلى ١/ ١٣٠؛ المجموع ١/ ٢٧٢؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٨؛ فتح الباري ٩/ ٥٧٦؛ إرواء الغليل ١/ ٧٩.
(٢) انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٨٣؛ المصباح المنير ص ٢٨؛ القاموس المحيط ص ٥٧؛ تاج العروس ٢/ ٤٠.
(٣) العام من العموم، وهو لغة الشمول، وخلاف الخصوص. انظر: مختار الصحاح ص ٤٠؛ المصباح المنير ص ٤٣٠. والعام اصطلاحًا: هو اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد. إرشاد الفحول للشوكاني ١/ ٢٨٥. وانظر: قواطع الأدلة للسمعاني ١/ ١٥٤؛ روضة الناظر ٢/ ٧٦؛ مفتاح الوصول للتلمساني ص ٥٩؛ مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص ٢٠١.
(٤) الخاص من الخصوص، وهو لغة ضد العموم. انظر: مختار الصحاح ص ١٥٥؛ المصباح المنير ص ١٧١. والخاص اصطلاحًا: تمييز بعض الجملة بالحكم. قواطع الأدلة ١/ ١٧٤، وانظر: مفتاح الوصول ص ٥٩. وقيل: هو إخراج بعض ما كان داخلًا تحت العموم على تقدير عدم المخصص. إرشاد الفحول ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ٢٥١ ]
هذه الأدلة مخصصة لعمومه، والخاص مقدم على العام (^١).
وأما ما ورد في بعض طرق حديث عبد الله بن عكيم (إني كنت رخصت لكم في جلود الميتة فلا تنتفعوا من الميتة بجلد ولا عصب) (^٢).
فهو بهذا اللفظ مخالف للطرق السابقة ذكرها، وهي أقوى وأصح وأكثر. ولعله بهذا اللفظ من تعبير بعض الرواة.
ثم هو بهذا اللفظ ضعيف فلا تقوم به الحجة (^٣).
دليل القول الثاني، والقول الثالث
ويستدل للقول الثاني والثالث - وهو أنه لا يطهر جلد الميتة بالدباغ- بما يلي:
أولًا: الأحاديث السابقة في أدلة القول بالنسخ.
_________________
(١) انظر: المجموع ١/ ٢٧٢؛ نيل الأوطار ١/ ٦١. وانظر مسألة بناء العام على الخاص والخلاف فيها في: قواطع الأدلة للسمعاني ١/ ١٩٨؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٩٩؛ أصول الفقه الإسلامي لوهبة الزحيلي ١/ ٢٥٣.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٥٦.
(٣) لأنه تفرد به فضالة بن المفضل بن فضالة، قال عنه أبو حاتم: لم يكن أهلا أن يروى عنه. وقال العقيلي: في حديثه نظر. وقيل: كان يشرب المسكر ويلعب بالشطرنج في المسجد. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٤٩، المغني في الضعفاء ١/ ١٨٩؛ نصب الراية ١/ ١٢١؛ إرواء الغليل ١/ ٧٩.
[ ١ / ٢٥٢ ]
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (^١).
وجه الاستدلال منه: أن الله ﷿ حرم الميتة تحريمًا عامًا لم يخص منها شيئًا بعد شيء، فكان ذلك واقعًا على الجلد واللحم جميعًا؛ لأن الجلد جزء منها، فلم يطهر بالدباغ كاللحم (^٢).
واعترض عليه: بأنه قد ثبت بالسنة الصحيحة تخصيص الجلد بشرط الدباغ من جملة تحريم الميتة، والسنة هي المبينة عن الله مراده من مجملات خطابه، وإذا كان كذلك فلا يصح الاستدلال من عموم الآية على تحريم الانتفاع من جلود الميتة بعد الدبغ (^٣).
ثالثًا: قوله تعالى لموسى ﵇: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (^٤).
فإنه قد روي أن نعلي موسى ﵇ كانتا من جلد حمار ميت (^٥).
واعترض عليه: بأن نعليه لم تكن من جلد مدبوغ (^٦).
_________________
(١) سورة المائدة، الآية (٣).
(٢) انظر: المغني ١/ ٩١.
(٣) انظر: التمهيد ١٠/ ٣٧٣؛ المجموع ١/ ٢٧١.
(٤) سورة طه، الآية (١٢).
(٥) انظر: التمهيد ١٠/ ٣٧٥.
(٦) انظر: التمهيد ١٠/ ٣٧٦؛ أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١٢٥٧؛ فتح القدير للشوكاني ٣/ ٤٤٥.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وعلى تقدير كونهما من جلد مدبوغ فهي شرع من قبلنا، وقد جاء شرعنا بخلاف ذلك (^١).
رابعًا: عن عائشة -﵂- أن رسول الله -ﷺ- «أمر أن يُستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» (^٢).
خامسًا: ولأن الجلد جزء من الميتة فلم يطهر بالدباغ كاللحم (^٣).
واعترض عليه بما يلي:
١ - أنه قياس في مقابلة النص فلا يلتفت إليه (^٤).
٢ - أن الدباغ في اللحم لا يتأتى، وليس فيه مصلحة له بل يمحقه، بخلاف الجلد، فإنه ينظفه ويطيبه ويصلبه (^٥).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال منها: هو أن بعض هذه الأدلة تدل على تحريم الميتة ونجاستها بالموت، وجلدها جزء منها فلم يطهر بالدباغ كاللحم،
_________________
(١) راجع أدلة القول الأول.
(٢) سبق تخريجه في أدلة القول الأول، وقد ذكره ابن عبد البر حجة لمالك فيما ذهب إليه. انظر: الاستذكار ٤/ ٣٠٤. وانظر: المعونة للقاضي عبد الوهاب ١/ ٤٦٥.
(٣) انظر: المغني ١/ ٩١.
(٤) انظر: المجموع ١/ ٢٧٣.
(٥) انظر: المجموع ١/ ٢٧٣.
[ ١ / ٢٥٤ ]
كما أن بعضها تدل على ضرب من الإباحة، وليس المراد منها الطهارة كما سبق، فلم يبق إلا نوع من الانتفاع، وخص ذلك في اليابس؛ لأنه لا يصل إليه بشيء من النجاسة، بخلاف الرطب (^١).
ويعترض عليه بما يلي:
أولًا: أن الآية المستدل بها عامة، لكن الأحاديث الصحيحة جاءت عن النبي -ﷺ-، وبينت المراد من التحريم المذكور في الآية الكريمة، حيث قال: (إنما حرم أكلها) (^٢).
كما جاءت أحاديث كثيرة تدل على طهارة جلد الميتة بعد الدباغ (^٣).
وبهذه الأحاديث يكون الجلد بشرط الدباغ مخصوصًا من جملة تحريم الميتة (^٤).
ثانيًا: أن حديث «لا تنتفعوا من الميتة بشيء» وحديث «أمر أن يستمتع بجلود الميتة إذا دبغت» كل منهما عام، فالأول يدل على عدم جواز الانتفاع من الميتة بشيء، والثاني يدل على جواز الانتفاع بجلودها
_________________
(١) انظر: المعونة ١٤٦٤؛ الاستذكار ٤/ ٣٠٤؛ المغني ١/ ٩٢؛ الشرح الكبير ١/ ١٦٤.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٦٣.
(٣) انظر أدلة أصحاب القول الثاني في هذه المسألة.
(٤) انظر: التمهيد ١٠/ ٨/ ٣٧٤، المجموع ١/ ٢٧١.
[ ١ / ٢٥٥ ]
إذا دبغت من غير تخصيص بشيء دون شيء، فإما أن يقال بعموم الأول، وإما بعموم الثاني، والقول بجواز الانتفاع بها في شيء دون شيء لا يدل عليه أي منهما، بل هما يخالفانه، وإذًا فهو دعوى لا يطابقه الدليل، وتفصيل لا دليل عليه (^١).
دليل القول الرابع:
ويستدل للقول الرابع -وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة وإن لم تدبغ- بما يلي:
أولًا: عن ابن عباس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- مر بشاة ميتة فقال: «هلا استمتعتم بإهابها؟) قالوا: إنها ميتة. قال: (إنما حرم أكلها» (^٢).
ثانيًا: عن ابن عباس -﵁- يقول: مرّ النبي -ﷺ- بعنزة ميتة فقال: «ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (^٣).
ثالثًا: عن ابن عباس -﵁- أن ميمونة﵂- أخبرته أن داجنة كانت لبعض نساء رسول الله -ﷺ- فماتت، فقال رسول الله -ﷺ-: «ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به» (^٤).
_________________
(١) انظر: الاستذكار ٤/ ٣٠٤؛ نيل الأوطار ١/ ٦٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٩٥، كتاب الذبائح والصيد، باب جلود الميتة، ح (٥٥٣١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٩٥، كتاب الذبائح والصيد، باب جلود الميتة، ح (٥٥٣٢).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٦٤، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، ح (٣٦٤) (١٠٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
وفي رواية عنه -﵁- أن النبي -ﷺ- مرّ بشاة لمولاة لميمونة فقال: «ألا انتفعتم بإهابها» (^١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأحاديث تدل على جواز الانتفاع بجلود الميتة مطلقًا، دبغت أم لا؛ وذلك لأنه ليس فيها ذكر الدباغ، فهي مطلقة، فيجوز الانتفاع بها ولو لم تدبغ (^٢).
واعترض عليه: بأنه قد صح التقييد بالدباغ من طرق أخرى، وليس في تقصير من قصر عن ذكر الدباغ في هذه الأحاديث حجة على من ذكره، لأن من أثبت شيئًا هو حجة على من سكت عنه، كما أن من حفظ شيئًا حجة على من لم يحفظه (^٣).
وقد روي عن النبي -ﷺ- أحاديث كثيرة في الانتفاع بجلود الميتة بشرط الدباغ (^٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٦٤، كتاب الحيض، باب طهارة جلود الميتة بالدباغ، ح (٣٦٥) (١٠٤).
(٢) انظر: الاستذكار ٤/ ٣٠١؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٩٤؛ فتح الباري ٩/ ٥٧٥؛ نيل الأوطار ١/ ٦٣.
(٣) انظر: الاستذكار ٤/ ٣٠٢؛ فتح الباري ٩/ ٥٧٥؛ نيل الأوطار ١/ ٦٣.
(٤) راجع أدلة القول الأول في هذه المسألة.
[ ١ / ٢٥٧ ]
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أن الراجح في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أنه يجوز الانتفاع بجلود الميتة بعد الدباغ وأنها تطهر بذلك. وأن الآثار الواردة في ذلك ثابتة صحيحة في الجملة محكمة غير منسوخة، وأنه يمكن الجمع بين هذه الأحاديث وحديث عبد الله بن عكيم بالطرق الأتية:
الطريقة الأولى: أن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ فيحمل النهي على ذلك، أي لا ينتفع به ما دام إهابًا، ويحمل الأحاديث التي تدل على جواز الانتفاع به على ما بعد الدباغ، فيستعمل الإهاب بعد الدباغ ويحظر قبل ذلك.
وهذا مبني على القول بالفرق بين الإهاب والجلد، أي أن الإهاب هو الجلد قبل الدباغ، أما إذا دبغ فلا يسمى إهابًا، وإنما يسمى جلدًا، أوقربة، أو شنًا، وغير ذلك.
والقول بالفرق بينهما هو قول أكثر أهل اللغة (^١).
وبهذه الطريقة جمع بين هذه الأخبار غير واحد من أهل العلم. (^٢)
قال ابن حزم بعد ذكر حديث عبد الله بن عكيم: (هذا خبر
_________________
(١) انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ١/ ٨٣، المغرب للمطرزي ١/ ٥٠؛ مختار الصحاح ص ٢٧؛ لسان العرب ١/ ٢٥٢؛ المصباح المنير ص ٢٨؛ القاموس المحيط ص ٥٧؛ تاج العروس للزبيدي ٢/ ٤٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٦٨؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ٢٥٩؛ الاستذكار ٤/ ٣٠٤؛ المحلى ١/ ١٣٠؛ السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٢٣؛ المجموع ١/ ٢٧٢.
[ ١ / ٢٥٨ ]
صحيح ولا يخالف ما قبله، بل هو حق، لا يحل أن ينتفع من الميتة بإهاب إلا حتى يدبغ كما جاء في الأحاديث الأخر، إذ ضم أقواله ﵇ بعضها لبعض فرض ولا يحل ضرب بعضها ببعض، لأنها كلها حق من عند الله ﷿) (^١).
وقال الحازمي: (فالمصير إلى حديث ابن عباس أولى لوجوه من الترجيحات، ويحمل حديث ابن عكيم على منع الانتفاع به قبل الدباغ، وحينئذ يسمى إهابًا وبعد الدباغ يسمى جلدًا ولا يسمىإهابًا، وهذا معروف عند أهل اللغة، فيكون جمعًا بين الحكمين، وهذا هو الطريق في نفي التضاد عن الأخبار) (^٢).
الطريق الثاني: أن حديث عبد الله بن عكيم عام في النهي، والأحاديث الدالة على التطهير بالدباغ مخصصة للنهي بما قبل الدباغ، مصرحة بجواز الانتفاع بعد الدباغ، والخاص يقدم على العام، فيبني العام على الخاص (^٣).
الطريق الثالث: أنه كان يباح أول الأمر الانتفاع بأهب الميتة دبغت أم لا، ثم جاء النهي عن الانتفاع بها قبل الدباغ، وبقي الأمر في المدبوغ على الرخصة السابقة، فالمنسوخ هو الانتفاع بالإهاب قبل الدباغ، أما بعد الدباغ فلا يشمله النهي، ولم يحرم ذلك قط، فلا يكون منسوخًا. وإذن فلا تعارض بين حديث عبد الله بن عكيم والأحاديث الدالة على
_________________
(١) المحلى ١/ ١٣٠.
(٢) الاعتبار ص ١٧٨.
(٣) انظر: المجموع ١/ ٢٧٢؛ نيل الأوطار ١/ ٦١.
[ ١ / ٢٥٩ ]
الانتفاع بجلود الميتة إذا دبغت؛ لأن حديث عبد الله بن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوغ، وإنما فيه النهي عن استعمال ما لم يدبغ، وهذا ما يبينه ويوافقه الأحاديث الدالة على الانتفاع بها بعد الدباغ.
وهذا ما يدل عليه كلام شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-؛ حيث قال: (وتحقيق الجواب أن يقال: حديث ابن عكيم ليس فيه نهي عن استعمال المدبوع. وأما الرخصة المتقدمة فقد قيل: إنها كانت للمدبوغ وغيره، ولهذا ذهب طائفة -منهم الزهري وغيره- إلى جواز استعمال جلود الميتة قبل الدباغ تمسكا بقوله المطلق في حديث ميمونة، وقوله: «إنما حرم من الميتة أكلها» (^١) فإن هذا اللفظ يدل على التحريم، ثم لم يتناول الجلد. وقد رواه الإمام أحمد في المسند عن ابن عباس قال: ماتت شاة لسودة بنت زمعة فقالت: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم ماتت فلانة، تعني الشاة. فقال: «فلو لا أخذتم مسكها؟» فقالت: آخذ مسك شاة قد ماتت؟ فقال لها رسول الله -ﷺ-: «إنما قال ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ وإنكم لا تطعمونه. إن تدبغوه تنتفعوا به» فأرسلت إليها فسلخت مسكها فدبغته فاتخذت منه قربة حتى تخرقت عندها (^٢).
فهذا الحديث يدل على أن التحريم لم يتناول الجلد، وإنما ذكر الدباغ لإبقاء الجلد وحفظه، لا لكونه شرطًا في الحل. وإذا كان كذلك فتكون الرخصة
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ١٦٣.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٦٤.
[ ١ / ٢٦٠ ]
لجهينة في هذا، والنسخ عن هذا، فإن الله تعالى ذكر تحريم الميتة في سورتين مكيتين: الأنعام والنحل. ثم في سورتين مدنيتين: البقرة والمائدة، والمائدة من آخر القرآن نزولًا كما روي: (المائدة آخر القرآن نزولًا، فأحلوا حلالها، وحرموا حرامها) (^١) وقد ذكر الله فيها من التحريم ما لم يذكره في غيرها. وحرم النبي -ﷺ- أشياء مثل: أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير. وإذا كان التحريم زاد بعد ذلك على ما في السورة المكية التي استندت إليها الرخصة المطلقة: فيمكن أن يكون تحريم الانتفاع بالعصب والإهاب قبل الدباغ ثبت بالنصوص المتأخرة، وأما بعد الدباغ فلم يحرم ذلك قط، بل بين أن دباغه طهوره وذكاته، وهذا يبين أن لا يباح بدون الدباغ) (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) روى الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤٠ عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة ٠ ﵂- فقالت لي: يا جبير تقرأ المائدة؟ فقلت: نعم، قالت: أما إنها آخر سورة نزلت فما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم من حرام فحرموه) قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص.
(٢) مجموع الفتاوى ٢١/ ٩٣ - ٩٥.
[ ١ / ٢٦١ ]