ذهب جمهور أهل العلم (^١)، منهم أصحاب المذاهب الأربعة (^٢) إلى أن السنة للمصلى أن يضع يديه على ركبتيه في الركوع، ولا يطبق (^٣) يديه؛ لأن ذلك كان أولًا ثم نسخ ونهي عنه.
وممن صرح بنسخ ذلك: الترمذي (^٤)، والنسائي (^٥)، وابن خزيمة (^٦)، والطحاوي (^٧)، وابن حبان (^٨)،
_________________
(١) انظر: سنن الترمذي ص ٧٤؛ الاعتبار ص ٢٣٣؛ المجموع ٣/ ٢٦٥.
(٢) انظر: (الأصل ١/ ٤؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٣٢؛ بدائع الصنائع ١/ ٤٨٦) (الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٤٣؛ الكافي ص ٤١؛ جامع الأمهات ص ٩٦) (الأم ١/ ٢١٩؛ مختصر المزني ص ٢٥؛ المجموع ٣/ ٢٦١، ٢٦٢) (المغني ٢/ ١٧٥؛ المحرر ١/ ٦١؛ الشرح الكبير ٣/ ٤٧٨؛ شرح الزركشي ١/ ٣٠٦).
(٣) التطبيق هو: أن يجعل بطن كفه على بطن الأخرى ويجعلهما بين ركبتيه وفخذيه. المجموع ٣/ ٢٦٢. وانظر: المغني ٢/ ١٧٥؛ مختار الصحاح ص ٣٤٠؛ فتح الباري ٢/ ٣٣٨.
(٤) انظر: سنن الترمذي ص ٧٤.
(٥) هو: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان، أبو عبد الرحمن النسائي الحافظ، صاحب "السنن"، سمع قتيبة وإسحاق وطبقتهما، وروى عنه أبو عوانة، وأبو جعفر الطحاوي، وغيرهما، وتوفي سنة ثلاث وثلاثمائة. انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٣٤؛ التقريب ١/ ٣٦؛ شذرات الذهب ١/ ٢٣٩. وانظر قوله في سننه ص ١٦٩.
(٦) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٠١.
(٧) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٣٠، وكذلك صرح بالنسخ الكاساني وغيره من الحنفية. انظر: بدائع الصنائع ١/ ٤٨٧؛ فتح القدير ١/ ٢٩٧.
(٨) انظر: صحيح ابن حبان ص ٥٨٥.
[ ٢ / ٨٤١ ]
والدارقطني (^١)، والقاضي عبد الوهاب (^٢)، والبيهقي (^٣)، والحازمي (^٤)،
وابن قدامة (^٥)، والنووي (^٦).
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال أن سبب الاختلاف راجع إلى شيئين: أحدهما القول بالنسخ، والثاني اختلاف الآثار الواردة في المسألة.
أدلة من قال بالنسخ
ويستدل للقول بأن السنة وضع اليدين على الركبتين في الركوع وأن التطبيق في الركوع منسوخ بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن مصعب بن سعد (^٧) يقول: صليت إلى جنب أبي فطبقت
_________________
(١) انظر: سنن الدارقطني ١/ ٣٣٩.
(٢) هو: عبد الوهاب بن علي بن نصر بن أحمد، أبو محمد البغدادي المالكي، أحد أئمة المالكية، سمع من عمر بن سنبك، وجماعة، وتفقه على ابن القصار، وغيره، وانتهت إليه رياسة المذهب، ومن مؤلفاته" الإشراف" وتوفي سنة اثنين وعشرين وأربعمائة. انظر: البداية والنهاية ١٢/ ٣٦؛ شذرات الذهب ٣/ ٢٢٣. وانظر قوله في كتابه الإشراف ١/ ٢٤٣.
(٣) انظر: السنن الكبرى له ٢/ ١١٩.
(٤) انظر: الاعتبار ص ٢٣٣.
(٥) انظر: المغني ٢/ ١٧٥. وكذلك صرح به عبد الرحمن المقدسي. انظر: الشرح الكبير ٣/ ٤٧٨.
(٦) انظر: المجموع ٣/ ٢٦٥؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٦.
(٧) هو: مصعب بن سعد بن أبي وقاص، الزهري، أبو زرارة المدني، ثقة، روى عن أبيه، وعلي، وغيرهما، وكان فاضلًا كثير الحديث، وتوفي سنة ثلاث ومائة. انظر: التهذيب ١٠/ ١٤٦؛ شذرات الذهب ١/ ١٢٥.
[ ٢ / ٨٤٢ ]
بين كفيَّ ثم وضعتهما بين فخذيَّ، فنهاني أبي وقال: «كنا نفعله فنهينا عنه وأمرنا أن نضع أيدينا على الركب» (^١).
ثانيًا: عن علقمة عن عبد الله قال: «علمنا رسول الله -ﷺ- الصلاة فقام فكبر، فلما أراد أن يركع طبق يديه بين ركبتيه، وركع» فبلغ ذلك سعدًا فقال: صدق أخي، قد كنا نفعل هذا، ثم أمرنا بهذا-يعني الإمساك بالركب- (^٢).
ثالثًا: عن علقمة والأسود قالا: صلينا مع عبد الله، فلما ركع طبق كفيه، ووضعهما بين ركبتيه، وضرب أيدينا ففعلنا ذلك، ثم لقينا عمر بعد، فصلى بنا في بيته، فلما ركع طبقنا كفينا كما طبق عبد الله، ووضع عمر يديه على ركبتيه، فلما انصرف قال: ما هذا؟ فأخبرناه بفعل
عبد الله، قال: (ذاك شيء كان يُفعل ثم تُرك) (^٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٥٧، كتاب الأذان، باب وضع الأكف على الركب في الركوع، ح (٧٩٠)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٨٨، كتاب المساجد، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع، ح (٥٣٥) (٢٩).
(٢) أخرجه النسائي في سننه ص ١٦٨، كتاب التطبيق، باب التطبيق، ح (١٠٣١)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٠١، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٤٦، والحازمي في الاعتبار ص ٢٣٥. قال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ١٦٨: (صحيح).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه ٢/ ١٥٣.
[ ٢ / ٨٤٣ ]
رابعًا: حديث أبي حميد الساعدي -﵁- في صفة صلاة رسول الله -ﷺ-، وفيه: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة يرفع يديه حتى يحاذيَ بهما منكبيه، ثم يكبر حتى يقِرَّ كل عظم في موضعه معتدلًا، ثم يقرأ، ثم يكبر، فيرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثم يركع ويضع راحته على ركبتيه» (^١).
خامسًا: عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: «إن الركب سُنّت لكم، فخذوا بالركب» (^٢).
فهذه الأدلة تدل على أن السنة هي الإمساك بالركب ووضع اليدين عليها، ثم حديث سعد وعمر﵄- صريحان في أن التطبيق كان أولًا، ثم نسخ ذلك بوضع اليدين على الركبتين والإمساك بهما، وأن الإمساك بهما آخر الأمرين (^٣).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٤٤.
(٢) أخرجه الترمذي في سننه ص ٧٤، كتاب الصلاة، باب ما جاء في وضع اليدين على الركبتين في الركوع، ح (٢٥٨)، والنسائي في سننه ص ١٦٩، كتاب التطبيق، باب الإمساك بالركب في الركوع، ح (١٠٣٤)، ونحوه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٩. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح)، وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ٧٤: (صحيح الإسناد).
(٣) انظر: سنن الترمذي ص ٧٤؛ سنن النسائي ص ١٦٩؛ صحيح ابن خزيمة ١/ ٣٠١؛ الاعتبار ص ٢٣٤؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٦؛ نصب الراية ١/ ٣٧٤؛ فتح الباري ٢/ ٣٣٨.
[ ٢ / ٨٤٤ ]
القول الثاني في المسألة
ذهب عبد الله بن مسعود -﵁- وبعض أصحابه إلى أن التطبيق هو السنة في الركوع (^١).
ويستدل له بما روى علقمة والأسود أنهما دخلا على عبد الله -﵁-، فقال: أصلى من خلفكم؟ قالا: نعم، فقام بينهما وجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، ثم ركعنا فوضعنا أيدينا على ركبنا، فضرب أيدينا، ثم طبق بين يديه، ثم جعلهما بين فخذيه، فلما صلى قال: «هكذا فعل رسول الله -ﷺ-) (^٢).
فهذا يدل على أن التطبيق في الركوع هو السنة (^٣).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن السنة هو الأخذ بالركب؛ وذلك لكثرة الأحاديث الدالة على ذلك مع صحتها.
_________________
(١) انظر: سنن الترمذي ص ٧٤؛ الاعتبار ص ٢٣٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٦؛ المجموع ٣/ ٢٦٥.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٣٣٩، كتاب المساجد، باب الندب إلى وضع الأيدي على الركب في الركوع، ونسخ التطبيق، ح (٥٣٤) (٢٨).
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٢٢٩؛ الاعتبار ص ٢٣٣.
[ ٢ / ٨٤٥ ]
أما التطبيق فهو وإن ثبت عن رسول الله -ﷺ- إلا أن حديث سعد بن أبي وقاص وعمر بن الخطاب -﵄- صريحان في نسخ ذلك، وأن ذلك كان أولًا، ثم جاء الأمر بعد ذلك بوضع اليدين على الركب في الركوع، فلذلك لا يبقى له حكم، ولا يصح الاحتجاج به بعد ذلك.
والله أعلم.
[ ٢ / ٨٤٦ ]