ذهب ابن قدامة إلى أن الحديث الذي يدل على عدم توقيت المسح على الخفين يحتمل أن يكون منسوخًا بالأحاديث الدالة على التوقيت، لتأخرها (^١).
ولا يظهر للقول بالنسخ أي أثر في اختلاف الفقهاء في هذه المسألة، وإنما السبب في اختلافهم فيها هو اختلاف الأحاديث والآثار الواردة في المسألة (^٢).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن شريح بن هانئ قال: أتيت عائشة -﵂- أسألها عن المسح على الخفين فقالت: عليك بعلي بن أبي طالب فسله فإنه كان يسافر مع رسول الله -ﷺ-، فسألناه فقال: «جعل رسول الله -ﷺ- ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم» (^٣).
ثانيًا: عن عوف بن مالك الأشجعي -﵁- أن رسول الله -ﷺ- «أمر بالمسح على الخفين في غزوة تبوك ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوم وليلة للمقيم» (^٤).
ثالثًا: عن أبي بردة -﵁- قال: آخر غزوة غزونا مع رسول الله -ﷺ- «أمرنا أن نمسح على خفافنا للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة ما لم
_________________
(١) انظر: المغني ١/ ٣٦٦.
(٢) انظر: بداية المجتهد ١/ ٤٧.
(٣) سبق تخريجه في ص ٣٥٩.
(٤) سبق تخريجه في ص ٣٥٩.
[ ١ / ٥٤٤ ]
يخلع» (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأحاديث تدل على توقيت المسح على الخفين، ثم حديث عوف بن مالك -﵁- صريح في أن الأمر بالمسح والتوقيت فيه كان في غزوة تبوك.
وحديث أبي بردة -﵁- يدل على ثبوت التوقيت في المسح على الخفين في آخر غزوة غزاها الصحابة مع النبي -ﷺ-.
فيثبت من مجموع الحديثين أنه لو صحت الأحاديث الدالة على عدم توقيت مسح الخفين
فإنها تكون منسوخة بالأحاديث الدالة على التوقيت؛ لأن بعضها مصرحة على تأخرها؛ لذلك قال الإمام أحمد عن حديث عوف بن مالك -﵁-: (هذا من أجود حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، آخر غزاة غزاها النبي -ﷺ-، وهو آخر فعله) (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في توقيت المسح على الخفين على قولين:
القول الأول: إن المسح على الخفين موقت للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة.
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦٤: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه عمر بن رديح، ضعفه أبو حاتم، وقال ابن معين: صالح الحديث).
(٢) انظر: المغني ١/ ٣٦٦؛ التنقيح ١/ ١٨٧.
[ ١ / ٥٤٥ ]
وهو مذهب الحنفية (^١)، والشافعية (^٢)، والحنابلة (^٣).
وبه قال عمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، وأبو مسعود الأنصاري، وعمار بن ياسر، والمغيرة بن شعبة (^٤) -﵃-.
وهو كذلك قول شريح، وعطاء، ابن أبي رباح، وعمر بن عبد العزيز، وسفيان الثوري، وإسحاق، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأبي ثور، وداود الظاهري، وقول لابن عمر -﵁-، والحسن البصري، والشعبي (^٥).
القول الثاني: أنه لا توقيت في المسح على الخفين، فللشخص أن يمسح ما بدا له سواء كان مقيمًا أم مسافرًا.
وهو مذهب المالكية (^٦). وروي نحو ذلك عن عمر، وسعد بن أبي
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٨٩؛ شرح معاني الآثار ١/ ٨٥؛ المبسوط ١/ ١٠٢؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ١٤٧؛ العناية ١/ ١٤٧.
(٢) انظر: الأم ١/ ٩٤؛ مختصر المزني ص ١٨؛ الوجيز مع شرحه العزيز ١/ ٢٨٣، ٢٨٤؛ المجموع ١/ ٢٧١.
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد برواية إسحاق ٢/ ٢٨٢، ٢٨٣؛ المغني ١/ ٣٦٥؛ الشرح الكبير ١/ ٣٩٦؛ المقنع وشرحه الممتع ١/ ١٩٥.
(٤) انظر: الأوسط ١/ ٤٣٤؛ التمهيد ٢/ ٢٤١؛ الاستذكار ١/ ٢٦٣.
(٥) انظر: الأوسط ١/ ٤٣٥، ٤٣٦؛ شرح معاني الآثار ١/ ٨٤؛ التمهيد ٢/ ٢٤١؛ المجموع ١/ ٢٧١؛ المغني ١/ ٣٦٥؛ نيل الأوطار ١/ ١٨٢.
(٦) انظر: التمهيد ٢/ ٢٤٠؛ الاستذكار ١/ ٢٦٢؛ الكافي ص ٢٦؛ بداية المجتهد ١/ ٤٧؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ١/ ٤٦٧.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وقاص، وعقبة بن عامر، وعبد الله بن عمر -﵃- والحسن البصري، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، والليث بن سعد (^١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو توقيت المسح- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث الثلاثة التي سبق ذكرها في دليل القول بالنسخ.
ثانيًا: عن صفوان بن عسال (^٢) -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- يأمرنا إذا كنا سفرًا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم» (^٣).
_________________
(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ١٦٨؛ الأوسط ١/ ٤٣٦، ٤٣٧؛ التمهيد ٢/ ٢٣٩؛ الاستذكار ١/ ٢٦٢؛ المغني ١/ ٣٦٥؛ المجموع ١/ ٢٧١؛ نيل الأوطار ١/ ١٨١.
(٢) هو: صفوان بن عسال المرادي الجملي، غزا مع النبي -ﷺ- اثنتي عشرة غزوة، وروى عنه، وسكن الكوفة، وروى عنه: زر بن حبيش، وحذيفة بن أبي حذيفة، وغيرهما. انظر: الإصابة ٢/ ٩٠٢؛ تهذيب التهذيب ٤/ ٣٩٣.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ص ٣٤، أبواب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، ح (٩٦)، والنسائي في سننه ص ٢٩، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين للمسافر، ح (١٢٧)، وابن ماجة في سننه ص ٩٨، كتاب الطهارة، باب الوضوء من النوم، ح (٤٧٨)، والشافعي في المسند ص ١٨، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٢٠٤، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٢، وأحمد في المسند ٣٠/ ١١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٢، وابن حبان في صحيحه ص ٤٥١، والدارقطني في سننه ١/ ١٣٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١٥. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) ونقل عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: (أحسن شيء في هذا الباب حديث صفوان بن عسال المرادي). وقال النووي في المجموع ١/ ١٦٨: (أما حديث صفوان فصحيح رواه الشافعي في مسنده وفي الأم والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم بأسانيد صحيحة) وحسنه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ٢٩.
[ ١ / ٥٤٧ ]
ثالثًا: عن أبي بكرة (^١) -﵁- عن النبي -ﷺ- (أنه رخص للمسافر إذا توضأ ولبس خفيه ثم
أحدث وضوءًا أن يمسح ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة» (^٢).
_________________
(١) هو: نفيع بن الحارث بن كلدة بن عمرو، أبو بكرة الثقفي، قيل له أبو بكرة لأنه تدلى من حصن الطائف إلى النبي -ﷺ- ببكرة فاشتهر به، وأعتقه النبي -ﷺ- يومئذ، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو عثمان النهدي، وربعي بن خراش، وغيرهما، وتوفي سنة خمسين، وقيل بعدها. انظر: الإصابة ٣/ ٢٠١٤؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٤١٨.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١١٠، كتاب الطهارة، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر، ح (٥٥٦)، والشافعي في مسنده ص ١٧، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٣، وابن الجارود في المنتقىص ٤٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٢، والدارقطني في سننه ١/ ١٩٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١٥. وقال أبو الطيب محمد أبادي في التعليق المغني ١/ ١٩٤: (ورواه أيضًا ابن خزيمة في صحيحه والطبراني في معجمه والبيهقي في سننه، وقال الترمذي في علله الكبير: سألت محمدًا يعني البخاري أي حديث أصح عندك في التوقيت في المسح على الخفين؟ فقال: حديث صفوان بن عسال، وحديث أبي بكرة حديث حسن). وكذلك حسنه النووي في المجموع ١/ ٢٧٢، والشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١١٠.
[ ١ / ٥٤٨ ]
رابعًا: عن خزيمة بن ثابت (^١) -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «المسح على الخفين للمسافر ثلاثة أيام، وللمقيم يوم وليلة» (^٢).
خامسًا: عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ- في المسح على الخفين: «للمقيم يوم وليلة، وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن» (^٣).
والأحاديث في التوقيت كثيرة؛ حيث بلغت حد التواتر، وهي صريحة في توقيت المسح
على الخفين للمسافر ثلاثة أيام ولياليها، وللمقيم يوم وليلة (^٤).
_________________
(١) هو: خزيمة بن ثابت بن الفاكهة بن ثعلبة الأنصاري الخطمي، أبو عمارة المدني، ذو الشهادتين، شهد بدرًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه عمارة، وجابر بن عبد الله، وغيرهما، وقتل بصفين. انظر: الإصابة ١/ ٤٨٥؛ تهذيب التهذيب ٣/ ١٢٦.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٨، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح، ح (١٥٧)، والترمذي في سننه ص ٣٤، أبواب الطهارة، باب المسح على الخفين للمسافر والمقيم، ح (٩٥)، وابن ماجة في سننه ص ١١٠، كتاب الطهارة، باب ما جاء في التوقيت في المسح للمقيم والمسافر، ح (٥٥٤)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٢٠٤، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٦٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨١، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١٦. وصححه يحيى بن معين، والترمذي، والنووي، والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٣٤؛ المجموع ١/ ٢٧٢؛ صحيح سنن أبي داود ص ٢٨.
(٣) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦٣: (رواه القطيعي من زياداته على مسند أحمد، وأبو يعلى والبزار، والطبراني في الكبير والأوسط. ورجال البزار وأبي يعلى ثقات).
(٤) انظر: الأوسط ١/ ٤٣٨؛ شرح معاني الآثار ١/ ٨١، ٨٣؛ التمهيد ٢/ ٢٤١؛ المجموع ١/ ٢٧٢؛ المغني ١/ ٣٦٦.
[ ١ / ٥٤٩ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- هو أن المسح على الخفين غير مؤقت- بما يلي:
أولًا: عن أبي بن عمارة (^١) -﵁- أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: «نعم» قال: يومًا؟ قال: «يومًا» قال: ويومين؟ قال: «ويومين» قال: وثلاثة؟ قال: «نعم وما شئت» (^٢).
وفي رواية أنه قال لرسول الله -ﷺ-: أمسح على الخفين؟ قال: «نعم» قال: يومًا؟ قال: «ويومين» قال: وثلاثًا؟ حتى بلغ سبعًا قال له رسول الله -ﷺ-: «وما بدا لك» (^٣).
_________________
(١) هو: أبي بن عمارة، بكسر العين، وقيل: بضمها، حدث عن النبي -ﷺ-، وروى عنه أيوب بن قطن، وعبادة بن نسي، وسكن مصر. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٤؛ الإصابة ١/ ١٩؛ تهذيب التهذيب ١/ ١٦٩.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٨، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح، ح (١٥٨)، ثم قال أبو داود: (قال ابن معين: إسناده مظلم).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٢٩، كتاب الطهارة، باب التوقيت في المسح على الخفين، ح (١٥٨)، وابن ماجة في سننه -واللفظ له- ص ١١٠، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح بغير توقيت، ح (٥٥٧)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٧٩، والدارقطني في سننه ١/ ١٩٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١٩. قال أبو داود في سننه ص ٢٩: (وقد اختلف في إسناده، وليس هو بالقوي، ورواه ابن أبي مريم ويحيى بن إسحاق السيلحيني عن يحيى بن أيوب، وقد اختلف في إسناده). وقال الدارقطني في سننه ١/ ١٩٨: (هذا الإسناد لا يثبت، وقد اختلف فيه على يحيى بن أيوب اختلافًا كثيرًا قد بينته في موضع آخر، وعبد الرحمن ومحمد ين يزيد وأيوب بن قطن مجهولون). وقال ابن الجوزي في التحقيق: (قال أحمد بن حنبل: رجال لا يعرفون) وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ١٨٨: (ورواه الحاكم وقال: في رواته مجروح. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: حديث أبي بن عمارة ليس بمعروف). وقال النووي في المجموع ١/ ٢٧٠: (واتفقوا على أنه ضعيف مضطرب لا يحتج به). وضعفه ابن حجر والشيخ الألباني. انظر: الإصابة ١/ ٢٠؛ ضعيف سنن أبي داود ص ٢٨؛ ضعيف سنن ابن ماجة ص ١١٠.
[ ١ / ٥٥٠ ]
ثانيًا: عن أنس -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه، فليصل
فيهما، وليمسح عليهما، ثم لا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة» (^١).
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٢٠٤، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٢٠. قال الحاكم: (هذا إسناد صحيح على شرط مسلم، وعبد الغفار بن داود ثقة غير أنه ليس عند أهل البصرة عن حماد) وقال قبل ذكر الحديث في ص ٢٨٩: (وقد روي هذا الحديث عن أنس بن مالك عن رسول الله -ﷺ- بإسناد صحيح رواته عن آخرهم ثقات إلا أنه شاذ بمرة). وقال الذهبي في التلخيص ١/ ٢٩٠: (على شرط مسلم، تفرد به عبد الغفار وهوثقة، والحديث شاذ). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ١٨٩: (إسناد هذا الحديث قوي، وأسد صدوق وثقه النسائي وغيره، ولا إلتفات إلى كلام ابن حزم فيه، وقد صحح إسناده الحاكم وذكر أنه شاذ بمرة). فهذا الحديث رواه عن حماد بن سلمة أسد بن موسى، وعبد الغفار بن داود الحراني، لذلك لا يصح قول ابن حزم في المحلى ١/ ٣٢٦: (رواه أسد بن موسى عن حماد بن سلمة، وأسد منكر الحديث، ولم يرو هذا الخبر أحد من ثقات أصحاب حماد بن سلمة) مع أن أسد بن موسى وثقه النسائي وغيره. انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٤٢٠؛ التنقيح ١/ ١٨٩؛ نصب الراية ١/ ١٧٩. وقال النووي في المجموع ١/ ٢٧٢: (وأما حديث أنس فضعيف رواه البيهقي وأشار إلى تضعيفه).
[ ١ / ٥٥١ ]
ثالثًا: عن ميمونة زوج النبي -ﷺ- قالت: قلت: يا رسول الله أكل ساعة يمسح الإنسان على الخفين ولا ينزعهما؟ قال: «نعم» (^١).
رابعًا: عن عقبة بن عامر الجهني (^٢) -﵁- أنه قدم على عمر بن الخطاب من مصر، فقال: (منذ كم لم تنزع خفيك)؟ قال: من الجمعة إلى الجمعة، قال: (أصبت السنة) (^٣).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ٤٤/ ٤١٠، وأبو يعلى في مسنده ١٣/ ٩ - ولفظه: (يا رسول الله أيخلع الرجل خفيه كل ساعة؟ قال: «لا، ولكن يمسحهما ما بداله». - وكذلك أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٩٩. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦٣: (وفيه عمر بن إسحاق بن يسار قال الدارقطني: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في الثقات).
(٢) هو: عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي، الجهني، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابن عباس، وأبو أمامة، وغيرهما، وتوفي في خلافة معاوية -﵁-. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٤٢٩؛ الإصابة ٢/ ١٣٩٠.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١١٠، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المسح بغير توقيت، ح (٥٥٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٨٠، والدارقطني في سننه ١/ ١٩٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٩، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤٢١. قال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي في التلخيص. وكذلك صححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١١٠. وقال الدارقطني في سننه ١/ ٤٢١: (وقد روينا عن عمر -﵁- التوقيت فإما أن يكون رجع إليه حين جاءه التثبيت عن النبي -ﷺ- في التوقيت، وإما أن يكون قوله الذي يوافق السنة المشهورة أولى). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ١٨٩، والزيلعي في نصب الراية ١/ ١٨٠: (ذكر الدارقطني أن عمرو بن الحارث ويحيى بن أيوب والليث بن سعد رووه عن يزيد فقالوا فيه: فقال عمر: أصبت. ولم يقولوا: السنة. وهو المحفوظ، قال: ورواه جرير بن حازم عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن علي بن رباح عن عقبة. وأسقط من الإسناد عبد الله بن الحكم البلوي، وقال فيه: أصبت السنة، كما قال ابن لهيعة والمفضل).
[ ١ / ٥٥٢ ]
وجه الاستدلال من هذه الأدلة
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إنها تدل على عدم توقيت المسح على الخفين، فللشخص أن يمسح عليهما ما بدا له ذلك (^١).
ويعترض عليه بما يلي:
أولًا: إن هذه الأدلة لم يسلم أي واحد منها عن الكلام عليه، وهي لا تقوى على معارضة الأحاديث الدالة على التوقيت؛ لصراحتها، وصحتها، وتواترها، بخلاف أحاديث عدم التوقيت (^٢).
ثانيًا: إن هذه الأدلة على تقدير ثبوتها وصحتها تحتمل أن تكون منسوخة؛ لأن التوقيت ثبت الأمر به في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٧٩؛ التمهيد ٢/ ٢٤٠؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ١٨٨؛ المجموع ١/ ٢٧٢.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٣؛ التمهيد ٢/ ٢٤٢؛ التحقيق مع التنقيح ١/ ١٨٨؛ المجموع ١/ ٢٧٢.
[ ١ / ٥٥٣ ]
النبي -ﷺ-، فيدل ذلك على أن التوقيت آخر شيء (^١).
الراجح
بعد ذكر قولي أهل العلم في المسألة، والأدلة يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح ما يلي:
أولًا: إن المسح على الخفين موقت للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة، وذلك لما يلي:
أ- لأن الأحاديث الدالة على التوقيت مع صحتها، وصراحتها، كثيرة حتى بلغت حد
التواتر (^٢).
ب- ولأن الأحاديث الدالة على عدم التوقيت متكلم فيها، ثم بعضها محتملة للتوقيت وغيرها، فهي لذلك لا تقوى بمعارضة الأحاديث الدالة على التوقيت (^٣).
ثانيًا: إن الأحاديث الدالة على عدم التوقيت على تقدير ثبوتها وصحتها فإنها محتملة لأن تكون منسوخة بالأحاديث الدالة على التوقيت، كما قاله ابن قدامة؛ لوجود ما يدل على تأخرها وهو حديث عوف بن مالك الأشجعي -﵁-؛ حيث دل أن الأمر بالمسح والتوقيت فيه كان في غزوة تبوك، وليس
_________________
(١) انظر: التحقيق ١/ ١٨٧؛ المغني ١/ ٣٦٦.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٨٣؛ التمهيد ٢/ ٢٤٢؛ المجموع ١/ ٢٧٢.
(٣) انظر: المجموع ١/ ٢٧٢؛ المغني ١/ ٣٦٦.
[ ١ / ٥٥٤ ]
بين غزوة تبوك ووفاة رسول الله -ﷺ- إلا مدة يسيرة (^١).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المغني ١/ ٣٦٦. وقد يستفاد ذلك من قول الإمام أحمد، حيث قال في حديث عوف بن مالك: (هو أجود حديث في المسح على الخفين؛ لأنه في غزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها النبي -ﷺ- وهو آخر فعله). انظر: التحقيق ١/ ١٨٧؛ المغني ١/ ٣٦٦.
[ ١ / ٥٥٥ ]