اجتمع رأي بعض اليهود (^١)، والرافضة (^٢)، على دعوى: أن النسخ يستلزم البداء، فلزمهم التسوية بينهما في الجواز وعدمه، فقالت اليهود: لا يجوز النسخ؛ لأنه يستلزم البداء، وهو محال على الله تعالى (^٣).
وقالت الرافضة: يجوز البداء على الله تعالى؛ لجواز النسخ (^٤).
وكلا الزعمين كفر وضلال. تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.
ولذلك يجب معرفة الفرق بين النسخ والبداء حتى يُرَدّ به على هذين الزعمين الباطلين.
وفيما يلي بيان ما يفرق به بينهما
لقد سبق تعريف النسخ.
_________________
(١) سيأتي في مطلب: مشروعية النسخ، ذكر فرق اليهود فيها، ومن قال منهم أن النسخ يستلزم البداء.
(٢) الرافضة، قد تطلق على جميع الشيعة، وقد تطلق على طائفة منهم، ويسمون كذلك الإمامية، وإنما سموا رافضة؛ لرفضهم إمامة زيد بن علي. أو لرفضهم إمامة الشيخين أبي بكر، وعمر﵄-. انظر: مقلات الإسلاميين للأشعري ١/ ٨٨، ٨٩؛ الملل والنحل ص ١٥٥؛ فرق معاصرة تنتسب إلى الإسلام وموقف الإسلام منها للدكتور غالب عواجي ١/ ١٣٨، ١٦٣، ١٦٥.
(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم لابن حزم ص ٨؛ نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١٠٩؛ البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٠٥؛ مناهل العرفان ٢/ ١٩٨.
(٤) انظر: البحر المحيط للزركشي ٥/ ٢٠٥؛ مناهل العرفان ٢/ ١٩٨.
[ ١ / ٦٨ ]
أما البداء، فهو يطلق في اللغة على معنيين:
أحدهما: الظهور بعد الخفاء، يقال: بدا الشيء، يبدو بدُوًّا، وبَدْوًا، وبدَاءً، وبداءة، وبدًا، أي ظهر (^١).
وقد جاء استعماله بهذا المعنى في آيات من كتاب الله تعالى، ومنها:
أ-قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ (^٢).
قال ابن جرير: (وظهر لهم يومئذٍ من أمر الله وعذابه، الذي كان أعدّه لهم، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعدّه لهم) (^٣).
ب-قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (^٤).
الثاني: نشأة رأي جديد لم يكن موجودًا من قبل. يقال: بدا له في الأمر بُدُوًّا، وبداء، وبداة، أي نشأ له فيه رأي (^٥).
وقد جاء استعماله بهذا المعنى كذلك في كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ (^٦).
_________________
(١) انظر: مختار الصحاح ص ٣٨؛ لسان العرب ١/ ٣٤٧؛ المصباح المنير ص ٤٤؛ القاموس المحيط ص ١١٣٦.
(٢) سورة الزمر، الآية (٤٧).
(٣) جامع البيان ١٢/ ٧٤٥٤.
(٤) سورة الجاثية، الآية (٣٣).
(٥) انظر: مختار الصحاح ص ٣٨؛ القاموس المحيط ص ١١٣٦.
(٦) سورة يوسف، الآية (٣٥).
[ ١ / ٦٩ ]
قال ابن جرير: (وقيل: معنى قوله ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ﴾ في الرأي الذي كانوا رأوه من ترك يوسف مطلقًا، ورأوا أن يسجنوه) (^١).
وكلا المعنيين يستلزم سبق الجهل، وحدوث العلم، وكلاهما محال على الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله ﷾ عليم بكل شيء، والعلم من صفاته اللازمة، وليس شيء منه بحادث (^٢). ومن الأدلة عليه ما يلي:
١ - قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٣).
٢ - قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٤).
٣ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ
_________________
(١) جامع البيان ٧/ ٤٨٢٣.
(٢) انظر: النسخ في القرآن للدكتور مصطفى زيد ١/ ٢١؛ مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ١٩٧.
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٩).
(٤) سورة الأنعام، الآية (٥٩).
[ ١ / ٧٠ ]
وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ (^١).
٤ - قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٢).
٥ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ (^٣).
ويمكن تلخيص الفروق بين النسخ والبداء فيما يلي:
أولًا: أن في البداء يأمر الآمر بالأمر، وهو لا يدري ما يؤول إليه الحال، فهو ينتقل الأمر عن ما أمر به وأراده دائمًا بأمر حادث لا بعلم سابق. وفي النسخ يأمر الآمر بالأمر، وهو يدري أنه سيحيله في وقت كذا ولا بد. قد سبق ذلك في علمه وحتمه من قضائه، فهو حين الأمر قد علم أن لتكليف المكلف بالأمر غاية ينتهي الإيجاب إليه، ثم يرتفع بنسخه (^٤).
ثانيًا: (أن سبب النسخ لا يوجب إفساد الموجب لصحة الخطاب الأول، والبداء يكون سببه دالًا على إفساد الموجب لصحة الأمر الأول،
_________________
(١) سورة الرعد، الآيات (٨ - ١٠).
(٢) سورة الحديد، الآية (٢٢).
(٣) سورة الطلاق، الآية (١٢).
(٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/ ٤٨٣؛ نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١١٦.
[ ١ / ٧١ ]
مثل أن يأمره بعمل يقصد به مطلوبًا، فيتبين أن المطلوب لا يحصل بذلك الفعل، فيبدو له ما يوجب الرجوع عنه) (^١).
ثالثًا: أن النسخ يدل على قدرة الله ﷾، وأن له ملك السماوات والأرض فله أن يقرر ما يشاء، ويأمر بما يشاء، وينهى ويمحو ما يشاء؛ لأنه المالك والمليك، ولذلك لما ذكر الله ﷾ النسخ ذكر بعده قدرته وملكه، قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٢).
أما البداء فإن صاحبه إنما يأمر بخلاف أمره الأول لمصلحة أخطأه وجهله في الأمر الأول، وليس تغييره للأمر الأول لملكه وقدرته المطلقة.
رابعًا: أن النسخ قد يكون لتمييز الخبيث من الطيب، والمنافق والمتردد من المؤمن الثابت، ويدل على ذلك أن الله ﷾ لما حول القبلة من بيت المقدس إلى بيت الله الحرام قال عند ذلك: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ (^٣).
وكذلك قال ﷾: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
_________________
(١) نواسخ القرآن لابن الجوزي ١/ ١١٧.
(٢) سورة البقرة، الآيتان (١٠٦، ١٠٧).
(٣) سورة البقرة، الآية (١٤٣).
[ ١ / ٧٢ ]
بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (^١).
وليس في البداء شيء من هذه الحِكَم.
فتبين مما ذُكر أن بين النسخ والبداء فرقًا وبعدًا كما بين المشرقين، وأن النسخ لا يستلزم البداء ألبتة، فإن النسخ فيه حِكَم كثيرة، وإظهار لقدرة الله تعالى وملكه المطلق، وليس في البداء شيء من ذلك، لذلك لا يوصف الله ﷾ بالبداء؛ لأنه ليس بصفة كمال، بل صفة نقص، وأما النسخ فلا يستلزم منه النقص لذلك توصف أفعاله ﷾ به.
والله أعلم.
_________________
(١) سورة النحل، الآيتان (١٠١، ١٠٢).
[ ١ / ٧٣ ]