ذهب الطحاوي إلى كراهة النفخ (^١) في الصلاة، وأن ما روي من نفخ النبي -ﷺ- في الصلاة فإنه قد نسخ، كما نسخ الكلام في الصلاة (^٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلافهم في النفخ في الصلاة هل هو كلام أم لا (^٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عبد الله بن عمرو﵄- قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ-، فقام رسول الله -ﷺ- لم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع، ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع، وفعل في الركعة الأخرى مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، فقال: «أُف أُف» ثم قال: «رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون؟» (^٤).
_________________
(١) النفخ في الصلاة هو إخراج الريح من الفم. انظر: القاموس المحيط ص ٢٣٨؛ التعريفات الفقهية للمفتي السيد محمد عميم، ص ٢٣٠.
(٢) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١.
(٣) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١؛ بداية المجتهد ١/ ٣٤٩.
(٤) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٨٦، كتاب الصلاة، باب من قال يركع ركعتين، ح (١١٩٤)، والنسائي في سننه ص ٢٤٢، كتاب الكسوف، باب نوع آخر، ح (١٤٨٢)، وأحمد في المسند ١١/ ٢١. قال ابن حجر في الفتح ٣/ ١٠٣: (أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة، والطبري، وابن حبان، من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو) ثم ذكر الحديث ثم قال: (وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به، وقد اختلط في آخر عمره، لكن أخرجه ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه، وأبوه وثقه العجلي وابن حبان، وليس هو من شرط البخاري). وقال الشيح الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٨٥: (صحيح لكن بذكر الركوع مرتين كما في الصحيحين). وقال في صحيح سنن النسائي ص ٢٤٢: (صحيح).
[ ٢ / ٩٦٥ ]
ثانيًا: عن زيد بن ثابت -﵁- قال: «نهى النبي -ﷺ- عن النفخ في السجود، وعن النفخ في
الشراب» (^١).
ثالثًا: عن بريدة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل وهو قائم، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده» (^٢).
رابعًا: عن ابن عباس﵄- قال: (النفخ في الصلاة بمنزلة
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٨٦: (رواه الطبراني في الكبير، وفيه خالد بن إلياس وهو متروك). وضعفه ابن حجر في الفتح ٣/ ١٠٥.
(٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٨٦: (رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار رجال الصحيح). وضعف سنده ابن حجر في فتح الباري ٣/ ١٠٥. وقد سبق في مسألة البول قائمًا تخريج هذا الحديث مفصلًا، وثبت أنه بمجموع طرقه يصلح للاحتجاج به، وأن في طرقه الموقوفة ما هو صحيح بلا شك.
[ ٢ / ٩٦٦ ]
الكلام) (^١).
وفي رواية عنه -﵁- قال: (النفخ في الصلاة كلام يقطع الصلاة) (^٢).
خامسًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: (النفخ في الصلاة كلام) (^٣).
ويستدل منها على النسخ: بأن حديث عبد الله بن عمرو -﵁- فيه أن النبي -ﷺ- نفخ في صلاته، والأحاديث المذكورة بعده تدل على النهي عن النفخ في الصلاة، ثم أثر ابن عباس وأبي هريرة -﵃يدلان على أن النفخ في الصلاة كلام، وقد سبق أن الكلام في الصلاة قد نُسخ، فيكون النفخ في الصلاة منسوخًا كذلك بنسخ الكلام في الصلاة (^٤).
واعترض عليه: بأن نسخ الكلام في الصلاة متقدم، فقد قيل أنه كان بمكة، وقيل في المدينة بعد الهجرة، وعلى كل فقد كان ذلك قبل غزوة
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ١٨٩، عن ابن عيينه، عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس. وهؤلاء من رجال الجماعة متفق على توثيقهم.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٦٧. عن محمد بن فضيل عن الحسن بن عبيد الله عن أبي الضحى- مسلم بن صبيح- عن ابن عباس، وهؤلاء من رجال الجماعة، غير الحسن بن عبيد الله فلم يخرج له البخاري، لكنه ثقة. وكذلك أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٦٧، عن محمد بن فضيل عن الأعمش، عن مسلم بن صبيح عن ابن عباس-بلفظ: (عن ابن عباس أنه قال: النفخ في الصلاة كلام) - ورجال إسناده رجال الجماعة. قال ابن حجر في الفتح ٣/ ١٠٥: (وثبت كراهة النفخ عن ابن عباس كما رواه ابن أبي شيبة).
(٣) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ١٨٩.
(٤) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١.
[ ٢ / ٩٦٧ ]
خيبر، والنفخ في الصلاة المروي
عن النبي -ﷺ- كان في صلاة كسوف (^١) الشمس، وهو متأخر فقد قيل: كان كسوف الشمس سنة عشر، وقيل سنة تسع (^٢)، وعلى كل فهو بعد فتح مكة، يؤكد ذلك أن أبا بكرة -﵁- صلى مع النبي -ﷺ- حين كسفت الشمس (^٣)، وهو قد أسلم بعد فتح مكة (^٤)، فكيف ينسخ النفخ في الصلاة بنسخ الكلام فيها، وهو متأخر عنه؟.
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في النفخ في الصلاة على قولين:
القول الأول: أن النفخ في الصلاة إذا كان يسمع فإنه بمنزلة الكلام وهو يقطع الصلاة.
وهو مذهب الحنفية (^٥)، وقول للإمام مالك (^٦)، ومذهب الشافعية (^٧)،
_________________
(١) كسوف الشمس هو إظلامها وذهاب نورها واسودادها بالنهار. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٤٩٠؛ المصباح المنير ص ٤٣٥.
(٢) فقد كان كسوف الشمس يوم مات إبراهيم ابن النبي -ﷺ-، وقد ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة. انظر: فتح الباري ٢/ ٦٥٢.
(٣) انظر: صحيح البخاري ص ٢٠٥، كتاب الكسوف، باب الصلاة في كسوف الشمس، ح (١٠٤٠).
(٤) فقد تدلى إلى النبي -ﷺ- من حصن طائف ببكرة فاشتهر بأبي بكرة، وكان غزوة طائف بعد فتح مكة. انظر: الإصابة ٣/ ٢٠١٤؛ تهذيب سيرة ابن هشام ص ٢١٥.
(٥) انظر: الأصل ١/ ١٢؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١؛ بدائع الصنائع ١/ ٥١٢، ٥٣٩.
(٦) قال ابن حاجب: (والمشهور إلحاق النفخ بالكلام) انظر: جامع الأمهات ص ١٠٤؛ التاج والإكليل ٢/ ٣٠٩؛ مواهب الجليل ٢/ ٣٠٨.
(٧) انظر: الحاوي ٢/ ١٩٠؛ العزيز ٢/ ٤٤؛ المجموع ٤/ ١٨؛ روضة الطالبين ص ١٣٠؛ فتح الباري ٣/ ١٠٤.
[ ٢ / ٩٦٨ ]
والحنابلة (^١) -إن انتظم حرفين-. وروي ذلك عن ابن عباس﵄- وبه قال سعيد بن جبير، والثوري (^٢).
القول الثاني: أن النفخ في الصلاة مكروه، ولا يقطع الصلاة.
وهو قول أبي يوسف من الحنفية (^٣)،
وقول آخر للإمام مالك (^٤)، ورواية عن الإمام أحمد (^٥)، وروي نحو ذلك عن: ابن مسعود -﵁-، وعطاء، وابن سيرين، وإبراهيم النخعي، ومكحول، وإسحاق (^٦).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن النفخ في الصلاة كلام يقطع الصلاة- بما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث زيد بن ثابت -﵁-، وأثر ابن عباس وأبي هريرة -﵄-.
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٤٥١؛ الشرح الكبير ٤/ ٤٢؛ الممتع ١/ ٤٩٠؛ الإنصاف ٤/ ٤٢؛ زاد المستقنع ص ١٤.
(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق ٢/ ١٨٩؛ مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٦٧؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١؛ التمهيد ٥/ ٣٥٨.
(٣) انظر: الأصل ١/ ١٢؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠١.
(٤) انظر: التمهيد ٥/ ٣٥٨؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٧؛ جامع الأمهات ص ١٠٤؛ التاج والإكليل ٢/ ٣٠٩؛ مواهب الجليل ٢/ ٣٠٨.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٤٥٢؛ الشرح الكبير ٤/ ٤٣؛ الإنصاف ٤/ ٤٣.
(٦) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٦٧؛ التمهيد ٥/ ٣٥٨؛ المغني ٢/ ٤٥٢؛ المجموع ٤/ ١٨.
[ ٢ / ٩٦٩ ]
ووجه الاستدلال منها: أن حديث زيد بن ثابت -﵁- يدل على أن النبي -ﷺ- نهى عن النفخ في الصلاة، وأثر ابن عباس وأبي هريرة﵃- يدلان على أن النفخ في الصلاة كلام، والكلام قد نُهي عنه في الصلاة، فثبت من ذلك أن النفخ في الصلاة كلام ومنهي عنه، وإذا كان كذلك فهو يقطع الصلاة (^١).
واعترض عليه: بأن ما روي عن النبي -ﷺ- في النهي عن النفخ في الصلاة فهو ضعيف لا يقوم به حجة، وأما ما روي عن بعض الصحابة أن النفخ كلام فقد عارضه ما روي عن بعض الصحابة من إباحة النفخ في الصلاة، لذلك يضعف القول بقطع الصلاة به (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن النفخ في الصلاة مكروه لكن لا يقطعها- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث عبد الله بن عمرو﵄- وفيه: قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله -ﷺ-، فقام رسول الله -ﷺ- لم يكد يركع، ثم ركع، فلم يكد يرفع، ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع، فلم يكد يسجد، ثم سجد، فلم يكد يرفع، ثم رفع، وفعل في الركعة الأخرى
_________________
(١) انظر: الحاوي ٢/ ١٩٠؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٣٩؛ المغني ٢/ ٤٥١.
(٢) انظر: السنن الكبرى ٢/ ٣٥٩؛ فتح الباري ٣/ ١٠٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٣٢٤؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٤٠١.
[ ٢ / ٩٧٠ ]
مثل ذلك، ثم نفخ في آخر سجوده، فقال: «أُف أُف» ثم قال: «رب ألم تعدني أن لا تعذبهم وأنا فيهم؟ ألم تعدني ألا تعذبهم وهم يستغفرون؟»
ثانيًا: عن أنس بن مالك -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبزقنّ بين يديه ولا عن يمينه، ولكن عن شماله تحت قدمه اليسرى» (^١).
ثالثًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث بريدة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «ثلاث من الجفاء: أن يبول الرجل وهو قائم، أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته، أو ينفخ في سجوده».
رابعًا: عن أيمن بن نابل (^٢)، قال: قلت لقدامة بن عبد الله بن عمار الكلابي (^٣)، صاحب رسول الله -ﷺ-: إنا نتأذى بريش الحمام في المسجد الحرام
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٢٣٨، كتاب العمل في الصلاة، باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة، ح (١٢١٤)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٣٥٩، كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد، ح (٥٥١) (٥٤).
(٢) هو: أيمن بن نابل الحبشي، أبو عمران، وقيل أبو عمرو، المكي، مولى آل أبي بكر، روى عن قدامة بن عبد الله، وأبيه نابل، وغيرهما، وروى عنه: وكيع، وابن مهدي، وغيرهما، وممن وثقه: الثوري، وابن معين والحاكم، وقال ابن حجر: صدوق يهم. انظر: تهذيب التهذيب ١/ ٣٥٧؛ التقريب ١/ ١١٥.
(٣) هو: قدامة بن عبد الله بن عمار بن معاوية الكلابي، أبو عبد الله العامري، أسلم قديمًا ولم يهاجر، كان يسكن نجدًا، ولقي النبي -ﷺ- في حجة الوداع، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه حميد بن كلاب، وأيمن بن نابل. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ١٣؛ الإصابة ٣/ ١٦٠٩؛ تهذيب التهذيب ٨/ ٣١٦.
[ ٢ / ٩٧١ ]
إذا سجدنا، فقال: (انفخوا) (^١).
ويستدل منها على أن النفخ في الصلاة مكروه لكن لا يقطع الصلاة: بأن الحديث الأول ثبت فيه أن النبي -ﷺ- نفخ في صلاته، فلو كان يقطع الصلاة لما فعله، والحديث الثاني يدل كذلك على أن النفخ إذا كان لم يقصد به اللعب والعبث ولم يكن كثيرًا أنه لا يفسد الصلاة؛ لأنه قلما يكون بزاق إلا ومعه شيء من النفخ، ويؤكد عدم قطع الصلاة بالنفخ قول قدامة بن عبد الله -﵁-، والحديث الثالث يدل على أن النفخ في الصلاة من الجفاء فيدل ذلك على كراهته (^٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، وما استدلوا به، يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: إن القول بنسخ ما يدل على النفخ في الصلاة ضعيف وغير صحيح؛ لأن مستنده هو نسخ الكلام في الصلاة، وقد سبق أن ذلك كان
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٣٥٩. وذكر ابن حجر في الفتح ٣/ ١٠٥ أنه ثابت عن قدامة بن عبد الله.
(٢) انظر: التمهيد ٥/ ٣٥٧، ٣٥٨؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٧؛ الممتع ١/ ٤٩١؛ فتح الباري ٣/ ١٠٤، ١٠٥؛ نيل الأوطار ٢/ ٣٢٣؛ تحفة الأحوذي ٢/ ٤٠١.
[ ٢ / ٩٧٢ ]
قبله، فلا يصح نسخ المتأخر بالمتقدم.
ثانيًا: إن النفخ في الصلاة مكروه، لكن لا يفسد الصلاة ما لم يتفاحش، ولم يقصد به صاحبه اللعب والعبث، وذلك لما ثبت عن النبي -ﷺ- أنه نفخ في صلاته، وقال: «وعرضت عليّ النار، فجعلت أنفخ خشية أن يغشاكم حرها» (^١).
ثالثًا: إن النفخ في الصلاة إذا كثر، ولم يكن لحاجة فإنه يكون حكمه حكم الكلام في الصلاة، وذلك لما روي عن ابن عباس -﵁- وغيره أنه بمنزلة الكلام (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند ١١/ ٣٧٤، من حديث عبد الله بن عمرو -﵁-. وصححه ابن خزيمة، والطبري، وابن حبان. انظر: فتح الباري ٣/ ١٠٣.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ٢/ ٦٧؛ المغني ٢/ ٤٥٠.
[ ٢ / ٩٧٣ ]