ذهب بعض أهل العلم، منهم البغوي (^١) من الشافعية (^٢)، وابن العربي من المالكية (^٣)، والعيني (^٤) من الحنفية (^٥) إلى أن الأحاديث الواردة في النهي عن الوضوء بفضل (^٦) طهور المرأة منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز، وأن
_________________
(١) هو: الحسين بن مسعود بن محمد، محي السنة، أبو محمد البغوي، الحافظ الفقيه، تفقه على القاضي حسين وحدث عنه وعن غيره، وكان إمامًا في التفسير والحديث والفقه ورعًا زاهدًا، وألف المؤلفات الكثيرة منها (التهذيب) و(شرح السنة)، وتوفي سنة ست عشرة وخمسمائة. انظر: تذكرة الحفاظ ٤/ ١٢٥٧؛ البداية والنهاية ١٢/ ٢١٠؛ طبقات ابن قاضي شهبة ١/ ٢٨١.
(٢) انظر: شرح السنة ٢/ ٢٨.
(٣) ونحوه قول المباركفوري. انظر: عارضة الأحوذي شرح سنن الترمذي ١/ ٨٢؛ تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي ١/ ١٥٢.
(٤) هو: محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد الحنفي، المعروف بالعيني، فقيه أصولي، أخذ عن يوسف بن موسى الملطي، وغيره، وولي قضاء قضاة الحنفية بالديار المصرية، وألف مؤلفات عديدة، منها: عمدة القاري، وتوفي بالقاهرة سنة خمس وخمسين وثمانمائة. انظر: شذرات الذهب ٧/ ٢٨٦؛ حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة ١/ ٢٧٠؛ معجم المؤلفين ٣/ ٧٩٧.
(٥) انظر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري للعيني ٣/ ١٩٦. وكذلك نقل ابن عابدين في حاشيته ١/ ٢٣٤ القول بالنسخ عن صاحب كتاب غرر الأفكار شرح درر البحار الحنفي. كما صرح علي بن زكريا المنبجي الحنفي في كتابه اللباب ١/ ٥٦، بأن حديث النهي متقدم على حديث الجواز.
(٦) الفضل والفضلة: البقية من الشيء، يقال: أفضل فلان من الطعام وغيره، إذا ترك منه شيئًا. والفضل: الزيادة، وضد النقص. انظر: المغرب ٢/ ١٤٢؛ لسان العرب ١٠/ ٢٨٠، ٢٨١؛ المعجم الوسيط ص ٦٩٣. وفضل الوضوء: هو ما يبقى في الإناء بعد الفراغ من الوضوء، ويطلق كذلك على الماء الذي سال من أعضاء الوضوء. انظر: مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار للفتني ٤/ ١٥٤، ١٥٥.
[ ١ / ٣٣١ ]
الجواز آخر الأمرين.
وذهب ابن حزم إلى العكس من ذلك؛ حيث ذهب إلى أن حكم الأحاديث الدالة على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به منسوخ بالأحاديث الدالة على النهي من ذلك، وأن الجواز كان قبل النهي (^١).
وتبين منه أن القول بالنسخ في هذه المسألة أحد أسباب اختلاف أهل العلم فيها، إلا أن الأحاديث الواردة في المسألة هي السبب الأصلي لاختلافهم فيها (^٢).
ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة بما يلي:
أولًا: عن ابن عمر -﵁- قال: «كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول لله -ﷺ- جميعًا» (^٣).
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ٢٠٦.
(٢) انظر: بداية المجتهد ١/ ٦٦، شرح السنة ٢/ ٢٨؛ عارضة الأحوذي ١/ ٨٢؛ عمدة القاري ٣/ ١٩٦؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٣٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٤٦، كتاب الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة، ح (١٩٣).
[ ١ / ٣٣٢ ]
ثانيًا: عن عائشة -﵂قالت: «كنت أغتسل أنا ورسول الله -ﷺ- من إناء واحد تختلف فيه أيدينا من الجنابة» (^١).
ثالثًا: عن ابن عباس -﵁- قال: أخبرتني ميمونة﵂- «أنها كانت تغتسل هي والنبي -ﷺ- في إناء واحد من الجنابة» (^٢).
رابعًا: عن أم سلمة﵂قالت: «كانت هي ورسول الله -ﷺ- يغتسلان في الإناء الواحد» (^٣).
خامسًا: عن ابن عباس -﵁- «أن رسول الله -ﷺ- كان يغتسل بفضل ميمونة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٨، كتاب الغسل، باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر؟ ح (٢٦١)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له-٣/ ١٢٤، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، ح (٣٢١) (٤٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٧، كتاب الغسل، باب الغسل بالصاع ونحوه، ح (٢٥٣)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له-٣/ ١٢٤، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، ح (٣٢٢) (٤٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦٩، كتاب الحيض، باب النوم مع الحائض وفي ثيابها، ح (٣٢٢)، ومسلم في صحيحه-واللفظ له-٣/ ١٢٥، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، ح (٣٢٤) (٤٩).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٢٥، كتاب الحيض، باب القدر المستحب من الماء في غسل الجنابة، وغسل الرجل والمرأة في إناء واحد، ح (٣٢٣) (٤٨). وأُعل هذا الحديث بأن عمرو بن دينار شك فيه ولم يقطع بإسناده حيث قال: (أكبر علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني) فذكره. قال ابن حزم في المحلى ١/ ٢٠٦: (فصح أن عمرو بن دينار شك فيه ولم يقطع بإسناده) وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٥٩: (وأما حديث ميمونة فأخرجه مسلم لكن أعله قوم لتردد وقع في رواية عمرو بن دينار حيث قال: (وعلمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني فذكر الحديث، وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط وقد خولف).
[ ١ / ٣٣٣ ]
سادسًا: عن ابن عباس -﵁- قال: اغتسل بعض أزواج النبي -ﷺ- في جفنة (^١) فجاء النبي -ﷺ- ليتوضأ منها-أو يغتسل-فقالت له: يا رسول الله إني كنت جنبًا، فقال رسول الله -ﷺ-: «إن الماء لا يجنب» (^٢).
_________________
(١) الجفنة: القصعة، وجمعه جفان. انظر: مختار الصحاح ص ٩٣؛ القاموس المحيط ص ١٠٦٩.
(٢) أخرجه من طريق أبي الأحوص عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس: أبو داود في سننه ص ١٦، كتاب الطهارة، باب الماء لا يجنب، ح (٦٨)، والترمذي في سننه ص ٢٦، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، ح (٦٥)، وابن ماجة في سننه ص ٨٣، كتاب الطهارة، باب الرخصة بفضل وضوء المرأة، ح (٣٧٠)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٨، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٧٣، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٩١. وأخرجه من طريق سفيان عن سماك بن حرب: النسائي في سننه -ولفظه: عن ابن عباس أن بعض أزواج النبي -ﷺ- اغتسلت من الجنابة فتوضأ النبي -ﷺ- بفضلها فذكرت ذلك له فقال: «إن الماء لا ينجسه شيء» ص ٥٩، كتاب المياه، ح (٣٢٥)، وابن ماجة في سننه ص ٨٣، كتاب الطهارة، باب الرخصة بفضل وضوء المرأة، ح (٣٧١)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١٠٩، والإمام أحمد في المسند ٤/ ١٣، ٣٤٣، والدارمي في سننه ١/ ٢٠٣، وابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٩٦، وابن الجارود في المنتقى ص ٣٣، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٥٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٦، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٤٨، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٢، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٩١. وأخرجه من طريق شعبة عن سماك: الحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٢. وأخرجه من طريق يزيد بن عطاء عن سماك: الدارمي في سننه ١/ ٢٠٣. والحديث هذا في كل طرقه سماك بن حرب، وقد تُكلم فيه: قال الإمام أحمد: مضطرب الحديث. وقال ابن المديني: رواية سماك عن عكرمة مضطربة. وقال يعقوب: روايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح وليس من المثبتين، ومن سمع منه قديمًا مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه مستقيم، والذي قاله ابن المبارك، إنما نرى أنه فيمن سمع منه بآخرة. وقال ابن المبارك: سماك ضعيف في الحديث. وقال ابن معين: ثقة، قال: وكان شعبة يضعفه. وقال العجلي: جائز الحديث، كان الثوري يضعفه قليلًا. وقال النسائي: كان ربما لقن، فإذا انفرد بأصل لم يكن حجة؛ لأنه كان يلقن فيتلقن. وقال أبو حاتم: ثقة صدوق. وقال ابن عبد الهادي: سماك بن حرب احتج به مسلم في صحيحه واستشهد به البخاري في الجامع الصحيح. وقال الذهبي: صدوق صالح، من أوعية العلم، مشهور. وكذا قال: قد احتج مسلم به في روايته عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وجماعة، وحدث عنه شعبة وزائدة وأبو عوانة والناس. وقال ابن حجر: صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخرة فكان ربما تلقن. انظر: التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٣٦؛ ميزان الاعتدال ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٤؛ التهذيب ٤/ ٢١٠ - ٢١١؛ التقريب ١/ ٣٩٤. وهذا الحديث قال فيه الإمام أحمد: أتقيه لحال سماك ليس أحد يرويه غيره، وقال: هذا فيه اختلاف شديد بعضهم يرفعه وبعضهم لا يرفعه، وقال: أكثر أصحاب رسول الله -ﷺ- يقولون: إذا خلت المرأة بالماء فلا يتوضأ منه. انظر: التنقيح ١/ ٣٦. وقال ابن حزم في المحلى ١/ ٢٠٦: هذا الحديث لا يصح، لأنه من رواية سماك بن حرب وهو يقبل التلقين شهد عليه بذلك شعبة وغيره، وهذه جرحة ظاهرة). وصححه الترمذي في سننه ص ٢٦، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٢، ووافقه الذهبي في التلخيص. وقال ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٣١٢: (رواه جماعة عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس، منهم: شعبة والثوري إلا أن جُل أصحاب شعبة يروونه عن سماك عن عكرمة مرسلًا، ووصله عنه محمد بن بكر، وقد وصله جماعة عن سماك، منهم الثوري وحسبك بالثوري حفظًا وإتقانًا، -ثم ذكر الحديث عن طريق ابن أبي شيبة ثم قال: -وهكذا رواه أبو الأحوص وشريك عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا، وكل من أرسل هذا الحديث فالثوري أحفظ منه، والقول فيه قول الثوري ومن تابعه على اسناده). وقال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٣٦٠: (وقد أعل قوم بسماك بن حرب راويه عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين، لكن قد رواه عنه شعبة وهو لا يحمل عن مشائخه إلا صحيح حديثهم). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١١٨: (قلت: إسناده صحيح وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان، وابن الجارود، والحاكم، ووافقه الذهبي، والنووي وابن حجر) ثم ذكر سند الحديث ثم قال: (وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات رجال الصحيح، إلا أن سماكًا وهو ابن حرب وإن كان من رجال مسلم فقد تكلم فيه من قبل حفظه لا سيمًا في روايته عن عكرمة فقالوا: إنه مضطرب فيها. والذي يتخلص عندي فيه من مجموع كلامهم أنه حسن الحديث في غير هذا الإسناد، صحيح الحديث برواية سفيان وشعبة مطلقًا-إلى أن قال: -فإذا اتفق أبو الأحوص وسفيان في إسناد الحديث عنه عن عكرمة عن ابن عباس كان دليلًا على صحته، وهذا الحديث من هذا القبيل، فإنه رواه سفيان أيضًا كما سيأتي وتابعه شعبة أيضًا). وحديث ابن عباس هذا وكذلك روايته عن ميمونة-وهو الحديث الآتي بعد هذا- يؤكد صحة حديثه الذي خرجه مسلم من طريق عمرو بن دينار؛ لأنهما بمعناه، كما أن حديثه ذاك يعضد صحة هذا الحديث والحدث الآتي بعد هذا، والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٤ ]
سابعًا: عن ميمونة﵂أن النبي -ﷺ- قال: «لا يُتوضأ بفضل غسلها من الجنابة» (^١).
ثامنًا: عن ابن عباس -﵁- عن ميمونة زوج النبي -ﷺ- «أن النبي -ﷺ- توضأ بفضل غسلها من الجنابة» (^٢).
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧٨: (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح). وقد بحثت عن هذا الحديث في المسند في مسند ميمونة فلم أجده فيه، وبحثت في الفتح الرباني -ترتيب مسند الإمام أحمد -للبنا، فلم أجده فيه كذلك، ولعله في نسخة أخرى للمسندوالله أعلم.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٣، كتاب الطهارة، باب الرخصة بفضل وضوء المرأة، ح (٣٧٢)، والإمام أحمد في المسند ٤٤/ ٣٨٦، والدارقطني في سننه ١/ ٥٢. وقال: (اختلف في هذا الحديث على سماك، لم يقل فيه عن ميمونة غير شريك). وأخرجه في ١/ ٥٣، -ولفظه: (عن ابن عباس قال: حدثتني ميمونة بنت الحارث أن النبي -ﷺ- توضأ بفضل غسلها من الجنابة) وكذلك أخرجه البغوي في شرح السنة ٢/ ٢٧. وقال النووي في المجموع ٢/ ٢٢٠: (وحديث ميمونة صحيح أيضًا). والكلام على هذا الحديث كالكلام على السابق؛ لأن كليهما من رواية سماك عن عكرمة.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وفي رواية عنه -﵁- عن ميمونة زوج النبي -ﷺ- قالت: أجنبت أنا ورسول الله -ﷺ- فاغتسلت من جفنة ففضلت فضلة فجاء رسول الله -ﷺ- يغتسل منها فقلت: إني قد اغتسلت منها، فقال: «إن الماء ليس عليه جنابة، أو لا ينجسه شيء»، فاغتسل منه (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن قول بعض أزواج النبي -ﷺ-: (إني كنت جنبًا) عند إرادته -ﷺ- التطهر من فضلها، يشعر بعلمها بأن المرأة إذا استعملت ماءً وبقي منه شيء، أنه لا يجوز للرجل استعماله، فيدل ذلك على أن النهي كان متقدمًا، ولذلك قالت هذا القول، فيكون حديث الجواز متأخرًا وناسخًا لحديث النهي (^٢).
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع، وهنا يمكن الجمع بين الأحاديث؛ وذلك بحمل ما ورد في النهي على التنزيه وخلاف
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤٤/ ٣٨٦.
(٢) انظر: عارضة الأحوذي لابن العربي ١/ ٨٢؛ اللباب للمنبجي ١/ ٥٦؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٣٤؛ تحفة الأحوذي ١/ ١٥٢.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الأولى بدليل أحاديث الجواز (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ ما يدل على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به بما يلي:
أولًا: عن الحكم بن عمرو (^٢) -وهو الأقرع- أن النبي -ﷺ- «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (^٣).
_________________
(١) انظر: معالم السنن ١/ ٨٠؛ المجموع ٢/ ٢٢٢؛ فتح الباري ١/ ٣٦٠؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٣٤؛ تحفة الأحوذي ١/ ١٥٢؛ الشرح الممتع لابن عثيمين ١/ ٤٦.
(٢) هو: الحكم بن عمرو بن مجدع الغفاري، ويقال له: الحكم بن الأقرع، صحابي، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أبو الشعثاء والحسن البصري، وغيرهما، ونزل البصرة، ومات بمرو سنة خمسين، وقيل غيرها. انظر: الكاشف ١/ ١٨٣؛ التهذيب ٢/ ٣٩٢؛ التقريب ١/ ٢٣٣.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٨، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، ح (٨٢)، والترمذي في سننه ص ٢٦، كتاب الطهارة، باب كراهية فضل طهور المرأة، ح (٦٤) - وقال: (هذا حديث حسن) - والنسائي في سننه ص ٦١، كتاب المياه، باب النهي عن فضل وضوء المرأة، ح (٣٤٣)، وابن ماجة في سننه ص ٨٣، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، ح (٣٧٣)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٨، والإمام أحمد في المسند ٢٩/ ٤٠٦، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤، وابن حبان في صحيحه ٤/ ٧١، والطبراني في المعجم الكبير ٣/ ٢٣٥، والدارقطني في سننه ١/ ٥٣ - ولفظه: (أن النبي -ﷺ- نهى أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة، أو قال: شرابها) ثم قال: (قال شعبة: وأخبرني سليمان التيمي قال: سمعت أبا حاجب يحدث عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- (أن النبي -ﷺ- نهى أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة) وأبو حاجب اسمه سوادة بن عاصم، واختلف عنه، فرواه عمران بن جرير وغزوان بن حجير السدوسي عنه موقوفًا من قول الحكم غير مرفوع إلى النبي -ﷺ-. وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٩٥، ٢٩٦، وقال بعد ذكر طرق حديث الحكم: (وبلغني عن أبي عيسى الترمذي أنه قال: سألت محمدًا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: ليس بصحيح، يعني حديث أبي حاجب عن الحكم بن عمرو) ثم ذكر قول الدارقطني فيه بالوقف، ثم رواه عن الحكم موقوفًا عليه أنه كان ينهى عن ذلك. وقال الخطابي في معالم السنن ١/ ٨٠: (وإسناد خبر عائشة أجود من إسناد خبر النهي، وقال محمد بن إسماعيل: خبر الأقرع لا يصح، والصحيح في هذا الباب حديث عبد الله بن سرجس، وهو موقوف ومن رفعه فقد أخطأ). وقال ابن قدامة في المغني ١/ ٢٨٣: (قال الخطابي: قال محمد بن إسماعيل: خبر الأقرع لا يصح، والصحيح في هذا خبر عبد الله بن سرجس، وهو موقوف، ومن رفعه فقد أخطأ. قلنا: قد رواه أحمد واحتج به وهذا يقدم على التضعيف؛ لاحتمال أن يكون قد روي من وجه صحيح خفي على من ضعفه). وقال النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٦: (وأما الحديث الذي جاء بالنهي وهو حديث الحكم بن عمرو فأجاب العلماء منه بأجوبة: أحدها: أنه ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، منهم البخاري وغيره). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٣٣: (وقال الأثرم: قال أبو عبد الله: يضطربون فيه عن شعبة، وليس هو في كتاب غندر، وبعضهم يقول: عن فضل سؤر المرأة، وبعضهم يقول: فضل وضوء المرأة، فلا يتفقون عليه. وسواد بن عاصم وثقه يحيى بن معين والنسائي، وقال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات وقال: ربما أخطأ) وقال في ص ٣٥: (فقد قال البخاري: لا أدري حديث سوادة عن الحكم يصح) ثم قال: (أما قول البخاري فظن لم يذكر عليه دليلًا). وقال ابن حجر في فتح الباري ١: ٣٥٩: (أما حديث الحكم بن عمرو فأخرجه أصحاب السنن، وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وأغرب النووي فقال: اتفاق الحفاظ على تضعيفه). وقال العيني في عمدة القاري ٣/ ٨٦: (فأما حديث الحكم الغفاري فقال جماعة من أهل الحديث: إن هذا الحديث لا يصح، وأشار الخطابي أيضًا إلى عدم صحته، وقال ابن منده: لا يثبت من جهة السند، ورجحه ابن ماجة على حديث ابن سرجس، وصححه ابن حبان وأبو محمد الفاسي، والقول قول من صححه لا من ضعفه؛ لأنه مسند ظاهر السلامة). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١٤١: (قلت: إسناده صحيح وصححه ابن حبان وحسنه الترمذي) ثم ذكر سنده ثم قال: (وهذا إسناد صحيح، رجاله ثقات رجال مسلم، غير أبي حاجب، واسمه سوادة بن عاصم، وهو ثقة بلا خلاف) وقال في ص ١٤٣: (وصرح الترمذي في العلل عن البخاري أنه قال عن هذا الحديث: (ليس بصحيح) قلت: وهذا من الإمام جرح مبهم، فلا يقبل، ولعل سوادة لم تثبت عنده عدالته أو لقاؤه للحكم، فقد ثبت ذلك عند غيره) ثم ذكر أن البيهقي روى من طرق موقوفًا عليه ثم قال: (وهذا ليس بعلة فقد رفعه ثقتان وهي زيادة يجب قبولها ولا يجوز هدرها).
[ ١ / ٣٣٩ ]
ثانيًا: عن حميد الحميري (^١) قال: لقيت رجلًا صحب النبي -ﷺ- أربع سنين كما صحبه أبو هريرة قال: «نهى رسول الله -ﷺ- أن تغتسل المرأة بفضل الرجل
_________________
(١) هو: حميد بن عبد الرحمن الحميري البصري، ثقة فقيه، روى عن أبي بكرة، وابن عمر، وغيرهما، وروى عنه: ابن سيرين، وأبو التياح، وغيرهما. انظر: الكاشف ١/ ١٩٣؛ التهذيب ٣/ ٤١؛ التقريب ١/ ٢٤٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
أو يغتسل الرجل بفضل
المرأة، وليغترفا جميعًا» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٨، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، ح (٨١)، والنسائي في سننه ص ٤٥، كتاب الطهارة، ح (٢٣٨)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ١٠٦، والإمام أحمد في المسند ٢٨/ ٢٢٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٩٤، وقال: (وهذا الحديث رواته ثقات إلا أن حميدًا لم يسم الصحابي الذي حدثه فهو بمعنى المرسل، إلا أنه مرسل جيد لولا مخالفته الأحاديث الثابتة الموصولة قبله، وداود بن عبد الله الأودي لم يحتج به الشيخان البخاري ومسلم رحمهما الله تعالى). وقال النووي في المجموع ٢/ ٢٢٢: (رواه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٣٤: (وهذا الحديث ليس بمرسل، وجهالة الصحابي لا تضر، وقيل إن هذا الرجل الذي لم يسم: عبد الله بن سرجس، وقيل: عبد الله بن مغفل، وقيل: الحكم بن عمرو الغفاري. وقد تكلم على هذا الحديث ابن حزم بكلام أخطأ فيه، ورد عليه ابن مفوز وابن القطان، وغيرهما، وقد كتب الحميدي إلى ابن حزم من العراق يخبره بصحة هذا الحديث). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٥٩: (رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله على حجة قوية، ودعوى البيهقي أنه في معنى المرسل مردودة؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد بن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي وهو ضعيف مردودة، فإنه ابن عبد الله الأودي وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره) وقال في بلوغ المرام-مع سبل السلام-١/ ٢٦: (إسناده صحيح). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١٤١: (إسناده صحيح) وقال في ١/ ٥٧: (قلت: إسناده صحيح، وكذا قال النووي والعسقلاني والعراقي) ثم ذكر سنده ثم قال: (وهذا سند صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير داود بن عبد الله الأودي وهو ثقة باتفاق النقاد).
[ ١ / ٣٤٢ ]
ثالثًا: عن عبد الله بن سرجس (^١) -﵁- قال: «نهى رسول الله -ﷺ- أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة، والمرأةُ بفضل الرجل، ولكن يشرعان جميعًا» (^٢).
_________________
(١) هو: عبد الله بن سرجس المزني، البصري، حليف بني مخزوم، صحابي، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: عاصم الأحول وقتادة، وغيرهما. انظر: الكاشف ٢/ ٨١؛ التهذيب ٥/ ٢٠٧؛ التقريب ١/ ٤٩٦.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٣، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، ح (٣٧٤) -وقال: (قال أبو عبد الله ابن ماجة: الصحيح هو الأول، والثاني وهم) ويريد بالأول حديث الحكم بن عمرو-، والدارقطني في سننه ١/ ١١٧ - وقال: (خالفه شعبة) ثم روى عن طريق شعبة عن عبد الله بن سرجس أنه قال: (تتوضأ المرأة وتغتسل من فضل غسل الرجل وطهوره، ولا يتوضأ الرجل بفضل غسل المرأة ولا طهورها) وقال: (وهذا موقوف صحيح، وهو أولى بالصواب). وأخرجه ابن حزم في المحلى ١/ ٢٠٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٢٩٧، ثم قال: (وهكذا رواه معلى بن أسد عن عبد العزيز بن المختار وخالفه شعبة عن عاصم) ثم ذكر طريق شعبة عن عبد الله بن سرجس موقوفًا عليه كما ذكره الدارقطني ثم قال: (قال علي: هذا موقوف وهو أولى بالصواب. قال الشيخ: وبلغني عن أبي عيسى الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري أنه قال: حديث عبد الله بن سرجس في هذا الباب الصحيح هو موقوف ومن رفعه فقد أخطأ). وكذلك روى ابن المنذر في الأوسط ١/ ٢٩١ - ٢٩٢ عن عبد الله بن سرجس موقوفًا عليه نحو ما ذكره الدارقطني والبيهقي. وقال العيني في عمدة القاري ٣/ ٨٦: (أما حديث عبد الله بن سرجس فروي مرفوعًا وموقوفًا عليه، وقال البيهقي الموقوف أولى بالصواب، وقد قال البخاري: أخطأ من رفعه. قلت: الحكم للرفع لأنه زاد -إلى أن قال: -فلا يعارض المرفوع. وصححه ابن حزم مرفوعًا، وتوقف ابن القطان من تصحيحه لأنه لم يره إلا في كتاب الدارقطني). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ١/ ١٤٤: (إسناده صحيح على شرطهما، وليس عند البيهقي الشطر الثاني منه (والمرأة بفضل الرجل) وكذا رواه ابن حزم وجعل ذلك حجة في النهي عن استعمال الرجل فضل المرأة لا العكس، وهذه الروايات ترد عليه، لكن عذره أنه لم يقف عليها، وقد أعل هذا الحديث -حديث عاصم- بما أعل به سابقه، وهو أن شعبة عن عاصم موقوفًا، وقال الدارقطني والبيهقي أنه أولى بالصواب. والجواب ما سبق) يعني به ما سبق في حديث الحكم بن عمرو من أن الوقف ليس بعلة وأن الرفع زيادة يجب قبولها.
[ ١ / ٣٤٣ ]
رابعًا: عن ميمونة -﵂أن النبي -ﷺ- قال: «لا يتوضأ بفضل غسلها من الجنابة» (^١).
خامسًا: عن علي -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- وأهله يغتسلون من إناء واحد، ولا يغتسل أحدهما بفضل صاحبه» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه في دليل القول بالنسخ.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٨٣، كتاب الطهارة، باب النهي عن ذلك، ح (٣٧٥). قال البوصيري في زوائد سنن ابن ماجة ص ٨٥: (هذا إسناد ضعيف لضعف الحارث الأعور، كذبه ابن المديني وغيره). والحارث هذا هو: الحارث بن عبد الله الهمداني الأعور، كذبه الشعبي وعلي بن المديني. وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي. وقال الدارقطني: ضعيف. وروي نحوه عن ابن معين. وروي عنه أنه قال: ثقة. قال عثمان الدارمي: ليس يتابع يحيى على هذا. وقال ابن حبان: كان الحارث غاليا في التشيع واهيًا في الحديث. وقال أحمد بن صالح المصري: الحارث الأعور ثقة، وقال: لم يكن يكذب في الحديث إنما كان كذبه في رأيه. وقال الذهبي: والجمهور على توهين أمره مع روايتهم لحديثه في الأبواب، فهذا الشعبي يكذبه ثم يروي عنه، والظاهر أنه كان يكذب في لهجته وحكاياته وأما في الحديث النبوي فلا، وكان من أوعية العلم. وقال ابن حجر: كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف وليس له عند النسائي سوي حديثين. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٣٧؛ التهذيب ٢/ ١٣٤ - ١٣٥؛ التقريب ١/ ١٧٥.
[ ١ / ٣٤٤ ]
ويستدل منها على النسخ: بان حكم الأحاديث الدالة على جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به كان قبل نهي رسول الله -ﷺ- عن أن يتوضأ الرجل أو يغتسل بفضل طهور المرأة فيكون ذلك منسوخًا بالأحاديث الدالة على النهي من ذلك (^١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث ليس فيها ما يدل على تأخرها عن الأحاديث الدالة على الجواز، فكيف يقال أنها الناسخة لها؟ فهذا مجرد دعوى لا دليل عليه، ثم يمكن الجمع بين هذه الأحاديث كما سبق ذكره، وإذا أمكن الجمع بين الأدلة فإنه لا يصار مع ذلك إلى النسخ (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
_________________
(١) المحلى ١/ ٢٠٦.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٤٩٥.
[ ١ / ٣٤٥ ]
وقد اختلف أهل العلم في تطهركل من الرجل والمرأة بفضل طهور الآخرعلى خمسة أقوال:
القول الأول: يجوز أن يتطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهورصاحبه، سواء خلت به المرأة أم لا.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، ورواية عن الإمام أحمد، اختارها بعض الحنابلة (^٤).
وروي ذلك عن ابن عباس، وزيد بن ثابت﵄-.
وقال به إبراهيم النخعي، وعكرمة، وعطاء، وسفيان الثوري، وابن المنذر (^٥).
_________________
(١) انظر: الموطأ لمحمد بن الحسن ص ٤٠؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٦؛ المبسوط ١/ ٦١؛ اللباب للمنبجي ١/ ٥٥؛ عمد القاري للعيني ٣/ ٨٥، ١٩٦؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٣٤؛ إعلاء السنن ١/ ١٢٨.
(٢) انظر: المدونة ١/ ١٤؛ الاستذكار ١/ ٢٠٩؛ عارضة الأحوذي لابن العربي ١/ ٨٢؛ بداية المجتهد ١/ ٦٥؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ١/ ٧٢؛ مواهب الجليل ١/ ٧٢.
(٣) انظر: الأم ١/ ٥٦؛ مختصر المزني ص ١٣؛ المهذب ١/ ١٢٣؛ الحاوي ١/ ٢٣١؛ التعليقة للقاضي حسين ١/ ٣٨٥، ٣٨٦؛ العزيز ١/ ١٨٧؛ المجموع ٢/ ٢٢٠.
(٤) انظر: المغني ١/ ٢٨٣؛ الشرح الكبير ١/ ٨٤؛ الممتع ١/ ١٣٠؛ شرح الزركشي ١/ ١٤٧؛ الاختيارات الفقهية من فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ص ٣؛ الإنصاف ١/ ٨٥.
(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٠٦، ١٠٧؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨؛ سنن الترمذي ص ٢٦؛ الأوسط ١/ ٢٩٤؛ التمهيد ١/ ٣٢٠؛ الاستذكار ١/ ٢١٠؛ المجموع ٢/ ٢٢٠؛ المغني ١/ ٢٨٣؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩.
[ ١ / ٣٤٦ ]
القول الثاني: لا يجوز للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة إذا خلت به، ويجوز لها ولغيرها التطهر به، وبفضل طهور الرجل مطلقًا.
وهو أشهر الروايتين عن الإمام أحمد، والمذهب عند الحنابلة (^١).
وروي ذلك عن عبد الله بن سرجس، والحكم بن عمرو الغفاري، وأم المؤمنين جويرية بنت الحارث (^٢)، وأم سلمة﵃- (^٣).
وبه قال غنيم بن قيس (^٤)، والحسن البصري، وإسحاق بن راهوية، وداود الظاهري (^٥).
_________________
(١) انظر: المغني ١/ ٢٨٢؛ الشرح الكبير ١/ ٨٣؛ الممتع ١/ ١٢٩؛ شرح الزركشي ١/ ١٤٧؛ الإنصاف ١/ ٨٥؛ زاد المستقنع ص ٥؛ منار السبيل ١/ ٩.
(٢) هي: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار الخزاعية المصطلقية، سباها رسول الله -ﷺ- في غزوة المريسيع، وكان اسمها برة، فسماها رسول الله -ﷺ- جويرية، وتزوجها، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: مجاهد، وكريب، وغيرهما، وتوفيت سنة خمسين، وقيل في غيرها. انظر: الكاشف ٣/ ٤٢٢؛ التهذيب ١٢/ ٣٥٨.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٠٧؛ مصف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨؛ الأوسط ١/ ٢٩٢؛ المحلى ١/ ٢٠٥؛ المغني ١/ ٢٨٣؛ التهذيب لابن القيم ١/ ٨٢؛ نيل الأوطار ١/ ٢٦.
(٤) هو: غنيم بن قيس المازني الكعبي أبو العنبر البصري، أدرك النبي -ﷺ- ولم يره، ورى عن سعد بن أبي وقاص، وأبي موسى الأشعري، وغيرهما، وروى عنه: سليمان التيمي، وعاصم الأحول، وغيرهما، وكان ثقة، وتوفي سنة تسعين. انظر: الكاشف ٢/ ٣٢٣؛ التهذيب ٨/ ٢١٨؛ التقريب ٢/ ٥.
(٥) انظر: مصنف أبي شيبة ١/ ٣٩؛ الأوسط ١/ ٢٩٢، ٢٩٣؛ المحلى ١/ ٢٠٤؛ المجموع ٢/ ٢٢١؛ نيل الأوطار ١/ ٢٦.
[ ١ / ٣٤٧ ]
القول الثالث: لا يجوز تطهر كل منهما بفضل طهور الآخر، ولو شرعا معًا ومن إناء واحد.
وروي هذا عن أبي هريرة -﵁- (^١).
القول الرابع: أنه يكره للرجل أن يتطهر بفضل طهور المرأة مطلقًا، ويجوز للمرأة أن تتطهر بفضل طهور الرجل.
وهو قول سعيد بن المسيب، ورواية عن الحسن البصري (^٢).
القول الخامس: أنه يجوز أن يتطهر كل منهما بفضل طهور صاحبه ما لم يكن الرجل جنبًا، والمرأة جنباَ أو حائضًا.
روي ذلك عن ابن عمر -﵁-، والشعبي، والأوزاعي، وروي عن عطاء مثله (^٣).
_________________
(١) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٤١؛ الأوسط ١/ ٢٩١؛ التمهيد ١/ ٣٢٠؛ بداية المجتهد ١/ ٦٦؛ عمدة القاري ٣/ ٨٥. وروي عنه أنه قال: (لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من الإناء الواحد) انظر: الأوسط ١/ ٢٩٤، وفي مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨، أنه قال حين سئل عن سؤر طهور المرأة يتطهر منه: (إن كنا لننقر حول قصعتنا نغتسل منه كلانا). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٥٩: (ونقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر؛ لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهي عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم).
(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٠٥؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٩؛ الأوسط ١/ ٢٩٢؛ المجموع ٢/ ٢٢٠؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩؛ عمدة القاري ٣/ ٨٥.
(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ١٠٧، ١١٠؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٣٨؛ الأوسط ١/ ٢٩٤؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩.
[ ١ / ٣٤٨ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو جواز تطهر كل منهما بفضل طهور صاحبه مطلقًا- بالأدلة السابقة في قول من قال بنسخ الأحاديث الدالة على عدم جواز تطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهور الآخر.
ووجه الاستدلال منها: هو أن حديث ابن عمر، وعائشة، وميمونة، وأم سلمة﵃يدل على جواز وضوء واغتسال الرجل والمرأة جميعًا ومن إناء واحد، كما يدل على جواز التطهر بفضل طهور المرأة والرجل؛ لأن المرأة والرجل إذا اغترفا جميعًا من إناء واحد في الوضوء فكل منهما قد توضأ بفضل صاحبه (^١).
أما حديثا ابن عباس -﵁- وكذلك حديثه عن ميمونة -﵂- فهي صريحة في الدلالة على جواز التطهر بفضل طهور المرأة (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو عدم جواز تطهر الرجل بفضل طهور المرأة إذا خلت به- بالأدلة السابقة في قول من قال بنسخ الأحاديث
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٢٩٤، ٢٩٦؛ صحيح ابن حبان ٤/ ٧٥؛ التمهيد ١/ ٣٢٠؛ الاستذكار ١/ ٢٠٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥؛ المجموع ٢/ ٢٢١؛ عمدة القاري ٣/ ٨٥.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٢٩٦؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩، ٣٦٠؛ تحفة الأحوذي ١/ ١٥٢؛ الشرح الممتع لابن عثيمين ١/ ٤٤، ٤٦.
[ ١ / ٣٤٩ ]
الدالة على جواز أن يتطهر الرجل بفضل ما خلت به المرأة.
ووجه الاستدلال منها: هو أن تلك الأحاديث تدل على عدم جواز أن يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة (^١).
وخصص بالخلوة؛ لقول عبد الله بن سرجس: (لا بأس أن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد، فإذا خلت به فلا تقربه) (^٢).
واعترض عليه: بأنه هذه الأدلة كما جاء فيها النهي من أن يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة، كذلك جاء في بعضها النهي من أن تتطهر المرأة بفضل الرجل، وهي أدلة مطلقة، فكيف يستدل منها على عدم جواز ذلك للرجل، ولا يستدل منها على عدم جواز ذلك للمرأة، مع أن الأدلة في ذلك غير مفرقة بين الرجل والمرأة (^٣).
وأجيب عنه: بأنه عام دخله التخصيص بالإجماع (^٤).
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ٢٠٤؛ المغني ١/ ٢٨٢؛ الشرح الكبير ١/ ٨٣؛ شرح الزركشي ١/ ١٤٧؛ شرح العمدة لابن تيمية ١/ ٧٧.
(٢) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ١٠٧. وانظر: الكافي ١/ ١٣٧؛ الشرح الكبير ١/ ٨٤؛ منار السبيل ١/ ٩.
(٣) انظر: التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٣٥؛ الشرح الممتع لابن عثيمين ١/ ٤٤.
(٤) قال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٣٥: (قلنا: هذا عام دخله التخصيص بالإجماع أو بدليل). أما الدليل على ذلك فلم أجده، وأما الإجماع على ذلك، فقد صرح النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥، فقال: (وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فجائز بالإجماع أيضًا). وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٣٥٩: (ونقل النووي أيضًا الاتفاق على جواز وضوء المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضًا فقد أثبت الخلاف فيه الطحاوي). وقال الشيخ ابن عثيمين﵀ - في الشرح الممتع ١/ ٤٤ بعد ذكر حديث النهي: (ومن غرائب العلم أنهم استدلوا به على أن الرجل لا يتوضأ بفضل المرأة، ولم يستدلوا به على أن المرأة لا تتوضأ بفضل الرجل) إلى أن قال: (فما دام الدليل واحدًا والحكم واحدًا، والحديث مقسمًا تقسيمًا فما بالنا نأخذ بقسم ولا نأخذ بالقسم الثاني، مع العلم بأن القسم الثاني قد ورد في السنة ما يدل على جوازه، وهو أن النبي -ﷺ- اغتسل بفضل ميمونة، ولم يرد في القسم الأول ما يدل على جواز أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، وهذا غريبة ثانية).
[ ١ / ٣٥٠ ]
دليل القول الثالث:
ويستدل للقول الثالث-وهو عدم جواز تطهر الرجل والمرأة بفضل صاحبه ولو من إناء واحد- بما يلي:
أولًا: حديث الحكم بن عمرو الغفاري -﵁- أن النبي -ﷺ- «نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» (^١).
ثانيًا: حديث حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- وفيه: «نهى رسول الله أن تغتسل المرأة بفضل الرجل أو يغتسل الرجل بفضل المرأة» (^٢).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٢٢٤.
(٢) سبق تخريجه في ص ٢٢٦. وهذا الحديث أخرجه أبو داود من طريقين: أحدهما: عن طريق أحمد بن يونس، وليس فيه (وليغترفا جميعًا). والثاني من طريق مسدد، وفيه هذه الزيادة (وليغترفا جميعًا) ويتم الاستدلال منه بدون هذه الزيادة، ولكن الحديث من طرق أخرى غير هذين الطريقين يؤكد صحة هذه الزيادة، وقد سبق ذلك في تخريج الحديث.
[ ١ / ٣٥١ ]
ووجه الاستدلال منهما هو: أن الحديثين بمجموعهما يدلان على أنه لا يجوز لكل واحد منهما التطهر بفضل صاحبه، والمرأة والرجل إذا تطهرا معًا فكل منهما متطهر ومتوضئ بفضل صاحبه، فلا يجوز ذلك كذلك (^١).
واعترض عليه: بأنه ثبت في أحاديث صحيحة وكثيرة أن النبي -ﷺ- وأهله كانوا يتطهرون من إناء واحد، وهي أقوى مخرجًا وأصرح دلالة، وهي حجة على من خالفها، ولعل
من خالفها يكون أنها لم تبلغه (^٢).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو كراهة أن يتطهر الرجل بفضل طهور المرأة مطلقًا، وجواز عكس ذلك- بحديث الحكم بن عمرو الغفاري، وحميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-، وحديث عبد الله بن سرجس، وقد سبق ذكرها.
ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث صريحة في النهي من أن
_________________
(١) انظر: التمهيد ١/ ٣٢٠؛ الاستذكار ١/ ٢٠٩؛ بداية المجتهد ١/ ٦٦، ٦٧.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٢٩٦؛ التمهيد ١/ ٣٢٠؛ بداية المجتهد ١/ ٦٧؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩؛ عمدة القاري ٣/ ١٩٦.
[ ١ / ٣٥٢ ]
يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، وهي مطلقة، فتشمل ذلك ما خلت به وما لم تخل به (^١).
ويعترض على وجه الاستدلال هذا ما اعتُرض به على وجه استدلال القول الثاني.
دليل القول الخامس
ويستدل للقول الخامس-وهو جواز تطهر كل منهما بفضل صاحبه ما لم يكن جنبًا أو حائضًا- بما يلي:
أولًا: عن ميمونة﵂- أن النبي -ﷺ- قال: «لا يتوضأ بفضل غسلها من الجنابة» (^٢).
ثانيًا: حديث الحكم بن عمرو، وعبد الله بن سرجس، وحميد بن عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ-. وقد سبق ذكرها.
وأصحاب هذا القول ذهبوا إلى أن النهي في هذه الأحاديث عن فضل طهور المرأة إنما هو إذا كانت جنبًا أو حائضًا، بدليل حديث ميمونة هذا؛ حيث فيه النهي من التطهر بفضل غسلها من الجنابة (^٣).
ويعترض عليه: بأن حديث الحكم بن عمرو، وعبد الله بن سرجس،
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٢٩٢؛ بداية المجتهد ١/ ٦٧؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩؛ نيل الأوطار ١/ ٢٦.
(٢) سبق تخريجه في ص ٢٢٣.
(٣) انظر: معالم السنن ١/ ٨٠.
[ ١ / ٣٥٣ ]
وحديث حميد بن
عبد الرحمن عن رجل من أصحاب النبي -ﷺ- ليس فيها أي ذكر للحيض أو الجنابة، وإنما فيها النهي عن التطهر بفضل وضوء المرأة مطلقًا، وهي أكثر وأقوى، فكان القول بإطلاقها أولى؛ لأن القول به يشمل ما إذا كانت حائضًا أو جنبًا بخلاف العكس.
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أن الراجح هو القول الأول، وهو جواز تطهر كل من الرجل والمرأة بفضل طهور صاحبه مطلقًا؛ وذلك لأن الأحاديث الواردة في هذه المسألة ثلاثة أصناف:
الصنف الأول: أحاديث تدل على أن النبي -ﷺ- وأهله كانوا يتطهرون من إناء واحد، وأن الرجال والنساء كانوا يتوضؤون جميعًا في زمان رسول الله -ﷺ-.
وهذا الصنف فيه أحاديث كثيرة، صحيحة بلا خلاف، وقد قال به أكثر أهل العلم، بل ليس فيه إلا خلافًا شاذًا لا اعتبار له، وهذه الأحاديث حجة عليه (^١).
الصنف الثاني: أحاديث تدل على أن النبي -ﷺ- نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، وجاء في بعضها كذلك نهي المرأة أن تتوضأ بفضل طهور
_________________
(١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ٥؛ المجموع ٢/ ٢٢٠؛ فتح الباري ١/ ٣٥٩؛ عمدة القاري ٣/ ٨٥.
[ ١ / ٣٥٤ ]
الرجل.
وهي أحاديث قولية، وقد تكلم عليها بعض أهل العلم من حيث الصحة وعدم ذلك في البعض، ومن حيث الرفع والوقف في البعض الآخر، لكن الظاهر سلامتها وصحتها ورفعها في الجملة، وهي تقوي بعضها البعض، وتؤكد صحتها (^١).
الصنف الثالث: أحاديث تدل على أن النبي -ﷺ- توضأ أو اغتسل بفضل امرأة من أزواجه.
وهي أحاديث فعلية، وقد ذكر في بعضها العلة التي من أجلها توضأ النبي -ﷺ- أو اغتسل بفضلها، وهي: «إن الماء لا يجنب» أو «إن الماء لا ينجسه شيء».
وهذه الأحاديث قد تكلم عليها بعض أهل العلم، إلا أن أكثرهم على صحتها، وهي
تقوي بعضها البعض (^٢).
والصنف الثاني والثالث من هذه الأحاديث بينهما تعارض في الظاهر، لذلك اختلف أهل العلم في تأويلها:
فذهب غير أصحاب القول الأول إلى الأخذ بالصنف الثاني من
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٣٥٩؛ عمدة القاري ٣/ ٨٦؛ صحيح سنن أبي داود ١/ ١٤١ - ١٤٤.
(٢) راجع تخريج هذه الأحاديث. وانظر: صحيح سنن أبي داود ١/ ١١٨.
[ ١ / ٣٥٥ ]
الأحاديث- مع اختلافهم في وجه الاستدلال منها-، ورجحوها على الصنف الثالث، إما لضعفها واضطرابها عند البعض، أو لأنها مبيحة وما خالفها حاظرة، والحاظر مقدم على المبيح (^١).
أما أصحاب القول الأول فذهبوا إلى الأخذ بالصنف الثالث من الأحاديث، ورجحوها على الصنف الثاني، وذلك:
أ- لأنها والصنف الأول من الأحاديث متفقة في المدلول عند البعض؛ لأن المتطهرين معًا كل منهما متطهر بفضل صاحبه (^٢).
وإذا أضيف الصنف الأول إلى الصنف الثالث فلا شك أنها أقوى وأولى بالتقدم.
ب- ولأن الصنف الثالث فيها ما يدل على أنها الناسخة للصنف الثاني؛ وذلك لأن ميمونة -﵂روت النهي عن التطهر بفضل طهور المرأة، وروي عنها وعن ابن عباس -﵄- أن النبي -ﷺ- توضأ أو اغتسل بفضل غسلها من الجنابة، وكان في روايتها هذا، ورواية ابن عباس -﵄- أنها قالت لرسول الله -ﷺ-: (إني كنت جنبًا) فدل هذا وروايتها في النهي على أن النهي متقدم، ثم اغتسال النبي -ﷺ- بذلك الماء دليل على نسخ النهي المتقدم (^٣).
_________________
(١) راجع تخريج حديثا ابن عباس وكلام أهل العلم عليهما. وانظر: شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ٧٨.
(٢) راجع وجه استدلال القول الأول من هذه الأحاديث في ص ٢٣٠.
(٣) راجع المصادر في وجه الاستدلال منها على النسخ في ص ٢٢٣.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وذهب بعض من قال بالقول الأول والصنف الثالث من الأحاديث إلى الجمع بين هذا الصنف والصنف الثاني من الأحاديث؛ وذلك بحمل النهي الوارد في الصنف الثاني على كراهة التنزيه وخلاف الأولى بدليل أحاديث الجواز، وحمل الصنف الثالث من الأحاديث على الجواز المطلق، ولا تنافي بين الجواز وخلاف الأولى وكراهة التنزيه (^١).
فيكون القول الأول راجحًا لهذا الوجه؛ لأنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث فهو أولى من ترك بعضها، كما أنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأدلة، وهنا حصل الجمع بينها (^٢).
وقوله -ﷺ-: «إن الماء لا يجنب» أو «إن الماء لا ينجسه شيء» ثم تطهره واغتساله من ذلك الماء يحتمل أمرين:
الأول: نسخ النهي السابق عن استعمال فضل وضوء المرأة؛ وذلك لأن قوله هذا وفعله متأخر عن النهي السابق.
الثاني: أن النهي السابق لم يكن للتحريم، بل للتنزيه؛ فيكون قوله -ﷺ- لميمونة -﵂-: (إن الماء لا ينجسه شيء) بيانًا للنهي السابق، وأنه لم يكن للتحريم بل للتنزيه؛ لأن الماء لا ينجسه شيء، وما دام الماء طاهرًا فيجوز التطهر به.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: معالم السنن ١/ ٨٠؛ المجموع ٢/ ٢٢٢؛ فتح الباري ١/ ٣٦٠؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٣٤؛ تحفة الأحوذي ١/ ١٥٢؛ الشرح الممتع لابن عثيمين ١/ ٤٦.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٤٩٥؛ فتح الباري ٤/ ٣٩٧.
[ ١ / ٣٥٧ ]