ذهب الإمام أبو حنيفة﵀- إلى أن بول ما يؤكل لحمه نجس، وأن ما يدل على شرب أبوال الإبل فإنه قد نسخ بالأمر بالتنزه من البول (^١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، والسبب الثاني له هو الاختلاف في مفهوم الأحاديث التي يُستدل بها في المسألة (^٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن أنس -﵁- قال: قدم أناس من عكل (^٣) أو عرينة (^٤) فاجتووا (^٥) المدينة، «فأمرهم النبي -ﷺ- بلقاح (^٦) وأن يشربوا من أبوالها وألبانها» فانطلقوا فلما صحوا قتلوا راعي النبي -ﷺ- واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار،
_________________
(١) انظر نسبة القول بالنسخ إليه في: أصول فخر الإسلام البزدوي ١/ ٥٨٨؛ أصول السرخسي ١/ ١٣٣؛ كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي ١/ ٥٨٨؛ البحر الرائق ١/ ٤٠٦. وانظر: المحيط البرهاني ١/ ٢١٠؛ العناية للبابرتي ١/ ١٠٢؛ البناية للعيني ١/ ٤٠١.
(٢) راجع المصادر في الحاشية السابقة. وانظر: بداية المجتهد ١/ ١٥٩.
(٣) عكل: بضم المهملة وإسكان الكاف، قبيلة من تيم الرباب. فتح الباري ١/ ٤٢٢.
(٤) عرينة: بالعين والراء المهملتين والنون، مصغرًا، حي من قضاعة وحي من بجيلة، والمراد هنا الثاني. فتح الباري ١/ ٤٢٢.
(٥) أي أصابهم الجوى، وهو: المرض وداء الجوف إذا تطاول، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤها أو استوخموها. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٣١٢.
(٦) اللقاح: النوق ذوات الألبان. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٦٠٨.
[ ٢ / ٧٧٠ ]
فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر بقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم وألقوا في الحر يستسقون فلا يسقون (^١).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (^٢).
وفي رواية عنه -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أكثر عذاب القبر من البول» (^٣).
ثالثًا: عن أنس -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «تنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٣، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها، ح (٢٣٣)، ومسلم في صحيحه ٤/ ٣٠٨، كتاب القسامة، باب حكم المحاربين والمرتدين، ح (١٦٧٢) (١٥).
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٢٨، وقال: (الصواب مرسل) وذكر ابن حجر في الفتح ١/ ٤٢١: أنه صححه ابن خزيمة وغيره.
(٣) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٧٩، كتاب الطهارة، باب التشديد في البول، ح (٣٤٨)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١١٥، وأحمد في المسند ١٤/ ٧٧، والدارقطني في سننه ١/ ١٢٨، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٣. وصححه الدارقطني، والحاكم، والذهبي، وابن حجر، والشيخ الألباني. انظر: سنن الدارقطني ١/ ١٢٨، المستدرك مع التلخيص ١/ ٢٩٣؛ بلوغ المرام مع شرحه سبل السلام ١/ ١٤٤؛ إرواء الغليل ١/ ٣١١.
(٤) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٢٧، وقال: (المحفوظ مرسل). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٣١٠: (قلت: وعلة هذا الموصول أبو جعفر الرازي، وهو ضعيف لسوء حفظه، لكن رواه حماد بن سلمة عن ثمامة بن أنس عن أنس به، هكذا رواه جماعة عن حماد، ورواه أبو سلمة عن حماد عن ثمامة مرسلًا. والمحفوظ الموصول كما قال ابن أبي حاتم عن أبي زرعة، قلت: سنده صحيح).
[ ٢ / ٧٧١ ]
رابعًا: عن ابن عباس -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «عامة عذاب القبر من البول، فتنزهوا من البول» (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن النبي -ﷺ- أمر بالاستنزاه من البول من غير فصل بين بول وبول فيدل ذلك على نجاسة جميع الأبوال؛ لأن قوله: (من البول) عام يشمل جميع الأبوال، سواء كان بول إنسان أو بول مأكول اللحم أو غيره (^٢)، وإذا كان الأمر كذلك فإنه يكون ناسخًا لحديث العرنيين الذي فيه الأمر بشرب أبوال الإبل؛ لأن حديث العرنيين
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٢٨ - وقال: (لا بأس به) -، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٩٣. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢١٢: (رواه البزار والطبراني في الكبير، وفيه أبو يحيى القتات، وثقه يحيى بن معين في رواية، وضعفه الباقون). وقال النووي في المجموع ٢/ ٣٩١: (رواه عبد بن حميد-شيخ البخاري ومسلم- في مسنده، من رواية ابن عباس﵄- بإسناد كلهم عدول ضابطون بشرط الصحيحين إلا رجلًا واحدًا وهو أبو يحيى القتات فاختلفوا فيه فجرحه الأكثرون ووثقه يحيى بن معين في رواية عنه، وقد روى له مسلم في صحيحه، وله متابع على حديثه وشواهد يقتضي مجموعها حسنه وجواز الاحتجاج به). وقال الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٣١٢: (قلت: وسكت عليه الحاكم ثم الذهبي، وقال الدارقطني: عقب الحديث: (لا بأس به) قلت: وكأنه يعني في الشواهد. ويشهد له حديثه الآخر وهو أتم منه).
(٢) انظر: المحلى ١/ ١٧٨؛ أصول السرخسي ١/ ١٣٣؛ كشف الأسرار للبخاري ١/ ٥٨٨؛ فتح الباري ١/ ٤٢١.
[ ٢ / ٧٧٢ ]
والأمر فيه بشرب أبوال الإبل كان في أول الإسلام، حيث ذكر فيه المثلة، ثم حرمت المثلة ونسخ جوازها (^١)، فعلم أن إباحة البول كالمثلة، أي كما نسخ إباحة المثلة كذلك نسخ إباحة البول (^٢).
واعترض عليه بما يلي:
أ- إن النسخ لا بد فيه من تأخر الناسخ، وعدم التوفيق بين النصين، وما ذكر من وجه الاستدلال هو احتمل، والنسخ لا يثبت بالاحتمال (^٣).
ب- إن نسخ واحد من أحكام النص لا يوجب نسخ بقيتها (^٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في حكم بول ما يؤكل لحمه على قولين:
القول الأول: أن بول ما يؤكل لحمه نجس.
وهو مذهب الحنفية (^٥)، والشافعية (^٦)، وقول للإمام أحمد (^٧)، وروي
_________________
(١) سيأتي القول في نسخ المثلة في مبحث الجنايات.
(٢) انظر: البناية ١/ ٤٠١.
(٣) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية لابن أبي العز ١/ ٣٦٠؛ فتح الباري ١/ ٧٤٥.
(٤) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٦١.
(٥) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١١٠؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٢٥؛ بدائع الصنائع ١/ ١٩٦؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ١٠١؛ البناية ١/ ٣٩٦.
(٦) انظر: التنبيه ص ٢٧؛ الوجيز وشرحه العزيز ١/ ٣٥؛ روضة الطالبين ص ١٠؛ المجموع ٢/ ٣٩٢؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ٧٩.
(٧) انظر: المغني ٢/ ٤٩٢؛ الشرح الكبير ٢/ ٣٤٥؛ الممتع ١/ ٢٧١؛ الإنصاف ٢/ ٣٤٥.
[ ٢ / ٧٧٣ ]
ذلك عن جابر بن زيد، والحسن البصري، وابن سيرين، وحماد بن أبي سليمان، وبه قال ابن حزم (^١).
القول الثاني: أن بول ما يؤكل لحمه طاهر.
وهو قول محمد بن الحسن من الحنفية (^٢)
ومذهب المالكية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وقول عطاء، والنخعي، والزهري، والثوري، والليث (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأحاديث التي سبقت في دليل القول بالنسخ.
ثانيًا: قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾. (^٦)، والبول خبيث وكانت العرب تستخبثه (^٧).
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٦٩، ١٧٩.
(٢) انظر قوله في: شرح معاني الآثار ١/ ١٠٨؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٢٥؛ بدائع الصنائع ١/ ١٩٦؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ١٠١.
(٣) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٨٢؛ الكافي ص ١٨؛ التمهيد ٥/ ١٤١؛ بداية المجتهد ١/ ١٥٨؛ جامع الأمهات ص ٣٣؛ مختصر خليل مع شرحه التاج والإكليل ١/ ١٣٢؛ مواهب الجليل ١/ ١٣٢.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٤٩٢؛ الشرح الكبير ٢/ ٣٤٥؛ الممتع ١/ ٢٧١؛ الإنصاف ٢/ ٣٤٥؛ زاد المستقنع ص ٩.
(٥) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٢٥؛ المغني ٢/ ٤٩٢؛ المجموع ٢/ ٣٩٢.
(٦) سورة الأعراف، الآية (١٥٧).
(٧) انظر: المحلى ١/ ١٧٨؛ المجموع ٢/ ٣٩٢؛ التلخيص الحبير ١/ ٤٤.
[ ٢ / ٧٧٤ ]
ثالثًا: عن ابن عباس -﵁- قال: مرَّ النبي -ﷺ- بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (^١).
فقوله في الحديث: (من البول) عام يشمل جميع الأبوال (^٢).
واعترض عليه: بأن المراد به بول الإنسان؛ لما في رواية أخرى لهذا الحديث: (لا يستتر من بوله) (^٣).
وأجيب: بأن كلا الروايتين ثابت، ورواية: (لا يستتر من البول) فيه زيادة على رواية الآخرين وزيادة العدل يجب قبوله (^٤).
ويستدل للقول الثاني -وهو أن بول ما يؤكل لحمه طاهر- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل ا لقول بالنسخ من حديث أنس -﵁-، وفيه: «فأمرهم النبي -ﷺ- بلقاح وأن يشربوا من أبوالها وألبانها».
والنجس لا يباح شربه، ولو كان للضرورة لأمرهم بغسل أثره إذا أرادوا الصلاة (^٥).
ثانيًا: عن أنس -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يصلي قبل أن يبني المسجد في
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٠٠.
(٢) انظر: المحلى ١/ ١٧٨؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٥٥.
(٣) انظر: فتح الباري ١/ ٣٩٧، ٣٩٩؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٥٥.
(٤) انظر: المحلى ١/ ١٧٩.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٤٩٢؛ الشرح الكبير ٢/ ٣٤٧.
[ ٢ / ٧٧٥ ]
مرابض (^١) الغنم» (^٢).
ثالثًا: عن جابر بن سمرة -﵁- أن رجلًا سأل رسول الله -ﷺ-: أ أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: «إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا توضأ» قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: «نعم فتوضأ من لحوم الإبل» قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: «نعم) قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: «لا) (^٣).
ومرابض الغنم لا تخلو من أبوالها، فدل على طهارتها، وإلا لما جازت الصلاة فيه (^٤).
رابعًا: عن ابن عباس -﵁- قال: «طاف النبي -ﷺ- بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار إليه» (^٥).
والنبي -ﷺ- أمر بتطهير المساجد وتنظيفها، وقد طاف بالبيت على بعير،
_________________
(١) المرابض جمع مربض، وهو مأوى الغنم. انظر: لسان العرب ٥/ ١٠٩؛ المصباح المنير ص ٢١٥؛ القاموس المحيط ص ٥٧٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٣، كتاب الوضوء، باب أبوال الإبل والدواب، ح (٢٣٤)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٨٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب ابتناء مسجد النبي -ﷺ-، ح (٥٢٤) (١٠).
(٣) سبق تخريجه في ص ٢٨٧.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٤٩٣؛ الشرح الكبير ٢/ ٣٤٧؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٥٩، ٥٧٣.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٣٢٠، كتاب الحج، باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه، ح (١٦١٢)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٣٩٨، كتاب الحج، باب الطواف على بعير وغيره، ح (١٢٧٢) (٢٥٣).
[ ٢ / ٧٧٦ ]
فدل ذلك على أن بول ما يؤكل لحمه طاهر، إذ لو كانت نجسة لكان فيه تعريض المسجد الحرام للتنجيس، مع أن الضرورة ما دعت إلى ذلك (^١).
خامسًا: عن ابن عباس -﵁- أنه قيل لعمر بن الخطاب -﵁-: حدثنا من شأن العسرة، قال: خرجنا إلى تبوك في قيظ (^٢) شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع، حتى نظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله قد عودك الله في الدعاء خيرًا فادع لنا، فقال: «أتحب ذلك؟) قال: نعم، قال: فرفع يديه فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة فسكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر (^٣).
ولو كان ماء الفرث إذا عصر نجسًا لم يجز للمرء أن يجعله على كبده فينجس بعض بدنه وهو غير واجد لماء طاهر يغسل موضع النجس منه (^٤).
_________________
(١) انظر: الإشراف لعبد الوهاب ١/ ٢٨٣؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٣٩٨؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٧٣.
(٢) القيظ: هو شدة الحر. انظر: مختار الصحاح ص ٤٩٢؛ المصباح المنير ص ٥٢١.
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه ص ٤٦٥، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٦٣. وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي. وذكر ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٧٦، أنه أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان، ثم قال بعد ذكر سند ابن حبان: (رجاله كلهم مخرج لهم في الصحيح).
(٤) انظر: صحيح ابن حبان ص ٤٦٥؛ المستدرك للحاكم ١/ ٢٦٣؛ التنقيح لابن عبد الهادي ١/ ٧٧.
[ ٢ / ٧٧٧ ]
سادسًا: عن جابر -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «ما أكل لحمه فلا بأس ببوله» (^١).
وهذا ظاهر في طهارة بول ما يؤكل لحمه.
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: أن الراجح هو القول الثاني، وذلك لما يلي:
أ-لأن أدلة القول الأول ليست نصًا في المسألة؛ لأن قوله: (استنزهوا من البول) وقوله: (لا يستتر من البول) يحتمل كل منهما أن يكون المراد به بول الإنسان، ويؤكد هذا الاحتمال ورود قوله: (لا يستتر من البول) بلفظ: (لا يستتر من بوله)، ويحتمل أن يكون المراد به عموم الأبوال، فيشمل بول ما
_________________
(١) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ١٢٨، وقال: (لا يثبت، عمرو بن الحصين ويحيى بن العلاء ضعيفان، وسوار بن مصعب أيضًا متروك، وقد اختلف عنه، فقيل عنه: ما أكل لحمه فلا بأس بسؤره). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٧٤ بعد ذكر الحديث: (وهذا ترجمة المسألة، إلا أن الحديث قد اختلف فيه قبولا وردًا، فقال أبو بكر عبد العزيز: ثبت عن النبي -ﷺ-، وقال غيره: هو موقوف على جابر. فإن كان الأول فلا ريب فيه، وإن كان الثاني فهو قول صاحب، وقد جاء مثله عن غيره من الصحابة أبي موسى الأشعري وغيره، فينبني على أن قول الصحابة أولى من قول من بعدهم، وأحق أن يتبع، وإن علم أنه انتشر في سائرهم ولم ينكروه، فصار إجماعًا سكوتيًا).
[ ٢ / ٧٧٨ ]
يؤكل لحمه، لكن على هذا الاحتمال-مع ضعفه- يقال: إن بول ما يؤكل لحمه مخصوص منه بدليل الأحاديث الدالة على الطهارة.
ب-ولأن الأحاديث الدالة على طهارتها أكثر وأقوى.
ج-ولأن ما يؤكل لحمه مما يكثر ملابسة الناس له، ومباشرتهم لكثير منه؛ حيث إن الإبل والغنم كانت غالب أموالهم، فلو كانت أبوالها نجسة لا تصح الصلاة معها، ويجب غسل الثياب والأبدان والأواني منها، لبينه النبي -ﷺ- بيانًا يحصل به معرفة الحكم، ولو بين ذلك لنقل، وعدم ذلك كله دليل على طهارة أبوالها وعدم نجاستها (^١).
ثانيًا: أنه لا يصح دعوى نسخ ما يدل على طهارة بول ما يؤكل لحمه؛ وذلك لما يلي:
أ-لأنه لا يوجد دليل على أن حديث: (استنزهوا من البول) كان بعد حديث العرنيين، والنسخ لا بد فيه من دليل يدل على تأخر الناسخ، ولا يثبت ذلك بالاحتمال (^٢).
ب- ولأنه لا يصار إلى النسخ إلا عند عدم التوفيق بين النصين، وهنا يمكن التوفيق بينهما، وذلك بحمل حديث (استنزهوا من البول) على بول الإنسان، أما حديث العرنيين فهو في بول الإبل، ولا منافاة بينهما (^٣).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٧٨، ٥٧٩؛ نيل الأوطار ١/ ٥٠.
(٢) انظر: التنبيه على مشكلات الهداية لابن أبي العز ١/ ٣٦٠؛ فتح الباري ١/ ٧٤٥.
(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٥٥١؛ التنبيه على مشكلات الهداية ١/ ٣٦٠؛ تحفة الأحوذي ١/ ٢٥٥.
[ ٢ / ٧٧٩ ]
ومع هذا ينبغي أن يصلي الشخص نظيف الثوب والبدن والمكان، وأن يتوقى جميع أنواع الأبوال؛ خروجًا من خلاف العلماء، وأداءً للفريضة على يقين.
والله أعلم.
[ ٢ / ٧٨٠ ]