ذهب الطحاوي إلى أن التغليس (^١) بصلاة الصبح-وهو أن يدخل فيها بغلس ويخرج منها بغلس- نسخ بالإسفار- وهو أن يدخل في صلاة الفجر بغلس، ويمد القراءة فيها حتى يخرج منها وقت الإسفار (^٢).
وعكس ذلك الحازمي فذهب إلى أن المنسوخ هو أفضلية الإسفار بصلاة الصبح، وأن الناسخ هو التغليس بها- وهو أن يدخل فيها بغلس، ويخرج منها بغلس- (^٣).
وقريب منه قول شيخ الإسلام ابن تيمية؛ حيث قال-بعد ذكر الحديث الدال على الإسفار-: (وقد يكون منسوخًا؛ لأن التغليس هو فعله حتى مات) (^٤).
_________________
(١) التغليس من الغلس-بفتحتين- وهو ظلمة آخر الليل. انظر: مختار الصحاح ص ٤٢١؛ المصباح المنير ص ٤٥٠؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ٥٦.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٨٤؛ الاعتبار ص ٢٦٩.
(٣) انظر: الاعتبار ص ٢٧١.
(٤) مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩٦.
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ التغليس بصلاة الصبح بما يلي:
أولًا: عن رافع بن خديج -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر» (^٢).
_________________
(١) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٩٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٧٢، كتاب الصلاة، باب في وقت الصبح، ح (٤٢٤)، والترمذي في سننه -واللفظ له- ص ٤٩، كتاب مواقيت الصلاة عن رسول الله -ﷺ-، باب ما جاء في الإسفار بالفجر، ح (١٥٤)، والنسائي في سننه ص ٩٤، كتاب الصلاة، باب الإسفار، ح (٥٤٨)، وابن ماجة في سننه ص ١٢٩، كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر، ح (٦٧٢)، وعبد الرزاق في المصنف ١/ ٥٦٨، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٨٣، والإمام أحمد في المسند ٢٥/ ١٣٣، والدارمي في سننه ١/ ٣٠١، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧٨، وابن حبان في صحيحه ص ٤٩١، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٦٧١، وابن عبد البر في التمهيد ١/ ١٤٧، والحازمي في الاعتبار ص ٢٦٩. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى الكبرى ١/ ٧٩: (حديث صحيح). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٣٥: (قال ابن القطان في كتابه: طريقه طريق صحيح. وعاصم بن عمر وثقه النسائي، وابن معين، وأبو زرعة، وغيرهم، ولا أعرف أحدًا ضعفه ولا ذكره في جملة الضعفاء). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٧٢: (حسن صحيح) وقال في الإرواء ١/ ٢٨١: (صحيح).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
ثانيًا: عن محمود بن لبيد (^١) عن رجال من قومه من الأنصار، أن رسول الله -ﷺ- قال: «ما أسفرتم بالفجر فإنه أعظم بالأجر» (^٢).
ثالثًا: عن عائشة﵂- قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم النبي -ﷺ- المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها، غير المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الصبح لطول قراءتها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى» (^٣).
رابعًا: عن إبراهيم النخعي قال: (ما أجمع أصحاب محمد -ﷺ- على شيء ما أجمعوا على التنوير بالفجر) (^٤).
ويستدل منها على نسخ التغليس بصلاة الصبح على وجهين:
_________________
(١) هو: محمود بن لبيد بن رافع الأنصاري، الأوسي، الأشهلي، أبو نعيم المدني، قال البخاري والترمذي وابن حبان: له صحبة، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: الزهري، وعاصم بن عمر، وغيرهما، وتوفي سنة ست وتسعين، وقيل غيرها. انظر: الإصابة ٣/ ١٧٩٧؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٥٨؛ التقريب ٢/ ١٦٤.
(٢) أخرجه النسائي في سننه ص ٩٤، كتاب الصلاة، باب الإسفار، ح (٥٤٩). وصحح سنده ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٢٦١، والزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٣٨، وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ١/ ٦٧١: (ورجال هذا السند ثقات). وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٨٣: (وهذا سند صحيح كما قال الزيلعي في نصب الراية، ورجاله كلهم ثقات).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٨٣، ٤١٥، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥٣٣.
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٢٨٤، والطحاوي في شرح معاني الاثار ١/ ١٨٤.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
الأول: هو أن حديث عائشة﵂- يدل أن رسول الله -ﷺ- كان يصلي قبل أن يتم الصلاة، على مثال ما يصلي إذا سافر، وحكم المسافر تخفيف الصلاة، ثم أحكم بعد ذلك، فزيد في بعض الصلوات، وأمر بإطالة بعضها، فيجوز أن يكون ما كان يفعل من تغليسه بها، وانصراف النساء منها ولا يعرفن من الغلس، كان ذلك في الوقت الذي كان يصليها فيه على مثل ما يصلى فيه الآن في السفر، ثم أمر بإطالة القراءة فيها، وقال: «أسفروا بالفجر» أي أطيلوا القراءة فيها حتى تخرجوا منها وقت الإسفار، فثبت بذلك نسخ ما كان يفعله من تغليسه بها وانصراف النساء منها ولا يعرفن من الغلس، وأن قوله: «أسفروا بالفجر» بعد ذلك (^١).
واعترض عليه: بأن حديث تغليس النبي -ﷺ- ثابت، وأنه داوم عليه إلى أن فارق الدنيا، فكيف يقال بنسخه؟ (^٢).
الوجه الثاني: أن أصحاب رسول الله -ﷺ- من بعده اتفقوا على الإسفار بصلاة الصبح، ولا يجوز اجتماعهم على خلاف ما قد كان رسول الله -ﷺ- فعله إلا بعد نسخ ذلك، وثبوت خلافه (^٣).
واعترض عليه: بأن جمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم على
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٨٤.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٧٠؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩٦.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٨٤، الاعتبار ص ٢٦٩.
[ ٢ / ٦٥٠ ]
أفضلية التغليس بها، فكيف يقال: إنهم أجمعوا على الإسفار بها؟ (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ الإسفار بصلاة الصبح بما يلي:
أولًا: عن عائشة -﵂- قالت: (كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله -ﷺ- صلاة الفجر، متلفعات (^٢) بمروطهن (^٣)، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة، لا يعرفهن أحد من الغلس) (^٤).
ثانيًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يصلي الظهربالهاجرة، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا وجبت، والعشاء إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر، والصبح بغلس» (^٥).
ثالثًا: عن أم سلمة -﵂- زوج النبي -ﷺ- قالت: «كن نساء
_________________
(١) انظر: مصنف عبد الرزاق ١/ ٥٦٩، ٥٧٣؛ مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٢٨٣؛ التمهيد ١/ ١٤٦؛ الاعتبار ص ٢٧٢؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩٦.
(٢) التلفع: التلحف والتلفف، وتلفع بالثوب إذا اشتمل به. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٦٠٧؛ المصباح المنير ص ٥٥٥.
(٣) المروط جمع مرط، وهو كساء من صوف أو خز، يؤتزر به، وتتلفع المرأة به. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٦٥١؛ مختار الصحاح ص ٥٤٧؛ المصباح المنير ص ٥٦٩.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٩، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، ح (٥٧٨)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٨٠، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح، ح (٦٤٥) (٢٣١).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٧، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا، ح (٥٦٥)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٨١، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح، ح (٦٤٦) (٢٣٣).
[ ٢ / ٦٥١ ]
يشهدن مع رسول الله -ﷺ- صلاة الصبح، فينصرفن متلفعات بمروطهن، ما يعرفن من الغلس» (^١).
رابعًا: حديث أبي مسعود الأنصاري -﵁- عن رسول الله -ﷺ- وفيه: «… وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر» (^٢).
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ١/ ٥٧٣. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٢٣: (رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح ما خلا شيخ الطبراني).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٨، كتاب الصلاة، باب في المواقيت، ح (٣٩٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧٦، -ولفظه: (أن رسول الله -ﷺ- صلى الغداة فغلس بها، ثم صلاها فأسفر، ثم لم يعد إلى الإسفار حتى قبضه الله ﷿) - وابن حبان في صحيحه ص ٤٨٠، والدارقطني في سننه ١/ ٢٥٠، وأخرجه ابن عبد البر في التمهيد ١/ ٨٧، والحازمي في الاعتبار ص ٢٧١، من طريق أبي داود، -ولفظه عند الحازمي: (ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات بعد أن كان يسفر بها). قال الحازمي: (هذا طرف من حديث طويل في شرح الأوقات، وهو حديث ثابت مخرج في الصحيح بدون هذه الزيادة، وهذا إسناد رواته عن آخره ثقات، والزيادة من الثقة مقبولة). وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٢/ ٦: (وصححه ابن خزيمة وغيره) وقال أبو الطيب محمد أبادي في التعليق المغني على سنن الدارقطني: (هذا الحديث إسناده صحيح). وكذلك قال: (قال الخطابي: هو صحيح الإسناد، وقال ابن سيد الناس: إسناده حسن). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦٨: (حسن). وقال أبو داود في سننه ص ٦٨: (روى هذا الحديث عن الزهري: معمر، ومالك، وابن عيينة، وشعيب بن أبي حمزة، والليث بن سعد، وغيرهم، لم يذكروا الوقت الذي صلى فيه ولم يفسروه، وكذلك أيضًا رواه هشام بن عروة، وحبيب بن أبي مرزوق عن عروة، نحو رواية معمر وأصحابه، إلا أن حبيبًا لم يذكر بشيرًا). وذكر ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٢٦٠، كلام أبي داود ثم قال: (وأسامة بن زيد الليثي قال أبو طالب عن أحمد بن حنبل: تركه يحيى بن سعيد بآخره. وقال الأثرم عن أحمد: ليس بشيء. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: روى عن نافع أحاديث مناكير. واختلف فيه الرواية عن يحيى بن معين، فقال مرة: ثقة صالح. وقال مرة: ليس به بأس. وقال مرة: ثقة حجة. وقال مرة: ترك حديثه بآخره. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي، والدارقطني: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: ليس بحديثه بأس. وروى له مسلم في صحيحه). وقال الذهبي وابن حجر عن أسامة بن زيد الليثي: (صدوق، يهم). انظر: المغني في الضعفاء ١/ ١٠٣؛ تقريب التهذيب ١/ ٧٦.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ: بأن حديث عائشة وجابر وأم سلمة -﵃- يدل على أن النبي -ﷺ- كان يصلي الصبح بغلس، وحديث أبي مسعود يدل على أن التغليس بها آخر فعله، فيكون ذلك ناسخًا للإسفار بها (^١).
واعترض عليه: بأن كون النبي -ﷺ- كان يصلي الصبح بغلس صحيح، لكن الحديث الذي فيه أنه -ﷺ- صلى مرة فأسفر بها ثم لم يعد إلى ذلك حتى الموت، فهو زيادة من أحد الرواة لم يذكره الأكثرون، وهو متكلم فيه (^٢)، ثم هذه الزيادة تخالف أحاديث تدل على أن النبي -ﷺ- صلى غير مرة
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٧١؛ مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩٦؛ نصب الراية ١/ ٢٤٠.
(٢) راجع تخريج هذا الحديث وكلام أهل العلم على راويه أسامة بن زيد الليثي.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
بالإسفار، ومن تلك الأحاديث:
أ- عن رافع بن خديج -﵁- يقول: قال رسول الله -ﷺ- لبلال: «يا بلال نور بصلاة الصبح حتى يبصر القوم مواقع نبلهم (^١) من الإسفار» (^٢).
ب- حديث أنس بن مالك -﵁- في أوقات صلاة رسول الله -ﷺ- وفيه: «ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر» (^٣).
_________________
(١) النبل السهام العربية. انظر: مختار الصحاح ص ٥٦٦؛ المصباح المنير ص ٥٩١.
(٢) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده -منحة المعبود في ترتيب مسند الطيالسي أبي داود-ص ٧٤، وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٣٨: (روى ابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهوية، وأبو داود الطياللسي في مسانيدهم، والطبراني في معجمه ..) فذكره. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٢١: رواه الطبراني في الكبير -ثم ذكر رواية ثانية، ثم قال: -وهما من رواية هرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج، وقد ذكرهما ابن أبي حاتم ولم يذكر في أحد منهما جرحًا ولا تعديلًا، قلت: وهرير ذكره ابن حبان في الثقات، وقال: يروي عن أبيه). وقال الشيخ الألباني في إرواء الغليل ١/ ٢٨٤ - بعد ذكر الحديث من طريق أبي داود الطيالسي-: (قلت: هذا إسناد صحيح إن شاء الله تعالى، فإن هرير بن عبد الرحمن ثقة كما روى ابن أبي حاتم عن ابن معين).
(٣) أخرجه النسائي في سننه ص ٩٤، كتاب الصلاة، باب آخر وقت الصبح، ح (٥٥٢)، وأبو داود الطيالسي في مسنده -منحة المعبود-ص ٦٩، -ولفظه: (والصبح من طلوع الفجر إلى أن ينفسح البصر) - وأحمد في المسند ١٩/ ٣٢٢. قال الشيخ الألباني في الإرواء ١/ ٢٨٠: (وإسناده صحيح رجاله رجال الشيخين غير أبي صدقة هذا واسمه توبة الأنصاري البصري، أورده ابن حبان في الثقات ..) ثم قال ولحديث أنس هذا طريق أخرى أخرجه السراج في مسنده -فذكر سنده ومتنه وفيه: - (وكان يصلي الغداة إذا طلع الفجر حين ينفسح البصر، فما بين ذلك صلاته) ثم قال الشيح: (وهذا سند صحيح رجاله كلهم ثقات). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٢٣٩: (حديث آخر يبطل تأويلهم، رواه الإمام أبو محمد القاسم بن ثابت السرقسطي في كتاب غريب الحديث-فذكر سنده إلى أن قال: - سمعت أنسًا يقول: كان رسول الله -ﷺ- يصلي الصبح حين يفسح البصر) انتهى، قال: فقال: فسح البصر، وانفسح: إذا رأى الشيء عن بعد، يعني به إسفار الصبح، انتهى.
[ ٢ / ٦٥٤ ]
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الأفضل من التغليس والإسفار بصلاة الصبح على قولين:
القول الأول: أن الأفضل هو الإسفار بصلاة الفجر، وهو أن يبدأ بها بالإسفار، ويختم بها في الإسفار.
وهو مذهب الحنفية (^١)، ورواية عن الإمام أحمد (^٢)، وروي نحو ذلك عن على ابن أبي طالب، وابن مسعود -﵄- (^٣).
وبه قال إبراهيم النخعي، وطاوس، وسعيد بن جبير، والثوري،
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ١٤٦؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٥؛ مختصر القدوري ص ٢٣؛ الهداية وشرحه العناية ١/ ٢٢٥؛ فتح القدير ١/ ٢٢٦؛ اللباب للمنبجي ١/ ١٧٩.
(٢) انظر: شرح الزركشي ١/ ٢٦٤؛ الإنصاف ٣/ ١٦٦.
(٣) انظر: التمهيد ١/ ١٤٨؛
[ ٢ / ٦٥٥ ]
والحسن بن حي (^١).
القول الثاني: أن الأفضل هو التغليس بها، يبدأها بغلس، ويخرج منها بغلس.
وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
وروي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وأبي موسى الأشعري، وأبي مسعود الأنصاري، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وعبد الله بن الزبير، وعائشة، وأم سلمة﵃- (^٥).
وبه قال: عروة بن الزبير، وعمر بن عبدالعزيز، والليث بن سعد،
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٩٥؛ التمهيد ١/ ١٣٠، ١٣٩، ١٤٨.
(٢) انظر: التمهيد ١/ ١٣٠، ١٤١؛ بداية المجتهد ١/ ١٩٢؛ جامع الأمهات ص ٨١؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٤٢.
(٣) انظر: الأم ١/ ١٥٦؛ التنبيه للشيرازي ص ٣٠؛ العزيز ١/ ٣٨١؛ المجموع ٣/ ٣٩؛ روضة الطالبين ص ٨٤.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٤٤؛ الشرح الكبير ٣/ ١٦٦؛ الممتع ١/ ٣٤٥؛ شرح الزركشي ١/ ٢٦٤؛ الإنصاف ٣/ ١٦٦؛ منار السبيل ١/ ٦٥.
(٥) انظر: الاعتبار ص ٢٧٢؛ المغني ٢/ ٤٤؛ المجموع ٣/ ٣٩.
[ ٢ / ٦٥٦ ]
والأوزاعي، وإسحاق، وداود الظاهري (^١).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن الإسفار بصلاة الصبح أفضل- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأدلة التي استدل بها للقول بنسخ التغليس.
ثانيًا: حديث رافع بن خديج، وأنس بن مالك، وقد سبق ذكرهما (^٢).
ثالثًا: عن عبد الله -﵁- قال: «ما رأيت رسول الله -ﷺ- صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها» (^٣).
والمراد أنه -ﷺ- صلى في غير وقتها المعتاد، وليس المراد أنه صلى الفجر قبل طلوع الفجر، بل إنما غلس بها، فيدل على أنه -ﷺ- كان يسفر بالفجر، وقلما صلاها بغلس (^٤).
واعترض عليه: بأن المراد أنه غلس بها جدًا، مخالفا للتغليس المعتاد، وليس المراد أنه كان يسفر في غير هذا اليوم (^٥).
_________________
(١) انظر: التمهيد ١/ ١٤١؛ الاعتبار ص ٢٧٢.
(٢) سبق ذكرهما في الاعتراض على قول من قال أنه -ﷺ- لم يصل مسفرًا إلا مرة واحدة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٣٣٤، كتاب الحج، باب متى يصلي الفجر بجمع، ح (١٦٨٢)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٤١٣، كتاب الحج، باب استحباب زيادة التغليس بصلاة الصبح يوم النحر، ح (١٢٨٩) (٢٩٢).
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٧٨؛ نصب الراية ١/ ٢٣٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٣/ ٤١٣.
(٥) انظر: المجموع ٣/ ٤١؛ فتح الباري ٣/ ٦٤٦.
[ ٢ / ٦٥٧ ]
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أنها تدل على تفضيل الإسفار؛ حيث أن النبي -ﷺ- أمر به، وبين أنه أعظم للأجر، وعمل به الصحابة -﵃- (^١).
واعترض عليه: بأن النبي -ﷺ- داوم على التغليس، ولم يكن رسول الله -ﷺ- يداوم إلا على ما هو الأفضل (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن التغليس بها أفضل-بأدلة منها ما يلي:
أولًا: الأدلة التي استُدل بها للقول بنسخ الإسفار بصلاة الصبح.
ثانيًا: عن أنس -﵁- أن زيد بن ثابت -﵁- حدثه: «أنهم تسحروا مع النبي -ﷺ- ثم قاموا إلى الصلاة» قلت: كم بينهما؟ قال: قدر خمسين أو ستين، يعني آية) (^٣).
ثالثًا: عن سهل بن سعد -﵁- يقول: (كنت أتسحر في أهلي، ثم يكون سرعة بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله -ﷺ- (^٤).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٧٨ - ١٨٤؛ فتح القدير ١/ ٢٢٥ - ٢٢٦؛ اللباب للمنبجي ص ١٧٩ - ١٨١.
(٢) انظر: التمهيد ١/ ١٤١؛ الاعتبار ص ٢٧٠؛ المغني ٢/ ٤٤.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٨، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، ح (٥٧٥)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٦٩، كتاب الصيام، باب فضل السحور، ح (١٠٩٧) (٤٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٩، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الفجر، ح (٥٧٧).
[ ٢ / ٦٥٨ ]
رابعًا: عن مغيث بن سميّ (^١) قال: صليت مع عبد الله بن الزبير الصبح بغلس، فلما سلم أقبلت على ابن عمر، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: «هذه صلاتنا كانت مع رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وعمر، فلما طعن عمر أسفر بها عثمان» (^٢).
ووجه الاستدلال منها: هو أن هذه الأدلة تدل على أن النبي -ﷺ- غلس بها، وداوم على ذلك، وكذلك أبو بكر وعمر﵄- ومحال أن يتركوا الأفضل ويأتون الدون، وهم النهاية في إتيان الفضائل، فثبت من ذلك أن الأفضل هو التغليس بها (^٣).
واعترض عليه: بأن القول بأن النبي -ﷺ- داوم على التغليس بها معارض بأحاديث تدل على أنه -ﷺ- صلاها كذلك مسفرًا بها، ومنها ما
_________________
(١) هو: مغيث بن سميّ الأوزاعي، أبو أيوب الشامي، ثقة، روى عن: عمر، وابن مسعود، وغيرهما، وروى عنه: زيد بن واقد، وعاصم بن بهدلة، وغيرهما. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٩؛ التقريب ٢/ ٢٠٥.
(٢) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٢٩، كتاب الصلاة، باب وقت الفجر، ح (٦٧١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٦٦٨. قال عنه البخاري: (حديث حسن). وقال الشيخ الألباني: (إسناده صحيح). انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٦٦٨؛ المجموع ٣/ ٤٠؛ إرواء الغليل ١/ ٢٧٩.
(٣) انظر: التمهيد ١/ ١٤١؛ الاعتبار ص ٢٧٠؛ المجموع ٣/ ٣٩، ٤٠.
[ ٢ / ٦٥٩ ]
استُدل بها للقول الأول (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أنه يجوز التغليس والإسفار بصلاة الصبح؛ لأن الكل وقت للفجر.
ثانيًا: أن الأحاديث الدالة على التغليس وأن ذلك كان غالب أحواله -ﷺ-، أكثر، وأقوى وأصح (^٢).
ثالثًا: أن الإسفار بصلاة الصبح فيه كذلك أحاديث صحيحة (^٣)، وهي تدل على أن النبي -ﷺ- لم يداوم على التغليس بحيث لم يكن يعرف بعضهم بعضًا، ويؤيد ذلك حديث أبي برزة الأسلمي (^٤) -﵁-، وفيه: «كان النبي -ﷺ- يصلي الصبح وأحدنا يعرف جليسه، ويقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة» (^٥).
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٧٧ - ١٨٠؛ إرواء الغليل ١/ ٢٨٠.
(٢) انظر: مجموع الفتاوى ٢٢/ ٩٥.
(٣) راجع تخريج أحاديث الإسفار بصلاة الصبح في هذا المسألة.
(٤) هو: نضلة بن عبيد الأسلمي، أبو برزة، صاحب النبي -ﷺ-، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابنه مغيرة، وأبو عثمان النهدي، وغيرهما، وتوفي بعد سنة خمس وستين. انظر: الإصابة ٣/ ١٩٩٧؛ تهذيب التهذيب ١٠/ ٣٩٩؛ التقريب ٢/ ٢٤٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١١٢، كتاب مواقيت الصلاة، باب وقت الظهر عند الزوال، ح (٥٤١)، ومسلم في صحيحه -ولفظه: (وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض) - ٢/ ٢٨٢، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب استحباب التبكير بالصبح، ح (٦٤٧) (٢٣٧). وكذلك أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٧٨، واستدل به للقول بالإسفار.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
رابعًا: أن القول بأن التغليس بصلاة الصبح منسوخ، مخالف للأحاديث الصحيحة الصريحة الدالة على أن النبي -ﷺ- كان يصليها بغلس. ولا يوجد دليل يدل على أن الأمر بالإسفار كان بعد ما كان يغلس بها، وأنه لم يغلس بها بعد ذلك.
خامسًا: أن القول بأن الإسفار بها منسوخ بالتغليس بها، له وجه واحتمال، لكنه ضعيف؛ وذلك لأن الحديث الدال على ذلك هو حديث أبي مسعود -﵁- الذي فيه: «… وصلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إلى أن يسفر». حيث إن في الاستدلال منه على النسخ يلزم القول بنسخ التغليس أولًا؛ لأن الإسفار جاء بعده، ثم نسخ الإسفار بالتغليس ثانيًا، ولا قائل بذلك.
كما أن الزيادة المذكورة فيه والتي يُستدل منها على النسخ، زيادة من أحد الرواة قد تُكلم فيه، ثم هي مخالفة للأحاديث الدالة على الإسفار (^١).
سادسًا: ومن مجموع ما سبق يتبين أن التغليس بها أولى في أغلب الأحوال اتباعًا للنبي -ﷺ-؛ حيث كان أغلب أحواله التغليس، وكان أحيانًا ينصرف منها حين تتميز الوجوه وتتعارف (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) راجع الاعتراض على الاستدلال على نسخ الإسفار بصلاة الصبح.
(٢) انظر: إرواء الغليل ١/ ٢٨٠.
[ ٢ / ٦٦١ ]