الدين الإسلامي دين شامل لجميع نواحي الحياة، فهو يشمل:
-أمور الاعتقاد، من الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وغير ذلك من الأمور الاعتقادية والإيمانيات.
-الإخبار عمّا كان وما يكون، والوعد والوعيد.
-الأحكام العملية، من العبادات، والمعاملات.
والنسخ لا يدخل جميع هذه الأمور، فلذا من الضروري معرفة ما يدخله النسخ ويقع فيه وما لا يدخله.
وتفصيله على النحو الآتي:
أولًا: الأمور التي يقع فيها النسخ
يدخل النسخ ويقع في: الأمر، والنهي-ولو بلفظ الخبر- الدالان على الأحكام الشرعية العملية من العبادات والمعاملات (^١).
ثانيًا: ما لا يقع فيه النسخ ولا يدخله
ذكر أهل العلم عدة أمور مما لا يدخله النسخ ولا يقع فيه، وفيما يلي بيان هذه الأمور-وإن كان بعضها اختلف فيها بعض الناس-:
أ- أصول الاعتقاد، من توحيد الله ﷾، وأسمائه وصفاته،
_________________
(١) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٥٤؛ التمهيد لابن عبد البر-مرتبًا على الأبواب الفقهية للموطأ-١٠/ ٢٩١؛ الإحكام لابن حزم ١/ ٤٨٦؛ البرهان في علوم القرآن للزركشي ٢/ ٣٣؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٣؛ الإتقان للسيوطي ٢/ ٤١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٨.
[ ١ / ١٣٧ ]
والإيمان به، وبملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وغير ذلك من الإيمانيات وأمور الاعتقاد.
وذلك لأن العقائد حقائق صحيحة ثابتة لا تقبل التغيير والتبديل، فلا يتعلق بها نسخ (^١).
ب- أصول العبادات، والمعاملات. وذلك لحاجة الخلق إليهما باستمرار؛ لتزكية النفوس وتطهيرها، ولتنظيم علاقة المخلوق بالخالق، والخلق فيما بينهم على أساسهما؛ لذلك فليس من الحكمة رفعها بالنسخ (^٢).
ج- أمهات الأخلاق، أو الأخلاق العامة، كالبر بالوالدين، والصدق، والعدل، والحياء، وتحريم البغي والإثم، والكذب، ونحوها.
وذلك لأن الحكمة في تشريعها، ومصلحة الناس في التخلق بها، أمور لا تتأثر بمرور الزمن، ولا باختلاف الأشخاص والأمم؛ ولذلك كان دين الأنبياء فيها واحدًا، ولم يتنوع فيها الشرائع، فدل ذلك على عدم وقوع النسخ فيها (^٣).
_________________
(١) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣١٣؛ أصول السرخسي ٢/ ٥٩؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٢٣؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٧، ٢٤٣؛ المسودة في أصول الفقه ص ١٩٦، ١٩٧؛ الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لشيخ الإسلام ٦/ ٥٢١، ٥٢٢؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٥؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٨.
(٢) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٣؛ الجواب الصحيح ٥/ ٣٤١، ٦/ ٥٢٢؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٢؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
[ ١ / ١٣٨ ]
د-مدلولات الأخبار المحضة، كالأخبار عن القرون الماضية والأمم السابقة، والأخبار عمّا يكون في المستقبل، وغيرها. فلا يجوز دخول النسخ في شيء من أخبار الله تعالى، وأخبار رسوله -ﷺ- (^١).
وذلك؛ (لأن المخبر بشيء كان أو يكون، إذا رجع عن ذلك الخبر، لم يخل رجوعه عنه من: تكذيبه لنفسه، أو غلطه فيما أخبر به، أو نسيانه لذلك. وقد جلَّ الله عن ذلك، وعصم رسوله في الشريعة والرسالة منه) (^٢).
فنسخ مدلولات الأخبار يؤدي إلى دخول الكذب في أحد خبري الناسخ والمنسوخ من أخبار الله تعالى وأخبار رسوله -ﷺ-، وهو محال عقلًا ونقلًا. أما عقلًا؛ فلأن الكذب نقص، والنقص عليه تعالى محال (^٣).
وأما نقلًا: فلقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ (^٤).
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٥).
هذا الكلام عن مدلولات الأخبار المحضة، أما نسخ لفظ الخبر دون
_________________
(١) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٣؛ البحر المحيط ٥/ ٢٤٥؛ نواسخ القرآن ١/ ١٣١؛ المسودة ص ١٩٦؛ الجواب الصحيح ٦/ ٥٢١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٦٢؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٢) التمهيد لابن عبد البر-مرتبًا على الأبواب الفقهية للموطأ- ٦/ ٣٥٤. وانظر كذلك ١٠/ ٢٩١، ودرء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ٨/ ٣٨١.
(٣) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٢٤؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٤) سورة النساء، الآية (٨٧).
(٥) سورة النساء، الآية (١٢٢).
[ ١ / ١٣٩ ]
مدلوله فيجوز بلا خلاف بين من قال بجواز النسخ، ولذلك صورتان:
إحداهما: أن تنزل الآية مخبرة عن شيء ثم تنسخ تلاوتها فقط (^١)، ومن أمثلته: ما روي عن أبي موسى الأشعري (^٢) -﵁- أنه قال: (وإنا كنا نقرأ سورة، كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأُنسيتها. غير أنّي قد حفظت منها: ﴿لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب﴾، وكنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات، فأُنسيتها، غير أنّي حفظت منها: ﴿يا أيها الذين آمنوا لِمَ تقولون ما لا تفعلون، فتكتب شهادة في أعناقكم، فتُسألون عنها يوم القيامة﴾ (^٣).
ثانيتهما: أن يأمرنا الشارع بالتحدث عن شيء ثم ينهانا أن نتحدث به (^٤).
كما أن الخبر إذا لم يكن محضًا بل بمعنى الأمر أو النهي فإنه يجوز
_________________
(١) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٤٤؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٢) هو: عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار، أبو موسى الأشعري، قدم مهاجرًا على النبي -ﷺ- زمن فتح خيبر، واستعمله مع معاذ على اليمن، ثم ولي لعمر -﵁- الكوفة والبصرة، وروى عن النبي -ﷺ- وروى عنه ابن المسيب، وطارق بن شهاب، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وأربعين. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ٢٣؛ الإصابة ٢/ ١١١١.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٤/ ٣٧٣، كتاب الزكاة، باب لو كان لابن آدم واديين لابتغى ثالثًا، ح (١٠٥٠) (١١٩).
(٤) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٤٤؛ المسودة في أصول الفقه ص ١٩٦؛ تحفة المسؤول للرهوني ٣/ ٤٠٠؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
[ ١ / ١٤٠ ]
نسخه كذلك بلا خلاف (^١).
وذلك؛ لأن الاعتبار للمعنى (^٢).
فمثال الخبر بمعنى الأمر، قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (^٣).
ومثال الخبر بمعنى النهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٤). فإن معناه: لا تنكحوا مشركة ولا زانية، ولا تُنكحوهما، وذلك على بعض وجوه الاحتمالات (^٥).
ومن الأدلة التي يُستدل بها على عدم دخول النسخ في الأمور السابقة ما يلي:
١ - قوله ﷾: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (^٦).
٢ - قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي
_________________
(١) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٤٧؛ نواسخ القرآن ١/ ١٣١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٢) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٤٧؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٣) سورة البقرة، الآية (٢٢٨).
(٤) سورة النور، الآية (٣).
(٥) انظر: مناهل العرفان ٢/ ٢٢٩.
(٦) سورة الأنبياء، الآية (٢٥).
[ ١ / ١٤١ ]
أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (^١).
٣ - قوله ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (^٣).
٥ - قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٤).
٦ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (^٥).
_________________
(١) سورة الشورى، الآية (١٣).
(٢) سورة البقرة، الآية (١٨٣).
(٣) سورة الحج، الآية (٢٧).
(٤) سورة المائدة، الآية (٤٥).
(٥) سورة المؤمنون، الآية (٥١).
[ ١ / ١٤٢ ]
٧ - عن أبي هريرة (^١) -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» (^٢).
فهذه بعض الأدلة التي تدل على عدم دخول النسخ في الأمور السابقة (^٣).
والله أعلم.
_________________
(١) أبو هريرة اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافًا كثيرًا، وأشهر ما قيل فيه: أنه عبد الرحمن بن صخر، الدوسي، أسلم بعد الحديبية وقبل خيبر، وسكن الصفة وروى عن النبي -ﷺ-، وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا، وروى عنه: ابن عمر، وأنس، وغيرهما وتوفي سنة سبع وخمسين. انظر: الاستيعاب ٤/ ٢٠٢؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٣٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٠٩، كتاب أحاديث الأنبياء، باب قول الله ﴿واذكر في الكتاب مريم﴾، ح (٣٤٤٣)، ومسلم في صحيحه ٧/ ٤٥٤، كتاب الفضائل، باب فضائل عيسى ﵇، ح (٢٣٦٥) (١٤٥).
(٣) انظر: الجواب الصحيح ٦/ ٥٢٢؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٣٠.
[ ١ / ١٤٣ ]