غسل المستحاضة لكل صلاة، أو لتجمع به بين الصلاتين
ذهب الطحاوي (^١) إلى أن غسل المستحاضة (^٢) لكل صلاة، أو غسلها لتجمع به بين الصلاتين، منسوخ بالوضوء لكل صلاة؛ لذلك لا يجب عليها بعد غسلها من المحيض إلا الوضوء لكل صلاة (^٣).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، إلا أن السبب الأصلي للاختلاف فيها هو اختلاف ظواهر الأحاديث الواردة فيها (^٤).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عائشة -﵂- أنها قالت: استفتت أم حبيبة بنت جحش (^٥) رسول الله -ﷺ-، فقالت: إني استحاض، فقال: «إنما ذلك عرق
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٠٣، ١٠٥.
(٢) الاستحاضة لغة استفعال من الحيض، يقال: استحيضت المرأة إذا استمر بها الدم. انظر: الصحاح ١/ ١٠٧٣؛ النظم التستعذب ١/ ٤٥؛ المغني لابن بابطيش ١/ ٢/ ٦٠. والاستحاضة اصطلاحًا: دم علة يسيل من عرق في أدنى الرحم يقال له العاذل. مغني المحتاج ١/ ١٠٨.
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ٤٤٢؛ بداية المجتهد ١/ ١٢٣؛ فتح الباري ١/ ٥٣٥؛ سبل السلام ١/ ١٨٢.
(٤) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٢٢.
(٥) هي: حبيبة بنت جحش بن رئاب، الأسدية، أم حبيبة-شقيقة زينب زوج النبي -ﷺ-، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٥٧؛ الإصابة ٤/ ٢٤٦٥.
[ ١ / ٦١٣ ]
فاغتسلي، ثم صلي» فكانت تغتسل عند كل صلاة) (^١).
وفي رواية عنها﵂- أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول
الله -ﷺ- «فأمرها بالغسل لكل صلاة» (^٢).
ثانيًا: عن عائشة -﵂- قالت: «استحيضت امرأة على عهد رسول الله -ﷺ- فأُمرت أن تعجل العصر وتؤخر الظهر، وتغتسل لهما غسلًا،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٠، كتاب الحيض، باب عرق الاستحاضة، ح (٣٢٧)، ومسلم في صحيحه -واللفظ له- ٢/ ٢٠، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، ح (٣٣٤) (٦٣) ثم قال: (قال الليث بن سعد: لم يذكر ابن شهاب أن رسول الله -ﷺ- أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة، ولكنه شيء فعلته هي).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥١، كتاب الطهارة، باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، ح (٢٩٢)، والنسائي في سننه ص ٤١، كتاب الطهارة، باب ذكر الأقراء، ح (٢٠٩)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٩٨، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥١٦. قال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٥٣٥: (وأما ما وقع عند أبي داود من رواية سليمان بن كثير وابن إسحاق عن الزهري في هذا الحديث: (فأمرها بالغسل لكل صلاة) فقد طعن الحفاظ في هذه الزيادة؛ لأن الأثبات من أصحاب الزهري لم يذكرها، لكن روى أبو داود من طريق يحيى بن كثير عن أبي سلمة عن زينب بنت أبي سلمة في هذه القصة: (فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة) فيحمل الأمر على الندب جمعًا بين الروايتين هذه ورواية عكرمة). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٥١.
[ ١ / ٦١٤ ]
وأن تؤخر المغرب وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا، وتغتسل لصلاة الصبح غسلًا» (^١).
ثالثًا: عن عائشة -﵂- أن سهلة بنت سهيل (^٢) استحيضت فأتت النبي -ﷺ- «فأمرها أن تغتسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر بغسل، والمغرب والعشاء بغسل، وتغتسل للصبح» (^٣).
رابعًا: عن عائشة -﵂- قالت: استحيضت فاطمة بنت أبي حبيش (^٤)، فسألت النبي -ﷺ- فقالت: يا رسول الله إني أُستحاض فلا أطهر،
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥١، كتاب الطهارة، باب من قال تجمع بين الصلاتين، وتغتسل لهما غسلًا، ح (٢٩٤)، والنسائي في سننه ص ٤٢، كتاب الطهارة، باب ذكر اغتسال المستحاضة، ح (٢١٣)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٠٠، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥١٩. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داودص ٥١.
(٢) هي: سهلة بنت سهيل بن عمرو القرشية العامرية، أسلمت قديمًا، وهاجرت مع زوجها أبي حذيفة بن عتبة إلى الحبشة، فولدت له هناك محمد بن أبي حذيفة. انظر: تجريد أسماء الصحابة ٢/ ٢٧٩؛ الإصابة ٤/ ٢٥٤٤.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥١، كتاب الطهارة، باب من قال تجمع بين الصلاتين وتغتسل لهما غسلًا، ح (٢٩٥)، والدارمي في سننه ١/ ٢٢٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٠١. قال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٧١: (وقد قيل إن ابن إسحاق وهم فيه). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود، ص ٥١.
(٤) هي: فاطمة بنت قيس-أبي حبيش- بن المطلب بن أسد، القرشية الأسدية، من المهاجرات، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها عروة. انظر: الإصابة ٤/ ٢٦٠١؛ التهذيب ١٢/ ٣٩٢.
[ ١ / ٦١٥ ]
أفأدع الصلاة؟ قال رسول الله -ﷺ-: «إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، وتوضئي وصلي، فإنما ذلك عرق، وليست بالحيضة» (^١).
وفي رواية عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه بهذا اللفظ النسائي في سننه ص ٦٤، كتاب الحيض والاستحاضة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، ح (٣٦٤)، ثم قال: (قد روى هذا الحديث غير واحد عن هشام بن عروة، ولم يذكر فيه (وتوضئي) غير حماد، والله أعلم) وأخرجه البخاري في صحيحه-بمعناه- ص ٥٢، كتاب الوضوء، باب غسل الدم، ح (٢٢٨)، وأبو داود في سننه ص ٤٩، كتاب الطهارة، باب من روى أن الحيضة إذا أدبرت لا تدع الصلاة، ح (٢٦٢)، والترمذي في سننه ص ٤١، أبواب الطهارة، باب في المستحاضة، ح (١٢٥)، وقال: (حسن صحيح). وقال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٥١٢ - بعد ذكر إحدى طرق الحديث-: (وفيه اختلاف ثالث أشرنا إليه في باب غسل الدم من رواية أبي معاوية فذكر مثل حديث الباب وزاد: (ثم توضئي لكل صلاة) ورددنا هناك قول من قال: إنه مدرج، وقول من جزم بأنه موقوف على عروة، ولم ينفرد أبو معاوية بذلك، فقد رواه النسائي من طريق حماد بن زيد عن هشام، وادعى أن حمادًا تفرد بهذه الزيادة، وأومأ مسلم أيضًا إلى ذلك، وليس كذلك، فقد رواها الدارمي من طريق حماد بن سلمة والسراج من طريق يحيى بن سليم كلاهما عن هشام). ورواية النسائي قال عنه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٦٤: (صحيح الإسناد) وقال في إرواء الغليل ١/ ١٦٧، عن رواية الترمذي: (وسنده على شرط الشيخين).
[ ١ / ٦١٦ ]
فقالت: يا رسول الله! إني امرأة أُستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، اجتنبي الصلاة أيام محيضك، ثم اغتسلي، وتوضئي لكل صلاة، وإن قطر الدم على الحصير» (^١).
خامسًا: عن فاطمة بنت أبي حبيش -﵂- أنها كانت تستحاض، فقال لها
النبي -ﷺ-: «إذا كان دم الحيض فإنه دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي» (^٢).
سادسًا: عن عائشة -﵂- أنها قالت في المستحاضة: (تدع
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٢، كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر، ح (٢٩٧)، وابن ماجة في سننه-واللفظ له- ص ١٢١، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، ح (٦٢٤)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٠٢، والدارقطني في سننه ١/ ٢١١، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥٠٨. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٢١: (صحيح دون قوله: (وإن قطر الدم على الحصير)، وقال في إرواء الغليل ١/ ١٤٦: (صحيح) ثم ذكر من خرجه ثم قال: (رجاله كلهم ثقات، وقد صرح ابن ماجة والدارقطني في روايتيهما أن عروة هو ابن الزبير، ولكن حبيبًا لم يسمع منه، فهو منقطع، ولكن تابعه هشام بن عروة عند البخاري، وغيره، فالحديث صحيح ولكن بدون هذه الزيادة (وإن قطر الدم على الحصير).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٣، كتاب الطهارة، باب من قال: توضأ لكل صلاة، ح (٣٠٤)، والنسائي في سننه ص ٦٤، كتاب الحيض والاستحاضة، باب الفرق بين دم الحيض والاستحاضة، ح (٣٦٢)، والدارقطني في سننه ١/ ٢٠٧. وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٦٤: (حسن صحيح).
[ ١ / ٦١٧ ]
الصلاة أيام حيضها ثم تغتسل غسلًا واحدًا، وتتوضأ عند كل صلاة) (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن عائشة -﵂- روت حديث غسل المستحاضة لكل صلاة، وروت حديث جمع المستحاضة بين الصلاتين بغسل واحد، وروت مع ذلك حديث سهلة الدال على أن جمع المستحاضة بين الصلاتين بغسل واحد كان بعد الأمر بالغسل لكل صلاة، كما أنها روت حديث وضوء المستحاضة لكل صلاة، ثم هي كانت بعد النبي -ﷺ- تفتي المستحاضة بالوضوء لكل صلاة، فثبت بذلك أن هذا الحكم وهو وضوء المستحاضة لكل صلاة هو الناسخ للحكمين السابقين، وهما الغسل لكل صلاة، والجمع بين الصلاتين بغسل واحد؛ لأنه لا يجوز على عائشة أن تدع الناسخ وتفتي بالمنسوخ (^٢).
واعترض عليه: بأن ادعاء أن أمر المستحاضة بالغسل لكل صلاة، أو الأمر لها بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد، كان واجبًا ثم نسخ بالوضوء لكل صلاة، احتمال، ويحتمل كذلك أن الأمر بذلك كان للندب والاستحباب،
_________________
(١) أخرجه الدارمي في سننه ١/ ٢٢٣، ٢٢٤، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٠٥، والبيهقي في سننه ١/ ٥١١. وأخرجه أبو داود في سننه -مختصرا- ص ٥٣، كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر، وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٥٢.
(٢) انظر: شرح معاني الاثار ١/ ١٠٥؛ التمهيد ٢/ ٤٣٩، ٤٤٢؛ بداية المجتهد ١/ ١٢٥؛ فتح الباري ١/ ٥٣٥.
[ ١ / ٦١٨ ]
وأن الواجب عليها كان هو الوضوء لكل صلاة، والقول بهذا الاحتمال أولى؛ لأن به الجمع بين هذه الأحاديث كلها، ولا يصار إلى النسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث والعمل بها كلها (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم فيما يجب على المستحاضة على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم الوضوء لكل صلاة.
وهو قول جمهور أهل العلم (^٢)، وممن قال به: الحنفية (^٣)، والشافعية (^٤)، والحنابلة (^٥).
وروي ذلك عن: على، وابن مسعود، وابن عباس، وعائشة، -﵃-.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٥٣٥؛ سبل السلام ١/ ١٨٢.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٤٤٣؛ بداية المجتهد ١/ ١٢١؛ المجموع ٢/ ٣٨٢؛ فتح الباري ١/ ٥٣٥.
(٣) انظر: الأصل ١/ ٣٣٥؛ شرح معاني الآثار ١/ ١٠٦؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٦٨؛ الهداية وشرح العناية ١/ ١٧٩؛ الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ١/ ٤٣٨.
(٤) انظر: الأم ١/ ١٣٣؛ مختصر المزني ص ٢١؛ المجموع ٢/ ٣٨٢؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ١١١.
(٥) انظر: المغني ١/ ٤٢١، ٤٢٢؛ الشرح الكبير ٢/ ٤٥٥؛ الفروع ١/ ٣٨٨؛ الإنصاف ٢/ ٤٥٥.
[ ١ / ٦١٩ ]
وبه قال: عروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، والليث، والأوزاعي، وسفيان الثوري، وروي نحوه عن سعيد بن المسيب (^١).
القول الثاني: لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا من الحدث.
وهو قول المالكية (^٢)، وقول عكرمة، وربيعة (^٣).
القول الثالث: يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة.
وروي ذلك عن: علي، وابن عمر، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير -﵃-، وعطاء بن أبي رباح (^٤).
القول الرابع: يجب على المستحاضة ثلاثة أغسال: فتؤخر الظهر، وتعجل العصر، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتؤخر المغرب، وتعجل العشاء، وتغتسل لهما غسلًا واحدًا، وتغتسل للصبح غسلًا.
روي ذلك عن: علي، وابن عباس -﵄-، وإبراهيم النخعي، وعطاء،
وسعيد بن المسيب، وعكرمة (^٥).
_________________
(١) انظر: الاستذكار ١/ ٣٨٦، ٣٨٩؛ المجموع ٢/ ٣٨٢.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٤٤٣؛ الاستذكار ١/ ٣٨٦؛ بداية المجتهد ١/ ١٢١؛ جامع الأمهات ص ٧٦.
(٣) انظر: سنن أبي داود ص ٥٤؛ الاستذكار ١/ ٣٨٦.
(٤) انظر: الاستذكار ١/ ٣٨٧؛ المجموع ٢/ ٣٨٢.
(٥) انظر: سنن الدارمي ١/ ٢٢٥؛ الاستذكار ١/ ٣٨٨.
[ ١ / ٦٢٠ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم الوضوء لكل صلاة-بأدلة منها ما يلي:
أولًا: حديث عائشة الذي فيه الأمر بالوضوء لكل صلاة، وقد سبق ذكره (^١).
ثانيًا: حديث فاطمة بنت أبي حبيش، وفيه الأمر كذلك بالوضوء لكل صلاة (^٢).
ثالثًا: عن ثابت (^٣)، عن أبيه (^٤)، عن النبي -ﷺ- أنه قال في المستحاضة: «تدع الصلاة أيام أقرائها التي كانت تحيض فيها، ثم تغتسل، وتتوضأ عند كل صلاة، وتصوم، وتصلي» (^٥).
_________________
(١) انظر تخريجه في ص ٤٠٩.
(٢) انظر تخريجه في ص ٤١٠.
(٣) هو: ثابت الأنصاري، والد عدي بن ثابت، قيل: هو ابن قيس بن الخطيم، وهو جدي عدي لا أبوه، وقيل اسم أبيه: دينار، وقيل: عمرو بن اخطب، وقيل عبيد بن عازب، فهو مجهول الحال. اظر: تهذيب التهذيب ٢/ ١٧؛ التقريب ١/ ١٤٨.
(٤) أبو ثابت مجهول، وقد اختلف في اسمه على أقوال، انظر ذلك في ترجمة ابنه ثابت.
(٥) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٢، كتاب الطهارة، باب من قال تغتسل من طهر إلى طهر، ح (٢٩٧)، والترمذي في سننه-واللفظ له- ص ٤١، أبواب الطهارة، باب ما جاء أن المستحاضة تتوضأ لكل صلاة، ح (١٢٦)، وابن ماجة في سننه ص ١٢١، كتاب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة التي قد عدت أيام أقرائها قبل أن يستمر بها الدم، ح (٦٢٥)، والدارمي في سننه ١/ ٢٢٣. والحديث ضعفه أبو داود في سننه، وقال الترمذي: (تفرد به شريك عن أبي اليقظان) وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٦٩: (وإسناده ضعيف) وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٥٢، وصحيح سنن الترمذي ص ٤١، وقال في إرواء الغليل ١/ ٢٢٥: (صحيح) ثم ذكر قول الترمذي: (تفرد به شريك عن أبي اليقظان) ثم قال: (قلت: وهما ضعيفان، ولكن الحديث صحيح؛ لأن له شواهد).
[ ١ / ٦٢١ ]
رابعًا: عن عكرمة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت فأمرها النبي -ﷺ- «أن تنتظر أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي، فإن رأت شيئا من ذلك توضأت وصلت» (^١).
ووجه الاستدلال من هذه الأحاديث ظاهر؛ حيث جاء فيها الأمر بالوضوء لكل صلاة، فدل على وجوبه فقط، لا على وجوب غيره (^٢).
دليل القول الثاني
ويستُدل للقول الثاني-وهو أنه لا يجب على المستحاضة إلا الغسل من المحيض، ثم يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب إلا من الحدث- بما يلي:
أولًا: الأحاديث التي جاء فيها الأمر بالوضوء، وحمل الأمر فيها على الاستحباب؛ لأنه لا يرفع الحدث الدائم، فحمل الأمر به على
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٤، كتاب الطهارة، باب من لم يذكر الوضوء إلا عند الحدث، ح (٣٠٥). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ١١١: (إسناده صحيح على شرط الشيخين، وصححه عبد الحق في أحكامه).
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٠٦؛ التمهيد ٢/ ٤٤٠؛ المغني ١/ ٤٢٣؛ فتح الباري ١/ ٥٣٥.
[ ١ / ٦٢٢ ]
الاستحباب (^١).
ثانيًا: عن عائشة -﵂- أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله -ﷺ-، يا رسول الله إني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله: «إنما ذلك عرق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلى» (^٢).
ووجه الاستدلال منه هو: أنه ليس فيه ذكر الوضوء، ولو كان الوضوء عليها واجبًا لما سكت عن أن يأمرها به (^٣).
واعترض عليه: بأن عدم ذكر الوضوء في حديث لا يدل على عدم وجوبه؛ لذكره في أحاديث أخرى، والأمر فيها ظاهر في الوجوب (^٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الغسل على المستحاضة لكل صلاة- بما يلي:
أولًا: حديث عائشة الذي فيه الأمر بالغسل لكل صلاة، وقد سبق
_________________
(١) انظر: التمهيد ٢/ ٤٤٤.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٦٦، كتاب الحيض، باب الاستحاضة، ح (٣٠٦)، ومسلم في صحيحه ٢/ ١٦، كتاب الحيض، باب المستحاضة وغسلها وصلاتها، ح (٣٣٣) (٦٢).
(٣) انظر: التمهيد ٢/ ٤٤٤.
(٤) انظر: المغني ١/ ٤٢٣؛ فتح الباري ١/ ٥١٢، ٥٣٥.
[ ١ / ٦٢٣ ]
ذكره (^١).
ثانيًا: عن زينب بنت أبي سلمة﵂- أن امرأة كانت تهراق الدم -وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف- أن رسول الله -ﷺ- «أمرها أن تغتسل عند كل صلاة وتصلي» (^٢).
وفي الحديثين الأمر بالغسل لكل صلاة، فدل ذلك على وجوبه (^٣).
واعترض عليه: بأن حمله على الندب أولى؛ جمعًا بين هذه الأحاديث والأحاديث التي فيها الأمر بالوضوء فقط لكل صلاة (^٤).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع-وهو أنه يجب على المستحاضة ثلاثة أغسال- بما يلي:
أولًا: حديث عائشة -﵂الذي فيه الأمر بثلاثة أغسال، وقد سبق ذكره (^٥).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٤٠٨.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥١، كتاب الطهارة، باب من روى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، ح (٢٩٣)، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٥١٧، وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٤٣٦. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٥١.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٩٨؛ التمهيد ٢/ ٤٣٦.
(٤) انظر: فتح الباري ١/ ٥٣٥.
(٥) سبق تخريجه في ص ٤٠٨.
[ ١ / ٦٢٤ ]
ثانيًا: عن أسماء بنت عميس (^١) -﵂- قالت: قلت: يا رسول الله إن فاطمة بنت أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا، فلم تصل، فقال رسول الله -ﷺ-: «سبحان الله! ذا من الشيطان، لتجلس في مركن (^٢)، فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصرغسلًا واحدًا، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلًا واحدًا، وتغتسل للفجر غسلًا واحدًا، وتتوضأ فيما بين ذلك» (^٣).
ووجه الدلالة من الحديثين: أن فيهما الأمر بثلاثة أغسال فدل ذلك على وجوبها (^٤).
واعترض عليه: بأن الأمر فيهما للاستحباب والاختيار، بدليل الأحاديث
_________________
(١) هي: أسماء بنت عميس بن معد، الخثعمية، تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: ابنها عبد الله بن جعفر، والقاسم بن محمد، وغيرهما، وتوفيت بعد علي -﵁-. انظر: الإصابة ٤/ ٢٤١٧؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٣٤٩.
(٢) المركن، بكسر الميم: الإجانة التي يغسل فيها الثياب. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٦٨٧؛ المصباح المنير ص ٢٣٨.
(٣) أخرجه النسائي في سننه ص ٦٤، كتاب الحيض والاستحاضة، باب جمع المستحاضة بين الصلاتين، وغسلها إذا جمعت، ح (٣٦١)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٠٠. وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ٦٤.
(٤) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٠٠؛ التمهيد ٢/ ٤٣٨.
[ ١ / ٦٢٥ ]
الدالة على جواز الاكتفاء بالوضوء لكل صلاة، وبحديث حمنة بنت جحش (^١) -﵂- حيث جاء فيه: «وإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، فتغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين الظهر والعصر، وتؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين، وتجمعين بين الصلاتين، فافعلي، وتغتسلين مع الفجر فافعلي، وصومي إن قدرت على ذلك. قال رسول الله -ﷺ-: وهذا أعجب الأمرين إليّ» (^٢).
فدل كل هذا أن الأمر بهذه الأغسال للاستحباب دون الوجوب (^٣).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله
_________________
(١) هي: حمنة بنت جحش بن رئاب بن يعمر الأسدية، أخت أم المؤمنين زينت، كانت تحت مصعب بن عمير، فقتل عنها يوم أحد، ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله، وكانت من المبايعات. انظر: الإصابة ٤/ ٢٤٧٢؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٣٦٢.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٥٠، كتاب الطهارة، باب من قال إذا أقبلت الحيضة تدع الصلاة، ح (٢٨٧)، والترمذي في سننه ص ٤١، أبواب الطهارة، باب ما جاء في المستحاضة أنها تجمع بين الصلاتين بغسل واحد، ح (١٢٨)، وابن ماجة في سننه ص ١٢٢، كتاب الطهارة، باب ما جاء في البكر إذا ابتدأت مستحاضة أو كان لها أيام حيض فنسيتها، ح (٦٢٧)، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٨٠. قال الإمام أحمد والترمذي: حديث حسن صحيح، وحسنه البخاري والشيخ الألباني. انظر: سنن الترمذي ص ٤١؛ إرواء الغليل ١/ ٢٠٢.
(٣) انظر: الكافي لابن قدامة ١/ ١٨٠؛ سبل السلام ١/ ١٨٤.
[ ١ / ٦٢٦ ]
أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن نسخ غسل المستحاضة لكل صلاة أو غسلها لتجمع به بين الصلاتين، بالوضوء لكل صلاة محتمل، إلا أن الجمع بين الأحاديث الواردة في المسألة أولى من القول بالنسخ، وذلك بحمل الأمر الوارد فيها بالوضوء على الوجوب، وحمل الأمر الوارد فيها بالغسل لكل صلاة، أو بالغسل لتجمع به بين الصلاتين على الاستحباب (^١).
ثانيًا: إن الواجب على المستحاضة الوضوء لكل صلاة، لكن الأفضل لها والأولى الغسل لكل صلاة، ثم الغسل لتجمع به بين الصلاتين، وبهذا يجمع بين هذه الأحاديث كلها (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٥٣٥.
(٢) انظر: الكافي لابن قدامة ١/ ١٨٠؛ فتح الباري ١/ ٥٣٥؛ سبل السلام ١/ ١٨٤.
[ ١ / ٦٢٧ ]