ذهب الخطابي (^١)، والماوردي (^٢) إلى أن الإقعاء (^٣) في الصلاة منسوخ، ومنهي عنه.
والقول بالنسخ في المسألة أحد أسباب الاختلاف عند القائلين به، لكن السبب الأصلي لاختلاف الفقهاء فيها هو اختلاف الآثار الواردة فيها، واختلافهم في المراد بالإقعاء (^٤).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عائشة﵂- قالت: كان رسول الله -ﷺ- يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع
_________________
(١) انظر قوله في: معالم السنن ١/ ٤٠٢؛ المجموع ٣/ ٢٨٩، التلخيص الحبير ١/ ٢٥٨؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٧٧.
(٢) لم أجد قوله في كتابه الحاوي، ولعله في كتاب آخر له، وقد نسبه إليه ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٥٨، وتبعه الشوكاني في نيل الأوطار ٢/ ٢٧٧.
(٣) الإقعاء فُسر بتفسيرين، أو هما نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض، وينصب ساقيه، ويضع يديه على الأرض، كإقعاء الكلب. هكذا فسره أبو عبيدة وغيره. الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين. انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠٨؛ الاستذكار ١/ ٥٢٥؛ النهاية في غريب الحديث ٢/ ٤٧٥؛ المغني ٢/ ٢٠٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٩؛ المصباح المنير ص ٥١٠؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٥٨؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٥٤ ..
(٤) انظر: بداية المجتهد ١/ ٢٦٩، ٢٧٠؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٩.
[ ٢ / ٨٩٥ ]
لم يُشخِصْ رأسه ولم يُصَوِّبْه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع رأسه من الركوع لم يسجد حتى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسًا، وكان يقول في كل ركعتين التَّحِيَّة، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وكان ينهى عن عقبة (^١) الشيطان، وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبُعِ، وكان يختم الصلاة بالتسليم) (^٢).
ثانيًا: عن علي -﵁- قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: «يا علي أحب لك ما أحب لنفسي،
وأكره لك ما أكره لنفسي، لا تقع بين السجدتين» (^٣).
وفي رواية عنه -﵁- قال: قال النبي -ﷺ-: «يا علي لا تقع إقعاء الكلب) (^٤).
_________________
(١) وفي رواية: عن عقب الشيطان. وهو الإقعاء، وقد مر تفسيره.
(٢) سبق تخريجه في مسألة الجهر بالتسمية، ص ٥٥١.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ص ٧٩، كتاب الصلاة، باب ما جاء في كراهية الإقعاء بين السجدتين، ح (٢٨٢)، وابن ماجة في سننه ص ١٦٥، كتاب الصلاة، باب الجلوس بين السجدتين، ح (٨٩٤)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٧٣. قال الترمذي: (هذا حديث لا نعرفه من حديث علي إلا من حديث أبي إسحاق عن الحارث، عن علي. وقد ضعف بعض أهل العلم الحارث الأعور). وقال البيهقي: (الحارث الأعور لا يحتج به). والحديث ضعفه النووي، والشيخ الألباني. انظر: المجموع ٣/ ٢٨٧؛ ضعيف سنن الترمذي ص ٧٩.
(٤) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ١٦٥، كتاب الصلاة، باب الجلوس بين السجدتين، ح (٨٩٥) وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ص ١٦٥: (حسن). وفي سنده الحارث الأعور.
[ ٢ / ٨٩٦ ]
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: (أمرني رسول الله -ﷺ- بثلاث ونهاني عن ثلاث: أمرني بركعتي الضحى كل يوم، والوتر قبل النوم، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، ونهاني عن نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب) (^١).
رابعًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- قال: (إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى، وتثني اليسرى) (^٢).
خامسًا: حديث أبي حميد الساعدي -﵁- في صفة صلاة رسول الله -ﷺ-، وفيه: (ثم يقول: الله أكبر، ثم يهوي إلى الأرض، فيجافي يديه عن جنبيه، ثم يرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها، ويفتح أصابع رجليه إذا سجد، ويسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع رأسه ويثني رجله اليسرى فيقعد عليها حتى يرجع كل عظم إلى موضعه، ثم يصنع في
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند ١٣/ ٤٦٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٧٣. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٨٣: (رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط، وإسناد أحمد حسن). وفي سند رواية أحمد شريك القاضي، ويزيد بن أبي زياد، وفي رواية البيهقي ليث بن أبي سليم، وقد تكلموا فيهم. وقال النووي: ليس في النهي عن الإقعاء حديث صحيح. انظر: السنن الكبرى ٢/ ١٧٣؛ المجموع ٣/ ٢٨٧.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٦٤، كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد، ح (٨٢٧).
[ ٢ / ٨٩٧ ]
الأخرى مثل ذلك» (^١).
فهذه الأدلة تدل على أن السنة في الجلوس هو أن تنصب رجلك اليمنى، وتفرش اليسرى
وتجلس عليها، كما أن فيها النهي عن الإقعاء، فيمكن أن يكون حديث ابن عباس -﵁- الذي يدل على سنية الإقعاء منسوخًا بهذه الأدلة، ولعل ابن عباس -﵁- لم يبلغه النهي (^٢).
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث وعلم التاريخ، وهنا لا يُعلم المتأخر من المتقدم، ثم الجمع بينها ممكن، وذلك بحمل الأحاديث الدالة على النهي على الإقعاء الذي هو أن يضع أليتيه ويديه على الأرض وينصب ساقيه، وحمل ما يدل على سنية الإقعاء على الإقعاء الذي هو أن يضع أليتيه على عقبيه وتكون ركبتاه في الأرض، فكلاهما إقعاء لكن أحدهما جائز والآخر مكروه (^٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
ولا خلاف بين أهل العلم في عدم جواز الإقعاء الذي فُسر بأن يجلس الرجل على أليتيه ناصبًا فخذيه مثل إقعاء الكلب (^٤)، واختلفوا في
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٤٤.
(٢) انظر: معالم السنن للخطابي ١/ ٤٠٢؛ المجموع ٣/ ٢٨٩؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٥٨؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٧٧.
(٣) انظر: الاستذكار ١/ ٥٢٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٧٣؛ المجموع ٣/ ٢٨٩؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٥٨؛ إرواء الغليل ٢/ ٢٢.
(٤) انظر: الاستذكار ١/ ٥٢٥؛ بداية المجتهد ١/ ٢٦٩؛ المغني ٢/ ٢٠٦؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٥٤؛ أوجز المسالك إلى موطأ مالك للكاندهلوي ٢/ ٢١٤.
[ ٢ / ٨٩٨ ]
الإقعاء الذي هو أن ينصب القدمين ويجلس على العقبين على قولين:
القول الأول: يكره الإقعاء في الصلاة.
وهو مذهب الحنفية (^١)، والمالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وقول أكثر أهل العلم (^٥).
القول الثاني: أنه لا بأس بالإقعاء بين السجدتين، وأنه من السنة.
وهو رواية عن الإمام الشافعي (^٦)، وعن الإمام أحمد (^٧)، وروي ذلك عن ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير -﵃-، وسالم، ونافع، وطاوس، وعطاء، ومجاهد (^٨).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٨؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠٨؛ بدائع الصنائع ١/ ٥٠٥؛ حاشية ابن عابدين ٢/ ٣٥٤.
(٢) انظر: التمهيد ٣/ ٢١٦؛ الاستذكار ١/ ٥٢٥؛ بداية المجتهد ١/ ٢٦٩؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ٢/ ٢٦١.
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٢٦؛ معالم السنن ١/ ٤٠١؛ المهذب مع شرحه المجموع ٣/ ٢٨٧؛ التنبيه ص ٤٦؛ الوجيز وشرحه العزيز ١/ ٥٢٥ مغني المحتاج ١/ ١٥٤.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٢٠٦؛ الكافي ١/ ٣٠٨؛ الفروع ١/ ٢٧٥؛ الإقناع ١/ ١٩٥؛ منتهيى الإرادات ١/ ٦٠.
(٥) انظر: سنن الترمذي ص ٧٩؛ معالم السنن ١/ ٤٠١؛ المغني ٢/ ٢٠٦.
(٦) انظر: المجموع ٣/ ٢٨٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٢/ ١٨٩.
(٧) انظر: المغني ٢/ ٢٠٦؛ الكافي ١/ ٣٠٨؛ الفروع ١/ ٢٧٥.
(٨) انظر: التمهيد ٣/ ٢١٧؛ المغني ٢/ ٢٠٦؛ المجموع ٣/ ٢٨٨؛ تحفة الأحوذي ٢/ ١٧٣.
[ ٢ / ٨٩٩ ]
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو كراهة الإقعاء في الصلاة- بأدلة منها ما سبق ذكره في دليل القول بالنسخ؛ حيث جاء في بعضها صفة الجلوس بأن ينصب رجله اليمنى ويجلس على رجله اليسرى، وجاء في بعضها النهي عن الإقعاء، فدل ذلك على كراهة الإقعاء (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن نصب القدمين والجلوس على العقبين جائز وسنة- بما يلي:
أولًا: عن طاوس يقول: قلنا لابن عباس -﵁- في الإقعاء على القدمين فقال: «هي السنة» فقلنا له: إنا لنراه جفاء بالرجل، فقال ابن عباس: «بل هي سنة نبيك -ﷺ-) (^٢).
ثانيًا: عن عبد الله بن عمر -﵁- أنه إذا سجد حين يرفع رأسه من السجدة الأولى يقعد على أطراف أصابعه ويقول: «إنه من السنة» (^٣).
ثالثًا: عن طاوس سمع ابن عباس يقول: «من السنة أن يمس عقبيك
_________________
(١) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ٣٠٨؛ التمهيد ٣/ ٢١٧؛ المغني ٢/ ٢٠٦.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٨٩، كتاب المساجد، باب جواز الإقعاء على العقبين، ح (٥٣٦) (٣٢).
(٣) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٧٢، وصححه في ص ١٧٣. وصحح سنده ابن حجر في التلخيص الحبير ١/ ٢٥٧.
[ ٢ / ٩٠٠ ]
إليتيك» قال طاوس: (ورأيت العبادلة الثلاثة يقعون، ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير﵃-) (^١).
فهذه الأدلة تدل على أن الإقعاء على القدمين بين السجدتين سنة كالافتراش (^٢).
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة، والأدلة، يظهر لي- والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: إن ادعاء نسخ الإقعاء غير صحيح؛ لأن الأحاديث الواردة في النهي عن الإقعاء وفي سنيته لا يعلم المتأخر منه عن المتقدم، ثم الجمع بينهما ممكن كما سبق ذلك، فلذلك يكون القول بالنسخ مرجوحًا وغير صحيح (^٣).
ثانيًا: أن الراجح هو القول بأن الإقعاء بين السجدتين سنة كالافتراش، وهو أن ينصب القدمين ويجلس على العقبين مع كون الركبتين على الأرض، وذلك لما يلي:
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٢/ ١٩٢، ونحوه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٧٢. وصحح سنده ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٥٧.
(٢) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٧٢؛ المجموع ٣/ ٢٨٩؛ إرواء الغليل ٢/ ٢٢.
(٣) انظر: الاستذكار ١/ ٥٢٦؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٧٣؛ المجموع ٣/ ٢٨٩؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٥٨؛ إرواء الغليل ٢/ ٢٢.
[ ٢ / ٩٠١ ]
أ-لأن النهي جاء عن إقعاء كإقعاء الكلب، وإقعاء الكلب هو أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه، ويضع يديه بالأرض. فهذا هو المنهي عنه، وهو غير النوع الذي قيل بسنيته، لذلك لا يكون هذا النهي مشتملًا للنوع الذي قيل بسنيته (^١).
ب- ولأن هذا القول يمكن أن يجمع به بين الأحاديث، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنا لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ١٧٢؛ المجموع ٣/ ٢٨٩؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ٤١٠؛ إرواء الغليل ٢/ ٢٢.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٤٩٥؛ المجموع ٣/ ٢٨٩؛ التلخيص الحبير ١/ ٢٥٨.
[ ٢ / ٩٠٢ ]