ذهب بعض أهل العلم إلى أن صلاة المصلي إذا صلى وأمامه تصاوير (^١) كان أولًا لا بأس به، ثم نسخ ذلك ونُهي عنه.
وممن صرح بالنسخ: الحازمي (^٢)، وأبو حامد الرازي (^٣)، وأبو إسحاق الجعبري (^٤).
ويستدل للقول بالنسخ: بحديث عائشة﵂- أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدودة إلى سهوة (^٥)، فكان النبي -ﷺ- يصلي إليه، فقال: «أخريه عني» قالت: فأخرته فجعلته وسائد (^٦).
وفي رواية عنها﵂- قالت: كان في بيتي ثوب فيه تصاوير،
_________________
(١) التصاوير: التماثيل، والصورة التمثال. انظر: مختار الصحاح ص ٣٢٧؛ المصباح المنير ص ٣٥٠.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢١٨، ٥٢٧.
(٣) انظر: الناسخ والمنسوخ في الأحاديث ص ١٠١.
(٤) انظر: رسوخ الأحبار ص ٢٨٧.
(٥) السهوة: بيت صغير منحدر في الأرض قليلًا، شبيه بالمخدع والخزانة، وقيل: هو كالصفة تكون بين يدي البيت، وقيل: شبيه بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٨٣١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ٥/ ٢٧٣.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٥/ ٢٧٤، كتاب اللباس، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، ح (٢١٠٧) (٩٣). وأخرج البخاري قريبًا منه في كتاب المظالم، باب هل تكسر الدنان التي فيها الخمر، ح (٢٤٧٩).
[ ٢ / ١٠٠٧ ]
فجعلته إلى سهوة في البيت، فكان رسول الله -ﷺ- يصلي إليه، ثم قال: «يا عائشة أخريه عني» فنزعته فجعلته وسائد (^١).
والحديث يدل أن النبي -ﷺ- صلى إلى جهة ذلك الثوب، وكان فيه تصاوير، ثم أمر بتأخيره وإزالته، فدل ذلك على النهي من ذلك، وعلى نسخ الصلاة إلى جهة فيها صورة (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى نهي الصلاة إلى ما فيه صور، وعلى كراهة ذلك.
منهم الحنفية (^٣)، والمالكية (^٤)، والشافعية (^٥)، والحنابلة (^٦).
وذلك:
أ-لحديث عائشة -﵂الذي سبق ذكره في دليل القول
_________________
(١) أخرجه النسائي في سننه ص ١٢٦، كتاب القبلة، باب الصلاة إلى ثوب فيه تصاوير، ح (٧٦١)، والدارمي في سننه-نحوه-٢/ ٣٦٩، والحازمي في الاعتبار ص ٢١٨، ص ٥٢٧، وقال: (هذا حديث صحيح، وله طرق في الصحاح). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن النسائي ص ١٢٦.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٥٢٧؛ رسوخ الأحبار ص ٢٨٧.
(٣) إلا انهم استثنوا ما إذا كانت الصورة صغيرة بحيث لا تبدو للناظر. انظر: الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٤١٥؛ العناية ١/ ٤١٤؛ البناية ٢/ ٥٤٦؛ الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٢/ ٣٦٠.
(٤) انظر: التمهيد ١٦/ ١٣٦.
(٥) انظر: روضة الطالبين ص ١٣٠؛ مغني المحتاج ١/ ١٨٧؛
(٦) انظر: المغني ٣/ ٨٨؛ الفروع ٢/ ٢٧٦.
[ ٢ / ١٠٠٨ ]
بالنسخ.
ب-ولأن فيه تشبيه بعبادة غير الله (^١).
هذا والقول بنسخ الصلاة إلى ما فيه صورة، يصح لو كان صلاة النبي -ﷺ- إلى ما فيه صورة عن قصد وإباحة، وإلا فيصح الاستدلال من حديث عائشة﵂على النهي عن الصلاة إلى ما فيه صورة، ولا يصح الاستدلال منه على الإباحة ثم نسخ ذلك. …
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المغني ٣/ ٨٨.
[ ٢ / ١٠٠٩ ]