أجمع أهل العلم على أنه يجوز للجنب أن يعود إلى الجماع قبل الاغتسال (^١).
وذهب الطحاوي إلى أن الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع قد نُسخ؛ لذلك لا بأس للجنب إن يعود إلى الجماع وإن لم يتوضأ (^٢).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف عند بعض الفقهاء، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو اختلاف ظواهر الآثار الواردة في المسألة، والاختلاف في مفهومها، أي هل هي للوجوب أو الندب والاستحباب. وسيتبين ذلك من خلال ذكر الأدلة ووجه الاستدلال منها (^٣).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عائشة﵂قالت: «كان رسول الله -ﷺ- يجامع ثم يعود ولا يتوضأ، وينام ولا يغتسل» (^٤).
_________________
(١) انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٤٦؛ فتح الباري ١/ ٤٧١.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٢٨، ١٢٩؛ عمدة القاري ٣/ ٢٤٤؛ حاشية الطحطاوي ص ٥٥.
(٣) راجع الأدلة الآتية ووجه الاستدلال منها. وانظر: بداية المجتهد ١/ ٨٧.
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٢٧. وذكره ابن حجر في الفتح ١/ ٤٧١، واستدل به على عدم وجوب الوضوء ولم يتكلم فيه بشيء. وأخرجه الإمام أحمد في المسند ٤١/ ٢٩٣، ولفظه: (كان رسول الله -ﷺ- إذا كان له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء) وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي وهو سيئ الحفظ، وقد سبق في المطلب السابق بلفظ: (كان رسول الله -ﷺ- يصيب من أهله من أول الليل ثم ينام ولا يمس ماء، فإذا استيقظ من آخر الليل عاد إلى أهله واغتسل) وسبق الكلام عليه هناك.
[ ١ / ٤١٢ ]
ثانيًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ فإنه أنشط للعود» (^١).
ثالثًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: «كان النبي -ﷺ- يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار وهن إحدى عشرة» (^٢) ..
وفي رواية عنه -﵁-: (أن النبي -ﷺ- كان يطوف على نسائه بغسل واحد) (^٣).
رابعًا: عن ابن عباس -﵁- قال: (كنا عند النبي -ﷺ- فجاء من الغائط وأتي
_________________
(١) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه ١/ ١١٠، وابن حبان في صحيحه-وللفظ له-ص ٤٢٣، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٥٤، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ٣١٤. قال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين). وذكره ابن حجر في الفتح ١/ ٤٧١، ولم يتكلم فيه بشيء.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٥٩، كتاب الغسل، باب إذا جامع ثم عاد، ح (٢٦٨)، ومسلم في صحيحه ٣/ ١٠٨، كتاب الحيض، باب نوم الجنب واستحباب الوضوء له، ح (٣٠٩) (٢٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٠٨، كتاب الحيض، باب نوم الجنب واستحباب الوضوء له، ح (٣٠٩) (٢٨).
[ ١ / ٤١٣ ]
بطعام فقيل له: ألا توضأ؟ فقال: «لِمَ أ أصلي فأتوضأ؟» (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على جواز ترك الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع، فيجوز أن يكون الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد أن يعود في حال ما كان الجنب لا يستطيع ذكر الله تعالى حتى يتوضأ فأُمر بالوضوء ليُسمّي عند جماعه كما أمر بذلك رسول الله -ﷺ-، ثم رخص لهم أن يتكلموا بذكر الله وهو جنب فارتفع ذلك، فيكون الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود منسوخًا بذلك، ويدل عليه حديث عائشة﵂- أنه -ﷺ- كان يجامع ثم يعود ولا يتوضأ. فهذا ناسخ للأمر بالوضوء عند المعاودة إلى الجماع (^٢).
ويعترض عليه: بأن نسخ الوضوء للجنب إذا أراد العود للجماع بنسخ الذِّكْرِ على غير طهارة احتمال، والنسخ لا يثبت بالاحتمال.
كما أنه لا يصار إلى النسخ إلا عند تعذر الجمع بين الأحاديث، وهنا الجمع بينها ممكن، وذلك بحمل ما ورد في ترك الوضوء على الجواز، وما ورد في الأمر به على الاستحباب والندب (^٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٢٦٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٢٩؛ حاشية الطحطاوي ص ٥٥.
(٣) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٩؛ المغني ١/ ٣٠٥؛ المجموع ٢/ ١٢٥؛ الممتع ١/ ٢٣٩؛ الشرح الكبير للمقدسي ٢/ ١٥٤؛ فتح الباري ١/ ٤٧١.
[ ١ / ٤١٤ ]
وقد اختلف أهل العلم في الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود إلى الجماع على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنه لا بأس للجنب أن يعود إلى الجماع قبل الوضوء، لكن الأفضل له أن يتوضأ قبل أن يعود.
وهو مذهب الحنفية (^١)، ونحوه قول المالكية (^٢)، والحنابلة (^٣)، وروي نحو ذلك عن الحسن، وابن سيرين (^٤).
القول الثاني: أنه يستحب للجنب إذا أراد العود إلى الجماع أن يتوضأ وضوءه للصلاة، ويكره تركه.
وهو قول الشافعية (^٥)، ونحوه قول عند الحنابلة (^٦).
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٥٣؛ الموطأ لمحمد ص ٤٦؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٧٤؛ المبسوط ١/ ٧٧، ٧٨؛ بدائع الصنائع ١/ ١٥١؛ شرح مسند أبي حنيفة ص ٤٧؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٢٨٥؛ حاشية الطحطاوي ص ٥٥.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ٣٠٧؛ الاستذكار ١/ ٣٢٣؛ بداية المجتهد ١/ ٨٧؛ جامع الأمهات ص ٦٢؛ التاج والإكليل ١/ ٤٦١.
(٣) انظر: مسائل الإمام أحمد وإسحاق ٢/ ٣٥١؛ المغني ١/ ٣٠٣؛ الممتع ١/ ٢٣٩؛ الشرح الكبير ٢/ ١٥٢؛ الفروع ١/ ٢٦٩؛ الإنصاف ٢/ ١٥٤.
(٤) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٧٩.
(٥) انظر: العزيز ١/ ١٨٧؛ روضة الطالبين ص ٣٩؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٤٦؛ المجموع ٢/ ١٢٤.
(٦) انظر: الإنصاف ٢/ ١٥٤.
[ ١ / ٤١٥ ]
القول الثالث: أن الجنب إذا أراد العود إلى الجماع يجب عليه أن يتوضأ وضوءه للصلاة.
وهو قول بعض الظاهرية، منهم ابن حزم (^١).
وروي الأمر بالوضوء عن عمر، وابن عمر﵄- وعكرمة، وإبراهيم النخعي، وعطاء (^٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أنه لا بأس للجنب إذا أراد العود إلى الجماع أن لا يتوضأ بين ذلك إلا أنه مستحب- بالأدلة السابقة في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عائشة﵂- صريح في ذلك؛ حيث أن النبي -ﷺ- كان يعود ولا يتوضأ (^٣).
وأما حديث أبي سعيد الخدري -﵁- فلأنه ذُكر فيه أن الوضوء أنشط للعود، فدل أن الأمر للإرشاد أو الندب، لا للوجوب (^٤).
وأما حديث أنس -﵁- فليس فيه ذكر الوضوء فلعله -ﷺ- ترك الوضوء لبيان
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٠٢؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٤٦؛ فتح الباري ١/ ٤٧١.
(٢) انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١/ ٧٩؛ المحلى ١/ ١٠٢.
(٣) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٢٧؛ فتح الباري ١/ ٤٧١.
(٤) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٩؛ صحيح ابن حبان ص ٤٢٣؛ فتح الباري ١/ ٤٧١.
[ ١ / ٤١٦ ]
الجواز (^١).
وأما حديث ابن عباس -﵁- فيدل على أن الوضوء إنما يراد للصلاة فقط (^٢).
دليل القول الثاني:
ويستدل للقول الثاني-وهو استحباب الوضوء للجنب إذا أراد العود للجماع ويكره تركه - بحديث أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» (^٣).
ووجه الاستدلال منه ظاهر؛ حيث فيه الأمر بالوضوء للجنب إذا أراد العود، لكن حمل على الاستحباب دون الوجوب بدليل أحاديث الجواز (^٤).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث-وهو وجوب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود- بدليل القول الثاني.
_________________
(١) انظر: الأوسط ٢/ ٩٥؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٤٦؛ البدر المنير لابن الملقن ٢/ ٥٧٢؛ فتح الباري ١/ ٤٩٠.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ١٢٨.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٠٨، كتاب الحيض، باب جواز نوم الجنب واستحباب الوضوء له، ح (٣٠٨) (٢٧).
(٤) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٩، ١١٠؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٥٤٦؛ المجموع ٢/ ١٢٥؛ نيل الأوطار ١/ ٢١٦.
[ ١ / ٤١٧ ]
ووجه الاستدلال منه: أن فيه الأمر بالوضوء، وهو للوجوب (^١).
ويعترض عليه: بأن الأمر في هذا الحديث ليس للوجوب بدليل الرواية الثانية له وغيره من أحاديث الجواز (^٢).
الراجح
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وهو استحباب الوضوء للجنب إذا أراد أن يعود للجماع، ولا بأس بتركه، وذلك لأنه يمكن أن يجمع به بين الأحاديث الواردة في المسألة، وما دام يمكن الجمع بين الأحاديث فإنه لا يصار معه إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ (^٣).
كما أن الأحاديث الواردة في المسألة ليس فيها ما يدل على أن بعضها ناسخة لبعضها.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: المحلى ١/ ١٠٢؛ فتح ا لباري ١/ ٤٧١.
(٢) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٩، ١١٠؛ المجموع ٢/ ١٢٥؛ نيل الأوطار ١/ ٢١٦.
(٣) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ١٠٩، ١١٠؛ الاعتبار ص ٤٩٥؛ المجموع ٢/ ١٢٥؛ المغني ١/ ٣٠٥؛ الممتع ١/ ٢٣٩.
[ ١ / ٤١٨ ]