ذهب بعض أهل العلم، منهم عروة بن الزبير، وربيعة بن أبي عبد الرحمن (^١)، وداود الظاهري إلى: أن النهي الوارد عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، قد نُسخ بالأحاديث الدالة على جواز ذلك؛ لذالك يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط، سواء كان ذلك في الصحراء أو البنيان (^٢).
وذهب ابن حزم إلى عكس ذلك، فقال: إن ما ورد في إباحة الاستقبال أو الاستدبار بعضها لا يصح، وبعضها منسوخ بالأحاديث الواردة في النهي، وأن النهي بعد الإباحة (^٣).
وتبين منه أن أحد أسباب الاختلاف في هذه المسألة هو القول بالنسخ؛
_________________
(١) هو: ربيعة بن أبي عبد الرحمن-فروخ-التيمي مولاهم المدني، الفقيه، أبو عثمان، المعروف بربيعة الرأي، روى عن أنس بن مالك، وابن المسيب، وغيرهما. وروى عنه: سفيان، ومالك، وغيرهما. وكان إمامًا حافظًا فقيهًا، وتوفي سنة ست وثلاثين ومائة-وقيل غير ذلك-. انظر: تذكرة الحفاظ ١/ ١٥٧؛ تهذيب التهذيب ٣/ ٢٣٠.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٦؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٥؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٧٤؛ التمهيد ٤/ ٣٨٥، ٣٨٦؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٣؛ الحاوي ١/ ١٥١؛ الاعتبار للحازمي ص ١٣٤؛ المغني ١/ ٢٢٠؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧؛ المجموع ٢/ ٩٥، ٩٧؛ نيل الأوطار ١/ ٧٧، ٧٨، ٨٢.
(٣) انظر المحلى ١/ ١٩١ - ١٩٢.
[ ١ / ٣١٠ ]
حيث إن أصحاب القول الأول قالوا بإباحة الاستقبال والاستدبار مطلقًا لمّا رأوا أن الأحاديث الدالة على النهي منسوخة بالأحاديث الدالة على الجواز. كما أن اختلاف الأحاديث الواردة في المسألة سبب آخر للاختلاف فيها (^١).
ويستدل لمن قال بنسخ ما ورد في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة بما يلي:
أولًا: عن ابن عمر -﵁- قال: (ارتقيت فوق ظهر بيت حفصة (^٢) لبعض حاجتي «فرأيت
رسول الله -ﷺ- يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام» (^٣).
ثانيًا: عن جابر بن عبد الله -﵁- قال: «نهى نبي الله -ﷺ- أن نستقبل القبلة
_________________
(١) انظر: الاعتبار للحازمي ص ١٣٤؛ المغني ١/ ٢٢٠؛ المجموع ٢/ ٩٧؛ نيل الأوطار ١/ ٧٧، ٧٨، ٨٢.
(٢) هي: حفصة بنت عمر بن الخطاب، العدوية، أم المؤمنين، تزوجها النبي -ﷺ- سنة ثلاث من الهجرة، وكانت قبل ذلك تحت خنيس بن حذافة، وروت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها: أخوها عبد الله، وابنها حمزة، وغيرهما، وتوفيت سنة إحدى وأربعين، وقيل غير ذلك. انظر: الاستيعاب ٤/ ٢٦٨؛ الإصابة ٤/ ٢٧٣.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٣٨؛ كتاب الوضوء، باب التبرز في البيوت، ح (١٤٨)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٥٦، كتاب الطهارة، باب آداب قضاء الحاجة، ح (٢٦٦) (٦٢).
[ ١ / ٣١١ ]
ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» (^١).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٧، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك، ح (١٣)، والترمذي في سننه ص ١٤، أبواب الطهارة، باب ما جاء من الرخصة في ذلك، ح (٩)، وابن ماجة في سننه ص ٧٥، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري، ح (٣٢٥)، والإمام أحمد في المسند ٢٣/ ١٥٧ - ولفظه: (كان رسول الله -ﷺ- نهانا عن أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء، قال: ثم رأيته قبل موته بعام يبول مستقبل القبلة) -، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٣٤، وابن الجارود في المنتقى ص ٢٦، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٧٠، والدارقطني في سننه ١/ ٥٩، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٥٧، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٠، والحازمي في الاعتبار ١/ ٢٠٨. والحديث قال عنه الترمذي في سننه ص ١٤: (حديث حسن غريب). وقال الدارقطني في سننه عن رجال سنده ١/ ٥٩: (كلهم ثقات). وقال الحاكم في المستدرك ١/ ٢٥٧: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي في التلخيص فقال: (على شرط مسلم). وقال ابن عبد البر في التمهيد ٤/ ٣٨٧: (وليس حديث جابر بصحيح عنه فيعرج عليه، لأن أبان بن صالح الذي يرويه ضعيف). وقال النووي في المجموع ٢/ ٩٦: (حديث حسن). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٩: (رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن غريب، وهو من رواية محمد بن إسحاق وقال البخاري: هذا حديث حسن صحيح). وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود ١/ ٢٢: (وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق، وليس هو ممن يحتج به في الأحكام فكيف أن يعارض بحديثه الأحاديث الصحاح أو ينسخ به السنن الثابتة؟ مع أن التأويل في حديثه ممكن والمخرج منه معرض) ثم قال: (وهو-لو صح-حكاية فعل لا عموم لها، ولا يعلم هل كان في فضاء أو بنيان؟ وهل كان لعذر: من ضيق مكان ونحوه، أو اختيارًا؟ فكيف يقدم على النصوص الصحيحة الصريحة بالمنع). وقال ابن حجر في التلخيص ١/ ١٠٤: (وصححه البخاري فيما نقل عنه الترمذي وحسنه هو والبزار، وصححه أيضًا ابن السكن، وتوقف فيه النووي لعنعنة ابن إسحاق، وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وغيره، وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح، ووهم في ذلك فإنه ثقة باتفاق، وادعى ابن حزم أنه مجهول فغلط). وصححه كذلك الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ١٤. وأبان بن صالح هذا هو: أبان بن صالح بن عمير، القرشي مولاهم. وثقه يحيى بن معين والعجلي ويعقوب بن شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن حجر: وثقه الأئمة، ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه، وكذلك قال بعد ذكر قول ابن عبد البر وابن حزم فيه: (وهذا غفلة منهما وخطأ تواردا عليه، فلم يضعف أبان هذا أحد قبلهما، ويكفي فيه قول ابن معين ومن تقدم معه). انظر: التهذيب ١/ ٨٦؛ التقريب ١/ ٥١.
[ ١ / ٣١٢ ]
ثالثًا: عن عائشة﵂- قالت: ذكر عند رسول الله -ﷺ- قوم يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة فقال: «أراهم قد فعلوها، استقبلوا بِمَقْعَدَتِي القبلةَ» (^١).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٧٥، كتاب الطهارة، باب الرخصة في ذلك في الكنيف وإباحته دون الصحاري، ح (٣٢٤)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٤٠، -ولفظه: (عن عائشة أن رسول الله -ﷺ- أمر بخلائه فحول قبل القبلة لما بلغه أن الناس كرهوا ذلك)، وفي رواية ثانية عنده: (عن عائشة قالت: ذكر عند رسول الله -ﷺ- أن قومًا يكرهون أن يستقبلوا بفروجهم القبلة، قال: قال رسول الله -ﷺ-: (استقبلوا بمقاعدكم إلى القبلة) -، والإمام أحمد في مسنده ٤١/ ١٤٠، وفي ٤٢/ ٣٢٩، -ولفظه فيه: (فقال عراك حدثتني عائشة أن رسول الله -ﷺ- لما بلغه قول الناس في ذلك أمر بمقعدته فاستقبل بها القبلة) - والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٤، والدارقطني في سننه ١/ ٥٩، ٦٠، -وقال بعد ذكر عدة روايات: (وهذا أضبط إسناد، وزاد فيه خالد ابن أبي الصلت، وهو الصواب). وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٥٠، -وقال: (تابعه حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في إقامة إسناده، ورواه عبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن رجل عن عراك عن عائشة، ورواه أبو عوانة وغيره عن خالد الحذاء عن عراك عن عائشة). قال النووي في المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧: (وإسناده حسن)، وقال في المجموع ٢/ ٩٣: (وإسناده حسن، لكن أشار البخاري في تاريخه في ترجمة خالد بن أبي الصلت إلى أن فيه علة). وقال ابن عبد الهادي في التنقيح ١/ ٩١: (وقال أحمد: أحسن ما روي في الرخصة حديث عراك، وإن كان مرسلًا فإن مخرجه حسن. سماه مرسلًا؛ لان عراكًا لم يسمع من عائشة. وقد روى أحمد والدارقطني في بعض طرق هذا الحديث أن عراكًا قال: حدثتني عائشة. وهذا يدل على سماعه منها، ويقوي ذلك أن مسلمًا أخرج في صحيحه: حدثنا عراك عن عائشة، والمراسيل والمنقطعات ليست من شروط الصحيح). وقال ابن القيم في تهذيب سنن أبي داود ١/ ٢٢: (هذا حديث لا يصح، وإنما هو موقوف على عائشة، حكاه الترمذي في كتاب العلل عن البخاري. وقال بعض الحفاظ: هذا حديث لا يصح، وله علة لا يدركها إلا المعتنون بالصناعة المعانون عليها، وذلك أن خالد بن أبي الصلت لم يحفظ متنه، ولا أقام إسناده، خالفه فيه الثقة الثبت صاحب عراك بن مالك المختص به، الضابط لحديثه: جعفر بن ربيعة الفقيه، فرواه عن عراك عن عروة عن عائشة: أنها كانت تنكر ذلك. فبين أن الحديث لعراك عن عروة ولم يرفعه ولا يجاوز به عائشة. وجعفر بن ربيعة هو الحجة في عراك بن مالك. مع صحة الأحاديث عن النبي -ﷺ- وشهرتها بخلاف ذلك) ثم ذكر عن الإمام أحمد أنه قال أن هذا الحديث مرسل، وأنكر أن يكون عراك بن مالك سمع من عائشة. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ٧٦: (قلت ذكر المزي عن البخاري أنه قال: وهذا الذي علل به البخاري الخبر ليس بقادح، فالإسناد الأول حسن رجاله ثقات معروفون، وقد أخطأ من قال: إن خالد بن أبي الصلت مجهول).
[ ١ / ٣١٣ ]
وفي رواية عنها﵂-: (أنها رأت النبي -ﷺ- يستقبل القبلة لحاجته بعد النهي) (^١).
رابعًا: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي (^٢) قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- يبول مستقبل القبلة» وأنا أول من حدث الناس بذلك (^٣).
_________________
(١) أخرجه ابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٧١، من طريق عراك عن عائشة.
(٢) هو: عبد الله بن الحارث بن جزء-بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها همزة- الزبيدي- بضم الزاي- أبو الحارث، روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: عبيد الله بن المغيرة، وعمرو بن جابر، وغيرهما، وسكن مصر، وهو آخر من مات بها من الصحابة، وتوفي سنة ست وثمانين، وقيل في غيرها. انظر: التهذيب ٥/ ١٥٩؛ التقريب ١/ ٤٨٤؛ شذرات الذهب ١/ ٩٧.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٢٩/ ٢٤٨، عن طريق يحيى بن إسحاق قال: حدثنا ابن لهيعة عن عبيد الله بن المغيرة، قال: أخبرني عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيد، فذكره. وأخرجه في ٢٩/ ٢٤٥، عن طريق حسن قال: حدثنا ابن لهيعة، ثنا سليمان بن زياد الحضرمي أنه سمع عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: (نهانا رسول الله -ﷺ- أن يبول أحدنا مستقبل القبلة) فهذه الرواية مخالفة للرواية السابقة، وموافقة لما روي عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي من غير طريق ابن لهيعة كما سيأتي تخريجه في أدلة القول الثاني. وعبد الله بن لهيعة هو: عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن، قاضي مصر، ضعفه ابن معين والنسائي. وقال أبو زرعة وأبو حاتم: أمره مضطرب، يكتب حديثه للاعتبار. وعن الإمام أحمد أنه قال: من كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟. وقال: ما كان محدث مصر إلا ابن لهيعة. وقال أيضًا: ما حديث ابن لهيعة بحجة، وإني لأكتب كثيرًا مما أكتب لاعتبر به، ويقوي بعضه بعضًا. وقال ابن حجر: صدوق خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون. انظر: ميزان الاعتدال ٢/ ٤٧٥ - ٤٧٨؛ التهذيب ٥/ ٣٣١ - ٣٣٤؛ التقريب ١/ ٥٢٦. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢١٠ - بعد ذكر حديث عبد الله بن الحارث-: (قلت: روى له ابن ماجة أنه أول من سمع النبي -ﷺ- ينهى عن ذلك، وهذا يدل على النسخ، رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة وهو ضعيف).
[ ١ / ٣١٥ ]
خامسًا: عن عمار بن ياسر -﵁- قال: «رأيت النبي -ﷺ- مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول» (^١).
_________________
(١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢١١: (رواه الطبراني في الكبير وفيه جعفر بن الزبير وقد أجمعوا على ضفه). وجعفر بن الزبير كذبه شعبة، وقال ابن معين: ليس بثقة. وقال البخاري والنسائي والدارقطني: متروك الحديث. وقال أبو زرعة: ليس بشيء. وقال الإمام أحمد: أضرب على حديث جعفر. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٠٦؛ التهذيب ٢/ ٨٢.
[ ١ / ٣١٦ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن الإباحة وردت بعد النهي، وحديث جابر -﵁- صريح في ذلك؛ حيث يدل على أن النبي -ﷺ- استقبلها بعد النهي، وأن هذا الاستقبال كان قبل أن يقبض بعام، مما يدل على أنه كان آخر الأمرين.
كما أن بعض ألفاظ حديث عائشة﵂- يدل على ذلك (^١).
واعترض عليه: بأنه لا يصار إلى النسخ إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، أما إذا أمكن الجمع بين الأحاديث فإنه لا يصار معه إلى النسخ، بل يجب الجمع بينها، والعمل بجميعها، وهنا أمكن الجمع بين الأحاديث، وذلك بحمل الأحاديث الواردة في النهي على الفضاء، وبحمل ما ورد في الجواز على البناء (^٢).
دليل من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار
أولًا: عن أبي أيوب الأنصاري -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «إذا أتيتم الغائط
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٥؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٧٤؛ الاعتبار للحازمي ص ١٣٦؛ المغني ١/ ٢٢٠؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨، ٨٠، ٨٢.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ التمهيد ٤/ ٣٨٣؛ الحاوي ١/ ١٥٣؛ الاعتبار ص ١٣٦؛ المغني ١/ ٢٢١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧؛ المجموع ٢/ ٩٧.
[ ١ / ٣١٧ ]
فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها، ولكن شرقوا أو غربوا» قال أبو أيوب: (فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض بُنيت قبل القبلة فننحرف ونستغفر الله تعالى) (^١).
ثانيًا: عن سلمان (^٢) -﵁- قال: قيل له: قد علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة، قال: فقال: أجل «لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين، أو أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو بعظم» (^٣).
ثالثًا: عن أبي هريرة -﵁- عن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها» (^٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٨٥، كتاب الصلاة، باب قبلة أهل المدينة وأهل الشام، ح (٣٩٤)، ومسلم في صحيحه ٣/ ٥١، كتاب الطهارة، باب آداب قضاء الحاجة، ح (٢٦٤) (٩٥).
(٢) هو: سلمان الفارسي أبو عبد الله، ويقال له سلمان الخير، أصله من أصبهان، وقيل من رامهرمز، أسلم عند قدوم النبي -ﷺ- المدينة، وأول مشاهده الخندق، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: أنس وابن عباس، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وثلاثين، وقيل غير ذلك. انظر: التهذيب ٤/ ١٢٤؛ شذرات الذهب ١/ ٤٤.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٥٠، كتاب الطهارة، باب الاستطابة، ح (٢٦٢) (٥٧).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ٥٣، كتاب الطهارة، باب آداب قضاء الحاجة، ح (٢٦٥) (٦٠).
[ ١ / ٣١٨ ]
رابعًا: عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي يقول: أنا أول من سمع النبي -ﷺ- يقول: «لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة» وأنا أول من حدث الناس بذلك (^١).
ويستدل منها على النسخ: بأن الأحاديث الدالة على الجواز موافقة لما كان عليه الناس قبل النهي فيكون حكمها منسوخًا بأحاديث النهي (^٢).
واعترض عليه: بأن أدلة من قال بنسخ ما يدل على نهي الاستقبال والاستدبار محتملة لما قاله؛ حيث فيها ما يدل على تاخرها، أما أدلة من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار فليس فيها ما يدل على أنها متأخرة عما يدل على الجواز، ومجرد كون الحكم موافقا لما كان عليه الناس قبل الإسلام ثم ثبوت النهي عن ذلك الحكم، فهذا لا يعد من الناسخ والمنسوخ، وعلى تقدير أنه يقال له ذلك فيحتمل أنه صار هذا الناسخ منسوخًا
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في سننه ص ٧٣، كتاب الطهارة، باب النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط، ح (٣١٧)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ١٣٩، وأحمد في المسند ٢٩/ ٢٤٢، ٢٥٣، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٢، وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٦٨. وقال البوصيري في زوائد ابن ماجة ص ٧٥: (وهذا الإسناد صحيح، وقد حكم بصحته ابن حبان والحاكم والدارقطني وأبو ذر الهروي، وغيرهم، ولا أعرف له علة).
(٢) انظر: المحلى ١/ ١٩٢.
[ ١ / ٣١٩ ]
بعد ما كان
ناسخًا؛ لأن مع ما يدل على الجواز ما يدل على تأخره (^١).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة على أربعة أقوال:
القول الأول: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول أوغائط، لا في الصحراء ولا في البنيان.
وهو مذهب الحنفية (^٢)، ورواية عن الإمام أحمد اختارها بعض الحنابلة (^٣). وقول ابن مسعود، وأبي أيوب الأنصاري (^٤)، وسراقة بن مالك (^٥)، وأبي هريرة﵃- (^٦).
وهو كذلك قول مجاهد، وعطاء، وإبراهيم النخعي، والثوري،
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٥؛ ناسخ الحديث لابن شاهين ص ١٧٤؛ الاعتبار ١/ ٢٠٦؛ المغني ١/ ٢٢٠؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨، ٨٠، ٨٢.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٣؛ الإختيار ١/ ٣٧؛ اللباب للمنبجي ١/ ٩٦؛ الدر المختار ١/ ٤٨٠؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٠، ٤٨١.
(٣) انظر: المغني ١/ ٢٢١؛ الكافي ١/ ١٠٩؛ الشرح الكبير ١/ ٢٠٥؛ الممتع ١/ ١٥٤؛ الفروع ١/ ١٢٥؛ الإنصاف ١/ ٢٠٤.
(٤) هو: خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة، أبو أيوب الأنصاري الخزرجي، شهد بدارًا والمشاهد كلها، ونزل عنده رسول الله -ﷺ- حين قدم المدينة شهرًا حتى بنى المسجد، وورى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه: ابن عباس، وعروة، وغيرهما، وتوفي سنة خمسين، وقيل بعدها. انظر: التهذيب ٣/ ٨٣؛ شذرات الذهب ١/ ٥٧.
(٥) هو: سراقة بن مالك بن جعشم بن مالك المدلجي، أبو سفيان، وروى عن النبي -ﷺ-، ورى عنه: جابر، وابن عباس، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وعشرين، وقيل بعدها. انظر: التهذيب ٣/ ٣٩٧؛ التقريب ١/ ٣٤٠؛ شذرات الذهب ١/ ٣٥.
(٦) انظر: المحلى ١/ ١٩٠؛ المجموع ٢/ ٩٥؛ نيل الأوطار ١/ ٧٧.
[ ١ / ٣٢٠ ]
والأوزاعي، وأبي ثور (^١).
القول الثاني: لا يجوز استقبال القبلة واستدبارها ببول أو غائط في الصحراء، ويجوز ذلك في البنيان.
وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤).
وهو كذلك قول العباس بن عبد المطلب وابن عمر﵃- والشعبي، وابن المبارك، وإسحاق بن راهوية، وابن المنذر، والطحاوي (^٥).
القول الثالث: لا يجوز استقبال القبلة ببول أوغائط، سواء كان في
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٥؛ الاستذكار ٢/ ٤٣١؛ المحلى ١/ ١٧٩، ١٩٠؛ الحاوي ١/ ١٥١؛ الاعتبارص ١٣٦؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧؛ المجموع ٢/ ٩٥؛ نيل الأوطار ١/ ٧٧.
(٢) انظر: الإشراف ١/ ١٣٦؛ بداية المجتهد ١/ ١٧٢؛ عقد الجواهر ١/ ٣٨؛ مختصر خليل مع التاج والإكليل ١/ ٤٠٣؛ مواهب الجليل ١/ ٤٠٤.
(٣) انظر: مختصر المزني ص ١٠؛ الحاوي ١/ ١٥١؛ التعليقة للقاضي حسين ١/ ٣٠٨؛ التهذيب للبغوي ١/ ٢٨٩؛ المجموع ٢/ ٩٥؛ العزيز ١/ ١٣٦؛ الغرر البهية لزكريا الأنصاري ١/ ٣١٩.
(٤) وهو رواية عن الإمام أحمد. انظر: المغني ١/ ٢٢١؛ عمدة الفقه لابن قدامة ص ٨؛ الشرح الكبير ١/ ٢٠٥؛ الفروع ١/ ١٢٥؛ تصحيح الفروع ١/ ١٢٥؛ الإنصاف ١/ ٢٠٣؛ زاد المستقنع ص ٦؛ منار السبيل ١/ ٢٠.
(٥) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٧؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ المحلى ١/ ١٩٠؛ التمهيد ٤/ ٣٨٤؛ الاستذكار ٢/ ٤٣١؛ الحاوي ١/ ١٥١؛ المغني ١/ ٢٢١؛ المجموع ٢/ ٩٥؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧.
[ ١ / ٣٢١ ]
الصحراء أو البناء، ويجوز الاستدبار فيهما.
وهو رواية عن الإمام أبي حنيفة (^١)، وعن الإمام أحمد (^٢).
القول الرابع: يجوز استقبال القبلة واستدبارها مطلقًا.
وهو قول عروة، وربيعة بن عبد الرحمن، وداود الظاهري (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو عدم جوازالاستقبال والاستدبار مطلقًا- بما استدل به لقول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار.
ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث جاءت مطلقة غير مقيدة، ولا مفرقة بين بناء أو صحراء، دالة بعمومها على تحريم الاستقبال والاستدبار ببول أو غائط (^٤).
ويعترض عليه: بأن هذه الأدلة عامة ومطلقة، لكن وردت أحاديث غيرها، تقيد مطلق هذه الأحاديث، وتخصصها بالأبنية، والقول بها أولى؛ لأن
_________________
(١) انظر: الاختيار ١/ ٣٧؛ اللباب للمنبجي ١/ ٩٧؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٠.
(٢) انظر: المغني ١/ ٢٢٢؛ الشرح الكبير ١/ ٢٠٤؛ الفروع ١/ ١٢٥؛ الإنصاف ١/ ٢٠٥.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٦؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٥؛ التمهيد ٤/ ٣٨٥، ٣٨٦؛ الاستذكار ٢/ ٤٣٣؛ الحاوي ١/ ١٥١؛ الاعتبار للحازمي ص ١٣٤؛ المغني ١/ ٢٢٠؛ المجموع ٢/ ٩٥، ٩٧.
(٤) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٥؛ المحلى ١/ ١٩٢؛ الاعتبار ١/ ٢٠٦؛ المغني ١/ ٢٢١؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨؛ حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٠.
[ ١ / ٣٢٢ ]
العمل بالدليلين أولى من إلغاء أحدهما (^١).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه لا يجوز الاستقبال والاستدبار في الصحراء، ويجوز في البنيان- بما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ، من حديث أبي أيوب، وسلمان الفارسي، وأبي هريرة، وعبد الله بن الحارث﵃-؛ حيث إنها تدل على حرمة الاستقبال والاستدبار في الصحراء (^٢).
ثانيًا: ما سبق في دليل قول من قال بنسخ النهي عن الاستقبال ولاستدبار من حديث ابن عمر، وجابر، وعائشة﵃-؛ حيث إنها تدل على جواز الاستقبال والاستدبار في البناء (^٣).
ثالثًا: عن مروان الأصفر (^٤) قال: رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٨؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ المجموع ٢/ ٩٧؛ فتح الباري ١/ ٢٩٦؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨.
(٢) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٧؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ الحاوي ١/ ١٥٣؛ الاعتبار ١/ ٢١١؛ المجموع ٢/ ٩٦.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٧؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ الحاوي ١/ ١٥٣؛ الاعتبار ص ١٣٦؛ المجموع ٢/ ٩٦.
(٤) هو: مروان الأصفر أبو خليفة البصري، قيل اسم أبيه: خاقان، وقيل: سالم، ثقة، روى عن: ابن عمر، وأبي هريرة، وغيرهما، وروى عنه: خالد الحذاء، وشعبة، وغيرهما. انظر: التهذيب ١٠/ ٩٠؛ التقريب ٢/ ١٧٢.
[ ١ / ٣٢٣ ]
القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن أليس قد نُهي عن هذا؟ قال: بلى، «إنما نُهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» (^١).
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال من هذه الأدلة: هو أن الأحاديث التي ذكرت في أدلة قول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار تدل على عدم جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وأن الأحاديث التي ذكرت في أدلة قول من قال بنسخ النهي عن الاستقبال ولاستدبار تدل بعضها على جواز الاستقبال والاستدبار في البناء، وبعضها على الجواز مطلقًا.
فيُحمل ما ورد في النهي مطلقًا على الصحراء، وما ورد في الجواز
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٧، كتاب الطهارة، باب كراهية استقبال القبلة عند قضاء الحاجة، ح (١١)، والدارقطني في سننه ١/ ٥٨ وقال: (هذا صحيح كلهم ثقات) - وابن شاهين في ناسخ الحديث ص ١٧٢، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٥٦، والبيهقي في السنن الكبرى ١/ ١٤٩. قال الحاكم: (صحيح على شرط البخاري)، ووافقه الذهبي. وحسنه الحازمي في الاعتبار ص ١٧٣، والشيخ الألباني في الإرواء ١/ ١٠٠. وقال ابن حجر في الفتح ١/ ٢٩٨: (وسنده لا بأس به). وفي سنده الحسن بن ذكوان، أبو سلمة البصري، ضعفه يحيى بن معين، وأبو حاتم. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو أحمد ابن عدي: يروي أحاديث لا يرويها غيره، وأرجو أنه لا بأس به. وقال الإمام أحمد: أحاديثه أباطيل. وقال الذهبي: صالح الحديث. وقال ابن حجر: صدوق يخطئ، ورمي بالقدر، وكان يدلس. انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٤٨٩؛ التهذيب ٢/ ٢٥٤؛ القريب ١/ ٢٠٤.
[ ١ / ٣٢٤ ]
على البناء؛ جمعًا بين الأحاديث كلها، ويؤكد ذلك حديث ابن عمر؛ حيث بين أن النهي إنما هو في الفضاء، أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس (^١).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أنه لا يحل الاستقبال لا في الصحراء ولا في البناء، ويجوز الاستدبار فيهما- بما يلي:
أما عدم جواز الاستقبال مطلقًا:
أ- حديث سلمان -﵁- وفيه: (أجل لقد نهانا أن نستقبل القبلة لغائط أو بول) (^٢).
ب- حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي، وفيه: «لا يبولن أحدكم مستقبل القبلة» (^٣).
وأما جواز الاستدبار مطلقًا: فلحديث ابن عمر -﵁- وفيه: «فرأيت رسول الله -ﷺ- يقضي حاجته مستدبر الكعبة مستقبل الشام» (^٤).
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٧؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ معالم السنن ١/ ٢٠؛ التمهيد ٤/ ٣٨٧؛ المغني ١/ ٢٢٢؛ المجموع ٢/ ٩٦؛ الشرح الكبير لعبد الرحمن المقدسي ١/ ٢٠٦؛ فتح الباري ١/ ٢٩٦.
(٢) سبق تخريجه في ص ٢١١.
(٣) سبق تخريجه في ص ٢١١.
(٤) سبق تخريجه في ص ٢٠٧.
[ ١ / ٣٢٥ ]
وجه الاستدلال من هذه الأدلة:
ووجه الاستدلال منها ظاهر؛ حيث إن حديث سلمان، وعبد الله بن الحارث -﵄- يدلان على عدم جواز الاستقبال، وحديث ابن عمر -﵁- يدل على جواز الاستدبار؛ حيث إن النبي -ﷺ- استدبر الكعبة (^١).
واعتُرض عليه: بأنه جاءت أحاديث صحيحة مصرحة بالنهي عن الاستقبال والاستدبار فيتعين الأخذ بذلك (^٢).
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع -وهو جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا- بالأدلة التي سبقت في دليل القول بنسخ ما يدل على عدم جواز الاستقبال والاستدبار.
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث ابن عمر -﵁- يدل على أن النبي -ﷺ- قضى حاجته، وهو مستدبر القبلة.
وحديث جابر -﵁- يدل على أن النبي -ﷺ- استقبل القبلة بالبول.
وحديث عائشة﵂- يدل على إنكار النبي -ﷺ- على من كره أن يستقبل القبلة بفرجه، وأنه أمر أن يحول مقعدته مستقبل القبلة.
فدل ذلك على جواز الاستقبال والاستدبار مطلقًا (^٣).
_________________
(١) انظر: الحاوي ١/ ١٥٣؛ المغني ١/ ٢٢٢؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨.
(٢) انظر: المجموع ٢/ ٩٧؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨.
(٣) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٦؛ الحاوي ١/ ١٥٢؛ المنهاج شرح صحيح مسلم للنووي ١/ ٤٩٧؛ فتح الباري ١/ ٢٩٦؛ نيل الأوطار ١/ ٧٨، ٨٠، ٨٢.
[ ١ / ٣٢٦ ]
واعترض عليه بما يلي:
أ- أن حديث ابن عمر وعائشة﵄لا يتم منهما الاستدلال على الجواز
مطلقًا؛ لأن ذلك كان في البنيان والبيوت، فلا يتم الاستدلال منهما على العموم (^١).
ب-أما حديث جابر -﵁- فيقال: بأن في الاحتجاج به نظرا؛ لأنها حكاية فعل لا عموم لها، ثم يحتمل أن يكون ذلك لعذر، ويحتمل أن يكون في بنيان، ويحتمل أن يكون في صحراء، ومع الاحتمال لا يتم الاستدلال، ثم حمله على البنيان أولى؛ ليُجمع بينه وبين الأحاديث الأخرى، وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها (^٢).
الراجح:
بعد ذكر أقوال أهل العلم في المسألة وأدلتهم يظهر لي-والعلم عند الله تعالى- أنه يستحب للشخص أن يجتنب استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط مطلقًا؛ وذلك عملًا بإطلاق الأحاديث الدالة على النهي مطلقًا، وخروجًا من خلاف العلماء.
ويحرم استقبال القبلة واستدبارها في الفضاء، ويباح في البناء؛ وذلك لأن الأحاديث الواردة في الاستقبال والاستدبار ثلاثة أصناف:
_________________
(١) انظر: الاستذكار ٢/ ٤٣٣، ٤٣٤؛ الحاوي ١/ ١٥٣؛ المجموع ٢/ ٩٦.
(٢) انظر: المغني ١/ ٢٢١؛ المنهاج شرح صحيح مسلم ١/ ٤٩٧؛ المجموع ٢/ ٩٦؛ التهذيب لابن القيم ١/ ٢٢؛ التلخيص الحبير ١/ ١٠٤؛ فتح الباري ١/ ٢٩٦؛ نيل الأوطار ١/ ٨٢.
[ ١ / ٣٢٧ ]
أ- صنف يدل على النهي مطلقًا، وهي أحاديث قولية صريحة صحيحة، وهي كثيرة منها ما ذكر في أدلة قول من قال بنسخ ما يدل على جواز الاستقبال والاستدبار.
ب- صنف يدل على إباحة الاستقبال والاستدبار في البناء، وهي أحاديث قولية وفعلية، وهي صحيحة في الجملة.
فالقولية: حديث ابن عمر -﵁-: (بلى إنما نهي عن ذلك في الفضاء) وحديث عائشة -﵂-: «استقبلوا بمقعدتي القبلة».
ومن الفعلية: حديث ابن عمر -﵁-: «فرأيت رسول الله -ﷺ- يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام».
ج-صنف يدل على جواز الاستقبال، منها: حديث جابر -﵁- وقد صححه وحسنه جمع من أهل العلم، وهو حديث فعلي، ولخلوه عن قيد البناء أو الفضاء يحتمل الأمرين.
ولمكان اختلاف هذه الأحاديث في الظاهر اختلف أهل العلم في تأويلها:
- فذهب بعض منهم مذهب الترجيح، وأخذوا بالأحاديث الدالة على النهي مطلقًا، ورجحوها على غيرها؛ لقوتها، وكثرتها، وصحتها بلا خلاف، وأن النهي مقدم على الإباحة، وهم أصحاب القول الأول (^١).
_________________
(١) راجع القول الثاني وأدلته، وانظر: التهذيب لابن القيم ١/ ٢٢؛ فتح الباري ١/ ٢٩٦.
[ ١ / ٣٢٨ ]
ولكن يلزم من قولهم إلغاء العمل بالصنف الثاني والثالث من الأحاديث، والعمل بجميع الأدلة أولى من إلغاء بعضها (^١).
-وذهب بعضهم مذهب النسخ، فأباحوا الاستقبال والاستدبار مطلقًا، وأخذوا بحديث ابن عمر، وجابر، وعائشة﵃-، وجعلوها ناسخة للأحاديث الدالة على النهي مطلقًا، وهم أصحاب القول الأول من قولي النسخ (^٢).
ولكن النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع بين الأحاديث، وهو لم يتعذر هنا (^٣).
-وذهب قوم مذهب الجمع على حديث ابن عمر -﵁-: (إنما نهي عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس) فهم فرقوا بين الفضاء والبناء، فحرموا الاستقبال والاستدبار ببول أو غائط في الفضاء، وحملوا أحاديث النهي على ذلك.
وأجازوا الاستقبال والاستدبار مطلقًا في البناء، وحملوا الأحاديث الدالة على الجواز على ذلك، وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز مخصصة للنهي العام، أو مستثناة من ذلك. وهم أصحاب القول الثاني، وكان هذا القول
_________________
(١) انظر: فتح الباري ١/ ٢٩٦.
(٢) راجع القول الأول وأدلته.
(٣) انظر: المجموع ٢/ ٩٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
راجحًا؛ لأن فيه الجمع بين الأحاديث وإعمال للأدلة كلها. وإذا كان يمكن العمل بجميع الأدلة فهو أولى من إلغاء بعضها، كما أنه لا يصار إلى النسخ ما لم يتعذر الجمع، وهاهنا حصل الجمع فكان القول به أولى من القول بالنسخ (^١).
_________________
(١) انظر: الأوسط ١/ ٣٢٧، ٣٢٨؛ شرح معاني الآثار ٤/ ٢٣٦؛ التمهيد ٤/ ٣٨٧؛ المجموع ٢/ ٩٦، ٩٧؛ فتح الباري ١/ ٢٩٦.
[ ١ / ٣٣٠ ]
والله أعلم.