ذهب بعض أهل العلم منهم ابن الجوزي إلى أن الأحاديث الدالة على الجهر بالتسمية في الصلاة منسوخة بالأمر بإخفائها، لذلك لا يجهر المصلي بها في الصلاة (^١).
وتبين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب اختلاف الفقهاء في المسألة، إلا أن السبب الأصلي لاختلافهم هو اختلاف الآثار الواردة فيها، وهل هي آية من سورة الفاتحة أم لا (^٢).
ويستدل لمن قال بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن ابن عباس -﵁- قال: «كان رسول الله -ﷺ- إذا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم هزأ منه المشركون، وقالوا: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة (^٣) يتسمى الرحمن، فلما نزلت هذه الآية (^٤) أُمر رسول الله -ﷺ- أن
_________________
(١) انظر: الاعتبار ص ٢٢٦؛ التحقيق لابن الجوزي ١/ ٣٦٣؛ المجموع ٣/ ٢٠٩؛ اللباب للمنبجي ١/ ٢٢٥.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٢٦؛ بداية المجتهد ١/ ٢٤١.
(٣) هو: مسيلمة بن حبيب المتنبي الكذاب، الحنفي اليمامي، ادعى النبوة، وتبعه أكثر بني قومه، وقتل سنة اثنتي عشرة على يد وحشي بن حرب مولى جبير بن مطعم، حيث رماه بالحربة، وعلى يد أبي دجانة حيث ضربه بالسيف، وكان ذلك في خلافة أبي بكر -﵁- وتحت امرة خالد بن الوليد -﵁-. انظر: البداية والنهاية ٦/ ٢٨١ - ٢٨٥؛ شذرات الذهب ١/ ٢٣.
(٤) المراد بها قوله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ - الآية (١١٠) من سورة الإسراء- كما هو المذكور في رواية سعيد بن جبير، وقد رواها إسحاق بن راهوية في مسنده. انظر: نصب الراية ١/ ٣٤٦.
[ ٢ / ٨٢٨ ]
لا يجهر بها» (^١).
ثانيًا: عن سعيد بن جبير قال: «كان رسول الله -ﷺ- يجهر ب "بسم الله الرحمن الرحيم" بمكة»، قال: وكان أهل مكة يدعون مسيلمة الرحمن، فقالوا: إن محمدًا يدعو إلى إله اليمامة، «فأُمر رسول الله -ﷺ- فأخفاها فما جهر بها حتى مات» (^٢).
_________________
(١) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١١/ ٤٤٠، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١١١: (رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله موثقون). وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١٣٣: (وقد أخرجه الدارقطني والطبراني في الأوسط من طريق يحيى بن طلحة اليربوعي عن عباد بن العوام عن شريك موصولًا بلفظ … -فذكره، ثم قال: - فهذا هو أصل الالحديث، وتبين أنه إنما وقع فيه اختصار).
(٢) أخرجه أبو داود في مراسيله ص ١٤١، ومن طريقه الحازمي في الاعتبار ص ٢٢٤، وقال: (هذا مرسل، وهو غريب من حديث شريك عن سالم). وأخرجه إسحاق بن راهوية في مسنده كما في نصب الراية ١/ ٣٤٦، ولفظه: (عن سعيد قال: «كان رسول الله -ﷺ- يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم يمد بها صوته، وكان المشركون يهزءون، مكاءًا وتصدية، ويقولون: يذكر إله اليمامة، يعنون مسيلمة، ويسمونه: "الرحمن" فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ الآية) ثم قال الزيلعي: قال البيهقي: وزاد فيه غير يحيى بن آدم، قال: (فخفض النبي -ﷺ- بسم الرحمن الرحيم). وقال ابن حجر عن هذه الرواية في الدراية ١/ ١٣٣: إنه مرسل ورجال إسناده ثقات. وقال في ١/ ١٣٥: (ولو ثبت ما رواه أبو داود من طريق سعيد بن جبير قال: -فذكره- ثم قال: لكان نصًا في نسخ الجهر، لكنه مرسل ومعلول المتن من جهة أن مسيلمة لم يكن يدعي الألوهية، ومن جهة التسليم لكن في نص الخبر أنه يدعي رحمن اليمامة، ولفظ الرحمن في بقية الفاتحة، وهو قول الرحمن الرحيم بعد الحمد لله رب العالمين، فلا معنى للإسرار بالبسملة لأجل ذكر الرحمن مع وجود ذكر الرحمن عقب ذلك). وقال النووي في المجموع ٣/ ٢١٧: (وأما قول سعيد بن جبير: إن الجهر منسوخ فلا حجة فيه، وإن كان قد روي متصلًا عنه عن ابن عباس).
[ ٢ / ٨٢٩ ]
وفي هذا دلالة على أن الأمر بالإخفاء كان بعد ما كان رسول الله -ﷺ- يجهر بها، فيكون ذلك ناسخا له (^١).
واعترض عليه: بأنه قد عارضه ما روي عن ابن عباس -﵁- قال: «أن رسول الله -ﷺ- لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم، حتى قبض» (^٢).
وأجيب: بأنه ضعيف، لا يقوي على معارضة حديث ابن عباس -﵁- السابق (^٣).
هذا كان قول من قال بالنسخ، ودليله.
وقد اختلف أهل العلم في الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية على
_________________
(١) انظر: التحقيق ١/ ٣٦٣.
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٠٤، ومن طريقه الحازمي في الاعتبار ص ٢٢٧، قال ابن حجر في التلخيص ١/ ٢٣٥: (وفي إسناده عمر بن حفص المكي، وهو ضعيف، وأخرجه أيضًا من طريق أحمد بن رشدين بن خيثم عن عمه سعيد بن خيثم، عن الثوري عن عاصم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وأحمد ضعيف جدًا، وعمر ضعيف). وقال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٣٦١: (فاللفظان عن ابن عباس يرويهما عمر بن حفص، وقد أجمعوا على ترك حديثه).
(٣) راجع تخريج الأحاديث السابقة.
[ ٢ / ٨٣٠ ]
قولين مشهورين:
القول الأول: أنه لا يسن الجهر بالبسملة، بل يقرؤها سرًا على كل حال.
وهو قول الحنفية (^١)، والحنابلة (^٢)، وجمهور أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (^٣)، وممن روي عنه عدم الجهر بها من الصحابة: أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي بن أبي طالب، وابن مسعود، وعمار، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن المغفل، وعبد الله بن عباس -﵃- (^٤).
وبه قال الحسن، والشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو عبيد، والأوزاعي، وابن المبارك، وإسحاق بن راهوية (^٥).
القول الثاني: أنه يستحب الجهر بها في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة.
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٣؛ شرح معاني الآثار ١/ ٢٠٥؛ مختصر اختلاف العلماء ١/ ٢٠١؛ بدائع الصنائع ١/ ٤٧٤؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٢٩١؛ المختار وشرحه الاختيار ١/ ٥٠.
(٢) انظر: المغني ٢/ ١٤٩؛ المحرر ١/ ٥٣؛ الشرح الكبير ٣/ ٤٣٣؛ الإنصاف ٣/ ٤٣٣.
(٣) انظر: سنن الترمذي ص ٧٠؛ التهذيب للبغوي ٢/ ٩٥؛
(٤) انظر: سنن الترمذي ص ٧٠؛ الأوسط ٣/ ١٢٧؛ الاعتبار ص ٢٢٥؛ التحقيق ١/ ٣٥٤؛ المغني ٢/ ١٤٩.
(٥) انظر: سنن الترمذي ص ٧٠؛ الأوسط ٣/ ١٢٨؛ الاعتبار ص ٢٢٥؛ التحقيق ١/ ٣٥٤؛ المغني ٢/ ١٤٩؛ نيل الأوطار ٢/ ٢٠٠.
[ ٢ / ٨٣١ ]
وهو قول الشافعية (^١)، وروي الجهر بها عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير﵃-، وعن عطاء، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير. ونسبه النووي إلى أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم (^٢).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو عدم الجهر بالبسملة في الصلاة- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن أنس -﵁-: «أن النبي -ﷺ- وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة ب: "الحمد
لله رب العالمين"» (^٣).
وفي رواية عنه -﵁- قال: «صليت خلف رسول الله -ﷺ-، وخلف أبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم» (^٤).
_________________
(١) انظر: الأوسط ٣/ ١٢٥؛ التهذيب ٢/ ٩٤؛ بحر المذهب ٢/ ١٣٩؛ البيان ٢/ ١٨٣؛ العزيز ١/ ٤٩٥؛ المجموع ٣/ ٢٠٧.
(٢) انظر: الأوسط ٣/ ١٢٦؛ بحر المذهب ٢/ ١٣٩؛ البيان ٢/ ١٨٣؛ المجموع ٣/ ٢٠٨.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٤٨، كتاب الأذان، باب ما يقول بعد التكبير، ح (٧٤٣)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٨٥، كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، ح (٣٩٩) (٥٢).
(٤) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٦١، والإمام أحمد في المسند-واللفظ له- ٢٠/ ٢١٩، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٧٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠٢، والدارقطني في سننه ١/ ٣١٥. وهو صحيح على شرط الشيخين، قال الحازمي في الاعتبار ص ٢٢٨: (ثم الرواية قد اختلف عن أنس من وجوه أربعة، وكلها صحيحة). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٢٩ - بعد ذكر هذه الرواية وغيرها-: (ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرج لهم في الصحيحين). وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١٣٢: (حديث أنس وقد اختلفوا في لفظه اختلافًا كبيرًا، والذي يمكن أن يجمع به مختلف ما نقل عنه أنه -ﷺ- كان لا يجهر بها، فحيث جاء عن أنس أنه كان لا يقرؤها، مراده نفي الجهر، وحيث جاء منه اثبات قرائتها فمراده السر، وقد ورد نفي الجهر عنه صريحًا فهو المعتمد). وقال في فتح الباري ٢/ ٢٨٣ - بعد ذكر طرق هذا الحديث-: (فطريق الجمع بين هذه الألفاظ حمل نفي الجهر على نفي السماع، ونفي السماع على نفي الجهر، ويؤيده لفظ رواية منصور بن زاذان"فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن الرحيم" وأصرح من ذلك رواية الحسن عن أنس عند ابن خزيمة بلفظ: "كانوا يسرون بسم الله الرحمن الرحيم" فاندفع بهذا تعليل من أعله بالاضطراب كابن عبد البر، لأن الجمع إذا أمكن تعين المصير إليه).
[ ٢ / ٨٣٢ ]
ثانيًا: عن عائشة -﵂- قالت: «كان رسول الله -ﷺ- يستفتح الصلاة بالتكبير والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك» (^١).
وهذا كذلك ظاهر في عدم الجهر بها (^٢).
ثالثًا: عن ابن عبد الله بن المغفل (^٣) قال: كان عبد الله بن المغفل إذا
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ١٥٩، كتاب الصلاة، باب ما يجمع صفة الصلاة، ح (٤٩٨) (٢٤٠).
(٢) انظر: نصب الراية ١/ ٣٣٤.
(٣) هو: يزيد بن عبد الله بن المغفل المزني، روى عن أبيه، وروى عنه أبو نعامة الحنفي قيس بن عباية، وعبد الله بن بريدة، وأبو سفيان طريف السعدي. ونقل النووي عن ابن خزيمة والخطيب البغدادي وابن عبد البر أنهم قالوا: هو مجهول. وقال الزيلعي في نصب الراية بعد ذكر الثلاثة الذين رووا عنه: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه. انظر: المجموع ٣/ ٢١٦؛ نصب الراية ١/ ٣٣٣؛ تهذيب التهذيب ١٢/ ٢٧٠؛ تعجيل المنفعة ص ٥٠٣.
[ ٢ / ٨٣٣ ]
سمع أحدنا يقرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم" يقول: «صليت خلف رسول الله -ﷺ- وخلف أبي بكر وخلف
عمر﵃- فما سمعت أحدًا منهم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (^١).
وهذا الحديث أيضًا صريح في عدم الجهر بالتسمية (^٢).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في سننه ص ٧٠، كتاب الصلاة، باب ما جاء في ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحمن الرحيم، ح (٢٤٤)، والنسائي في سننه-واللفظ له- ص ١٥٠، كتاب الافتتاح، باب ترك الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ح (٩٠٨)، وابن ماجة في سننه ص ١٥٣، كتاب الصلاة، باب افتتاح القراءة، ح (٨١٥)، وابن أبي شيبة في المصنف ١/ ٣٦٠، وأحمد في المسند ٢٧/ ٣٤٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٢٠٢. وضعف هذا الحديث بسبب أن ابن عبد الله بن المغفل مجهول كما سبق، وممن ضعفه ابن خزيمة، والخطيب البغدادي، وابن عبد البر، والشيخ الألباني. انظر: المجموع ٣/ ٢١٦؛ ضعيف سنن النسائي ص ١٥٠. وحسنه الترمذي والزيلعي وذكر من روى عنه ثم قال: فقد ارتفعت الجهالة عن ابن عبد الله بن مغفل برواية هؤلاء الثلاثة عنه. انظر: سنن الترمذي ص ٧٠؛ نصب الراية ١/ ٣٣٣.
(٢) انظر: التحقيق ١/ ٣٥٤؛ نصب الراية ١/ ٣٣٣.
[ ٢ / ٨٣٤ ]
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أنه يجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: عن نعيم المجمر (^١) قال: صليت وراء أبي هريرة -﵁- فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، حتى إذا بلغ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقال: آمين، فقال الناس: آمين، ويقول كلما سجد: الله أكبر، وإذا قام من الجلوس في الاثنتين، قال: الله أكبر، وإذا سلم قال: (والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله -ﷺ- (^٢).
_________________
(١) هو: نعيم بن عبد الله المجمر، أبو عبد الله المدني، مولى آل عمر، ثقة، روى عن أبي هريرة، وابن عمر، وغيرهما وروى عنه: مالك، وهشام بن سعيد، وغيرهما. انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ٤١٤؛ التقريب ٢/ ٢٥٠.
(٢) أخرجه النسائي في سننه ص ١٥٠، كتاب الافتتاح، باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم، ح (٩٠٥)، وابن خزيمة في صحيحه ١/ ٢٨٠، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ١٩٩، وابن حبان في صحيحه ص ٥٦٣، والدارقطني في سننه ١/ ٣٠٧، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٧، والبيهقي في سننه ٢/ ٦٨. وصححه الدارقطني، فقال: (هذا صحيح ورواته كلهم ثقات)، وقال الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي. وكذلك صححه البيهقي، والخطيب، وقال ابن حجر: (أصح ما ورد في الجهر حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة). انظر: التنقيح ١/ ٣٥٦؛ نصب الراية ١/ ٣٣٥؛ الدراية ١/ ١٣٣؛ التعليق المغني على سنن الدارقطني ١/ ٣٠٩.
[ ٢ / ٨٣٥ ]
فهذا يدل على جهر البسملة، وأن ذلك كان من صلاة رسول الله -ﷺ- (^١).
واعترض عليه: بأنه ليس صريحًا في الجهر، ثم إن أبا هريرة -﵁- وصف الصلاة وقال: (أنا أشبهكم)، فيحمل على معظم ذلك، وأن العموم قد يخصص بقرائن صحيحة (^٢).
ثانيًا: عن أنس بن مالك -﵁- قال: (صلى معاوية -﵁- بالمدينة صلاة فجهر فيها بالقراءة، فلم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن، ولم يقرأها للسورة التي بعدها، ولم يكبر حين يهوي، حتى قضى تلك الصلاة، فلما سلم ناداه من سمع ذلك من المهاجرين والأنصار من كل مكان: يا معاوية أسرقت الصلاة أم نسيت؟ قال: فلم يصل بعد ذلك إلا قرأ بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن وللسورة التي بعدها، وكبر حين يهوي ساجدًا) (^٣).
_________________
(١) انظر: صحيح ابن خزيمة ١/ ٢٧٩؛ صحيح ابن حبان ص ٥٦٣؛ المجموع ٣/ ٢١٠.
(٢) انظر: التحقيق ١/ ٣٦٠؛ التنقيح ١/ ٣٥٦؛ نصب الراية ١/ ٢٣٧؛ الدراية ١/ ١٣٣.
(٣) أخرجه الشافعي في الأم ١/ ٢١٢، والدارقطني في سننه-واللفظ له-١/ ٣١١، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٧٢. قال الدارقطني عن رجاله: (كلهم ثقات) وقال الحاكم: (حديث صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي. وكذلك ذكر النووي في المجموع ٣/ ٢١٣: أنه على شرط مسلم. وقال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٣٢٦: (يرويه عبد الله بن عثمان بن خيثم. وقال يحيى: أحاديثه ليست بالقوية)، وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ٢/ ٧٢: (وذكر صاحب الاستذكار أن عبد الرزاق ذكره عن ابن جريج فلم يذكر أنسًا، وعبد الله بن عثمان بن خيثم قال ابن الجوزي في كتابه: قال يحيى: أحاديثه ليست بشيء. ثم إن ابن خيثم اضطربت روايته لهذا الحديث، فأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج عن ابن خيثم عن أبي بكر بن حفص عن أنس، ثم أخرجه من حديث الشافعي عن إبراهيم الأسلمي ويحيى بن سليم عن ابن خيثم عن إسماعيل بن عبيد عن أبيه عن معاوية). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٥٣ - بعد الكلام على عبد الله بن عثمان-: (وبالجملة فهو مختلف فيه، فلا يقبل ما تفرد به، مع أنه قد اضطرب في إسناده ومتنه وهو أيضًا من أسباب الضعف).
[ ٢ / ٨٣٦ ]
فهذا يدل على أنه يجهر بها (^١).
واعترض عليه: بأن أنس -﵁- روى عن النبي -ﷺ- عدم الجهر بها، وهو صحيح ثابت عنه،
أما روايته من عدم الجهر بها فهو لا يقوى على معارضة تلك الرواية الصحيحة الثابتة (^٢).
ثالثًا: عن أنس -﵁- قال: «سمعت رسول الله -ﷺ- يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم» (^٣).
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٦٧، ٧٢؛ المجموع ٣/ ٢١٢.
(٢) راجع تخريج الحديث. وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٥٤: (الوجه الثاني: أن شرط الحديث الثابت أن لا يكون شاذًا ولا معللًا، وهذا شاذ معلل؛ فإنه مخالف لما رواه الثقات الأثبات عن أنس، وكيف يروي أنس مثل حديث معاوية هذا محتجًا به، وهو مخالف لما رواه عن النبي -ﷺ-، وعن خلفائه الراشدين، ولم يعرف عن أحد من أصحاب أنس المعروفين بصحبته أنه نقل عنه مثل ذلك- إلى أن قال: - وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما أو عدم أحدهما).
(٣) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٠٨، والحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٨، وقال: (رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات) ووافقه الذهبي فقال: (رواته ثقات).
[ ٢ / ٨٣٧ ]
ويعترض عليه ما اعترض على الحديث السابق المروي عن أنس (^١).
رابعًا: عن ابن عمر -﵁- قال: صليت خلف النبي -ﷺ- وأبي بكر وعمر﵄-، (فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم) (^٢).
واعترض عليه: بأنه ضعيف لا تقوم به حجة (^٣).
وهناك روايات كثيرة-غير ما ذكر- يستدل منها على الجهر بالبسملة إلا أنها لا تخلو من ضعف (^٤).
_________________
(١) وكذلك في سنده شريك بن عبد الله، قال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٣٦١: (ورواه شريك، وكان يحيى القطان لا يعبأ بشريك. وقال ابن المبارك: ليس حديثه بشيء). وقال في ١/ ٣٦٢: (وفي الجملة: لا يثبت عن أنس شيء من هذا، بل قد صحت الأحاديث عنه بخلافه قولًا وفعلًا).
(٢) أخرجه الدارقطني في سننه ١/ ٣٠٥. قال أبو الطيب محمد أبادي في التعليق المغني على سنن الدارقطني ١/ ٣٠٥: (الحديث فيه راويان ضعيفان: جعفر بن محمد بن مروان، قال الدارقطني: لا يحتج بحديثه. وأبو الطاهر أحمد بن عيسى، قال فيه الدارقطني أيضًا: كذاب. وكذا كذبه أبو حاتم وغيره). وقال ابن حجر في الداراية ١/ ١٣٤: (وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى وهو كذاب، وروى الخطيب من طريق مسلم بن حبان قال: صليت خلف ابن عمر فجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في السورتين وقال: صليت خلف رسول الله وأبي بكر فكانوا يجهرون بها في السورتين، وفي إسناده عبادة بن زياد وهو ضعيف).
(٣) راجع تخريجه.
(٤) انظر أكثر هذه الروايات في سنن الدارقطني ١/ ٣٠٢ - ٣١٦؛ التحقيق ١/ ٣٥٥ - ٣٥٨؛ نصب الراية ١/ ٣٤١ - ٣٥٥. قال ابن الجوزي في التحقيق ١/ ٣٦٣ - بعد ذكر ما يستدل منها على الجهر بالتسمية-: (وهذه الأحاديث في الجملة لا يحسن بمن له علم بالنقل أن يعارض بها الأحاديث الصحاح، ولولا أن يعرض للمتفقه شبهة عند سماعها فيظنها صحيحة لكان الإضراب عن ذكرها أولى، ويكفي في هجرانها إعراض المصنفين للمسانيد والسنن عن جمهورها، وقد ذكر الدارقطني منها طرفًا في سننه، فبين ضعف بعضها، وسكت عن بعضها، وقد حكى لنا مشايخنا: أن الدارقطني لما ورد مصر سأله بعض أهلها تصنيف شيء في الجهر، فصنف فيه جزءًا، فأتاه بعض المالكية فأقسم عليه أن يخبره بالصحيح من ذلك، فقال: كل ما روي عن النبي -ﷺ- من الجهر فليس بصحيح، فأما عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف). وقال الزيلعي في نصب الراية ١/ ٣٥٥ - بعد ذكر ما يستدل به على الجهر-: (وبالجملة فهذه الأحاديث كلها ليس فيها صريح صحيح، بل فيها عدمهما أو عدم أحدهما). وقال ابن حجر في الدراية ١/ ١٣٣: (وأصح ما ورد في الجهر حديث نعيم المجمر عن أبي هريرة ..) ثم ذكر ما اعترض عليه، وقد سبق ذكر ذلك.
[ ٢ / ٨٣٨ ]
الراجح
بعد عرض قولي أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- ما يلي:
أولًا: أن الراجح هو عدم سنية الجهر بالتسمية في الصلاة، وذلك لما يلي:
أ- لأن الأحاديث الدالة على عدم الجهر بها أقوي في الجملة وأصح، أما ما يستدل منها على الجهر بها فإما ليس بصحيح أو ليس بصريح في
[ ٢ / ٨٣٩ ]
الجهر بها.
ب-ولأن الأحاديث التي يستدل منها على الجهر بالبسملة تحتمل أن الجهر بها كان للتعليم أو كما يتفق، كما حصل في غير البسملة (^١).
ثانيًا: إن دعوي نسخ الجهر بالتسمية احتمال لكنه ضعيف؛ حيث إن الرواية الدالة على ذلك متكلم فيها، كما أن الأحاديث التي يستدل منها على الجهر بها لا تخلوا من ضعف في نفسه أو في الاستدلال به (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: التحقيق ١/ ٣٦٣.
(٢) انظر: مجموع الفتاوي ٢٢/ ٢٧٥.
[ ٢ / ٨٤٠ ]