بين النسخ وبين التخصيص (^١) علاقة تحتاج إلى بيان وإيضاح، يُفصل بينهما، ويحدد معالم كل منهما.
وإنما وقع هذا التشابه بينهما بسبب أن كلًا منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض ما تناوله اللفظ لغة (^٢).
فالنسخ فيه ما يشبه تخصيص الحكم ببعض الأزمان، والتخصيص فيه ما يشبه رفع الحكم عن بعض الأعيان (^٣).
وفيما يلي بيان لأهم وأظهر هذه الفروق التي يتميز بها كل منهما عن الآخر:
أولًا: أن التخصيص يُبيّن أن ما خرج عن العموم، لم يكن المتكلم قد أراد بلفظه الدلالة عليه.
_________________
(١) التخصيص من خصّ يخصّ خصًّا وخصوصًا وخصوصية، وهو لغة: الإفراد، يقال: خصّصه واختصّه إذا أفرده به دون غيره. والتخصيص ضد العموم. انظر: لسان العرب ٤/ ١٠٩؛ المصباح المنير ص ١٤٦؛ القاموس المحيط ص ٥٥٤. والتخصيص اصطلاحًا: قصر العام على بعض منه، بدليل مستقل مقترن به. انظر: التعريفات للجرجاني ص ٥٣؛ التعريفات الفقهية ص ٥٤. أو هو: قصر العام على بعض أفراده. انظر: مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢٠٠.
(٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٥٨؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٤؛ روضة الناظر ١/ ١٣٢؛ البحر المحيط للزركشي ٤/ ٣٢٧؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٢.
(٣) انظر: مناهل العرفان للزرقاني ٢/ ٢٠٠.
[ ١ / ٦٥ ]
والنسخ يُبيّن أن ما خرج لم يرد التكليف به، وإن كان قد أراد بلفظه الدلالة عليه. فالذي يرفعه الناسخ كان قبل النسخ مقصودًا دخوله في معنى اللفظ وفي الحكم (^١).
ثانيًا: أن النسخ لا بد فيه أن يكون الناسخ متراخيًا عن المنسوخ ومتأخرًا عنه، بخلاف التخصيص فإنه يجوز اقترانه (^٢).
ثالثًا: أن النسخ لا يدخل الأخبار ولا يقع فيها، بل هو مختص بأحكام الشرع، أما التخصيص فإنه يكون في الأخبار وفي غيرها (^٣).
رابعًا: أن النسخ لا يكون إلا بدليل من الكتاب أو السنة، بخلاف التخصيص فإنه يكون بهما، وبأدلة العقل وبالقرائن (^٤).
خامسًا: أن النسخ يدخل في الشيء الواحد؛ كنسخ استقبال بيت المقدس إلى بيت الله الحرام، بخلاف التخصيص فإنه لا يدخل إلا في عام له أفراد متعددة يخرج بعضها بالمخصص، ويبقى بعضها الآخر (^٥).
_________________
(١) انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٤؛ روضة الناظر ١/ ١٣٢؛ مذكرة أصول الفقه للشنقيطي ص ٦٦.
(٢) انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٥؛ روضة الناظر ١/ ١٣٣؛ البحر المحيط ٤/ ٣٢٩؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٤؛ مذكرة أصول الفقه ص ٦٦؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٠٢.
(٣) انظر: روضة الناظر ١/ ١٣٣؛ البحر المحيط ٤/ ٣٢٩؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٤؛ مذكرة أصول الفقه ص ٦٧.
(٤) راجع المصادر في الحاشية السابقة. وانظر الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٥.
(٥) انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٤؛ روضة الناظر ١/ ١٣٣؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٣؛ مذكرة أصول الفقه ص ٦٦؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٠١.
[ ١ / ٦٦ ]
سادسًا: أن الشريعة المتأخرة تنسخ الشريعة السابقة فيما يعارضها. ولا يجوز تخصيص شريعة بأخرى (^١).
سابعًا: أن النسخ رفع الحكم بعد ثبوته، بخلاف التخصيص فإنه بيان المراد باللفظ العام (^٢).
ثامنًا: أن النسخ يرفع حكم العام والخاص، أما التخصيص فلا يدخل في غير العام (^٣).
تاسعًا: أن النسخ لا يجوز أن يكون بالإجماع، فالإجماع لا يكون ناسخًا، بخلاف التخصيص فإنه يجوز أن يكون بالإجماع (^٤).
عاشرًا: أن النسخ يرد على الفعل في بعض الأزمان، والتخصيص يرد على الفعل في بعض الأحوال (^٥) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الإحكام للآمدي ٢/ ١٠٥؛ البحر المحيط ٤/ ٣٢٩؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٣.
(٢) راجع المصادر في الحاشية السابقة.
(٣) انظر: إرشاد الفحول ١/ ٣٥٤.
(٤) انظر: إرشاد الفحول ١/ ٣٥٤.
(٥) انظر: المستصفى ص ٨٩؛ البحر المحيط ٤/ ٣٢٨؛ إرشاد الفحول ١/ ٣٥٢.
[ ١ / ٦٧ ]