ذهب البيهقي إلى أن بول الكلب نجس، وينضح مكان الكلب بالماء إن كان ذلك في المسجد، وأن عدم رش الماء على بوله إذا كان في المسجد منسوخ (^١).
ويدل عليه كلام ابن حجر، وإن لم يصرح بالنسخ (^٢).
وتين منه أن القول بالنسخ أحد أسباب الاختلاف في المسألة، لكن السبب الأصلي للاختلاف هو هل يتعين الماء في تطهير الأرض النجس، أو أن جفافها بالشمس وغيرها تؤثر في تطهيرها (^٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» (^٤).
ثانيًا: عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ولغ الكلب في
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى له ١/ ٣٦٩، ٢/ ٦٠٣.
(٢) قال ابن حجر في فتح الباري ١/ ٣٥١ - بعد ذكر حديث ابن عمر الذي فيه ذكر عدم الرش-: (والأقرب أن يقال: إن ذلك كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها وجعل الأبواب عليها).
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ١٦٥؛ الجوهر النقي لابن التركماني ٢/ ٦٠٢.
(٤) سبق تخريجه في ص ١٢٤.
[ ٢ / ٧٦٣ ]
إناء أحدكم فليرقه ثم ليغسله سبع مرات» (^١).
ثالثًا: عن ابن عمر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات» (^٢).
رابعًا: عن ابن عباس -﵁- قال: أخبرتني ميمونة -﵂- أن رسول الله -ﷺ-
أصيح يوما واجمًا (^٣)، فقالت ميمونة﵂-: يا رسول الله، لقد استنكرت هيئتك منذ اليوم، قال رسول الله -ﷺ-: «إن جبريل كان وعدني أن يلقاني الليلة فلم يلقني، أمَ والله ما أخلفني» قال: فظل رسول الله -ﷺ- يومه ذلك على ذلك، ثم وقع في نفسه جرو (^٤) كلب تحت فسطاط (^٥) لنا، فأمر به فأُخرج، ثم أخذ بيده ماء فنضح مكانه، فلما أمسى لقيه جبريل، فقال له: «قد وعدتني أن تلقاني البارحة» قال: أجل، ولكنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة. فأصبح رسول الله -ﷺ- يومئذ فأمر بقتل الكلاب، حتى إنه يأمر بقتل كلب الحائط الصغير، ويترك كلب الحائط الكبير) (^٦).
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ١٣٤.
(٢) سبق تخريجه في ص ١٣٤.
(٣) واجمًا: أي مهتمًا، والواجم: الذي أسكته الهم وعلته الكآبة، وقيل: الوجوم: الحزن. انظر: النهاية في غريب الحديث ٢/ ٨٢٧؛ مختار الصحاح ص ٦٢٧.
(٤) الجرو: ولد الكلب والسباع. انظر: مختار الصحاح ص ٨٩؛ المصباح المنير ص ٩٨.
(٥) الفسطاط: بيت من الشعر، والمراد به هنا بعض حجال البيت. انظر: المصباح المنير ص ٤٧٢؛ مجمع بحار الأنوار ٤/ ١٤٣.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه ٥/ ٢٦٩، كتاب اللباس، باب تحريم تصوير صورة الحيوان، ح (٢١٠٥) (٨٢).
[ ٢ / ٧٦٤ ]
خامسًا: عن ابن عمر -﵁- قال: (كان عمر بن الخطاب -﵁- يقول وهو في المسجد بأعلى صوته: (اجتنبوا اللغو في المسجد) قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله -ﷺ- وكنت فتى شابًا عزبًا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئًا من ذلك) (^١).
سادسًا: عن عائشة﵂- قالت: «أمر رسول الله -ﷺ- ببناء المساجد في الدور، وأن تنظف وتطيب» (^٢).
ويستدل من هذه الأدلة على النسخ بالوجهين التاليين:
الوجه الأول: أن بعض هذه الأحاديث تدل على نجاسة الكلب، ونضح
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ٦٦، كتاب الطهارة، باب في طهور الأرض إذا يبست، ح (٣٨٢)، والبيهقي في السنن الكبرى- واللفظ له- ٢/ ٦٠٢. وذكره البخاري في كتاب الوضوء من صحيحه معلقًا، نحو لفظ أبي داود، إلا أن لفظ (تبول) لا يوجد في أكثر النسخ. انظر: صحيح البخاري ص ٤٢، ح (١٧٤). وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية، والشيخ الألباني. انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٨٠؛ صحيح سنن أبي داود ص ٦٦.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ٧٧، كتاب الصلاة، باب اتخاذ المساجد في الدور، ح (٤٥٥)، والترمذي في سننه ص ١٥١، كتاب الصلاة، باب ما ذكر في تطييب المساجد، ح (٥٩٤)، وابن ماجة في سننه ص ١٤٥، كتاب المساجد، باب تطهير المساجد وتطييبها، ح (٧٥٩). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ٦٦.
[ ٢ / ٧٦٥ ]
مكانه بالماء، فتكون ناسخة للحديث الذي يدل على عدم رش الماء على بوله إذا بال في المسجد؛ لأن ذلك كان قبل أمره -ﷺ- بقتل الكلاب وغسل الإناء من ولوغه (^١).
الوجه الثاني: أن دخول الكلاب إلى المسجد وعدم رش الماء على بوله كان في ابتداء الحال على أصل الإباحة، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد وتطهيرها، وجعل الأبواب عليها، يدل عليه قول ابن عمر: (كان عمر بن الخطاب يقول بأعلى صوته: اجتنبوا اللغو في المسجد) ثم قوله: (كنت أبيت في المسجد في عهد رسول الله -ﷺ- ففيه إشارة إلى أن ذلك كان في الابتداء، ثم ورد الأمر بتكريم المساجد حتى من لغو الكلام، فيكون ذلك ناسخًا للحالة الأولى (^٢).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد اختلف أهل العلم فيما يطهر به الأرض إذا أصابتها نجاسة على قولين:
القول الأول: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بالماء، وكذلك بالجفاف إذا ذهب أثرها، فيجوز الصلاة عليها دون التيمم.
وهو مذهب الحنفية (^٣)، ونحوه قول سفيان الثوري (^٤)، وقول في مذهب
_________________
(١) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١/ ٣٦٩، ٣٧٠، ٢/ ٦٠٣.
(٢) انظر: فتح الباري ١/ ٣٥١.
(٣) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٣٣؛ مختصر القدوري ص ٢١؛ بدائع الصنائع ١/ ٢٥١؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ١٩٩؛ المختار مع شرحه الاختيار ١/ ٣٣؛ عمدة القاري ٣/ ٤٤.
(٤) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٣٣؛ التمهيد ٢/ ١١٢.
[ ٢ / ٧٦٦ ]
أحمد، اختاره بعض الحنابلة منهم شيخ الإسلام ابن تيمية (^١).
القول الثاني: أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها لا تطهر إلا بالماء.
وهو مذهب المالكية (^٢)، والشافعية (^٣)، والحنابلة (^٤)، وقول الحسن بن حي، وأبي ثور، وابن المنذر (^٥).
الأدلة
ويستدل للقول الأول-وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بالماء، وكذلك بالجفاف إذا ذهب أثرها- بما يلي:
أولًا: ما سبق في دليل القول بالنسخ من حديث ابن عمر -﵁- وفيه: (وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد، فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك).
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٨٠، ٥١٠؛ الاختيارات الفقهية للبعلي ص ٢٥؛ الإنصاف ٢/ ٢٩٨.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ١١٠؛ الاستذكار ١/ ٢١١؛ بداية المجتهد ١/ ١٦٤؛ جامع الأمهات ص ٣٨؛ مختصر خليل مع شرحه مواهب الجليل ١/ ٢٢٩، ٢٣٤.
(٣) انظر: الأم ١/ ١١٨؛ الحاوي ٢/ ٢٥٧؛ العزيز ١/ ٦١؛ روضة الطالبين ص ١٥؛ المنهاج وشرحه مغني المحتاج ١/ ٨٥.
(٤) انظر: المغني ٢/ ٥٠٢؛ الكافي ١/ ١٩١؛ الشرح الكبير ٢/ ٢٩٧؛ الفروع ١/ ٣٥١؛ شرح الزركشي ١/ ٣٧٨؛ الإنصاف ٢/ ٢٩٨.
(٥) انظر: مختصر اختلاف العلماء ١/ ١٣٤؛ المغني ٢/ ٥٠٢.
[ ٢ / ٧٦٧ ]
ثانيًا: عن أنس -﵁- قال: جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي -ﷺ-، فلما قضى بوله «أمر النبي -ﷺ- بذنوب من ماء فهريق عليه» (^١).
وجه الاستدلال منهما: هو أن الصحابة -﵃لم يرشوا الماء على بول الكلاب؛ لأنها جفت وذهب أثر النجاسة، إذ من المعلوم أن النجاسة لو كانت باقية لوجب غسل ذلك. وأمر -ﷺ- بصب الماء على بول الأعرابي عند بقاء أثر النجاسة. فثبت منه أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها تطهر بالجفاف إذا ذهب أثر النجاسة، كما تطهر بالماء (^٢).
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني-وهو أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها لا تطهر إلا بالماء- بما سبق في دليل القول الأول من حديث أنس -﵁-.
ووجه الاستدلال منه: هو أن النبي -ﷺ- أمر بصب الماء على بول الأعرابي، ولو طهرها يبسها لتركها حتى تيبس، فثبت منه أن الأرض إذا أصابتها نجاسة فإنها لا تطهر إلا بالماء (^٣).
واعترض عليه: بأن الأمر بصب الماء عليه دون تركها حتى تيبس لعله
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٥٠٠.
(٢) انظر: التمهيد ٢/ ١١٢؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٨٠؛ عمدة القاري ٣/ ٤٤؛ فتح القدير لابن الهمام ١/ ١٩٩.
(٣) انظر: الأم ١/ ١١٨؛ التمهيد ٢/ ١١٣؛ المغني ٢/ ٥٣٠؛ الكافي ١/ ١٩١.
[ ٢ / ٧٦٨ ]
كان لأجل تعجيل تظهير الأرض، وليس لأن طهارتها لم يكن يحصل بغيره (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي- والله أعلم بالصواب- أن الراجح هو القول الأول، وذلك لأنه يمكن به الجمع بين الأحاديث المختلفة، وذلك بحمل حديث صب الماء على البول بما إذا كان أثر النجاسة موجودًا وأريد تعجيل التطهير، فإن تطهيرها يكون بالماء، وحمل حديث ابن عمر في عدم رش الماء على بول الكلاب بما إذا جفت الأرض وذهب أثر النجاسة، وما دام الجمع بين الأحاديث ممكنًا لا يصار إلى ترك بعضها ولا إلى النسخ (^٢).
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٨٠؛ فتح القدير ١/ ١٩٩.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٤٩٥؛ مجموع الفتاوى ٢١/ ٤٨٠؛ فتح القدير ١/ ١٩٩.
[ ٢ / ٧٦٩ ]