الدين الإسلامي دين شرعه الله ﷾ لعباده، ليس لأحد غيره أي اختيار في شرعه، فهو مالك السماوات والأرض يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فلما كان شرعه خالصًا به ﷾، فإنه ﷾، له وحده أن يمحو منه ما يشاء ويثبت ما يشاء.
وهذا الدين إنما أنزله الله ﷾ على رسوله محمد -ﷺ-، فهو المبلغ لدينه، فيكون معرفته من طريقه، فما أخبر به رسول الله -ﷺ- كان هو دين الله ﷾.
وهذا الدين إنما جاء ونزل على رسول الله -ﷺ- بطريق الوحيين: المتلوُّ، وهو القرآن الكريم، وغير المتلُوِّ، وهو السنة.
فلما كان هذا الدين من طريق رسول الله -ﷺ-، فإنه يكون النسخ فيه موقوفًا على زمن النبي -ﷺ- وحياته، ولا يكون النسخ إلا بالوحيين الكتاب والسنة.
وعليه فلا ينسخ بالإجماع، ولا بالقياس؛ وذلك:
-أما الإجماع:
أ- فلأنه لا يكون ولا يصح إلا بعد موت النبي -ﷺ-؛ إذا لا اعتبار للإجماع في حياته وإذا كان الإجماع بعد النبي -ﷺ- فلا يكون ناسخًا؛ لأن بموته -ﷺ- انقطع زمن النسخ (^١).
_________________
(١) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٦٦؛ مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٩٦؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ١٠٠؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٤٥؛ البحر المحيط ٥/ ٢٨٤؛ روضة الناظر ١/ ١٥٣؛ شرح مختصر الروضة ٢/ ٣٣٠؛ نزهة الخاطر العاطر لابن بدران ١/ ١٥٣؛ إرشاد الفحول ٢/ ٧٤.
[ ١ / ١٢٩ ]
ب- ولأن الإجماع إما أن يكون له مستند من النص، أو لا يكون. فإن لم يكن له مستند من النص فهو خطأ، وإن كان له مستندًا من النص فالناسخ هو ذلك النص، لا الإجماع، وإن قيل إن الإجماع ناسخ فليس إلا بمعنى أنه يدل على الناسخ (^١).
والخلاصة: أن الإجماع لا يُنسخ به، لكنه قد يكون دليلًا على النسخ (^٢).
- أما أن القياس لا يكون ناسخًا للكتاب والسنة (^٣)، فذلك:
أ- لأن القياس يستعمل مع عدم النص، فلا يجوز أن ينسخ النص (^٤).
ب-ولأن القياس دليل محتمل، والنسخ إنما يكون بأمر مقطوع غير
_________________
(١) انظر: مسلم الثبوت مع شرحه فواتح الرحموت ٢/ ٩٨؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ١٠٠؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٤٥؛ شرح مختصر الروضة ٢/ ٣٣١؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٧٠.
(٢) انظر: المستصفى ص ١٠١؛ الإحكام للآمدي ٢/ ١٤٦؛ البحر المحيط ٥/ ٢٨٦؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٧٠.
(٣) وهذا هو قول جمهور أهل العلم من الفقهاء والأصوليين، ونقل بعضهم الاتفاق على أنه لا ينسخ به بعد موت النبي -ﷺ-. وفرق بعضهم بين القياس المنصوص على علته، فقال: هو كالنص ينسخ وينسخ به، بخلاف غيره فلا ينسخ به. انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٦؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ١٠١؛ المستصفى ص ١٠١؛ البحر المحيط ٥/ ٢٨٩؛ روضة الناظر ١/ ١٥٤؛ المسودة في أصول الفقه ص ٢١٦ - ٢١٧؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٧٢؛ إرشاد ا لفحول ٢/ ٧٦.
(٤) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٨٩؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٧٢؛ إرشاد ا لفحول ٢/ ٧٦.
[ ١ / ١٣٠ ]
محتمل (^١).
ج-ولأن القياس إذا عارض نصًا فهو فاسد الوضع، فكيف يكون ناسخًا له (^٢).
فتبين مما سبق أن النسخ إنما يكون في حياة النبي -ﷺ-، وأنه يكون بالوحيين الكتاب والسنة، لا بغيرهما.
ثم النسخ في زمن النبي -ﷺ- إما يكون بعد العلم بالمنسوخ والعمل به، وإما يكون بعد العلم به واعتقاد وجوبه، وقبل العمل به، وإما يكون قبل العلم به واعتقاد وجوبه. فتكون صور أوقات النسخ وزمنه على ثلاثة أضرب، وهي:
الضرب الأول: أن ينسخ الحكم بعد العلم والعمل به.
_________________
(١) راجع المصادر في الحاشية السابقة. وانظر: أصول السرخسي ٢/ ٦٦.
(٢) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢٨٩؛ إرشاد الفحول ٢/ ٧٦.
[ ١ / ١٣١ ]
وهذا النوع يجوز نسخه بلا خلاف، سواء عمل به كل الناس أو بعضهم (^١).
وذلك كنسخ استقبال بيت المقدس، وتقديم الصدقة عند مناجاة الرسول -ﷺ- (^٢).
الضرب الثاني: أن ينسخ الحكم بعد العلم به واعتقاد وجوبه، وقبل العمل به، أو قبل
التمكن من العمل به.
وهذا النوع اختلف أهل العلم في جواز نسخه على قولين:
القول الأول: يجوز نسخه.
وهو قول جمهور أهل العلم (^٣).
القول الثاني: لا يجوز نسخه قبل التمكن من العمل به.
وهو قول بعض الحنفية (^٤)، وبعض الشافعية (^٥)، وبعض الحنابلة (^٦).
من أدلة القول الأول ما يلي:
أولًا: أن الله ﷾ أمر إبراهيم ﵇ بذبح ولده، ثم نسخ ذلك بالفداء قبل فعله، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ (^٧).
فدل هذا على جواز نسخ الحكم قبل العمل به وقبل التمكن منه (^٨).
_________________
(١) انظر: أصول السرخسي ٢/ ٦٣؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ٤٨؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٣٠؛ البحر المحيط ٥/ ٢١٩؛ نواسخ القرآن ١/ ١٤٦؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٣١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٦.
(٢) انظر: البحر المحيط ٥/ ٢١٩، ٢٢٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٦.
(٣) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٢٣؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٣؛ مسلم الثبوت ٢/ ٧١؛ مختصر ابن الحاجب ٤/ ٤٨؛ الإحكام ٢/ ١٥٢؛ البحر المحيط ٥/ ٢٢٣، ٢٢٥، ٢٢٦؛ روضة الناظر ١/ ١٣٦؛ نواسخ القرآن ١/ ١٤٦؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٧.
(٤) انظر: كشف الأسرار ٣/ ٣٢٣؛ التحرير وشرحه تيسير التحرير ٢/ ٢١٦؛ فواتح الرحموت ٢/ ٧٢.
(٥) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣١؛ الإحكام ٢/ ١٥٢؛ البحر المحيط ٥/ ٢٢٣.
(٦) انظر: نواسخ القرآن ١/ ١٤٦؛ شرح مختصر الروضة ٢/ ٢٨١؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٧.
(٧) سورة الصافات، الآيات (١٠٣ - ١٠٧)
(٨) انظر: كشف الأسرار ٣/ ٣٢٧؛ روضة الناظر ١/ ١٣٧؛ نواسخ القرآن ١/ ١٤٦؛ شرح العقيدة الأصفهانية لشيخ الإسلام ص ٢٠٤؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٦.
[ ١ / ١٣٢ ]
ثانيًا: أن الله ﷾ فرض على النبي -ﷺ- وعلى أمته ليلة المعراج خمسين صلاة، ثم نسخ ذلك بخمس صلوات، ففي حديث أنس بن مالك -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال موسى: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعني فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، قلت: وضع شطرها، قال: راجع ربك فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه فقال: ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هنّ خمس وهنّ خمسون، لا يبدل القول لديَّ، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربّي» الحديث (^١).
ففي هذا الحديث نسخ خمسين صلاة بخمس، بعد العلم وقبل التمكين من العمل به، فدل على جواز النسخ بعد العلم بالحكم وقبل التمكن أوالعمل به (^٢).
واستدل أصحاب القول الثاني بما يلي:
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه ص ٧٧، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء، ح (٣٤٩)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٧٠، كتاب الإيمان، باب الإسراء برسول الله -ﷺ- إلى السماوات وفرض الصلوات، ح (١٦٣) (٢٦٣).
(٢) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي ٣/ ٣٢٧؛ قواطع الأدلة ١/ ٣٤٠؛ نواسخ القرآن ١/ ١٤٦؛ شرح العقيدة الأصفهانية ص ٢٠٤؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٣١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٣٣ ]
أ- أن الشارع إذا أمر بشيء فإنه يقتضي أن يكون حسنًا وفيه مصلحة، وإذا نهى عن شيء فإنه يقتضي أن يكون قبيحًا وفيه مفسدة. فإذا أمر بشيء ثم نهى عنه ونسخه قبل مجيء وقته وقبل التمكن منه فإنه يلزم منه اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في وقت واحد، وهو من المحال، ويصير بمعنى البداء وهو لا يجوز على الله تعالى (^١).
واعترض عليه بما يلي:
١ - بأن هذا نوع من النسخ وليس من البداء في شيء، وقد سبق ما يفرق به بين النسخ والبداء، ومن جعل هذا بداء فقد جعل النسخ كله بداء ولا فرق؛ لأن ما دخلوه في نسخ الشيء قبل أن يعمل به، راجع عليهم في نسخه بعد أن يعمل به. ثم يقال: إن ما قلتم كان يصح أن لو كان المقصود من الأمر بالفعل الإتيان بالمأمور به فقط، لكن الأمر ليس كذلك، بل المقصود بالأمر يكون أحيانًا الإتيان بالمأمور به، وأحيانًا إنما يؤمر بالفعل لحكمة تنشأ من نفس الأمر، من الابتلاء، والانقياد، والعزيمة على الفعل، واعتقاد وجوبه، وهذا يجوز نسخه
قبل التمكن منه وقبل العمل به (^٢).
_________________
(١) انظر: أصول فخر الإسلام مع شرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٢٥ - ٣٢٦؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٣؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٣١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٩.
(٢) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٢؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٤ - ٦٥؛ شرح العقيدة الأصفهانية ص ٢٠٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
٢ - أن عقد القلب على الحكم واعتقاد الحقيَّة فيه يصلح أن يكون مقصودًا منفصلًا عن الفعل، كما أن عزيمة القلب قد تصير قربة بلا فعل، وإذا كان الأمر كذلك فنسخ الحكم قبل التمكن منه لا يلزم منه اجتماع الحسن والقبح في شيء واحد في وقت واحد؛ لأنه لا يثبت حقيقة الحسن للفعل المأمور به بالتمكن من الفعل قبل وجوده؛ لأن الحسن صفة له فلا يتحقق قبل وجوده. ولا بد للنسخ من تحقق المأمور به ليكون الناسخ بيانًا لانتهاء حسنه، ثم لما جاز النسخ بلا خلاف بعد التمكن من الفعل قبل حصول حقيقته، لا بد من أن يكون صحته مبنيةً على كون الاعتقاد مقصودًا بالأمر كالفعل، ليصلح الناسخ بيانًا لانتهاء حسنه، إذ لم يصلح أن يكون بيانًا لانتهاء حسن الفعل؛ لاستحالة انتهاء الشيء قبل وجوده (^١).
ب- ولأن الأمر لا بد له من فائدة، فإذا نسخ الحكم قبل التمكن منه سقطت فائدة الأمر، فيكون من العبث، وهو محال على الله تعالى (^٢).
واعترض عليه: بأن الأمر في هذه الحالة لا يتجرد عن الفائدة، بل إن من فوائده وحكمته ابتلاء الله لعباده أيقبلونه أم لا، فيتميز به من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، والطيب من الخبيث، فالأمر بالفعل في هذه الحالة لحكمة
_________________
(١) انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي وشرحه كشف الأسرار ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٤ - ٦٥.
(٢) انظر: قواطع الأدلة ١/ ٤٣١؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٧.
[ ١ / ١٣٥ ]
تنشأ من نفس الأمر دون المأمور به (^١).
الضرب الثالث: النسخ قبل العلم بالمنسوخ واعتقاد وجوبه.
وهذا القسم لا يجوز نسخه على قول عامة أهل العلم، وذهب بعضهم إلى أن مثل هذا لا يكون نسخًا (^٢) والله أعلم.
_________________
(١) انظر: الإحكام لابن حزم ١/ ٥١٣؛ شرح العقيدة الأصفهانية ص ٢٠٤؛ مناهل العرفان ٢/ ٢٤٨.
(٢) وذهب بعض الشافعية إلى جوازه. انظر: أصول فخر الإسلام البزدوي مع كشف الأسرار ٣/ ٣٢٣؛ أصول السرخسي ٢/ ٦٣؛ قواطع الأدلة ١/ ٤٣٠؛ البحر المحيط ٥/ ٢٢٠ - ٢٢٦؛ شرح الكوكب المنير ٣/ ٥٣٠؛ إرشاد الفحول ٢/ ٥٦ - ٥٧.
[ ١ / ١٣٦ ]