ذهب بعض أهل العلم (^١)، ومنهم الإمام الشافعي (^٢) إلى أن سجود السهو كله قبل السلام، سواء كان لزيادة أو نقصان، وأنه ناسخ لأحاديث سجود السهو بعد السلام، وأنه آخر الأمرين من فعل النبي -ﷺ-.
ويتبين منه ومما يأتي من أدلة الأقوال أن سبب الاختلاف في المسألة أمران: القول بالنسخ، واختلاف الآثار الواردة فيها (^٣).
ويستدل للقول بالنسخ بما يلي:
أولًا: عن عبد الله ابن بحينة (^٤) -﵁- «أن النبي -ﷺ- صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه كبر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم سلم» (^٥).
_________________
(١) انظر: الحاوي ٢/ ٢١٥؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٧٧؛ الاعتبار ص ٢٩٧؛ رسوخ الأحبار ص ٢٩٢.
(٢) انظر: الأم ١/ ٢٤٦؛ سنن الترمذي ص ١٠٦؛ الاعتبار ص ٢٩٧؛ رسوخ الأحبار ص ٢٩٢؛ سبل السلام ١/ ٣٩٨.
(٣) انظر: بداية المجتهد ١/ ٣٧٠؛ رسوخ الأحبار ص ٢٩٢.
(٤) هو: عبد الله بن مالك بن قشب-جندب-بن نضلة، أبو محمد الأزدي، حليف بني المطلب، ويعرف بابن بحينة، وهي أمه، وقيل: إنها أم أبيه مالك، صحابي روى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابنه علي، وعاصم بن عمر، وغيرهما، وتوفي بعد الخمسين، انظر: تهذيب التهذيب ٥/ ٣٣٦؛ الإصابة ٢/ ١١١٧.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه ص ١٦٥، كتاب الأذان، باب من لم ير التشهد الأول واجبًا، ح (٨٢٩)، ومسلم في صحيحه ٢/ ٢١٨، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، ح (٥٧٠) (٨٥).
[ ٢ / ٩٢٤ ]
ثانيًا: عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثًا أم أربعًا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتمامًا لأربع كانتا ترغيمًا (^١) للشيطان» (^٢).
ثالثًا: عن عبد الرحمن بن عوف (^٣) -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إذا سها أحدكم في صلاته فلم يدر واحدة صلى أو اثنين فليبن على واحدة، فإن لم يدر ثنتين صلى أو ثلاثًا فليبن على ثنتين، فإن لم يدر ثلاثًا صلى أو أربعًا فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلم» (^٤).
_________________
(١) الترغيم الإذلال، والرغام: التراب. انظر: النهاية في غريب الحديث ١/ ٦٦٩؛ المصباح المنير ص ١٩٢.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه ٢/ ٢١٩، كتاب المساجد، باب السهو في الصلاة والسجود له، ح (٥٧١) (٨٨).
(٣) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث، القرشي الزهري، أبو محمد، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قديمًا، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما، وتوفي سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين. انظر: الإصابة ٢/ ١١٨٢.
(٤) أخرجه الترمذي في سننه ص ١٠٨، أبواب الصلاة، باب ما جاء في الرجل يصلي فيشك في الزيادة والنقصان، ح (٣٩٨)، وابن ماجة في سننه ص ٢١٥، كتاب الصلاة، باب ما جاء فيمن شك في صلاته فرجع إلى اليقين، ح (١٢٠٩)، وأحمد في المسند ٣/ ١٩٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٣، والحاكم في المستدرك ١/ ٤٧١، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٦٩. قال الترمذي: (حديث حسن غريب صحيح). وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم). وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي ص ١٠٨، وصحيح سنن ابن ماجة ص ٢١٤. وقال ابن حجر في التلخيص ٢/ ٥: (وهو معلول فإنه من رواية ابن إسحاق عن مكحول عن كريب، وقد رواه أحمد في مسنده عن ابن علية عن ابن إسحاق عن مكحول مرسلًا).
[ ٢ / ٩٢٥ ]
رابعًا: عن يوسف (^١) أن معاوية بن أبي سفيان -﵁- صلى بهم، فقام وعليه جلوس فلم يجلس، فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل أن يسلم، وقال: «هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع» (^٢).
_________________
(١) هو: يوسف بن محمد بن ثابت بن قيس بن شماس، ويقال: محمد بن يوسف بن ثابت الأنصاري، الخزرجي، روى عن أبيه، وعن جده، وروى عنه عمرو بن يحيى، ذكره ابن حبان في الثقات، ونقل المزي عن النسائي أنه ليس بالمشهور، وقال ابن حجر: مقبول. انظر: تحفة الأشراف ٨/ ٤٥١؛ تهذيب التهذيب ١١/ ٣٦٩؛ التقريب ٢/ ٣٤٥.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٧٢، والحازمي في الاعتبار ص ٢٩٧. وأخرجه النسائي في سننه-بلفظ: (ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد أن أتم الصلاة، ثم قعد على المنبر فقال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من نسي شيئًا من صلاته فليسجد مثل هاتين السجدتين» - سنن النسائي ص ٢٠٤، كتاب السهو، باب ما يفعل من نسي شيئًا من صلاته، ح (١٢٦٠)، وكذلك أخرجه الإمام أحمد في مسنده-نحو لفظ النسائي- ٢٨/ ١١٩، وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن النسائي ص ٢٠٤. وذكر أبو داود عن معاوية -﵁- ما يفيد أنه سجد بعد السلام. انظر سنن أبي داود ص ١٦٤، كتاب الصلاة، باب من نسي أن يتشهد وهو جالس.
[ ٢ / ٩٢٦ ]
ويستدل منها على النسخ: بأن هذه الأدلة تدل على أن سجود السهو كله قبل السلام؛ حيث إن حديث عبد الله ابن بحينة، وحديث معاوية -﵄- يدلان على السجود قبل السلام في النقصان، وحديث أبي سعيد الخدري -﵁- وعبد الرحمن بن عوف﵄يدلان على السجود قبل السلام في الزيادة، ثم إن معاوية -﵁- قد صحب النبي -ﷺ- بعد فتح مكة، وهو يحدث أن النبي -ﷺ- سجد قبل السلام، فيدل ذلك على أن السجود قبل السلام هو آخر الأمرين، وأنه الناسخ لما يدل على السجود بعد السلام، ويؤكد ذلك ما روي عن الزهري أنه قال: (سجد رسول الله -ﷺ- سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين بعد السلام) (^١)، فثبت بذلك أن سجود السهو كله قبل السلام، سواء كان للزيادة أم للنقصان، وأنه آخر الأمرين (^٢).
واعترض عليه: بأن حديث معاوية -﵁- لا يصح الاستدلال منه على النسخ؛ لأن في سنده كلام، ثم روى عنه السجود بعد السلام (^٣)، وعلى تقدير صحته وسجوده قبل السلام فإن قوله: (هكذا رأيت رسول الله -ﷺ- صنع)
_________________
(١) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٨٠، والحازمي في الاعتبار ص ٣٠٠. قال البيهقي: (إلا أن قول الزهري منقطع لم يسنده إلى أحد من الصحابة، ومطرف بن مازن غير قوي).
(٢) انظر: الأم ١/ ٢٤٦؛ الحاوي ٢/ ٢١٥؛ السنن الكبرى ٢/ ٤٧٧؛ الاعتبار ص ٢٩٩، ٣٠٠؛ سبل السلام ١/ ٣٩٨.
(٣) راجع تخريج الحديث، وانظر: الجوهر النقي ٢/ ٤٧٣.
[ ٢ / ٩٢٧ ]
يحتمل أن يكون المراد به أن من ترك الجلوس الأول في الصلاة وقام فإنه يستمر في القيام ولا يعود إلى الجلوس، ويسجد سجدتين للسهو، وهذا مروي عن النبي -ﷺ- في حديث المغيرة بن شعبة (^١)، فيكون حديث معاوية -﵁- في معنى ذلك، ولا يكون المراد به خصوص السجدتين قبل السلام (^٢).
ثم هذا الاستدلال على النسخ مبني على تأخر إسلام الراوي، وقد ذكر أهل العلم أن التاريخ لا يعلم بتقدم أو تأخر إسلام الراوي، وأنه ليس دليلًا على النسخ (^٣).
أما حديث الزهري ففيه دلالة على النسخ، لكن فيه ضعف وانقطاع، فلا يقع معارضًا للأحاديث الصحيحة الثابتة ولا ينسخها (^٤).
هذا كان قول من قال بالنسخ ودليله.
وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى جواز سجود السهو قبل السلام وبعده (^٥)، ولكنهم اختلفوا في الأفضل منهما على خمسة أقوال مشهورة:
القول الأول: أن سجود السهو محله بعد السلام، سواء كان للزيادة
_________________
(١) سيأتي تخريجه في ص ٦١٧.
(٢) يدل على هذا رواية هذا الحديث من طريق النسائي، فإن فيه أن معاوية -﵁- قام وكان عليه أن يجلس فسبح الناس به فلم يجلس بل ثبت قائمًا، ولما أتم الصلاة سجد سجدتين للسهو.
(٣) انظر: نيل الأوطار ١/ ١٩٨؛ الشرح الممتع ١/ ٢٣٤.
(٤) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٨١؛ الاعتبار ص ٣٠٠؛ سبل السلام ١/ ٣٩٨.
(٥) انظر: الاستذكار ١/ ٥٦٠؛ الحاوي ٢/ ٢١٤؛ نيل الأوطار ٣/ ١١٢.
[ ٢ / ٩٢٨ ]
أو للنقصان.
وهو مذهب الحنفية (^١)، وروي نحو ذلك عن علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وابن مسعود، وعمار بن ياسر، وعمران بن حصين، والمغيرة بن شعبة، وعبد الله بن عباس، وابن الزبير، -﵃- والحسن، وإبراهيم النخعي، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح (^٢).
القول الثاني: أن السجود إن كان لنقصان كان قبل السلام، وإن كان لزيادة كان بعد السلام.
وهو مذهب المالكية (^٣)، وقول للإمام الشافعي (^٤)، وقول للإمام أحمد (^٥)، وقول أبي ثور (^٦).
القول الثالث: أن محل سجود السهو كله قبل السلام، سواء كان لزيادة أو نقصان.
وهو مذهب الشافعية (^٧)، ورواية عن الإمام أحمد (^٨)، وروي نحو ذلك
_________________
(١) انظر: الأصل ١/ ٢٢٥؛ شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٣؛ البدائع ١/ ٤١٥؛ الهداية وشرحه فتح القدير ١/ ٤٩٨.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٢٩٧؛ البناية ٢/ ٧٢٣؛ نيل الأوطار ٣/ ١١٠.
(٣) انظر: التمهيد ٣/ ٢٧٩؛ الاستذكار ١/ ٥٥٨؛ بداية المجتهد ١/ ٣٦٩؛ جامع الأمهات ص ١٠١؛ مختصر خليل وشرحه التاج والإكليل ٢/ ٢٨٥ - ٢٩١.
(٤) انظر: الحاوي ٢/ ٢١٤؛ العزيز ٢/ ٩٨؛ المجموع ٤/ ٥١.
(٥) انظر: المغني ٢/ ٤١٦؛ الشرح الكبير ٤/ ٨١.
(٦) انظر: التمهيد ٣/ ٢٨٠؛ الاعتبار ص ٣٠١.
(٧) انظر: الأم ١/ ٢٤٦؛ مختصر المزني ص ٢٩؛ الحاوي ٢/ ٢١٤؛ العزيز ٢/ ٩٧، ٩٨؛ المجموع ٤/ ٥١.
(٨) انظر: المغني ٢/ ٤١٦؛ الشرح الكبير ٤/ ٨١.
[ ٢ / ٩٢٩ ]
عن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، ومعاوية -﵃- وسعيد بن المسيب، ومكحول، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، والأوزاعي، والليث بن سعد (^١).
القول الرابع: أن السجود كله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام الصلاة، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه، فيسجد بعد السلام.
وهو مذهب الحنابلة (^٢).
القول الخامس: أن سجود السهو كله بعد السلام، إلا في موضعين فإن الساهي مخير فيهما بين أن يسجدهما قبل السلام أو بعده، أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس. وثانيهما: إذا لم يدر المصلي أصلى ركعة أو ركعتين، أو صلى ثلاثًا أو أربعًا.
وهو قول الظاهرية، ومنهم ابن حزم (^٣).
الأدلة
ويستدل للقول الأول- وهو أن سجود السهو كله بعد السلام- بأدلة منها ما يلي:
أولًا: حديث أبي هريرة -﵁- في قصة ذي اليدين وفيه: فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقالوا: نعم، فتقدم فصلى ما ترك، ثم سلم ثم كبر وسجد
_________________
(١) انظر: الحاوي ٢/ ٢١٤؛ الاعتبار ص ٣٠٠؛ المجموع ٤/ ٥٢؛ نيل الأوطار ٣/ ١١١.
(٢) انظر: المغني ٢/ ٤١٥؛ الشرح الكبير ٤/ ٨١؛ الممتع ١/ ٥٠٣؛ شرح الزركشي ١/ ٣٥٧ - ٣٦٠؛ الإنصاف ٤/ ٨١.
(٣) انظر: المحلى ٣/ ٨٤؛ نيل الأوطار ٣/ ١١٢.
[ ٢ / ٩٣٠ ]
مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه وكبر) (^١).
ثانيًا: عن عبد الله -﵁- قال: صلى النبي -ﷺ- قال إبراهيم: لا أدري زاد أو نقص- فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت كذا وكذا، فثنى رجله واستقبل القبلة وسجد سجدتين ثم سلم، فلما أقبل علينا بوجهه قال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء لنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني، وإذا شك أحدكم في صلاته فليتحر الصواب، فليتم عليه، ثم يسلم ثم يسجد سجدتين» (^٢).
ثالثًا: عن عمران بن حصين -﵁- (أن رسول الله -ﷺ- صلى العصر فسلم في ثلاث ركعات، ثم دخل منزله، فقام إليه رجل يقال له الخرباق، وكان في يديه طول، فقال: يا رسول الله فذكر له صنيعه وخرج غضبان يجر رداءه حتى انتهى إلى الناس، فقال: «أصدق هذا؟» قالوا: نعم، فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ثم سلم) (^٣).
رابعًا: عن زياد بن علاقة (^٤) قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في
_________________
(١) سبق تخريجه في ص ٦٠٥.
(٢) سبق تخريجه في ص ٦٠٨.
(٣) سبق تخريجه في ص ٦٠٦.
(٤) هو: زياد بن علاقة بن مالك الثعلبي، أبو مالك الكوفي، ثقة، روى عن جرير بن عبد الله، والمغيرة بن شعبة، وغيرهما، وروى عنه الأعمش، والثوري، وغيرهما، وتوفي سنة خمس وثلاثين ومائة. انظر: تهذيب التهذيب ٣/ ٣٣٢؛ التقريب ١/ ٣٢٢.
[ ٢ / ٩٣١ ]
الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله، ومضى فلما أتم صلاته وسلم، سجد سجدتي السهو، فلما انصرف قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- يصنع كما صنعت» (^١).
خامسًا: عن عبد الله بن جعفر (^٢) -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «من شك في صلاته
فليسجد سجدتين بعد ما يسلم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٦٣، كتاب الصلاة، باب من نسي أن يتشهد وهو جالس، ح (١٠٣٧)، والترمذي في سننه ص ١٠٠، كتاب الصلاة، باب ما جاء في الإمام ينهض في الركعتين ناسيًا، ح (٣٦٥)، وأحمد في المسند ٣٠/ ١٠٠، والدارمي في سننه ١/ ٤٢٢، والطحاوي في شرح معاني الآثار ١/ ٤٣٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٧٧. قال الترمذي: (حديث حسن صحيح). وكذلك صححه ابن حزم في المحلى ٣/ ٨٧. وقال الشيح الألباني في الإرواء ٢/ ١٠٩: (وهذا إسناد رجاله ثقات) ثم ذكر عدة طرق لتخريجه والكلام عليها ثم قال في ٢/ ١١١: (وجملة القول: إن الحديث بهذه الطرق والمتابعات صحيح، لا سيمًا وبعض طرقه على انفراده صحيح عند الطحاوي).
(٢) هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب، الهاشمي، أبو محمد، ولد بأرض الحبشة لما هاجر أبواه إليها، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه الشعبي، وعروة، وغيرهما، وتوفي سنة ثمانين، وقيل غير ذلك. انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/ ٣٠٢؛ الإصابة ١/ ١٠٢٢.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٦٣، كتاب الصلاة، باب من قال: بعد التسليم، ح (١٠٣٣)، والنسائي في سننه ص ٢٠٣، كتاب السهو، باب التحري، ح (١٢٥١)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٧٦، وقال: (هذا الإسناد لا بأس به إلا أن حديث أبي سعيد الخدري أصح إسنادًا منه). وقال ابن التركماني في الجوهر النقي ٢/ ٤٧٦: (اضطرب سنده). وضعفه الشيخ الألباني في ضعيف سنن أبي داود ص ١٦٣. وصححه في صحيح سنن النسائي- بالرقم المذكور-ص ٢٠٣.
[ ٢ / ٩٣٢ ]
سادسًا: عن ثوبان (^١) -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما يسلم» (^٢).
ووجه الاستدلال منها هو: أن هذه الأدلة تدل على أن سجود السهو بعد السلام، وكان السجود في بعضها لزيادة كحديث أبي هريرة وعبد الله بن مسعود -﵄- كما كان السجود في بعضها الآخر للنقصان كحديث المغيرة بن شعبة -﵁-، وحديث ثوبان -﵁- يدل على أن لكل سهو
_________________
(١) هو: ثوبان بن بُجدد، ويقال: ابن جحدر، أبو عبد الله، الهاشمي، مولى رسول الله -ﷺ-، يقال: إن أصله من اليمن، أصابه سباء، فاشتراه النبي -ﷺ- فأعتقه، وروى عن النبي -ﷺ-، وروى عنه أبو أسماء الرحبي، وراشد بن سعد، وغيرهما، وتوفي سنة أربع وخمسين. انظر: الإصابة ١/ ٢٣١؛ تهذيب التهذيب ٢/ ٢٩.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه ص ١٦٤، كتاب الصلاة، باب من نسي أن يتشهد وهو جالس، ح (١٠٣٨)، وابن ماجة في سننه ص ٢١٦، كتاب الصلاة، باب ما جاء من فيمن سجدهما بعد السلام، ح (١٢١٩)، والبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٦٧، وقال: (وهذا إسناد فيه ضعف). وقال النووي في المجموع ٤/ ٥٢: (وهذا حديث ضعيف ظاهر الضعف). وقال الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود ص ١٦٤: (حسن) وقال في الإرواء ٢/ ٤٨ - بعد الكلام عليه-: (وبالجملة فهذا الحديث ضعيف من أجل زهير هذا، ولكن له شواهد يتقوى بها).
[ ٢ / ٩٣٣ ]
سجدتان بعد ما يسلم، سواء كان لزيادة أو نقصان، فثب بذلك أن سجود السهو كله بعد السلام (^١).
واعترض عليه: بأن هذه الأحاديث تدل على أن سجود السهو بعد السلام، لكن هناك أحاديث صحيحة كذلك تدل على أن سجود السهو قبل السلام، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ، وليس القول ببعضها أولى من القول بالبعض الآخر.
دليل القول الثاني
ويستدل للقول الثاني- وهو أن السجود إن كان لنقصان كان قبل السلام، وإن كان لزيادة كان بعد السلام- بأدلة منها: حديث عبد الله ابن بحينة، ومعاوية بن أبي سفيان، وعبد الله بن مسعود، وأبي هريرة، وعمران بن حصين -﵃-، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول بالنسخ، وبعضها في دليل القول الأول.
ووجه الاستدلال منها هو: أن حديث عبد الله ابن بحينة، ومعاوية بن أبي سفيان﵄- كان فيهما السجود لنقص فكان قبل السلام، وحديث أبي هريرة، وعبد الله بن مسعود، وعمران بن حصين -﵃- كان فيها السجود لزيادة فكان بعد السلام، فثبت منه أن السجود إذا كان لزيادة فيكون بعد السلام، وإذا كان لنقصان فيكون قبل السلام، وبذلك
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٠؛ الهداية مع شرحه فتح القدير ١/ ٤٩٨.
[ ٢ / ٩٣٤ ]
يجمع بين هذه الأخبار كلها (^١).
واعترض عليه: بأنه قد جاء عكس هذا القول في بعض الأحاديث؛ حيث إن حديث أبي سعيد الخدري -﵁- فيه السجود قبل السلام، والسجود فيه للزيادة، وحديث المغيرة بن شعبة -﵁- فيه السجود بعد السلام، والسجود فيه للنقصان (^٢).
دليل القول الثالث
ويستدل للقول الثالث- وهو أن سجود السهو كله قبل السلام- بالأحاديث السابقة في دليل القول بالنسخ.
ووجه الاستدلال منها هو: أن تلك الأحاديث ذكر فيها السجود قبل السلام، وهي بعضها كان فيها السجود لنقصان كحديث عبد الله ابن بحينة، ومعاوية -﵄-، وبعضها كان فيها السجود لزيادة كحديث أبي سعيد الخدري -﵁- وعبد الرحمن بن عوف
-﵄-، فثب بذلك أن سجود السهو كله قبل السلام (^٣).
واعترض عليه: بأن تلك الأحاديث تدل على أن سجود السهو قبل السلام، لكن هناك
أحاديث صحيحة كذلك تدل على أن سجود السهو بعد
_________________
(١) انظر: التمهيد ٣/ ٢٧٩؛ الاستذكار ١/ ٥٥٨؛ بداية المجتهد ١/ ٣٧١.
(٢) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٠؛ الاعتبار ص ٢٩٩.
(٣) انظر: الأم ١/ ٢٤٦؛ الحاوي ٢/ ٢١٥؛ السنن الكبرى للبيهقي ٢/ ٤٧٧؛ الاعتبار ص ٢٩٩.
[ ٢ / ٩٣٥ ]
السلام، وقد سبق ذكر بعضها في دليل القول الأول، وليس القول ببعضها أولى من القول بالبعض الآخر.
دليل القول الرابع
ويستدل للقول الرابع- وهو أن محل سجود السهو كله قبل السلام، إلا في السلام قبل إتمام الصلاة، وفيما إذا بنى الإمام على غالب ظنه، فيسجد بعد السلام- بأدلة منها: حديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله ابن بحينة، وأبي سعيد الخدري -﵃-، وقد سبق ذكرها.
ووجه الاستدلال منها: أن حديث أبي هريرة وعمران بن حصين -﵄- فيهما السجود بعد السلام؛ لأن فيهما السلام قبل إتمام الصلاة، وحديث عبد الله بن مسعود -﵁- فيه السجود كذلك بعد السلام؛ لأنه في البناء على غالب الظن، أما غير هذين الموضعين فيكون السجود فيه قبل السلام؛ لدلالة بقية الأحاديث (^١).
واعترض عليه: بأنه وجد سجود السهو بعد السلام في غير الموضعين السابقين؛ حيث إن حديث المغيرة بن شعبة -﵁- يدل على سجود السهو بعد
_________________
(١) انظر: المغني ٢/ ٤١٦؛ الشرح الكبير ٤/ ٨٢؛ الممتع ١/ ٥٠٤؛ مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢٤.
[ ٢ / ٩٣٦ ]
السلام لترك الجلوس والتشهد الأول، وهو غير الموضعين السابقين (^١).
دليل القول الخامس
ويستدل للقول الخامس- وهو أن سجود السهو كله بعد السلام، إلا في موضعين فإن الساهي مخير فيهما بين أن يسجدهما قبل السلام أو بعده، أحدهما: من سها فقام من ركعتين، ولم يجلس. وثانيهما: إذا لم يدر المصلي أصلى ركعة أو ركعتين، أو صلى ثلاثًا أو أربعًا- بالأحاديث السابقة في دليل القول بالنسخ، ودليل القول الأول.
ووجه الاستدلال منها: أن حديثا عبد الله ابن بحينة والمغيرة بن شعبة -﵄فيهما القيام من الركعتين وترك الجلوس والتشهد، ثم في حديث عبد الله ابن بحينة -﵁- السجود قبل السلام، وفي حديث المغيرة -﵁- السجود بعد السلام، لذلك يكون الساهي مخيرًا بين أن
يسجدهما قبل السلام أو بعده.
كما أن حديث عبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري -﵄- فيما إذا شك الشخص في صلاته كم صلى؟ ثم في حديث عبد الله -﵁- السجود بعد السلام، وفي حديث أبي سعيد -﵁- السجود قبل السلام، لذلك يكون الساهي كذلك مخيرًا بين ذلك.
ويكون السجود في غير هذين الموضعين بعد السلام؛ لبقية
_________________
(١) انظر: شرح معاني الآثار ١/ ٤٤٠.
[ ٢ / ٩٣٧ ]
الأحاديث؛ حيث فيها السجود بعد السلام (^١).
الراجح
بعد عرض أقوال أهل العلم في المسألة وما استدلوا به يظهر لي-والله أعلم بالصواب-ما يلي:
أولًا: إن ادعاء نسخ الأحاديث الدالة على السجود بعد السلام ضعيف؛ يدل على ضعفه ما سبق في الاعتراض عليه في وجه الاستدلال على النسخ.
ولأن ذلك مبني على أن سجود السهو بعد السلام مذكور في حديث ذي اليدين وهو قتل ببدر، ومذكور في حديث ابن مسعود -﵁- وهو متقدم الإسلام، وأن السجود قبل السلام من رواية أبي سعيد الخدري -﵁- وهو من أحداث الأنصار وأصاغرهم، ومن رواية معاوية -﵁- وهو إنما صحب النبي -ﷺ- بعد فتح مكة، وكل هذا ضعيف؛ لأن الأصح أن ذا اليدين لم يقتل ببدر، وإنما روى قصته أبو هريرة -﵁- وهو أسلم عام خيبر، سنة سبع، كما أن السجود في حديث معاوية -﵁- في غير الصورة المذكورة في حديث ذي اليدين وابن مسعود﵄فلا منافاة بينهما، ولا يصح أن يكون السجود في صورة قبل السلام نسخًا للسجود بعده في صورة أخرى، كما أن النسخ إنما يكون بما يناقض المنسوخ، والنبي -ﷺ- سجد بعد السلام، ولم ينقل عنه أحد أنه نهى عن ذلك، فكل
_________________
(١) انظر: المحلى ٣/ ٨٦ - ٨٩.
[ ٢ / ٩٣٨ ]
هذا مما يضعف القول بالنسخ ويدل على عدم صحته (^١).
ثانيًا: أنه يجوز سجود السهو قبل السلام وبعده؛ لوجود أحاديث صحيحة دالة على ذلك (^٢).
ثالثًا: أن الأولى أن يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله -ﷺ- كما سجد هو، وفي غيرها إن كان لزيادة فبعد السلام، وإن كان لنقص فقبل السلام، وهذا فيه جمع بين الأقوال والأدلة.
والله أعلم.
_________________
(١) انظر: مجموع الفتاوى ٢٣/ ٢١.
(٢) انظر: الاعتبار ص ٣٠٠.
[ ٢ / ٩٣٩ ]